هل يستوعب وزير الثقافة مسؤوليات وزارته؟/ إيناس حقي

3 أبريل 2025
تشكلت الحكومة الانتقالية في سوريا وسط ترقب شديد وتسريبات واهتمام شعبي عام لا مثيل له في الزمن المعاصر، لأن الوزارات “الأسدية” لم تكن يومًا تثير الاهتمام، ولم تكن الشخصيات التي تقبل التكليف الوزاري في ذلك الزمان تغير من إنجاز الوزارات في ظل انتشار الفساد وقلة حيلة الوزراء في مواجهة التغول الأمني. كان تكليف الوزارة الانتقالية حدثًا أُعطي أهمية استثنائية، فدُعي أفراد من المجتمع لحضور التكليف، وكان للحفل عريف يقدم الوزراء ويتيح لكل منهم إلقاء كلمة قصيرة تتضمن رؤيته لوزارته قبل قيامه بأداء القسم أمام رئيس الجمهورية.
سادت في الأوساط الثقافية والفنية توقعات وتمنيات فيما يتعلق بوزير الثقافة الجديد، وكان على رأسها أمنية بأن تكون الوزارة من حصة النساء، لكن ضآلة الحصة النسائية جعلت الوزارة تنتهي إلى تكليف محمد صالح، وهو مقدم برنامج “تأملات” في قناة الجزيرة سابقًا.
لم يسر محمد صالح في كلمته على هدي بقية الوزراء، إذ لم يخبرنا برؤيته ولا بخطته للوزارة، وإنما مال إلى البلاغة والخطابة وألقى علينا من شعره، مما جعل كلمته الأكثر تداولًا على وسائل التواصل الاجتماعي لأنها لامست العواطف والمشاعر مقارنةً ببعض الكلمات التكنوقراطية التي ألقاها الآخرون.
ورغم ابتعاد كلمة وزير الثقافة عن خطة، إلا أنه عرف الثقافة ثلاث مرات، وكان كل تعريف يستحق التوقف عنده، إذ قال إن الثقافة هي أن نُفتت ونبتعد عن كل المنظومة الثقافية التي كان يتبناها الوضيع الهارب البائد، وإن الثقافة هي عمل الخير وعمل الإحسان، وإنها ثقافة التآخي. وابتعد الوزير بذلك عن كل التعاريف السائدة عالميًا للثقافة التي تتنوع وتتجاوز المئات، ولعل أبرزها تعريف “اليونيسكو” للثقافة التي ترى أنها “في معناها الواسع، مجموع السمات المميزة الروحانية والمادية والفكرية والعاطفية التي تميز مجموعة أو جماعة اجتماعية”. وفي تعريفها الأنثروبولوجي، تشكل الثقافة هوية المجتمع. مما يجعل أغرب ما قاله الوزير في كلمته أنه “لا يمكن أن نذهب إلى ترف المعرفة في وقت تسود فيه الحاجة”، فما الترف في إعادة تعريف الهوية السورية اليوم؟
الثقافة السورية اليوم أمام استحقاق استثنائي، يتطلب منها إعادة صياغة الهوية الجامعة السورية، ويمكن للثقافة اليوم أن تقدم نموذجًا لهذه الهوية يتجاوز الطوائف والإثنيات، بل ويعيد بناء الإنسان السوري، وهذا ليس ترفًا بل ضرورة وطنية وأولوية، يجب أن تكرس لها كل الإمكانات.
تضطلع وزارة الثقافة السورية بمهام الإشراف على الآداب والفنون، وتتبع لها أجسام عديدة منها المراكز الثقافية في كل المحافظات، والمكتبة الوطنية، ومطبعة الوزارة، والمعاهد المسرحية والموسيقية والسينمائية، والمؤسسة العامة للسينما، ومديريات المسارح والموسيقى والمتاحف، وهي مسؤولة عن الحفاظ على التراث المادي واللامادي لسوريا، كما تنظم المعارض والمهرجانات والاحتفالات. وكل هذه المهام الواسعة والممتدة تحمل الوزارة مسؤوليات جمة لإعادة إحياء الحياة الثقافية والفنية التي قضى عليها “الأسدان”، الأب فالابن، قضاء مبرمًا.
يمكن تفهّم أن إعادة إحياء الثقافة وبناء الهوية الوطنية مهام لا يمكن أن تتم دون ميزانيات ضخمة، وأن حال الدولة السورية اليوم لا يسمح بتخصيص ميزانية هائلة للثقافة في ظل أولويات أخرى كالخدمات وإعادة الإعمار، لكن النظر إلى الثقافة كترف سيؤخر عملية البناء كثيرًا، وسيجعل الهوية السورية الهشة عرضة للتفتت وللتمزق أكثر مما هي مفتتة وممزقة.
إن إعادة لئم الجراح السورية النازفة هو عملية بطيئة وقد تستغرق دهرًا إن لم يتم وضعها ضمن الأولويات، بل وإن إهمالها قد يؤدي إلى انفجارات لا تحمد عقباها، لكن هذه العملية البطيئة يمكن تسريعها إن كانت على أولويات وزارة الثقافة الجديدة.
تستطيع الفنون والآداب لعب دور أساسي في عملية العدالة الانتقالية، ولنا في تجارب سابقة خير دليل على هذا الدور. فقد استطاع مسرح المقهورين في أميركا اللاتينية أن يجعل للمواطن صوتًا يسمع، وأتاح للجمهور التعبير عن رأيه وبناء مواطنة جماعية. كما استطاع المسرح السياسي والمدني أن يلعب دورًا في تسجيل التاريخ وفي توثيق الشهادات كما في رواندا. تقول آنا تكسيريا عن عرض “راوندا 94” الذي وثق شهادات ضحايا المجزرة مستعينةً بمقولة للمسرحي البيروفي يوياشكاني: “لا نريد أن نكون جزءًا من تاريخ الفن بل من تاريخ بلدنا”. المسرح هو المكان المناسب لدراسة وتحليل التاريخ كما لعرض حقيقة العالم، ويستطيع الفن أيضًا أن يساهم في عملية تخليد ذكرى الضحايا من خلال الأعمال الفنية التي تتناول سيرهم وتذكر الجمهور بتضحياتهم.
لا تبشّر كلمة وزير الثقافة بقدرة عميقة على فهم المسؤولية الكبيرة المناطة به، ولا توحي بخطة لدور مدروس في بناء الهوية الوطنية الجامعة القائمة على مبادئ المواطنة، لكن الثقافة والفن السوريين لم يكونا يومًا انعاكاسًا لسياسات الدولة، فلو كانا كذلك لما وجدنا أي شكل من أشكال الفن والثقافة في العهد الأسدي، لم يتوان الفنانون والمثقفون السوريون عن تنفيذ ما وجدوا أنه مصلحة بلدهم وإن وضعهم ذلك في مواجهات مفتوحة مع السلطات.
ولا نتمنى اليوم أن نعود إلى ذلك الشكل من المواجهات، وإنما نتمنى إما أن يفتح المسؤولون قلوبهم وآذانهم للانتقادات، وأن يعدلوا سريعًا ما يبدر عنهم خطأ فيصوبوا المسار، أو أن يستقيلوا في حال أحسوا أن المهمة تفوق طاقاتهم.
تبقى سوريا اليوم، التي تبدو كل الاحتمالات أمام مستقبلها مفتوحة، أرحم وأرحب من سوريا مسدودة الأفق التي طردت منها أبناءها وقتلتهم أو أجبرتهم على الصمت.
الترا سوريا