نقد ومقالات

مؤامرة الخلق اللغوي/ توفيق قريرة

في رواية ميزري Misery (حرفيا: بؤس، حزن) للروائي الأمريكي الشهير ستيفن كينغ Stephen King التي نشرها عام 1987 وحولت إلى السنيما عام 1990، قصة بديعة تروي حكاية كاتب أثرى من بيع الكتب اسمه بول شلدن Paul Sheldon بفضل سلاسل حول شخصيته ميزوري شاستان Misery Chastain بيد أنه يقرر أن يقتلها كي يكتب روايات أخرى فيها ماء جديد وبطلة جديدة. وبالفعل كتب رواية جديدة، ولكنه في الأثناء تعرض لحادث طريق مريع وانكسرت ساقاه وحملته الممرضة آني Annie إلى بيتها الذي كان قريبا من مكان الحادث كي تعالجه بدلاً من أن تحمله إلى المشفى. كان بول في غيبوبة حين قرأت آني مخطوطة روايته الجديدة وحين استيقظ خاصمته لأنه استعمل لغة نابية وأحداثا عنيفة لا تليق، وعاقبته بأن حرمته من المسكنات التي كان يحتاجها. ثم قرأت آني سلسلته التي كانت ميزري بطلتها، ووجدت أنه قتلها في الأخير فتعاطفت معها وتركت بول ليومين، بات على شفير الموت جوعا وعطشا، فلما عادت قايضته: أن تنقذه وينقذ بطلته القديمة ويتلف المخطوطة الجديدة…

لا تعنينا بقية الأحداث المشوقة التي سيكتشف فيها البطل أن آني قتلت والده وأنه سيفقد إحدى ساقيه عقابا له، وأن آني لم تكن إلا مريضة نفسية.. لن يهمنا ذلك لأن الذي يعنينا هنا هو كيف أن المبدع يمكن أن يتراجع عن قتل بطلته، لا لأسباب إبداعية وإنما لأن في قتلها قتله، وأن الشخصيات الواقعية التي تقتل فعلا يمكن أن تتعاطف مع أبطال ورقية. كان بول يعلم مثلما تعلم شهرزاد في ألف ليلة وليلة كيف أن آني ستقتله حين ينهي الرواية ولذلك كان يكتب بشيء من البطء لأن كل حرف أقل يساوي في حياته يوما أكثر.

ما يعنينا هنا هو ما سميناه في العنوان «مؤامرة الخلق اللغوي»، فمن المعلوم أن صناعة الأبطال صناعة لغوية قبل كل شيء فائدتها في القديم أن تعيد حكاية الخلق الربانية بشكل آخر. ففي الخلق الإلهي حكاية بدأت بالكلمة (كن) فكان الإنسان. ليس خلق الأبطال، وهم أفضل خلق بشري عند الكتاب والأدباء في الملاحم القديمة أو في الروايات المعاصرة، أيسر شأنا من الخلق الإلهي الذي من سماته القدرة الفائقة على الجعل: أن يجعل ما لم يكن كائنا في أحسن تقويم قدرة تكون نافذة المفعول بالقول. الخلق الإبداعي للأبطال أعسر لأنه تشكيل من مادة تتشكل منها كل الكيانات، فكيف يمكن أن تيسرها لخلق الكائن الورقي الذي هو البطل؟

آني الشخصية التي خلقها المؤلف الذي هو بدوره بطل خلقه مؤلف تاريخي، هي بطلة لا لأنها شدت بفعل السرد قراء ومتابعين ومعجبين وهي من ورق؛ بل لأنها صنعت ثروة صاحبها بما أسبغت عليه من قبول جماهيري أسبغ عليه نعمة الثراء. من الصعب أن تصبح ثريا بالكتابة إلا إذا كنت في جمهور يقدسها ومن النادر أن تصبح ثريا بالقص الراقي إلا إذا كنت في جمهور يعشق السرد الرفيع ومن العسير الأندر أن تصبح روائيا صانعا لبطل يشد الناس، وهو كيان لغوي يحيا حين تفتح الكتاب وينام في انتظارك إلى أن تعود. الكتابة تحنط الأبطال والقراءة تذيبها وتجعلها عودا إلى حياتها الأولى.

إن خلق الأبطال في الروايات صناعة عسيرة أيضا لسبب ثان وهو، أنه خلق من خلاف وليس خلقا من عدم. الخلق من خلاف يعني أنك وأنت تخلق شخصية غير مألوفة فإنك تحكي من خلالها عن شخص مألوف يراد له أن يكسر الألفة. جلجامش في الأسطورة الملحمية البابلية كان بطلا متنوعا بتنوع القصائد والأناشيد التي وصفته فكل أنشودة تصف كونا مختلفا نرى فيه هذا البطل في الآن نفسه قاتلا وحزينا على الفقد، يفعل بالموت ولا يستطيع أن يفعل فيها، ليس الغريب في أي حكاية من حكايات جلجامش أنه كان غير مرحب بميلاده تماما فهذا مألوف، بل إن أمه كانت ممنوعة من الحمل وأنه رُمي من أعلى البرج كي يُتخلص منه لكن الطائر أنقذه قبل السقوط، ليس البديع في هذا أن هذا عالم ممكن في الأساطير، بل لأنن كون من اللغة يمكن أن تجعله اللغة كذلك بواسطة خرق اللغة لكل ما هو واقعي خارجها. الواقع لا يصنع الأبطال، ما يصنع الأبطال هو خرق اللغة للواقع. لا شيء يمكن أن يتجاوز الواقع مثلما تتجاوزه اللغة والخيال ليس ملكة خارجة في تحققها عن اللغة إذ لا وجود له إلا من خلال تمثلنا له باللغة.

تعمل اللغة وهي تخلق الأبطال بالمؤامرة. تفهم المؤامرة فهما بسيطا على أنها مخطط سري تتفق حوله مجموعة من الأشخاص لإلحاق الضرر بشخص عام أو لإرباك سلطة وغالبا ما تؤدي المؤامرة إلى تهديد كيان بالزوال، إن بالموت وإن بزعزعة الاستقرار. اللغة حين تصنع الأبطال في السرد، أو في غيره تحتاج مؤامرة قبل أن تحتاج حِبْكة. في هذا السياق يفهم الحبك فهما تآمريا لا سرديا، لا على أنه فعل الانخراط في المخططات السرية. المؤامرة اللغوية هي أن تستعملها في التخطيط للانقلاب على التوازن اللغوي السائد: هو فعل إرباكي يؤدي إلى هزهزة اللغة السائدة التي تكرس المألوف. ولا يمكن أن يفعل ذلك فرد بحجم الأفراد، بل سارد له منطق خارق ولهذا كانت فكرة البطل من صنع الأسطورة أو الملحمة وهي نص لا يقدر عليه إلا فرد بحجم الجماعة، أو جماعة توالدت النصوص على يد عبقريتها اللغوية بواسطة إعادة إنتاج القص، إنتاجا مختلفا فكل شخص يضيف ما يراه حبكة تكسر المألوف والسائد، وفي كل إضافة إما أن يقرب البطل من البشر أو يبعد عنهم. تقريب البطل من البشر عادة ما تنسجه لغة مألوفة تضفي على البطل حركات ومشاعر هي قريبة من البشر. هذه اللغة فيها مؤامرة تدجين، أي هي مؤامرة يكون الغرض منها جعل النسر ديكا والذئب كلبا: ما يزال النسر بطلا حتى يصبح ديكا والذئب بطلا حتى يدجن كلبا. حين يدجن النسر سيتخلى عن اسمه وتخلق له اللغة اسما عاديا ويتخلى عن صفاته من أنه كاسر مثلا ويتخلى عن اسمه الأسطوري: كتسميته في المخيال العربي القديم بـ«لُبَد» الذي في المثل العربي القائل (أتى أبَد على لُبد).

المؤامرة اللغوية الأخرى هي مؤامرة تهجين لأنها تخلط بين اللغوي المألوف واللغوي غير المألوف لتخلق منه شكلا لغويا هجينا، ولا نعني بذلك خلق عبارات جديدة مثل العنقاء التي هي تخليق لعبارة جديدة من عبارة عنق القديمة وتوصيف لا لطويل العنق، بل لمن أفرط فيها ويمكن أن يكون التهجين باستعمال اللغة المألوفة وسوقها في مجالات غير مألوفة، فأبطال الخرافات عندنا، أو أبطال الأساطير عندهم ليسوا بشرا عاديين، لأنهم وهم يعرفون أنهم سينهزمون يصرون على المصارعة، سيزيف الذي يحزننا لعبثيته هو بكل تأكيد حزين لأجلنا لأنه وهو يدفع الصخرة في العقبة ينظر إلينا ونحن نهزأ منه، أو نحزن له فيحزن لنا ويهزأ منا: قدره أن يحاول وقدرنا أن نسلم لاعتقادنا المسبق بالفشل.

أراد بطل رواية ميزري أن يقتل بطلته، لأنه تعب من أن يعيد خلقها في كل مرة خلقا آخر.. هو تعب من بعثها في كل مرة بعثا جديدا فاختار إقبارها. واتفقت آني بما هي بطلة وراء الستار مع ميزري على أن تحيا وتحيي البطلة وتقتلا الكاتب.. حين يموت الكاتب من سيخلق الأبطال؟ هكذا يقول الكاتب.. وحين يموت الأبطال من سيجعل الكاتب يخلق؟ هكذا يقول الأبطال.. إن مات البطل والكاتب من سيجعلني بطلا؟ هكذا تقول اللغة وتمضي في عملها الخلاق لا تأبه بالأجوبة.

أستاذ اللسانيات في الجامعة التونسية

القدس العربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى