بين تفكيكه وإعادة تركيبه بعد 11 سنة.. رحلة منبر الجامع الأموي في حلب/ يوسف موسى

نُهب ودُمّر كثير من الآثار السورية في الحرب، لكن منبر الجامع الأموي في حلب نجا بفضل عملية حماية طويلة وسرّية ليعود إلى مكانه بعد إحدى عشرة سنة.
2025-03-24
بعد سنواتٍ من إغلاقه، أُعيدَ افتتاح الجامع الأموي في حلب للمصلّين في 12 مارس 2025 عقب انتهاء المرحلة الأولى من عملية ترميمه وإعادة تأهيله. سبق هذا الحدثَ بأسابيع مراسمُ بسيطةٌ احتفت بإعادة منبر الجامع الأموي إلى مدينته بعد غياب إحدى عشرة سنةً، تنقّل فيها بين مواقع مختلفةٍ بسرّيةٍ تامّةٍ وحُفظ في أماكن متعدّدةٍ، حتى أُعيدَ تركيبُه بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.
وراء هذا المشهد “الإحيائي” قصّةٌ وسياقٌ طويلان. ففي سنة 2013 بدأت حلب القديمة تعيش أيامَها الأصعبَ بعد عامين من بدء الثورة السورية. إذ تحوّلت المدينة إلى منطقة معارك عسكريةٍ، وكثّف نظام الأسد قصفه المدفعي والجوّي عليها. وفي ثلث السنة الأخير، بدأت حملة براميل متفجرةٍ –وهي براميل تُملَأ بالمتفجّرات وتُلقَى عشوائياً من المروحيات– على حلب الشرقية التي كان يسيطر عليها الجيش الحرّ المناوئ لنظام الأسد. اعتاد الناس، أو من بقيَ منهم، أصوات هدير الطائرات والانفجارات، وصار الركام المنتشر بين شوارع المدينة وأزقّتها جزءاً من المشهد اليومي. وتحوّلت الشوارع التي كانت تزدحم بالسيارات والأسواق الصاخبة بأصوات الباعة وضجيج المشترين إلى أماكن خاويةٍ إلّا ممّن آثَر البقاء مكرهاً، إذْ لا خيار لديه إلّا المراهنة على أن يخطئه الموت كلّ مرّة.
وسط هذا المشهد الكئيب، انبرى شبابٌ من خريجي كلّية العمارة وقسم الآثار في جامعة حلب مخالفين القولَ الرائج بأنّ “البَشَر أَولَى من الحَجَر”. إذ رأوا أهمّية الحجارة التاريخية في إحدى أقدم مدن العالم المأهولة، وإن كانت لا تساوي البَشَر بالضرورة، وتستحق أن تُوقَى من شرّ آلة دمارٍ عشوائيةٍ تحصد التاريخ ولا تفرّق بين بشرٍ وحجر. فأطلقوا “الجمعية السورية لحفظ الآثار والتراث”. وفي سنوات الحرب في حلب، أدّت الجمعية دوراً مهمّاً في توثيق المعالم التاريخية وحفظ الآثار والتراث المادّي في المدينة القديمة. وكان أهمّ أعمالها تفكيك منبر الجامع الأموي ونقله. كانت رحلة المنبر أطول عمليات الجمعية زمناً وأخطرها وأكثرها سرّية. امتزج فيها العمل الأثري والأمني طوال إحدى عشرة سنةً، كان المنبر فيها مساحة جدلٍ وتجاذباتٍ سياسيةٍ واتهاماتٍ بتدميره وبيعه. ولكن الجمعية آثرت الصمت حتى إعادته إلى مكانه.
أسّس المهندس أحمد المصري الجمعية السورية لحفظ الآثار والتراث. وكانت الفكرة في البدء أن ينفّذ المصري جولاتٍ فرديةً في الأحياء القديمة ويحاول توثيق ما تضرّر من الأبنية والمعالم الأثرية. إلّا أنه اتّبع نصيحة تأسيس جمعيةٍ مع مختصّين آخَرين بهدف جذب المهتمين من متطوعين، وكذلك التواصل مع الجهات المحلية والمنظمات الأممية بصفتهم كياناً رسمياً. ولذلك شرع بالتواصل مع أصدقائه من خرّيجي العمارة والناشطين في الثورة السورية، وكانت الخطّة توثيق الأضرار في الأبنية الأثرية. قال المصري للفِراتْس: “كنّا كفريقٍ تطوعيٍ، مع أننا معماريون، ولكن لا نملك المعدّات اللازمة ولا المعرفة بآليّات التوثيق المعتمدة في المباني التاريخية. هذه خبرةٌ حصلنا عليها لاحقاً بالممارسة”.
كان أحمد المصري يرى أن ما يحدث ليس دماراً عشوائياً، بل هو استهدافٌ ممنهجٌ لمعالم المدينة التاريخية، أو إذا أحسن الظنّ فهو عدم درايةٍ وتقديرٍ للقيمة المعنوية والمادّية لهذه المدينة. هناك تحوّلت بعض الأبنية إلى خطوط نارٍ بين المتحاربين، وقضم القصف اليومي حجارتها العتيقة، فكادت أن تمّحي آثارها. وقد قال المصري في وقتها: “يجب أن نوثّق قبل أن يُمحى كلّ شيء”.
وُلدت الجمعية السورية لحفظ الآثار والتراث من رحم هذه الفوضى، ورُخّصَت في مجلس محافظة “حلب الحرّة” التابع للثوّار. لم يكن في المجلس شعبة آثارٍ حينها. وعليه انتدبت الجمعية لاحقاً خريجَ قسم الآثار ياسر دلّال ليكون مسؤولاً عن مكتب الآثار الذي أُلحق بمكتب التعليم في مجلس المحافظة، وأصبح اسمُه مكتب التعليم والثقافة والآثار في محافظة حلب الحرّة. كانت العقبات كثيرةً ولم يكن ثمّة تمويلٌ ولا معدّاتٌ متطوّرةٌ، وإنما مجموعة متطوعين يعملون بما يتوفر لديهم من كاميراتٍ بسيطةٍ ودفاتر تسجيلٍ وإرادة تغلّبٍ على هذه العقبات. وعلى بدائيتها كانت آليّة التوثيق فعّالة. فقد التُقطت صورٌ وأُعدّت قوائم بالمباني الأثرية المتضرّرة، ووضعت إشاراتٌ توضح حجم الدمار الذي أصابها. بالمحصلة، وثّقت الجمعية السورية لحفظ الآثار والتراث أكثر من مئةٍ وعشرين موقعاً أثرياً، منها مسجد العادلية جنوب غرب قلعة حلب، وقصر جنبلاط المشيد في القرن السادس عشر، ومدرسة سيف الدولة الحمداني التي شيّدت في العهد العثماني. أما أبرز تلك المواقع، فكان الجامع الأموي وبيت بوخه ومدرسة الشيباني والمدرسة الحلوية. ينقل لنا المصري أجواء تلك المرحلة قائلاً: “كنا نعود إلى بعض المباني مرّةً بعد مرّة. نراقب تغيّر معالمها. كيف تتحوّل الشقوق الصغيرة إلى فجواتٍ، ثمّ إلى انهياراتٍ كاملة. أحياناً كنّا نلتقط صورةً لمبنىً لم يمسّه سوءٌ، وعندما نعود بعد أسابيع نجده قد اختفى تماماً”.
جمعية حفظ الآثار والتراث
لم يكن التوثيق محض جولاتٍ بين أزقّة المدينة القديمة التي كانت ساحرةً قبل أن تتحول إلى ساحة معارك، بل مغامرةً خطيرةً وهروباً مستمراً من القذائف ورصاص القناصة وأصوات الطائرات. ولكن كان التحدّي الأصعبُ التعاملَ مع الفصائل العسكرية هناك، مع أن الجمعية حصلت على ورقةٍ موقعةٍ من قيادة لواء التوحيد، الذي كان أكبر الفصائل الثورية في مدينة حلب وريفها، ويسيطر على قطاع حلب القديمة. إلّا أن بعض القادة الميدانيين رفضوا في أكثر من مناسبةٍ السماح للفريق بالعمل. كانت الحجج جاهزةً دائماً: “المنطقة تتعرض للقصف”، أو “هناك عملياتٌ عسكريةٌ جارية”. وفي كثيرٍ من الأحيان لم يكن ذلك صحيحاً، ولكن لا سبيل إلى معارضته.
في إحدى جولات الجمعية السورية لحفظ الآثار والتراث الميدانية في يوليو 2013، استوقف فريقَ الجمعية مقاتلٌ من لواء التوحيد وقال: “يجب أن تروا هذا البيت [. . .] فيه قطعٌ أثريةٌ ومطبوعاتٌ نادرة”. كان يشير إلى بيت بوخه في خان النحاسين، أحد أشهر البيوت التاريخية في المدينة. وقد بُني بيت بوخه على سطح خان النحاسين سنة 1539، واكتسب أهميته التاريخية والأثرية من كونه مقرّاً لقنصلية البندقية بين سنتَيْ 1548 و1675. سَكَنَه التاجر النمساوي جوزيف بوخه سنة 1820، ودامت ملكيّته لأحفاده حتى اليوم. وعلى مرّ السنوات، استُخدم المنزل مقرّاً لقنصليات دولٍ أوروبيةٍ، منها النمسا وبلجيكا وهولندا. وقد كان للبيت اسمٌ آخَر عُرف به هو “بيت القنصل البلجيكي”، إذ كان آخِرُ سكانه الطبيبَ أدولف بوخه القنصل الفخري لبلجيكا. ومع تحوّل المنطقة إلى ساحة معارك منذ صيف 2012، غادرت العائلة المالكة المنزل.
تواصل الفريق مع أصحاب المنزل، وشرحوا لهم صفتهم ومهمّتهم، وطلبوا الإذن لنقل ما يمكن إنقاذه إلى مكانٍ أكثر أمناً. بعد موافقة أصحاب البيت، دخل الفريق المكان وكان مظلماً ويملؤه الغبار. وتوزعت في أرجائه تحفٌ أثريةٌ ولوحاتٌ تاريخيةٌ وقطعٌ نادرةٌ، منها في غرفةٍ سرّيةٍ يوصِل إليها ممرٌّ مُلْتَوٍ، وفيه رفوفٌ معدنيةٌ عليها آلاف المطبوعات القديمة والمخطوطات التاريخية. بدأ الفريق على مدى أيامٍ بجمع القطع الصغيرة التي يسهل حملها ويعتقدون أنها ثمينةٌ تاريخياً، ونقلوها إلى مقرّ مجلس محافظة حلب الحرّة.
يقول المصري للفِراتْس: “كنّا في كلّ زيارةٍ لنقل المحفوظات نلاحظ اختفاء إحدى القطع”، فقد راجت حينئذٍ عصابات السرقة والاتجار بالآثار. حينها أدرك العاملون في الجمعية السورية لحفظ الآثار والتراث أنّ نقل كلّ شيءٍ مستحيل. فتواصلوا مع أصحاب المنزل الذين لجؤوا إلى حلٍّ آخَر، وهو إغلاق الأبواب والنوافذ بجدرانٍ إسمنتيةٍ لحماية ما بقي في الداخل، على أمل ألّا تطال المكانَ صواريخُ الطائرات أو البراميل المتفجرة”.
كانت مدرسة الشيباني إحدى وجهات فريق الجمعية. وقد تأسست المدرسة في حي الجلوم وسط حلب القديمة سنة 1864، على يد راهبات مار يوسف الظهور اللواتي كنّ يتبعن المدرسة الفرنسيسية. وبُنيت كنيسةٌ بجانبها هُدمت سنة 1937 وانتقل مقرّ المدرسة إلى حيّ الفرقان. تحولت المدرسة بعدها إلى مستودعٍ لمؤسسة التبغ، وأعيد تأهيلها سنة 1994 لتتحول إلى مركزٍ ثقافي. وبعد سيطرة الفصائل الثورية على حلب، تحولت المدرسة إلى مقرٍّ عسكريٍّ للِواء التوحيد.
كانت مخططات مشروع إعادة تأهيل حلب القديمة، الذي كانت تشرف عليه مؤسسة الآغا خان والوكالة الألمانية للتعاون الدولي، محفوظةً في مدرسة الشيباني. وحين وصل الفريق وجد المخططات في حالةٍ يرثى لها. حاول التحرك فوراً، فحصلت الجمعية السورية لحفظ الآثار والتراث على إذنٍ موقّعٍ من قائد لواء التوحيد عبد القادر الصالح، ولكن وجد الفريق المخططات متناثرةً ومتضررةً بنسبٍ متفاوتةٍ أو حتّى تالفة. نقل ما استطاع إلى مقرّ مجلس المحافظة، حيث حُفظت في ظروفٍ أكثر أمناً.
كانت المدرسة الحلوية أيضاً إحدى وجهات الجمعية المهمّة. بُنيت المدرسة في القرن الخامس الميلادي في العصر البيزنطي، وحملت اسم كاتدرائية حلب العظمى، ثم تحولت إلى مسجد السرّاجين في زمن حصار الصليبيين على حلب تحت حكم ابن الخشاب سنة 1124، وبعدها إلى المدرسة الحلوية سنة 1148 بأمر السلطان نور الدين زنكي. وفي المدرسة المحرابُ الخشبي الوحيد الباقي من العصر الأيوبي في حلب، وفيه تندمج الزخارف مع الخط العربي. وقد كان هناك محرابٌ آخَر في جامع نور الدين الزنكي، لكنه اختفى في عهد الانتداب الفرنسي.
وبسبب تفاصيل المحراب الخشبي الدقيقة التي يصعب إعادة تركيبها، تعذّر فكُّه وإعادةُ نقلِه. فبدأت الجمعيةُ السورية لحفظ الآثار والتراث فكرةَ حماية المواقع الأثرية ببناء جدران مزدوجةٍ أمامها لحمايتها من القصف قدر الإمكان. وبالفعل شُيّد جدارٌ مزدوجٌ يغطّي كامل الواجهة التي تحوي المحراب، مع ترك مسافة أمانٍ بين المحراب والجدار المبنيّ. تعرّضت المدرسة للقصف بعد ذلك، وحَمَى الجدارُ المحرابَ، في حين تضرّرت قباب المدرسة وبقيّة جدرانها.
منبر الجامع الأموي في حلب
كان أنس رضوان مسؤول قسم الحماية في الجمعية السورية لحفظ الآثار والتراث، وهو من طلاب الهندسة المعمارية في جامعة حلب التي أطلقنا عليها اسمَ “جامعة الثورة”، وكان ناشطاً في الحراك السلميّ ثمّ حمل السلاح مع إحدى الفصائل الثورية. أشرف أنس بالتعاون مع مجلس محافظة حلب الحرّة على بناء جدران الحماية أمام محراب المدرسة الحلوية ومحراب مقام النبيّ زكريا والساعة الشمسية في صحن الجامع الأموي. نهاية ديسمبر 2013، بعد زيارة جامع العثمانية في حيّ الفرافرة لأجل التوثيق، قَتَلَته قذيفةٌ مدفعيةٌ، وفقدت الجمعيةُ أحدَ أنشط أعضائها.
في أكتوبر 2012، بدأ لواء التوحيد أوّل معركةٍ هدفها السيطرة على الجامع الأموي. نجح اللواء في السيطرة على الجامع، قبل الانسحاب منه بسبب المعارك والقصف. ثمّ أعاد الكرّة في نهاية فبراير 2013. زرتُ المنطقة قبيل انطلاق المعركة، إذْ كنتُ أتردّد خلال الجولات في حلب القديمة على مقرّ كتيبةٍ للّواء مقرُّها قرب الدرج الصاعد إلى حيّ خراق الجلوم التراثي. ترأّس الكتيبةَ آنذاك رجلٌ خمسينيٌّ معروفٌ بِاسم “الشيخ أبو عدنان”، وقد رافقتُه مرّةً إلى خطوط التماسّ الأولى. وعبرنا في الجولة خان النحاسين المسقوف، وقد ثَقَبَت سقفَه شظايا الصواريخ والبراميل المتفجرة، فتتخلّل عتمةَ السوق خيوطٌ من الضوء يجليها الغبار المنتشر من الركام. كشف لي أبو عدنان هناك عن خندقٍ طويلٍ قرب الجامع سيبدأ الاقتحام منه. استمرّ الهجوم يومين سيطرت فيه الفصائل الثورية على الجامع الأموي وقُتل أبو عدنان.
في الأيام التي تلت بدء المعركة، تضرّر الجامع الأموي بسبب القصف والاشتباكات، فقد اخترقت قذيفةُ دبابةٍ جدارَ مصلّى النساء، وتسلّل بعدها جنودُ النظام إلى المصلّى. دارت اشتباكاتٌ انتهت بانسحاب جنود النظام بعد إحراقهم المصلّى. وهُدّمَت مئذنة الجامع الأموي التاريخية في أبريل 2013، وتبادلت الفصائل الثورية والنظام الاتهامات بشأن استهدافها. ومع تواصل القصف والمعارك، قرّرت الجمعية السورية لحفظ الآثار والتراث التدخّل لإنقاذ ما تبقّى.
درست الجمعيةُ آثار الجامع الأموي وآليات حمايتها، فبَنَت جدران حمايةٍ أمام المحراب ومقام النبيّ زكريا مع أنهما كانا مرصودَيْن من قنّاصي النظام. وبَنَت كذلك غرفةً حجريةً حول الساعة الشمسية في ساحة الجامع. وقد زاد من الخطر على معالم الجامع الأموي وفريق الجمعية استعمالُ النظام وقتها الرصاص المتفجّر الذي يزيد مساحة الأضرار وحجمها. كان القرار الأجرأ هو تفكيك منبر الجامع الأموي ونقله إلى مكانٍ آمنٍ، لأن حماية قطعةٍ خشبيةٍ أصعب من حماية جدارٍ حجريّ.
وإذ نقول قطعةً خشبيةً فلا بدّ من الإشارة إلى أن نسخة منبر الجامع الأموي الأولى صُنعت في عهد السلطان نور الدين الزنكي. ولكنه احترق سنة 1285 في العهد المملوكي، فأمر الملك الناصر محمد بن قلاوون بإعادة بنائه. صُنع المنبر من خشب الأبنوس، وتتخلّل أجزاءه قطعُ عاجٍ رقيق. وهو ذاته المنبر الموجود اليوم، حسب ما يذكر محمد أسعد طلس في كتابه “الآثار الإسلامية والتاريخية في حلب”، المنشور سنة 1956.
قال لنا الأستاذ عزام خانجي، وكان رئيسَ مكتب التعليم والثقافة والآثار في مجلس محافظة حلب الحرة، إن القذائف كانت تدكّ الجدران والأبنية القريبة، وإن أحد جدران مصلّى النساء في الجامع الأموي دمّرته قذيفة دبابةٍ، مما أكّد ضرورة نقل المنبر. جرت التحضيرات سرّاً لتفادي الاستهداف حين التفكيك والنقل. نُصبت ستائر طويلةٌ لتغطية المنطقة المحيطة بالمنبر، وكانت مكشوفة للقنّاصة. وانتظر الفريق أياماً حتى هدأ القصف وأمكن بدء التنفيذ بأمانٍ نسبي. في صباح 13 مايو 2013 بدأ تفكيك منبر الجامع الأموي بإشراف فريق الجمعية السورية لحفظ الآثار والتراث ومجلس المحافظة وبعض العاملين في المكتبة الوقفية وبحماية لواء التوحيد. وكان بين الحرفيين مختصّون بالقطع الأثرية استُقدموا من مناطق سيطرة النظام لعدم العثور على كفاءاتٍ مناسبةٍ في مناطق سيطرة الثوار.
فُكّك منبر الجامع الأموي بعنايةٍ ووُثّقت تفاصيل كلّ قطعةٍ منه بالصور والفيديو مع وصف أضرارها قبل حفظها. كذلك وُثّقت تفاصيل آليّة التفكيك، لتكون مقاطع إرشاديةً عند إعادة تركيبه. ثمّ غُلّفت القطع بموادّ عازلةٍ لحمايتها من الرطوبة وعوامل الجوّ. حُمّل المنبر في سيارةٍ مغلقةٍ، ورافقته سيارةُ مراقبةٍ أخرى، مع الحرص على ألّا يكون المشهد مثيراً للشبهة. سلكت السيارة طرقاً ضيقةً من الأسواق القديمة، وصولاً إلى مستودعات مجلس محافظة حلب الحرّة في منطقة الشيخ نجار الصناعية. وهناك وُضع منبر الجامع الأموي في قبوٍ مجهزٍ لحفظ القطع الأثرية. فسُدّت منافذه وعُزلت جدرانه، كما أخبرنا عمار طاووز، العامل في حفظ المخطوطات في المكتبة الوقفية والذي شارك في تأمين مكان المنبر.
لم يدُم أمان هذا القبو طويلاً، ففي أواخر أكتوبر 2013 تقدمت قوات النظام إلى تلّة الشيخ يوسف ومنطقة النقارين، جنوب المدينة الصناعية بحلب وجنوب شرقها. أوشكت المنطقة على السقوط، وزاد الخطرَ كثافةُ القصف الجوي الذي استهدف مقرّ مجلس المحافظة الذي يضمّ المنبر. ولكن نجا المنبر من القصف بسبب متانة أبنية المدينة الصناعية، ووجوده في قبوٍ تحت الأرض.
قرّرت المجموعة المشرفة على حماية منبر الجامع الأموي نقله إلى مكانٍ آمنٍ خوفاً من تقدم النظام أكثر في المنطقة. وأخبرنا عزام خانجي أن القيادي في لواء التوحيد حينها مهند خلف، المعروف بلقب “أبو أحمد نور” وأصبح لاحقاً قيادياً في الجيش الوطني السوري، كان يقود المعارك في هذه المنطقة، وتدخّل لتأمين نقل المنبر. كانت الوجهة بلدة تركمان بارح في ريف حلب الشمالي، حيث حُفظ بعهدة شخصيات معدودة تعرف سرّه في البلدة. لم يوضع في مركزٍ ثقافيٍ أو مقرٍّ عسكريٍّ أو مكانٍ مميزٍ، بل خُصّصت له غرفةٌ في منزلٍ مدنيّ.
لم يكن تقدّم النظام وحده ما يهدّد منبر الجامع الأموي ويخاطر بسرّية عملية نقله وحفظه. فقد نما في تلك الأيام تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). ولم تكن مناطق سيطرته قد تمايزت بعدُ عن مناطق سيطرة الثوار، وكانت مقرّاته وحواجزه منتشرةً في الطرق، إضافةً إلى عصابات التجارة بالآثار.
أخبر حسين الحسين الفِراتْس، وكان قائدَ مجموعةٍ في لواء التوحيد، وممّن أشرفوا على نقل المنبر إلى تركمان بارح، أنهم استعملوا في البداية سيارةَ نقلِ خضارٍ مغلقةً، وبدأت الرحلة شمالاً مروراً بمناطق اشتباكاتٍ عسكريةٍ مثل مستشفى الكندي والسجن المركزي. ثم في بلدة تل رفعت بدّلوا سائق السيارة، وحرصوا أن تسير السيارة وحيدةً حتى لا تثير الشبهات. ولكن راقبوها من بعيد للتدخل إن طرأ طارئٌ، وأخبروا متعاونين معهم في كلّ بلدةٍ لرصد دخول السيارة وخروجها بأمان منها.
مطلع سنة 2014، بدأ التمايز بين مناطق الفصائل الثورية وتنظيم داعش شمال سوريا، بعد بدء الجيش الحرّ حملةً واسعةً على داعش في حلب وإدلب واللاذقية أجبرت التنظيم على الانتقال شرقاً. وفي مارس ذلك العام، أصبحت خطوط القتال مع داعش في مدينة الباب شرقاً، وجرابلس ومنبج شمالاً. ولكن داعش شنّ منذ يوليو العام نفسه هجوماً على ريف حلب الشمالي وسيطر على عدّة قرى. تحوّلت بلدة تركمان بارح إلى خطّ تماسٍّ مهدّدٍ باقتحام داعش في أيّ لحظة. وكان النظام يستغل هذا الوضع لشنّ هجماتٍ موازيةٍ على ريف حلب أيضاً.
وسط المعارك العنيفة والمستمرة في المنطقة، ما برحت تتغير خطوط السيطرة فيها بين ليلة وضحاها، قرر القائمون على حماية منبر الجامع الأموي نقله مرّةً أخرى. كانت وجهته الجديدة بلدة أورم الكبرى في ريف حلب الغربي التي يسيطر عليها فصيل “جيش المجاهدين” التابع للجيش السوري الحرّ، والبعيدة عن خطوط القتال مع داعش أو النظام، والآمنة نسبياً إلّا من قصفٍ متقطعٍ قد يستهدفها بين حينٍ وآخر. وفي يوليو 2014 نُقل المنبر بالسرّية نفسها التي جاء بها إلى تركمان بارح، إذ حُمّل في سيارةٍ بصندوقٍ مغلقٍ ودون مرافقةٍ أيضاً، وإنما مراقبةٍ من بعيدٍ، إلى أن وصلت وجهتها في بلدة أورم الكبرى.
تحدّثنا مع إسماعيل بركات، الذي كان عضواً في جيش المجاهدين والمسؤول عن استلام المنبر وحفظه في البلدة، وقال لنا إن المنبر أخُفي في بيتٍ سكنيٍّ دون معرفة أحدٍ بشأنه. وأضاف أنه في 19 سبتمبر 2016، قصفت طائرات قوّات النظام قافلة مساعداتٍ مشتركةً للأمم المتحدة والهلال الأحمر. وكان القصف على بعد خمسين متراً من مخبأ المنبر، دون أن يصيبه أذى. لكن قرّر الفريق نقله خوفاً من تكرار الاستهداف، فاستُؤجر منزلٌ آخَر في البلدة لوضع المنبر فيه.
بعد أشهرٍ من القصف سقطت أحياء حلب الشرقية وهُجّر الثوّار منها نهاية سنة 2016. انتهت المعارك والقصف في المدينة ونوقشت مسألة إعادة المنبر إلى الجامع الأموي. قال لنا عزام خانجي إنهم حاولوا التواصل مع مدير أوقاف حلب التابع لحكومة النظام في ذلك الوقت لتسليم المنبر ولكن بشروطٍ تتضمّن الإفراج عن معتقلين في سجون النظام. ولكن، وفق خانجي، لم تردّ الأوقاف على المقترح لأنهم يدركون عدم رغبة النظام في الاستجابة، ولو مع أهمّية المنبر التاريخية. لذلك بقي المنبر في مكانه حتى بدأ رحلةً جديدةً سنة 2020.
في 17 سبتمبر 2018، وقّع الرئيسان التركي والروسي اتفاق سوتشي بشأن منطقة “خفض التصعيد” في إدلب، والتي تشمل مناطق ريف حلب الغربي وريف حماة الشمالي وريف اللاذقية الشرقي أيضاً. وتضمّن الاتفاق إجراءاتٍ تلتزمها الأطراف الدولية الضامنة لاستمرار وقف إطلاق النار ومنع الحرب في إدلب. ولكن في أبريل 2019 بدأ النظام بمساعدة الميليشيات المدعومة إيرانياً والطيران الروسي حملةً عسكريةً واسعةً على إدلب ومحيطها، حيث سيطر على مساحاتٍ واسعةٍ من ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي، حتى وصل مشارف ريف حلب الغربي مطلع سنة 2020، حيث كان منبر الجامع الأموي.
كانت المنطقة على وشك السقوط العسكري الذي تحقّق لاحقاً، وبدأت حملة نزوحٍ واسعة. وكان نمط القصف الروسي في مناطق العمليات العسكرية أشبه بالسجادة النارية التي تطال المنازل والطرق وسيارات المدنيين النازحين. وبقيت جثث عشرات الضحايا متفحّمةً على الطرقات. كان المنبر بين هؤلاء النازحين، إذ تقرّر نقله إلى ريف حلب الشمالي مرّةً أخرى، لأن تلك المنطقة كانت تخضع لاتفاقٍ مختلفٍ عن إدلب وأبعد عن الاستهداف.
واجهت عملية نقل المنبر تحدّيَيْن: الأول المعارك والقصف على المنطقة وتقدم قوات النظام بالقرب من خطوط النقل. والثاني تحوّل هيئة تحرير الشام إلى القوة المسيطرة في مناطق الثوار، وسط حساسياتٍ واقتتالاتٍ متكررةٍ بين الجيش الحرّ والهيئة. لذا وجب نقل المنبر بأمانٍ من قصف النظام ومن اكتشافه على حواجز هيئة تحرير الشام المنتشرة على الطرق، والتي قد تصادره.
بسبب هذه المخاطر، قال لنا المسؤول عن عملية النقل، إسماعيل بركات، إنه قرر تجزئة النقل إلى مراحل. فاستعمل سيارات نقلٍ صغيرةً بصناديق مغلقةٍ شحنت قطع المنبر متفرقةً على أيامٍ متباعدةٍ، إلى أن اكتمل وصول القطع إلى منطقة اعزاز الحدودية في ريف حلب الشمالي.
عاد منبر الجامع الأموي إلى عهدة القائد في لواء التوحيد حسين الحسين مرّةً أخرى. لكن كانت ثمة تحدياتٌ أخرى في ريف حلب الشمالي، كما أخبرنا الحسين. فبعد أن شنّت تركيا وفصائل محليةٌ عمليةَ “درع الفرات” في أغسطس 2016 ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، وبعدها بعامٍ ونصف تقريباً عملية “غصن الزيتون” ضدّ قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أصبحت المنطقة تحت النفوذ التركي. لم يكن أحدٌ على يقينٍ من طريقة التعامل التركية أو الفصائل المحلية الجديدة لو انكشف أمر المنبر.
صرّح لنا الحسين إن عدد العارفين بموقع المنبر أربعة أشخاص. يعرف آخرون في الفريق الذي أشرف على حماية المنبر في السنوات السابقة أنه نُقل إلى ريف حلب الشمالي من غير تفاصيل. ولمزيد من الحماية، عُيّن شابّان لحمايةِ البيت الذي يضمّ المنبر ورصدِ أيّ تحرّكاتٍ حوله، وافتُتح دكّان بقالةٍ لهما غطاءً. كلّ ما عرفه الشابّان هو أن ثمّة أشياءٌ ثمينةٌ لثريٍّ حلبيٍّ يضعها في المنزل، ولكنهما لم يعرفا ماذا يحرسان فعلاً.
طيلة إحدى عشرة سنةً، كيلت للفريق الذي فكّك منبر الجامع الأموي تهمٌ ببيعه أو تهريبه إلى تركيا. الثابت أن عبء السرّ كان ثقيلاً على هذا الفريق. ومع امتداد السنوات وتوقّع استقرار سيطرة الأسد في الفترة التي سبقت معركة “ردع العدوان” في 27 نوفمبر 2024، نوقشت أفكارٌ مختلفةٌ بديلةٌ عن الإخفاء، ليُزاح عبء حمايته واتهامات بيعه عن كاهل الفريق. نوقش مثلاً وضعه مؤقتاً في جامعٍ أثريٍّ أمام أعين الناس. وكان المقترَحُ الجامعَ الكبيرَ بمدينة اعزاز. تُرك القرار بلا حسمٍ حتى انتهاء عمليات ترميمه، التي كانت مجدولةً في شهر رمضان الموافق مارس 2025، ولكنّ سقوط النظام كان أسرع.
تواصلت الجهات التي عملت على تفكيك منبر الجامع الأموي مع محافظ حلب الجديد عزام غريب، المعروف سابقاً بلقب “أبو العزّ سراقب”، ونقله وحمايته. وكان للمفارقة قد شغل منذ سنة 2023 منصب قائد “الجبهة الشامية” التي كان المنبر يقع في مناطق سيطرتها وحمايتها في ريف حلب الشمالي. واتفق الطرفان على تسليم منبر الجامع الأموي. وبالفعل يوم 2 فبراير 2025، أي بعد نحو شهرين من سقوط نظام الأسد، نُظّم محضرٌ رسميٌّ لتسليم المنبر. وبحضور ممثلين عن الجهات التي شاركت في عملية التفكيك، وبمراسم بسيطةٍ، أُعيد منبر الجامع الأموي في مدينة حلب إلى بيته الأول، وأعيدَ تركيب أجزائه قطعةً قطعةً حتى اكتمل.
بقي منبر الجامع الأموي في مكانه منذ سنة 1285 حتى سنة 2013. وقد عايشت نسختُه الحالية في مكانها في هدوءِ الجامعِ كلّاً من المماليك والعثمانيين والحكومة العربية والاستعمار الفرنسي، ثم الدولة الوطنية وانقلاباتها في النصف الثاني من القرن العشرين، والتي انتهت باستبدادٍ طويل. لم يتغير على رتابة الزمن حوله سوى اسمُ الحكّام الذين يدعو لهم الخطيب. ولكنه خاض رحلته الأولى واكتشف العالم في الظرف الأسوأ بين سنتَيْ 2013 و2025.
خاض المنبرُ هذه الرحلةَ نازحاً عدّة مرّاتٍ ومتأثراً كبقية السوريين بتحوّلات الثورة السورية وسقوط المناطق وتهجير السكّان وصعود قوىً داخليةٍ وتدخلاتٍ خارجيةٍ عقّدت المشهد وزادت المأساة قتامة. ظلّ متخفّياً من هذه النيران المتصارعة ومن عصابات الاتجار بالآثار ومن اتهاماتٍ ومؤامراتٍ صيغت عن مصيره.
وبعودة المنبر إلى الجامع الأموي، يُسدل الستار على أعقد وأطول عمليات إنقاذٍ للتراث في الثورة السورية. نجح فيها شبابٌ متطوعون في إنقاذ قطعةٍ من ذاكرة حلب وتاريخها، وحمايتها من مصير الدمار أو السرقة أو التخريب الذي لاقته مئذنة الجامع وآلاف المواقع الأثرية في حلب وسوريا.
الفراتس