سوريا حرة إلى الأبد: مقالات وتحليلات 26 شباط 2025

حرية إلى الأبد: كل المقالات والتحليلات والحوارات التي تناولت انتصار الثورة السورية اعتبارا من 08 كانون الأول 2024، ملاحقة يومية دون توقف تجدها في الرابط التالي:
سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع
————————-
ثلاثة هوامش على «مؤتمر الحوار الوطني»: وعن النصر وطرائقه/ ياسين السويحة
26-02-2025
لم يكن لفرط اللامعنى أي ضرورة
لا أحد يُزاحِم أحمد الشرع على رأس سلطة البلاد. داخلياً، ثمة سعداء به، وآخرون يتعايشون بتنويعاتٍ من الـ«على مضض» مع كونه أقلّ الأطراف السورية ضعفاً، والأقرب للقدرة على تجميع نثار دولةٍ سوريةٍ ما، وثمة جمعٌ أقل عدداً وقدرةً يتمنّون لو تضربه صاعقةٌ؛ إذ ليس لديهم غير ترجّيها ما يواجهونه به. أما خارجياً فقد حصّل الرجل اعترافاً أكثر من مقبول من الإقليم والعالم؛ اعترافاً تعلوه غيوم تحفّظٍ أميركي ووعيدٍ إسرائيلي مُقلقَين، ولكنه اعتراف، بلا شك، يتجاوز ما يمكن لرأس جماعة جهادية سابقة أن يحلم به في سياقنا الإقليمي والدولي بعد ربع قرنٍ من «الحرب على الإرهاب».
للبيان الختامي الصادر عن مؤتمر الحوار الوطني ضرورةٌ سياسيةٌ على صعيد شرعنة الخطوات اللاحقة في طريق إعادة تشكيل السلطة في سوريا، ومن المرجّح أنه كان خطوةً ضروريةً لتمتين الشرعية الدبلوماسية لملاقاة الخطوات الأوروبية من جهة، وتجهيزاً للجولة الخارجية التي ستمرّ بمصر وبقاعة اجتماعات القمة العربية المُقبلة فيها. قد تفسّر هذه النقاط الاستعجال في عقد المؤتمر والحصول على مخرجاته إثر ما بدا تريّثاً في الإعلان عنه وعن لجنته التنظيمية، لكنها لا تفسّر الاجتهاد في إخراج الموضوع بهذا الشكل المتعثّر.
لقد كان بإمكان أحمد الشرع، ودون صعوبة تُذكر، الحصول على البيان الختامي نفسه بشكلٍ أقل فوضويةً وأكثر احتراماً لمَن شاركوا في صياغته، ولمَن غابوا عن المشاركة بما كان أشبه بالمغافلة؛ ودون أن يذهب بعيداً نحو مؤتمر وطني فعلي وسيّد وملزم القرارات. يسود الرجل في توازنات الضعف السوريّة بما يكفيه لأن يعقد مؤتمراً شكلياً محترماً بالحد الأدنى للخروج بالوثيقة التي صدرت نفسها. ليس مضطراً في الوقت الحالي لما يتجاوز الشكليات، وأهمية الشكليات هي في.. الشكل.
* * * * *
اللجنة
لقد أتى يوما المؤتمر فائق الصوتي هذا تتويجاً لمسارٍ غير طيّب لعمل لجنته التحضيرية؛ كختامٍ لما لم يبدأ على خير.
تشكّلت اللجنة بقرارٍ فوقي، وكانت نواة تشكيلها شخصيات من هيئة تحرير الشام وضواحيها، يجاوِرها حسن الدغيم ممثلاً لتيارٍ إيديولوجي عسكري ذي تاريخٍ مناوئ للهيئة ومُتشكّك تجاهها؛ وضمّت اللجنة كلاً من السيدتين هدى الأتاسي وهند قبوات، ذوات خبرة في العمل المدني والسياسي السوري من زوايا عديدة. ولذلك، ولأنّهما امرأتان حاضرات في الشأن العام، تراءى أنّ حساسيات التنوّع والديمقراطية والعدالَتين الجندرية والاجتماعية ستتمثّل فيهنّ تحديداً. لم يحصل.
لم تُفهم تركيبة اللجنة، فعدا عن عدم توازنها جندرياً، غاب عنها الكثير من التوازن المطلوب في تمثيل المجتمع السوري، وتمت مواجهة عدم الفهم هذا بالمرافعة عن عدم ضرورة أن تكون اللجنة التحضيرية متنوّعةً وتمثيلية، بل إن عملها هو ما سيحقق هذا التمثيل للتنّوع السوري. لم يحصل.
سبق إرسال الدعوات المُغافِلة للمؤتمر جولاتٌ على المحافظات لإجراء جلساتٍ تشاورية، تميّزت جميعها بسوء التنظيم وقلة الاعتناء بترتيب الدعوات وتنظيم نقاشاتٍ ذات معنى، ووصل سوء التدبير وقلة الاكتراث ذروته في التعامل المخزي مع محافظَتي الرقة والحسكة، إذ استُدعي «ممثلوها» إلى دمشق بالاستعجال المُغافِل نفسه الذي تميّزت به العملية كلّها، وجرت الاجتماعات باستعجال، وبغيابٍ مؤسف للسيدَتين قبوات والأتاسي، ممثلات كل ما ليس هيئة تحرير الشام ومناوئيها من رجال عسكرتاريين إسلاميين. تكرّرت غيابات أعضاء اللجنة وعضواتها عن لقاءات تشاورية أخرى، ما يطرح تساؤلات حول ما يمكن أن يُشغِل عن هكذا مهمة جليلة. كان يُفترض أن تكون جدية اللجنة ومنهجيتها على مستوى المهمة المنوطة. لم يحصل.
تتحمل السلطة في سوريا، ورأسها أحمد الشرع، المسؤولية الأولى والكبرى عن الطريقة التي سُلِق فيها «مؤتمر حوار وطني» في هذه اللحظة من تاريخ بلدنا. وبعد التأكيد على ذلك، يجدر قول إن على اللجنة وأعضائها وعضواتها، خصوصاً جانبها المدني الذي كان به العشم، أن تتوجه بشيءٍ ما للرأي العام السوري حول ما حصل. قالت اللوحات الدعائية الضخمة التي وُزِّعت في شوارع دمشق الكثير عن «الشفافية» و«التشاركية»، وتطبيقاً لروحية هذه الشعارات يُتوقّع ممن شارك في تنظيم ما حصل أن يقول شيئاً عن رضاه عنه، سيما إن بقي في الشأن العام مستقبلاً. فهل يحصل؟
* * * * *
النصر وطرائقه
في كلمته، الحاملة لقراءاتٍ عديدة دون أن تحمل أيَّ جديدٍ في الوقت ذاته، قال أحمد الشرع، فيما بدا دفاعاً عن تسوياتٍ مع بعض عسكر النظام البائد البارزين أتت في سياق تجنّب معارك الساعات الأخيرة من عمر حكم بشار الأسد: «إنّ على من قبِل هذا النصر أن يتكرّم بتقبّل طرائقه».
صحيحٌ أن ملف العدالة الانتقالية هو أحد أبرز مداخل النقد الموجّه للسلطة الجديدة في دمشق، خاصةً فيما يتعلّق بعدم وضوح معادلات الملاحقة والمهادنة والتسوية والاستيعاب، ولكنّه بالنهاية نقدٌ خافتٌ نسبةً لحجم الملف، يكاد خارج ضجيج وسائل التواصل ينكمش إلى ذوي الضحايا الناشطين والحلقة الاجتماعية المحيطة بهم-ن؛ إلى «مجتمع الألم». لا يُعاني النصر ولا تُعاني طرائقه من كثرة النقد، بل إنها بالأحرى تجوب سهولاً وسهوباً من فرط التفهّم.
لا يحلم المرء بأن تؤدي طرائق النصر هذه إلى ديمقراطيةٍ ناجزةٍ وتداولٍ سلمي للسلطة في سوريا في وقتٍ قريب، فهذا حقٌّ يجب أن يُنتزع ويُناضل من أجله إنْ أراده سوريون كثر وعملوا من أجله، بطرائقهم هم. جلّ ما يُرتجى، الآن وهنا، ألا تؤدي طرائق النصر إلى إغلاق المجال العام والحدّ من الحريات السياسية والعامة في المستقبل القريب في سياق «بناء الدولة». وهذه، والحق يُقال، المسألة السياسية الأساس.
سوريا اليوم تحت بردٍ قارس، على ضفاف الجوع، ونصف مُهدّمة. همّ ربطة الخبز ودفء الطفل لا يترك خلايا رمادية لما عداه. هذا واقع، هذه هي سوريا «غرفة الإنعاش» التي تحدّث عنها أحمد الشرع مُحقّاً في كلمته. يتلقّى المهتمون بالشؤون السياسية توبيخاً متكرراً من جماهير المتحمسّين للسلطة الجديدة حول سطحية اهتمامهم مقارنةً بهذا الهمّ السوري الفظيع، وضمن هذا التوبيخ يندرج تسخيفٌ سهلٌ للاعتراضات على الإخراج الهزيل للمؤتمر الشكلاني. هذا سجالٌ عقيم. ما يستحق النقاش هو ما يبشّر به هذا السلوك من وجود الكفاءات والقدرات والأفكار اللازمة للإشراف على سوريا التي في غرفة الإنعاش، عن كيف سيعيش الناس موجة البرد المقبلة، هذا الشتاء أو الذي يليه؛ عن كيف سيُفكر بأكل الناس ومأواهم وتعليم أبنائهم. أتمرُّ هذه المهمات الجلل عبر استدعاء الناس من أصقاع البلد والأرض إلى فندقٍ فخم في دمشق خلال 48 ساعة؟
موقع الجمهورية
————————
سورية ملوّنةٌ وليست ألواناً/ راتب شعبو
26 فبراير 2025
تحت ضغط الزيادة في مستوى حضور “الوعي بالذات” بين الجماعات الأهلية في الحياة العامّة السورية، نتيجة ممارسات سياسية وأمنية تمييزية مارسها النظام السابق عقوداً، وتستمرّ ممارستها بعد سقوطه بيد جماعات إسلامية، يكثر الكلام عن ضرورة تمثيل الألوان السورية كلّها في الجيش والأمن والحكومة واللجان والمؤتمرات… لمنع سيطرة لون واحد. إذا كان لا يخفى الانشغال الوطني الصادق وراء هذا الكلام في هذه الفترة التأسيسية من تاريخ سورية، فمن الواضح أيضاً أنه كلام يضمر فكرةً رديئةً عن السوريين، وهذه الفكرة تنطوي على قدر كبير من الحقيقة للأسف، مفادها أن السوريين غير مندمجين في وطنيّتهم بالقدر الكافي، الذي يجعلهم (في الوظيفة العامّة) مخلصين للونهم السوري أولاً. المسؤول السوري، بصرف النظر عن اللون “الخاص” الذي ولد عليه، يستطيع، إذا أراد، أن يجعل هواه وانحيازاته غير الوطنية فوق تمثيل القانون والدولة “العامّة”، ونادراً ما ينظر المسؤول إلى بقية السوريين على أنهم مواطنون، بل على أنهم “ملوّنون” بالأحرى. وهكذا، فإن مواطنيتهم وحقوقهم تنقص وتزيد بحسب ألوانهم، من دون أن يجدوا وسيلةً “نظاميّةً” لردّ حقوقهم المهدورة.
لا تصعب ملاحظة أن الكلام عن مشاركة الألوان ينبع من إدراك هشاشة الوطنية السورية في الحياة العامّة، وما يمكن أن تقود إليه من خشية أن يمارس المسؤول تمييزاً ضدّ ما لا يروقه من الألوان. على هذا، يكون الكلام عن الألوان وضرورة تمثيلها، انطلاقاً من الحرص على أن تكون سورية للسوريين كلّهم، هو الكلام الوطني، الذي يأخذ في الحسبان “الجماعات” أو “المكونات” أو “الألوان” السورية كلّها. غير أن هذا “الحلّ” يزيد في الواقع من الهشاشة الوطنية بدلاً من أن يعالجها.
الاحتجاج على غلبة لون سوري في مواقع المسؤولية، ينطلق من الفكرة السابقة نفسها، أي إنه نقد يقرّ بغلبة اللون الخاص في دخيلة السوري، على اللون السوري العامّ، في ممارسته الوظيفة العامّة. لا ريب أن هذه مشكلة تحتاج إلى علاج، ولكن لا ينبغي النظر إلى المشكلة على أنها عَطَب يخصّ السوريين أنفسهم، بل على أنها علّة في “النظام السياسي”، الذي يحكمهم ويتيح للفرد في موقع المسؤولية تغليب “لونه” على العمومية السورية، حين يشاء. التسليم بالنظام السياسي، الذي تغلب فيه الخصوصية الأهلية على العمومية الوطنية، يجعل الحلّ “الوطني” في توزيع الألوان بين مواقع المسؤولية، كي يتاح لكلّ لون التمتع بتميّزه الخاص في الوظائف العامّة، وهذا سبيلٌ إلى تفكّك وطني مستدام.
ما يجعل سورية للسوريين كلّهم لا يكون في “تلوين” المناصب، بل في توافر الإرادة الكافية لفرض آلية رقابة تُلزِم المسؤول احترام اللون السوري فوق كلّ لون، وفي التعامل مع السوريين على أنهم مواطنون مجرّدون (قبالة الدولة والقانون) من أيّ خصوصيات، تحت طائلة المحاسبة الجدّية. النظام السياسي هو المسؤول الأول عن فتح الطريق أمام الخصوصيات كي تمارس ذاتها في التمييز بين الناس بناءً على “ألوانهم”. ذلك أن مَن يمارسون وظيفةً عامّةً يحملون في رؤوسهم تصوّراً يصنعه، بصورة صريحة أو مخفيّة، النظام السياسي الذي يخدمون فيه، فيجعل سلوكهم في الوظيفة تمييزياً حين يدركون أن النظام يستبطن التمييز، وأن سلوكهم التمييزي غير الوطني في وظائفهم لا تليه أيُّ مساءلة، بل قد يزيد من رصيدهم في النظام، بحسب جهة التمييز الذي يمارسونه. يصح ذلك إلى الحدّ الذي يمكن القول معه إن سلوك المسؤول في الوظيفة العامّة هو الكاشف لما يحرص النظام السياسي على إخفائه، وعلى التظاهر بعكسه في العلن.
قدرة كلّ مواطن سوري على محاسبة المسؤول الذي لا يمتلك من الوطنية السورية، ولا من الإحساس بالمسؤولية، ولا من الضمير، ما يجعله يحترم مواطنية السوري باستقلال عن “لونه”، هي فقط ما يرفع قيمة الهُويَّة السورية، وما يصنع الوطنية السورية، وهذه مسؤولية النظام السياسي بالدرجة الأولى، ومسؤولية النخب الوطنية في التصدّي الجريء لكلّ معاملة تمييزية في الحياة العامّة. لا تكون سورية للسوريين كلّهم إلا حين يكون كلّ مسؤول سوري في أيّ موقع كان، ملزماً بقوة القانون والإعلام وأشكال الاعتراض والمحاسبة القانونية الممكنة، معاملة السوريين كلّهم على قدم المساواة. في البلدان الديمقراطية يطاول القانون المعاملة التمييزية حتى في الشركات الخاصّة.
ردّ الظلم الذي يقع على “لون” سوري ما، في أيّ وقت، شأن وطني عام، وليس شأن هذا اللون وحده. ضعف تضامن الألوان فيما بينها، وغياب النظر إلى الظلم على أنه شأن عامّ، حتى لو كان “خاصّاً” بلون معيّن أو فئة معينة، من مؤشّرات تضعضع الوطنية، ويشكّل هذا أرضيةً لنشوء استبداد تمييزي يحمل في داخله الشرور المتخيلة كلّها، من التمييز “اللوني”، حتى الإفقار العامّ، وصولاً إلى الاستعداد للإبادة. كلّ تجاوز أو ظلم، حتى لو كان الضحية فرداً واحداً، ينطوي على تجاوز وظلم عامَّين، والتضامن مع الضحية، حتى لو كانت فرداً، ينطوي على حمايةٍ للمجتمع ككلّ، ولكلّ فرد فيه.
الكلام عن مشاركة الألوان ينطلق من خشية وطنية كما قلنا، ولكنّه مع ذلك لا يأخذ في الحسبان أمرَين مهمَّين: الأول هو أن الألوان غير قابلة للتمثيل أصلاً، وأن “التلوين” المنشود هو في الحقيقة إضاعة للحقوق، وليس حمايةً لها، ذلك أن “الأنظمة الملوّنة” غالباً ما تكرّس مصالح “طغمة ملوّنة” تزعم أنها ممثّلة للألوان، أكان ذلك وفق صيغة دستورية رسمية أم وفق صيغة مخفية غير رسمية. والأمر الثاني أنه لا توجد مصالح متّسقة لكلّ لون سوري على حدة، كي تتم حمايتها، الكلام عن مصالح لون لا تعني سوى فتح باب تمييزات غير وطنية. والحال أن سورية لوحة بألوانٍ متدرّجةٍ ومتعدّدة، ولا يمكن فهمها و”تمثيلها” على أنها ألوان متراصفة ومتفاصلة.
التمثيل القائم على عمومية سورية، والمسنود بإرادة سياسية صادقة وبقوانين ملزمة، لا تسمح للمسؤول مهما علت مرتبته بتجاوز الوطنية السورية، إضافة إلى الحضور النشط للإعلام المستقلّ بالمتابعة والنقد، هو وحده ما يمكن أن يضع سورية في طريق الوحدة الداخلية الفعلية.
العربي الجديد
——————————–
عن مؤتمر الحوار الوطني السوري مجدّداً/ مروان قبلان
26 فبراير 2025
تلقيت، كما عشرات من السوريين والسوريات، دعوة لحضور مؤتمر الحوار الوطني في دمشق، لكن ضيق الوقت حال دون تلبية الدعوة التي وصلت إليّ (مثل كثيرين) متأخّرة. مع ذلك، لا أجد غضاضة في إبداء بعض الآراء، وتقديم بعض مقترحات وطرح أسئلةٍ يمكن أن تخدم فكرة الحوار الجاري حالياً وغاياته.
قد يكون من نافل القول الإشارة إلى أن الحوار في حدّ ذاته أمر مفيد، لكنّه ليس غاية، لأنه يصبح (إذا صار كذلك)، نوعاً من لغو لا تُرجى منه فائدة. وحتى يكون الحوار مفيداً، خاصّة في الحالة السورية، حيث تكون الحاجة ماسّةً إلى حوارات هادفة، تكبّدْنا ثمن غيابها دماً في عهد النظام البائد، عندما دفع انسداد الأفق السياسي السوريين إلى الشارع أولاً، ثمّ إلى حمل السلاح تالياً، بعد أن واجههم النظام بالقوة المميتة، لا بدّ أن نحدّد هدفاً، أو أهدافاً، لهذا الحوار، وقد نتّفق على أن أحد أبرزها يجب أن يكون وصول السوريين إلى توافقاتٍ أو رؤيةٍ مشتركة حول شكل الدولة الجديدة التي ينشدونها بعد إسقاط نظام الفساد والاستبداد. هذا يعني خصوصاً الاتفاق على شكل النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي للبلاد، على أن يتم لاحقاً صياغة هذا الاتفاق في نصّ دستوري تخطّه لجنة من الخبراء القانونيين، ثم يُعرَض على استفتاء عام لإقراره. والواقع أن محاور النقاش المُحدَّدة في المؤتمر تلامس بعضاً من هذه القضايا الجوهرية، وإنْ لا تصرّح بذلك مباشرة. إذا تمكّن المؤتمرون من التوصّل إلى هذه الرؤية المشتركة بشأن شكل الدولة التي يريدها السوريون، نكون قد خطونا خطوة مهمّة في الاتجاه الصحيح، ولن تمثّل عندها تسمية المؤتمر مشكلةً حقيقيةً، أطلقنا عليه اسم “المؤتمر الوطني” أو “مؤتمر الحوار الوطني”.
المسألة الثانية، التي يُؤمل أن تحضر بقوة في نقاشات المؤتمر، وإنْ لا يوجد ما يشير إلى ذلك في الأجندة، هي المرحلة الانتقالية. هنا يجب بالضرورة، وفي ظلّ الفراغ الدستوري الذي تعيشه البلاد منذ سقوط النظام البائد، التوصل إلى تصوّر واضح حول خطوات المرحلة الانتقالية، وهو ما لا نملكه حتى الآن.
لبعضهم ملاحظات على المؤتمر لجهة الشكل والتنظيم والصلاحيات والغايات والمخرجات ومصيرها، وغير ذلك، وهو أمر طبيعي لا بدّ أن يرافق أيّ عمل، خاصّة إذا كان التعويل عليه كبيراً. لكن لا ينبغي، في أيّ حال، أن يبدأ المؤتمر حواراته من الصفر، ذلك أن في الزعم إن السوريين لم يتحاوروا فيما بينهم منذ سبعين عاماً كثير من المبالغة، فعلى مدى العقد الماضي، عقد السوريون عشرات المؤتمرات، ونظّموا الندوات والحوارات خارج سورية وداخلها، إذ لم يكن للنظام سلطة، وتوصّلوا، في أحيان كثيرة، إلى أرضية مشتركة حول قضايا جوهرية يمكن البناء عليها. ستظلّ عقدة التمثيل واحدة من الهواجس التي تؤرّق أيَّ اجتماع سياسي لبلورة توجّه واضح نحو الدولة السورية المأمولة، وفي غياب الآليات والأدوات اللازمة، لن يكون سهلاً الوصول إلى حلّ مناسب لهذه العقدة، فسورية غير جاهزة حالياً لأيّ نوع من الانتخابات، ليس لأن ذلك قد يتسبّب بتعميق الاستقطابات الراهنة، وزيادة الشروخ السياسية والاجتماعية، بل أيضا لأنه غير ممكن عمليّاً في ظلّ وجود ملايين السوريين خارج مناطق سكناهم، وعدم توافر أوراق ثبوتية لدى كثيرين منهم. هذا لا يعني أن نعدم الحيلة للتغلّب على هذه العقدة من خلال الاتفاق على جملة معايير لتحقيق أفضل تمثيل ممكن، لا يكون بينها ما يقبل التأويل، مثل معيار الوطنية، الذي يرفضه بعضهم لعدم وجود تعريف واضح له، أو مرجعية متّفق عليها تميّز الوطني من غير الوطني.
في كلّ الأحوال، من أجل مؤتمر وطني ناجح سوف يكون من الخطأ تماما إقصاء أيّ طرف أو شخص أو جهة، إلا إذا كانت متورّطةً في دم السوريين. الاستبعاد بسبب خلافات سياسية أو أيديولوجية ينتقض من تمثيلية المؤتمر، ويحوله إلى حوار اللون الواحد، وهذا غير مفيد. وقد أحسن الأخوة المنظّمون (برأيي) في خفض سقف التوقّعات من المؤتمر، والتلميح إلى أنه قد يكون مقدّمةً لحوارات مستقبلية أخرى، فالأسئلة هنا كبيرة وكثيرة، وقد تصبح بعد المؤتمر أكبر وأكثر.
العربي الجديد
———————————–
الموقف الشعبي من الحوار الوطني في سوريا: رؤى وتحديات/ حمدان العكله
2025.02.26
شهدت سوريا على مدار العقود الماضية تحولات سياسية واجتماعية كبرى، إلا أن الثورة السورية التي اندلعت عام 2011 مثَّلت نقطة تحول جوهرية في تاريخ البلاد، وبعد سقوط النظام وانتصار الثورة، أصبح التساؤل حول مستقبل سوريا محورياً، خاصة مع الدعوات المتزايدة لعقد مؤتمر وطني شامل للحوار، هذا المؤتمر يهدف إلى إعادة بناء الدولة ومؤسساتها على أسس ديمقراطية، وتحقيق المصالحة الوطنية، وتعزيز الاستقرار، لكن يبقى السؤال الأهم: كيف ينظر الشارع السوري إلى الحوار الوطني؟ وما التحديات التي تواجهه؟
يمكننا القول إن هناك سمات أساسية للموقف الشعبي من مؤتمر الحوار الوطني السوري، نذكر أبرزها، ولعل أولها، التفاؤل الحذر، يُدرك الجميع أن الحوار ضرورة لتحقيق الاستقرار، فبعد سنوات من الصراع والانقسامات، يرى قطاع واسع من الشعب السوري أن الحوار الوطني ضرورة ملحة لإعادة بناء البلاد وإنهاء حالة الفوضى، فالمواطنون الذين عانوا من الدمار والتهجير يطمحون إلى عودة الأمن والاستقرار، ويرون أن الحوار الوطني قد يكون خطوة نحو تحقيق المصالحة، وبناء دولة مدنية تستوعب جميع مكوناتها.
ثاني هذه السمات، تتمثل بالمخاوف من إعادة إنتاج النظام القديم، على الرغم من دعم العديد من السوريين لفكرة الحوار، فإن هناك مخاوف واسعة النطاق من أن يتحول المؤتمر الوطني إلى مجرد وسيلة لإعادة إنتاج النظام القديم بواجهات جديدة، فالتجارب السابقة في العالم العربي أظهرت أن بعض عمليات الحوار الوطني لم تكن سوى آليات لتمكين النخب السياسية نفسها من السيطرة، دون تحقيق تغيير حقيقي، وفي الحالة السورية يتخوف البعض من إعادة رموز النظام السابق.
أما ثالث سمة للموقف الشعبي، فقد تجلت في غياب الثقة في الطبقة السياسية، عقب سنوات من الصراع والتدخلات الإقليمية والدولية، أصبح هناك انعدام ثقة بين الشعب والنخب السياسية المختلفة، فالبعض يتهم القوى السياسية الحالية بأنها لا تعبر عن تطلعات الشعب السوري، أو بأنها لا تعبر إلا عن لون من ألوان المجتمع السوري، وأنها منشغلة بتحقيق مصالحها الخاصة بدلاً من العمل على مستقبل مشترك يضمن العدالة والتنمية للجميع.
في حين أن رابع السمات، هي الدعوة إلى تمثيل أوسع في الحوار، حيث يشدد العديد من المواطنين والفعاليات المدنية على ضرورة أن يكون الحوار الوطني جامعاً لجميع الأطراف، وألا يقتصر على القوى السياسية والعسكرية فقط، بل يشمل أيضاً ممثلين عن المجتمع المدني، واللاجئين، والمهجرين، والنساء، والشباب، لضمان تمثيل حقيقي يعكس تطلعات مختلف فئات الشعب السوري.
إن الحديث لا يكتمل عن الحوار الوطني في سوريا دون الوقوف على التحديات والمعوقات التي تواجهه، ولعل أولى هذه التحديات، هو الإرث الثقيل للصراع والانقسامات الاجتماعية، حيث أدى الصراع السوري إلى انقسامات عميقة داخل المجتمع، سواء على المستوى الطائفي أو العرقي أو الجغرافي، ساهم النظام السابق بشكلٍ رئيس بذلك، لذا يمثل تحقيق المصالحة الوطنية تحدياً كبيراً، حيث تحتاج هذه العملية إلى جهود مكثفة لإعادة بناء الثقة بين مختلف المكونات المجتمعية.
كما أن هناك تحدياً ثانياً، تمثل بالتدخلات الخارجية وتأثيراتها على مسار الحوار، إذ لم يكن الصراع السوري شأناً داخلياً فقط، بل لعبت القوى الإقليمية والدولية دوراً بارزاً في تشكيل المشهد السياسي والعسكري، ومن هنا، فإن أي حوار وطني سيكون معرَّضاً لتأثير هذه القوى، مما قد يعرقل الوصول إلى حلول وطنية خالصة، ويجعل بعض الأطراف السياسية أكثر ارتباطاً بمصالح خارجية على حساب المصلحة الوطنية.
كذلك توجد تحديات العدالة الانتقالية والمحاسبة، فمن أهم القضايا التي تؤثر على نجاح الحوار الوطني في سوريا هي العدالة الانتقالية، حيث يطالب كثير من السوريين بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات التي ارتُكبت خلال سنوات الثورة لكن في المقابل، هناك تحديات مرتبطة بكيفية تحقيق هذه العدالة دون تعميق الانقسامات أو عرقلة عملية المصالحة.
إضافة إلى تحدٍ في إعادة بناء الدولة ومؤسساتها، فبعد سقوط النظام، تواجه سوريا تحدياً ضخماً في إعادة بناء الدولة على أسس جديدة، وإصلاح المؤسسات التي تضررت أو فقدت شرعيتها بسبب ارتباطها بالنظام السابق، هذه العملية تتطلب وجود رؤية واضحة ونظام سياسي واقتصادي مستدام يستطيع تلبية تطلعات المواطنين.
كما أن هناك تحدياً أساسياً، وهو التمثيل العادل للقوى الثورية والمعارضة، بعد انتصار الثورة، يبرز تساؤل مهم حول كيفية تمثيل القوى الثورية والمعارضة في عملية الحوار، بحيث لا يتم تهميش الأطراف التي قدمت تضحيات كبيرة، وفي الوقت ذاته لا تتحول العملية إلى إقصاء جديد لبعض الفئات، وتحقيق التوازن بين هذه التوجهات المختلفة يمثل تحدياً حقيقياً.
ختاماً: إنَّ سبيل إنجاح الحوار الوطني يتطلب وضع رؤية وطنية شاملة للحوار تستند إلى مبادئ الحرية والديمقراطية والعدالة، فيجب أن يكون هناك توافق على القيم الأساسية التي تحكم سوريا المستقبل، لضمان أن تكون مخرجات الحوار قابلة للتنفيذ وتحظى بقبول شعبي واسع، كما يتطلب نجاح الحوار إشراك المجتمع المدني في العملية السياسية، فهذه المؤسسات يمكن أن تسهم في تقريب وجهات النظر وتعزيز التماسك الاجتماعي دون أن يقتصر الحوار على الفاعلين السياسيين، كما يستلزم وضع آلية لتحقيق العدالة والمحاسبة دون أن تتحول إلى انتقام سياسي، وذلك من خلال تشكيل لجان مستقلة للتحقيق في الانتهاكات، وتقديم ضمانات بعدم الإفلات من العقاب، مع التركيز على المصالحة بدلاً من إذكاء روح الانتقام، ومن هنا، فإن الحوار الوطني يمكن أن يكون فرصة تاريخية لإعادة بناء الوطن على أسس أكثر قوة وتماسكاً.
تلفزيون سوريا
—————————
لبنان وسوريا… ترميم الشرعية والجنائز/ حسام عيتاني
يُبرر استبعاد الشرعية التمثيلية بأنها عاجزة في ظروف بلداننا عن الإنجاز
25 فبراير 2025
الحوار الوطني في سوريا وجلسات نقاش البيان الوزاري في لبنان، خطوتان صغيرتان من عملية كبيرة لترميم شرعية السلطة ومستوى تمثيلها في البلدين.
مئات المندوبين الذين وجهت إليهم الإدارة الحالية في سوريا دعوات للمشاركة في المؤتمر المحاط بالكثير من الأسئلة والشكوك من الداخل والخارج، اجتمعوا في دمشق لإنجاز مهمة رئيسة هي إنشاء شرعية جديدة لحكم البلاد. النواب اللبنانيون في بيروت مهمتهم أسهل. الشرعية قائمة بوجود هياكل عظمية لمؤسسات دولة شبه منهارة، وعليهم منحها من شرعيتهم التمثيلية لتنفيذ برنامج الحكومة الوارد في بيانها الوزاري.
لبنان وسوريا ليسا البلدين العربيين الوحيدين اللذين تعاني الشرعية فيهما من نواقص. السودان وليبيا واليمن مثلا، تمر بأزمة شرعية تجري محاولات الخروج منها من خلال الاقتتال في الميدان. مفهوم تماما ما يسوقه كل طرف من أطراف الصراع في البلدان الثلاثة، والاتهامات بالانقلاب وإشعال نيران الحرب الأهلية والاستقواء بالخارج وتنفيذ أجندات إقليمية مشبوهة والتمرد على السلطة السابقة الأعمق شرعية. بيد أن ذلك كله لا ينفي أن السودان وليبيا واليمن، تشهد استعصاءات عميقة تحول دون بناء سلطة ذات شرعية راسخة.
وفي السياسة العربية وفكرها، غالبا ما يجري إهمال مسائل من نوع “الوكالة” (Agency) بمعنى التكليف السياسي الممنوح للسلطة القائمة وحدوده وميادينه ومدته الزمنية ومصادره، وهي العناصر التي يفترض أن تؤلف شرعية السلطة. وغالبا ما يجري الهروب إلى استبدال الشرعية بالغلبة والشوكة. ورغم أن الكثير من الدول العربية لم تلغ نهائيا فكرة الشرعية الشعبية عبر إجرائها استفتاءات تجدد للرئيس و”القائد الضرورة” و”الزعيم الملهم” بنسب تتجاوز التسعة والتسعين في المئة، فإن الاستفتاءات هذه تؤكد في واقع الأمر على بقاء أنواع من الشرعية الثورية أو التوافقية، اللتين شكلتا نقطة النهاية لحرب تحرير من الاستعمار (الجزائر مثلا والعهد الناصري في مصر بدرجة أقل إذا أخذت في الاعتبار مرحلة خروج البريطانيين وتأميم قناة السويس) أو تجنب تمدد الاحتراب الأهلي إلى ما لا نهاية (لبنان والعراق).
وغالبا ما يُبرر استبعاد الشرعية التمثيلية بأنها عاجزة في ظروف بلداننا عن الإنجاز وبناء المؤسسات العاملة على خدمة المواطن بفاعلية حيث سينصب جل اهتمام السياسيين على ضمان مصالحهم وامتيازات مؤيديهم وما شابه.
هذه الفكرة تجد حاليا جمهورا عريضا خارج دول ذات إرث متواضع في تداول السلطة مثل دولنا، لتصل إلى الغرب المفترض أنه عريق في الديمقراطية حريص على التمثيل الواسع لكل فئات الشعب، على ما نرى في الولايات المتحدة وعلى ما تنبئنا نتائج الانتخابات الأخيرة في أكثر من بلد أوروبي.
أسئلة الشرعية والتمثيل والوكالة، لا تقتصر بطبيعة الحال على لبنان وسوريا. لكن هذين البلدين الخارجين للتو من وضعين كارثيين جراء خيارات حكامهما، ترتفع أمامهما مهمة تعريف السلطة المقبلة التي من المفترض أن تنال شرعيتها من أكثرية السكان الذين تدور شكوك أصلا حول اتحادهم في “شعب” بالمعنى الذي تصفه الحداثة الأوروبية.
إذا أخذنا لبنان كعينة، نجد أن انهياره المستمر منذ 2019 والذي بلغ ذروته في تفكك إدارات الدولة وشغور القصر الرئاسي لعامين ونيف قبل أن تحصد “حرب الإسناد” البائسة حيوات آلاف اللبنانيين وتلحق دمارا غير مسبوق بعمرانه واجتماعه، عوامل أعادت إحياء أشباح الحرب الأهلية التي لم يتوقف طوافها في سماء لبنان أصلا.
مشروع الدولة الذي ينادي به السياديون يفتقر، من جهته، إلى العناصر التي تلبي أولويات اللبنانيين المختلفة. الطائفة الشيعية التي تخشى خسارة الامتيازات التي حصلتها في الأعوام العشرين الماضية، ترى أن منع إسرائيل من تجديد اعتداءاتها على معاقل الشيعة في الجنوب والبقاع والحفاظ على المناصب المفتاحية في الدولة واستغلال كل فرصة ومناسبة لإظهار القوة ولو من خلال إرسال المراهقين على دراجاتهم النارية لاستفزار سكان المناطق المختلفة طائفيا، هي المسائل التي يجب أن تحصل على الأولوية في المعالجة وهذا ما لا تتفق معه كثرة من اللبنانيين.
عليه، تبقى الشرعية هشة ومحكومة بأعداد الأكثريات والأقليات وعدد الحضور في هذا المهرجان وتلك الجنازة، ما يحيل إلى قول منسوب للإمام أحمد بن حنبل “بيننا وبينكم الجنائز”.
بكلمات ثانية، ستستمر سياسة الهوية المنتجة للعدد المجرد من أي مضمون سياسي حديث هي الحاكمة، فيما تنتظر عمليات صوغ القوانين وتطبيقها في مكان قصي.
المجلة
———————————
سورية وما بعد سورية… مملكة نتنياهو/ وائل قنديل
26 فبراير 2025
مات ستة أطفال صغار متجمّدين من شدة البرد في غزّة، استشهدوا في العراء، لأن جدراناً أربعة لبيت أو خيمة لم تضمّهم. ماتوا انتظاراً لدخول المنازل المتنقّلة التي نصّ عليها اتفاق وقف الحرب، كما وعدهم الوسطاء الأشقّاء. ما الذي منع الوسطاء من إدخال منازل متنقلّة تنقذ أطفال غزّة من برد العراء المسعور؟… رفض نتنياهو، هكذا تصفعنا الإجابة الأشدّ قسوة من عضّة برد الشتاء القارس قي غزّة المُدمَّرة. لأن نتنياهو لم يوافق. ومن ثمّ، فهذا الاتفاق، كما خارطة المنطقة كلّها، ملك نتنياهو، هكذا يقرّ العرب الرسميون عملياً.
قيل للفلسطينيين في غزّة إن هذا الاتفاق محمي بضمان الوسطاء، وإنه فخر إنجازات الدبلوماسية الرسمية العربية، وإنه سوف ينقل غزّة إلى عهد جديد، ثمّ قرّر نتنياهو وحده تمزيق ما جرى الاتفاق عليه رسمياً، والبدء من جديد، على أن يكون كلّ مقبل شفهياً، يتأسّس على ما يعلنه من رغبات ومطالب، ليس في غزّة والضفة الغربية فقط، بل في الجغرافيا العربية كلّها. وهاهو يبدأ من سورية، فبعد أن ضمّ
نحو 300 كيلومتر مربّع جديد من الأراضي السورية، يقرّر الآن المساحات المسموح للجيش السوري بالوجود فيها داخل سورية، ويحدّد منفرداً، المسافات التي ينبغي أن تقف عندها القوات السورية النظامية، لكي لا تشعر إسرائيل بالقلق، ثمّ يعلن وصايته على دروز سورية، ويفتح الباب أمام السوريين للعمل في مناطق الاحتلال باليومية.
مثل هذه الغطرسة الصهيونية لا يكون الردّ عليها بتظاهرات شعبية في المناطق المطلوب إنهاء وجود الجيش السوري فيها، ولا بلقطات فوتوغرافية تجمع الإدارة السورية بزعماء العشائر الدرزية، فالتظاهرات المسيّرة لم تفتح معبر رفح، المصري الفلسطيني، ولم تحرّر محور صلاح الدين (فيلاديلفي)، ولم تكبح شهية الاحتلال المجنونة لالتهام ما يريد من الجغرافيا العربية الطرية، مع الوضع في الاعتبار أن كلّ مؤقت عند الكيان الصهيوني يتحوّل دائماً، وكلّ مساحة مقتطعة من اللحم العربي الحي تصير جزءاً من نسيج المشروع الصهيوني.
لا يكفي هنا القول إن لدى النظام السوري الجديد ملفّات أهم ومهام أثقل، أو أنه يبني الدولة من الصفر، بعد أن تسلّمها خراباً، ذلك أن أيّ دولة وطنية إن لم تتأسّس، أولاً وقبل شيء، على صيانة ترابها الوطني وحماية حدودها من أطماع العدو، فإنها تلقي بنفسها في طريق مظلم، نهايته معروفة، بحيث لا يبقى معنى هنالك للدولة أو للوطنية. باختصار، لا حدود ملزمة للكيان الصهيوني في الشرق الأوسط كلّه، فحدوده حيث يشعر بالأمان الكامل، وحيث لا يوجد أي تهديد عسكري لبقائه، وحيث لا يبقى أيّ شكل من أشكال المقاومة لأحلامه التوسّعية، وبالتالي فهو يريد أن يفعل في سورية ما فعله في غزّة وفي جنوب لبنان.
ما يريده نتنياهو، وما بدأ تنفيذه فعلياً، هو نزعٌ كاملٌ للسلاح السوري من المنطقة الواقعة جنوب غربي سورية، بداية من دمشق. وفي غزّة، إنهاء وجود حركة حماس، وسيطرتها المدنية والعسكرية، ونزع سلاح القطاع. وفي الضفة، إعادة الاحتلال مع الرفض القاطع لمسمّى الضفة الغربية، وفرض اسم “يهودا والسامرة”. وفي لبنان، يريد القضاء على وجود حزب الله، وأن يكون جنوب لبنان، من نهر الليطاني جنوباً وشرقاً، منطقةً منزوعة السلاح (سلاح حزب الله)، مع التهديد بأن إسرائيل ستفعل ذلك بنفسها إذا لم يؤدِّ الجيش اللبناني المهمة. ولا يمكن في السياق إهمال الإشارة إلى سيطرة جيش الاحتلال على محور صلاح الدين الممتدّ بين الأراضي المصرية وقطاع غزّة، وإعلان نتنياهو وجنرالاته أنهم لا يعتزمون الانسحاب منه.
والحال كذلك، يصبح الصمت، أو الإبطاء في الردّ، على قرار نتنياهو المنفرد بإعادة رسم الخرائط السورية واللبنانية والفلسطينية، بمثابة محفّز إضافي له، لكي يكرر الشيء نفسه في كلّ أرض عربية، فلا يتوقّف الأمر عند جنوب سورية، بل يمتدّ إلى سورية كلّها، وما بعد سورية، على حدّ تعبير المحلّل السياسي الفلسطيني محمود يزبك، فما الذي يمنعه من أن يصل إلى مصر وإلى السعودية والعراق، مادام المعيار الوحيد عنده هو أمن إسرائيل، وخطّ الحدود المقبول بالنسبة له هو حيث لا توجد قوة عسكرية عربية قد تشكّل تهديداً للاحتلال أو تحدّياً لأحلامه الإقليمية. ومادام بقي عرب يرون في دونالد ترامب، الموافق على ذلك كلّه، والحارس له، صانع السلام الذي انتظروا عودته لكي تدور عجلة التطبيع من جديد، ويلتحق بها كلّ من لم يصبهم الدور بعد.
مرّة أخرى، نحن بصدد اعتداء صريح على دولة عربية قبل أيّام من انعقاد قمّة عربية (طارئة) متوقعة، إن لم يصدر منها ردّ عملي حاسم عليه، سيكون هذا إعلاناً منها بالامتثال لمشيئة مجرم الحرب، الذي يريد التهام سورية وما بعد سورية، في أمّة خذلت الرجل الذي رفع شعار “حيفا وما بعد حيفا”، وطبّقه واقعاً عملياً، ورحل شهيداً له ولفلسطين، ثمّ وجدنا من يهنّئ نتنياهو على اغتياله، ويحتفل به.
العربي الجديد
—————————————
هل تصادر الودائع السورية في المصارف اللبنانية؟/ طوني بولس
تقديرات لحجمها بين 20 و42 مليار دولار بينما تشير مصادر لبنانية إلى تراوحها بين 8 و10 مليارات
الأربعاء 26 فبراير 2025
في إطار مساعي الإدارة السورية الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع إلى معالجة الملفات العالقة، برزت قضية الودائع السورية في المصارف اللبنانية كأحد أبرز التحديات. تتفاوت التقديرات حول حجم هذه الودائع، ففي حين قدر رئيس النظام السوري السابق بشار الأسد قيمتها بين 20 و42 مليار دولار، تشير مصادر مصرفية لبنانية إلى أن الرقم لا يتجاوز 8 مليارات.
تشير المعلومات إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع بدأ بفتح الملفات القديمة التي ورثها عن النظام السابق، في محاولة منه لمعالجة التركات العالقة وتصحيح المسار الاقتصادي والسياسي في البلاد. وفي هذا السياق، تبرز قضية الودائع السورية في المصارف اللبنانية كإحدى هذه الملفات الشائكة التي تستوجب حلولاً عملية تضمن حقوق جميع الأطراف المعنية. ويبدو أن الشرع يصر على استعادة هذه الأموال، معتبراً إياها جزءاً أساسياً من حقوق الدولة السورية، خصوصاً أن قسماً كبيراً منها يعود لأتباع النظام السابق ومصدرها الفساد الداخلي، ويرى الرئيس السوري أن هذه الأموال يجب أن تستخدم في مشاريع إعادة الإعمار في بلاده.
تفاقمت قضية الودائع السورية في ظل الأزمة المالية التي يعانيها لبنان منذ عام 2019، إذ فرضت المصارف اللبنانية قيوداً مشددة على عمليات السحب والتحويل، مما جعل استرداد هذه الودائع أمراً بالغ الصعوبة. كما تراجعت احتياطيات مصرف لبنان من 36 مليار دولار في عام 2016 إلى نحو 8 مليارات دولار في عام 2024، مما زاد من تعقيد إمكان استعادة الودائع.
وفقاً لأرقام أعلنها رئيس النظام السوري المخلوع بشار الأسد، تتراوح قيمة هذه الودائع بين 20 و42 مليار دولار، بينما تشير مصادر مصرفية لبنانية إلى أن حجم هذه الودائع لا يتجاوز 8 إلى 10 مليارات دولار.
مسار قانوني
في المقابل تبدو السلطات اللبنانية متحفظة في شأن هذا الملف، إذ أشار مصدر قضائي لبناني (رفض الكشف عن اسمه) إلى أن القضاء اللبناني سيجري تحقيقات في مصادر الودائع السورية في لبنان، وأن أي أموال سورية لا تواجه أية إشكالية قانونية أو مالية، وكانت وضعيتها سليمة في المصارف اللبنانية، سيجري التعامل معها كأية وديعة لبنانية أخرى، ولن تخضع لأي إجراءات استثنائية. أما بالنسبة إلى الودائع التي قد تكون مشبوهة أو مصادرها تعود للفساد وتبييض الأموال، أو التي استخدمت كوسيلة لتحويل الأموال بطرق غير شرعية في الحقبة السابقة، واستخدمت البنية التحتية الاقتصادية والمالية اللبنانية، فسيجري حجزها ومصادرتها.
وأوضح أن هناك مساراً قانونياً يجب أن يبدأ من سوريا، معتبراً أن “الخطوة الأولى التي يجب على الحكومة السورية اتخاذها هي تقديم طلب رسمي إلى الحكومة اللبنانية. هذا الطلب سيحال إلى هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان، التي ستقرر بدورها الموافقة على رفع السرية المصرفية أو الرفض أو تجميد هذه الحسابات”.
تستند الحكومة اللبنانية في هذا الإجراء إلى قانون مكافحة تبييض الأموال، الذي أنشئت بموجبه “هيئة التحقيق الخاصة” لدى مصرف لبنان المركزي. هذه الهيئة ذات طابع قضائي مستقل، ولا تخضع في ممارسة أعمالها لسلطة المصرف المركزي. تتألف الهيئة من حاكم “مصرف لبنان” أو أحد نوابه، والقاضي المعين في الهيئة المصرفية العليا، ورئيس لجنة الرقابة على المصارف، وعضوين يعينهما مجلس الوزراء.
وأشار المصدر القضائي ذاته إلى أن الهيئة، وفقاً للإطار القانوني الحالي، لا تقدم حلولاً قانونية حاسمة في شأن وجود أو عدم وجود عمليات تبييض أموال، كما أن قراراتها لا تتمتع بصفة الأحكام القضائية الملزمة.
تقديرات متباينة
تتفاوت التقديرات في شأن حجم الودائع السورية في المصارف اللبنانية، إذ تشير دراسة للمشرف على قسم البنوك والتأمين في جامعة دمشق علي كنعان، إلى أن الودائع السورية تشكل نحو 25.4 في المئة من إجمالي الودائع في البنوك اللبنانية، التي تبلغ نحو 177 مليار دولار.
في المقابل، يرى خبراء ومصرفيون أن هذه الأرقام مبالغ فيها. إذ قدر الرئيس السابق للجنة الرقابة على المصارف في لبنان سمير حمود حجم الودائع السورية بما لا يتجاوز 7 مليارات دولار، أي نحو ستة في المئة من إجمالي الودائع، مشيراً إلى أن الجزء الأكبر من هذه الودائع يعود لأفراد لا علاقة لهم بالأعمال التجارية.
تعقد العقوبات الدولية المفروضة على سوريا، وخصوصاً “قانون قيصر” الأميركي، المشهد أكثر. تخشى المصارف اللبنانية من خرق هذه العقوبات في حال تعاملها مع أموال قد تكون مرتبطة بالنظام السوري السابق، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيدات أمام استعادة هذه الودائع.
تدقيق جنائي
في هذا السياق لفت الخبير الاقتصادي نيكولا شيخاني إلى أن “تدفق الأموال من سوريا إلى داخل لبنان كان ميسراً قبل عام 2013، لكن بعد ذلك التاريخ أصدر مصرف لبنان المركزي توجيهات مشددة تمنع دخول الأموال بطرق غير قانونية، وذلك في إطار تطبيق ’قانون قيصر‘ وقوانين مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. وأضاف “إذا كانت هناك أموال دخلت البلاد بطرق غير مشروعة، فلا يمكنني تحديد كيفية ذلك. ولذلك من الضروري إجراء تدقيق جنائي شامل على القطاع المصرفي بأكمله، على غرار المطالبات بالتدقيق الجنائي في مصرف لبنان المركزي، وذلك للكشف عن جميع التحويلات المالية المشبوهة التي جرت داخل القطاع”.
وأوضح أنه من المحتمل أن تكون بعض الأموال دخلت البلاد نقداً عبر الحدود، ثم أودعت في بعض المصارف من دون تطبيق إجراءات “اعرف عميلك” (KYC) اللازمة، وأشار إلى أن هذه العملية تعتبر مخالفة للقانون، وتقع مسؤوليتها على عاتق المصارف المخالفة وليس على الدولة.
وشدد شيخاني على ضرورة إجراء تدقيق شامل للمصارف، لتحديد حجم وطبيعة المعاملات المالية التي تمت، والكشف عن أية مخالفات أو تجاوزات تكون وقعت. واعتبر أن “المشكلة اليوم تكمن في السرية المصرفية”، معترفاً بصعوبة تحديد مصادر الأموال المشبوهة. وتابع أن “الحديث عن هذه الأموال يتطلب حذراً شديداً، لتجنب التورط في اتهامات غير دقيقة قد تترتب عليها عقوبات قانونية”.
وأشار إلى أن هناك قوانين دولية صارمة، مثل “قانون قيصر”، تمنع استخدام الدولار في المعاملات المالية مع سوريا. وفي حال تحويل أموال إلى لبنان، فإن المصارف اللبنانية تخضع لمعايير دولية صارمة، مثل “اعرف عميلك” للتأكد من شرعية مصادر الأموال. ورجح أن تكون معظم هذه الأموال شخصية ولأصحابها حق التصرف بها، ولكن هناك استثناء في حال طاولت العقوبات الدولية أصحابها.
حقوق لبنان
وأوضح الأمين العام للهيئات الاقتصادية في لبنان نقولا شماس أن “الأزمة الاقتصادية في سوريا والحرب فيها أسهمتا بصورة كبيرة في تدهور الوضع المالي والمصرفي في لبنان”، مشيراً إلى خروج كميات كبيرة من الدولارات من لبنان إلى سوريا من خلال تهريب المواد والسلع المدعومة من المصرف المركزي اللبناني، إضافة إلى تكاليف النزوح السوري.
في المقابل تساءل شماس عن حقوق لبنان المالية لدى سوريا، التي تقدر قيمتها بين 50 و100 مليار دولار على مدى الأعوام الـ50 الماضية. وأشار إلى أن “النظام السوري السابق كبد لبنان خسائر مالية واقتصادية هائلة، من خلال إغلاق الحدود وتعطيل الصادرات اللبنانية، إضافة إلى إغراق السوق اللبنانية بالتهريب”.
ودعا شماس الدولة اللبنانية إلى توثيق هذه الوقائع والمطالبة بالتعويضات عن الأضرار التي لحقت بها، مؤكداً أن أي نظام جديد في سوريا لا يمكنه التنصل من هذه المسؤوليات، نظراً إلى استمرارية الحكم. وشدد على ضرورة أن يتحرك لبنان كما فعلت الدول الأوروبية بعد الحروب العالمية، من خلال المطالبة بحقوقه المالية والاقتصادية، مؤكداً أن “لبنان دولة قانون، وكل صاحب وديعة شرعية سيستعيد حقه”، مشدداً على أهمية المطالبة بحقوق لبنان المالية لدى سوريا، لتحقيق العدالة والتوازن في العلاقات بين البلدين.
—————————–
الاختبارات والخيارات السورية/ موفق نيربية
تحديث 26 شباط 2025
كانت عناصر انهيار النظام قد اكتملت منذ زمن، ولم يعد يلزمه إلّا دفعة جدية واحدة. كما كان قد خيّم على سوريا طوال الخريف الأخير جوّ من الترقّب والانتظار، وعلائم اقتراب فصل جديد مختلف عمّا عهدناه في السنوات العشر الأخيرة: هنالك “تغيير” ما مقبل سيشمل كلّ شيء، ويتعلّق بكلّ شيء. وحين ابتدأ تحرّك تحالف هيئة تحرير الشام ومن معها باتّجاه الفوج 46 لقوات الأسد، وتحقيق النجاحات “الصغيرة” من بلدة إلى بلدة، ابتدأ معه التركيز تدريجياً على تلك البؤرة، التي اتّسعت باتّجاه حلب: عاصمة الشمال الكبرى والاستراتيجية. وكان يكفي استخراجها من يد الأسد لتغيير المعادلات جذرياً. وشاهد السوريون فيلماً صامتاً فيه بضع سيارات تخترق المدينة من غربها، وتسير من دون ضجة ولا مقاومة حتى القلعة وساحة سعدالله الجابري وسط حلب.
من حلب ابتدأت المفاجأة الصاعقة: ليس هنالك من جيش ولا أجهزة أمنية ولا مؤسسات رسمية في وجه القوى المتقدّمة. فكان من الطبيعيّ إذن الاستمرار نحو وسط البلاد، وربّما نحو دمشق، وهذا ما حصل، ذاب النظام وقوّته الضاربة أمام خطى الزاحفين من الشمال الغربي. ذلك اختبار أوّل، لاجتياز مرحلة أولى: إسقاط النظام، وقد نجحت فيه هيئة تحرير الشام وتحالفها المنتظم في “إدارة عمليات ردع العدوان” بامتياز وتفوّق، ولم يكن لأية قوة أخرى أن تحقق ذلك مثلها، لا القوى القريبة من الأتراك في الشمال، ولا تلك التي في الجنوب، ولا في الجنوب الشرقي، ولا حتّى قوات سوريا الديمقراطية، الأكثر تنظيماً وتدريباً وعدّةً وعدداً، بسبب صفتها “الكردية” الملتبسة على الأقل.
ربّما أتاح قرار المتابعة إلى دمشق تحرّراً من بعض قيود الجانب التركي، الذي هلّل لسقوط حلب، وابتدأ بالتمهيد لمشاريع لها تتعلّق بعودتها إلى “جذرها العثماني”، بين سياسييه القوميين المتعلّقين بالتاريخ بقوة، وقد انشغلت القوى التي تحمل اسم “الجيش الوطني” الأقرب بشكل عضوي إلى السياسات التركية، بما هو أهمّ لتلك السياسة، وهو التوجّه شرقاً نحو الجزيرة السورية، مع توجّه الآخرين جنوباً نحو دمشق، والانشغال بتحييد، أو إضعاف الخطر على “الأمن القومي” التركي، في الشمال الشرقي، حيث يريد البعض استكمال الحزام الأمنيّ العريض على طول الحدود شمال سوريا. ذلك اختبار- غير مباشر- ثانٍ، نجحت به هيئة تحرير الشام، بأن تتحرّر قليلاً ونسبياِ من الإسار التركي، ويبقى ذلك النفوذ العامّ الذي يمكن معالجته والتعايش معه، وربّما الاستفادة منه لاحقاً بانتظار اشتباك أطراف المعادلة الإقليمية، وتفاعلها والوضع الذي ستستقرّ توازناتها عليه.
لكنّ الاختبار المؤهّل للمراحل المقبلة، كان فيما تتضمنّه قيادة هيئة تحرير الشام نفسها، ليس لإسقاط النظام وحده، بل في تشكيل السلطة البديلة: لأنها منظّمة مصنّفة إرهابية، وقادتها مطلوبون دولياً، وهي قد تناسلت مروراً بمنظّمة القاعدة وداعش والنصرة، وكلّها أسماء بحمولة” ممنوعة”! كانت الهيئة وقيادتها قد بدأت التمهيد لذلك منذ ثلاث سنوات كما يبدو، وخَلَع الجولاني زيّه السلفي/ الأفغاني، وعاد إلى اسمه المدنيّ أحمد الشرع: ابن الجولان وحيّ المزة، والعائلة المدينية ذات الميول السياسية القومية واليسارية. وحين الوصول إلى دمشق ابتدأ طرح النيّة على حلّ الهيئة واندماج كلّ الفصائل العسكرية في جيش وطني جديد، كما ابتدأت عمليّات تخفيف مخاوف ومصادر قلق السوريين والقوى الإقليمية والدولية.
ورغم مظاهر النجاح المهمّة على السطح، وبين الصفّ الأوّل لهذه السلطات الجديدة، لم يختفِ ذلك القلق، لأنّ هنالك فصائل متعدّدة، وأيديولوجيا متشدّدة “ثقيلة” تحكم عقولها، وإرثاً من العقلية الطائفية والثارات يُخشى من ظهوره دائماً، ولا يمكن إلغاؤه بإعلان بسيط. لقد ظهرت أمثلة على ذلك في أكثر من مكان، مشوّهةً نظافة اللوحة الأوّلية، وإحساسَ الناس بأن نعمة غير مستحيلة قد حلّت بهم، إذ سقط النظام من دون سفك دماء تكفي لتشفي غليل “أولياء الدم”، وكانت أكثر التوقّعات تفاؤلاً لا ترى التغيير ممكناً من دونها.
هنا لا بدّ من تسجيل أن إجراءات العدالة الانتقالية قد تأخّر الحديث فيها كثيراً، الأمر الذي قد يكون سبباً في بعض الفوضى ومظاهر الغلوّ. كان ذلك نجاحاً ثالثاً؛ وفي اختبار صعب، الفشلُ فيه فشل المشروع كلّه؛ لكنّ نتيجته جاءت بدرجة مقبولة وحسب، لأنّ روح الانتقام من جهة، وروح القلق والحذر، ما زالا يجوسان الساحة السورية ليلاً ونهاراً في أكثر من مكان. ويحتاج هذا إلى جهد أكبر من نوع المبادرات التي خرجت من بين الناس للحفاظ على السلم الأهلي، وتحتاج إلى اهتمام ودعم أكبر من الحكومة المؤقّتة ثم الانتقالية. لذلك الاختبار الثالث وجه آخر، هو الأمن والأمان عموماً، وقد نجحت السلطة الجديدة فيه حتى الآن، ولكن بدرجة متوسّطة. فلا تزال هنالك حوادث خطف وعدوان على الناس، وما زالت هنالك تهديدات انتقامية أيضاً تتعلّق بسكن الأهالي وعيشهم وسلامتهم، لم تبلغ درجة الفوضى، لكنّها غير مطمئنة أيضاً. يتعلّق الاختبار الرابع بأكثر المسائل تأثيراً على حياة المواطنين، وهو ليس سهلاً على الإطلاق، لأنّه يرتبط بقدرة الناس على العيش واستمراره، في ظلّ عجز اقتصادي وبطالة واعتماد شبه كليّ على الدعم. لقد ترك النظام الساقط البلاد في حالة مزرية جداً، تقع فيها غالبية الشعب تحت خط الفقر، وتعجز عن تأمين سكنها وقوت يومها وصحتها وتعليم أبنائها: هذه ليست خطيئة هذه السلطة الجديدة، لكنّها مسؤوليّتها المباشرة الآن، بعد أمان الناس واطمئنانهم على حياتهم. ومن أجل حلحلة هذا الأمر، لا بدّ من دعم خارجي إسعافي، وتخفيف للعقوبات التي يؤثّر كثير منها، والانكباب على توليد حلول للبطالة، التي زادتها السلطة الجديدة بصرف جزء كبير من الموظّفين والعمال، إضافة إلى تسريح الجيش والشرطة وموظّفي الأمن ووووو. ذلك اختبار لم تظهر نتيجته بعد، وهي معلّقة فوق رؤوس أهل الحكم الحاليين، كما هي فوق رؤوس الناس بغالبيّتهم الكاسحة.
لكن هنالك اختبارات أساسية/ سياسية ما زالت جارية أو قيد التحضير، من نوع الموادّ “المرسّبة” كما كانت تُسمّى في سوريا. أوّلها ما تكرّر مراراً من قبل الأطراف الدولية كلّها، أوروبا، والولايات المتحدة والأمم المتحدة، مع الأطراف العربية النافذة: لا بدّ أن تكون “هيئة” الحكم الانتقالي ذات مصداقية وشاملة وغير طائفية بشكل عملي، وذلك هو الاختبار الرئيس. ذلك يعني من دون التفاف: حكومة شفافة جاهزة للفحص والتأكّد والمراقبة، وتضمّ القوى الأساسية الفاعلة “سياسياً” داخل البلاد وخارجها، ولا تعكس تفوقاً لطائفة أو إقصاءً لغيرها ويضمّ هذا البند الأقليّات الدينية والمذهبية والإثنية. والاختبار الآخر يتعلّق بما يعوّض عن الانتخاب الصعب حالياً: مؤتمر للحوار، ومؤتمر وطني، وهيئة تشريعية مؤقتة. ذلك أساس للدولة الديمقراطية التي لم ترد بعد في أدبيات الطرف “المتغلّب”، وأجاب الرئيس الشرع حين سئل عنها “إذا كانت الديمقراطية تعني أن الشعب يقرّر من يحكمه ويمثّله في البرلمان، فإن سوريا تسير في هذا الاتّجاه”، وهذا أفضل نوعياً من “تكفير الديمقراطية” بالطبع، لكنه ليس إلّا وجهاً واحداً للديمقراطية، في حين يتعلّق الوجه الثاني بالحرّيات وحقوق الإنسان وكلّ العدّة الحديثة للديمقراطية، وأهمّها حرية السياسة وتشجيع الإقبال على ممارستها.
وهنالك اختبار خاص سهل جداً وممتنع جداً حتى الآن رغم البشائر هنا وهناك، هو التفاهم مع “مسد” في الشمال والشرق، وهو يحتاج إلى مقالة خاصة به.
يبقى الاختبار الخاصّ بسيادة القانون، وهو القواعد المؤسّسة للبناء والحاملة التي تشي بنوع البلاد ومستقبله الحقيقي: في هذا ينتظر السوريون إعلاناً دستورياً أو دستوراً موجزاً ومؤقّتاً تتسلسل منه قوانين مؤقتة أخرى لكل المجالات:
بعد قطع المرحلة الخطرة والحاسمة الأولى بنجاح، وهي انهيار نظام الاستبداد، لدى السوريين من التفاؤل ما يجعلهم إيجابيين ومقبلين أثناء انتظارهم، ويترقّبون خيارات السلطة المؤقّتة أمام أسئلتها الصعبة، أو كما يُقال: ينتظرون الأفعال…
ما زالت الاحتفالات مستمرة بذلك النصر، ولو أنّها خفتت قليلاً. وأقبل عديدون على محاولة المساهمة المتفائلة في العمل المدنيّ والسياسي، وفي حوارات متفرّقة تمدح وتنتقد، وفي تعبيرات تبالغ في هذا المديح أو ذلك الانتقاد.
كاتب سوري
————————-
الحوار السوري: بناء المستقبل لا البكاء على الأطلال
رأي القدس
تحديث 26 شباط 2025
انطلق صباح أمس في دمشق مؤتمر الحوار الوطني الذي كان تعهداً قطعته السلطات الجديدة الحاكمة في سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، وافتتحه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بكلمة حرص فيها على ملاقاة التطلعات الكبيرة المعقودة على المؤتمر. وكان واضحاً أنه أبدى حرصاً على وضع الآمال في موازاة الآلام، مشدداً على أن سوريا «أُنقذت من الهلاك» وهي «اليوم في غرفة الإنعاش» «مثقلة بالجراح» على مستويات «اجتماعية واقتصادية وسياسية ونفسية» ولكنها اليوم «عادت إلى أهلها».
ولا مبالغة في هذا التوصيف لأحوال سوريا الراهنة، التي خلّفتها 54 سنة من حكم نظام «الحركة التصحيحية» في خراب شبه عميم شمل البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعمرانية، فضلاً عن نهب الثروات الوطنية وتفكيك العرى الوطنية وتكريس التمييز على أساس المنطقة أو الطائفة أو الولاء. ولأن أبناء سوريا أول من اكتوى بنيران هذا الخراب، فإنهم خير من يدرك الأهمية البالغة لهذا المؤتمر وما سيسفر عنه من مخرجات وتوصيات.
صحيح بالطبع أن بعض العثرات اكتنفت التحضيرات للمؤتمر، وعلى رأسها الفترة الزمنية القصيرة الفاصلة بين توجيه الدعوات وموعد الانعقاد وما نتج عن ذلك من تعذر حضور بعض المدعوين والمقيمين منهم خارج سوريا خاصة، ولكن إذا كان عدد المتغيبين لا يتجاوز 30 شخصاً من أصل 570 حضروا بالفعل، فإن التقصير مقبول في مؤتمرات من هذا الطراز.
كذلك يمكن قبول التفسير الذي أعلنته اللجنة التحضيرية حول عدم دعوة قوات سوريا الديمقراطية ـ «قسد» في أن المؤتمر صيغة مجتمعية وليست حزبية أو فصائلية أو عسكرية، و«قسد» لا تحتكر المكون الكردي السوري الذي حضر في المؤتمر من خلال شخصيات تمثل مناطق تواجد الأكراد، فضلاً عن أن اللجنة عقدت لقاءات مع ممثلي محافظات دير الزور والرقة والحسكة حيث تبسط «قسد» نفوذها.
في المقابل يُسجّل للجنة التحضيرية أنها رسمت مسار عمل ثنائياً يبدأ من الاستماع إلى السوريين، ثم ينتقل إلى وضع المعايير الناظمة لتمثيل الطيف السوري في المؤتمر، فعقدت سلسلة كبيرة من ورشات العمل والجلسات الحوارية المركزية في المحافظات. واستمعت اللجنة إلى نحو 4,000 سورية وسوري من مختلف المكونات، قدموا أكثر من 2,000 مداخلة وقرابة 700 ورقة مكتوبة. الخلاصة كانت استخراج ستة محاور أساسية تعمل عليها مجموعات المؤتمر هي العدالة الانتقالية، والبناء الدستوري، والإصلاح المؤسسي، والحريات العامة والحياة السياسية، والمبادئ الاقتصادية العامة، ودور منظمات المجتمع المدني في تأسيس وبناء الدولة السورية.
وإذا صح أن الأعمال بالنيات، فإن مقاصد مؤتمر الحوار الوطني السوري تعكس بوضوح رغبة مبدئية أصيلة للانطلاق خطوات ملموسة نحو مستقبل أفضل على طريق جمهورية جديدة تحررت من ربقة نظام الاستبداد والفساد والارتهان الخارجي، تضمن العدالة والمساواة والكرامة والازدهار لجميع أبنائها، في ظل دولة الدستور والقانون والحقوق المدنية والحريات العامة، بصرف النظر عن انتماءاتهم الدينية، أو الإثنية أو المناطقية أو الطبقية.
ولعل سوريا هذه سوف تؤكد قول الشرع: «لسنا نجيد البكاء على الأطلال، ولسنا نجيد اللطم والعويل، بل نحن أمّة العمل والجدّ».
القدس العربي
———————————-
مسلسل “قيصر”: كارثة أخلاقية يتوّجها غسان مسعود!/ وليد بركسية
الأربعاء 2025/02/26
في العام 2020، كان الممثل السوري غسان مسعود يؤدي دور البطولة في المسلسل البوليسي “مقابلة مع السيد آدم” الذي استخدم بشكل ممنهج صوراً لضحايا نظام الأسد المخلوع في المعتقلات والسجون، وتم تسريبها العام 2015 عبر الضابط المنشق المعروف باسم “قيصر”، تنفيذاً لتعليمات رسمية وجهت حينها بالاستخفاف بالمعتقلين وضحايا التعذيب في البلاد. وعُرضت صور قيصر على أنها صور لضحايا قتلوا في سياق المسلسل من قبل عصابة تتاجر بالأعضاء، وذلك بعد عام من من استنفار مماثل تجاه ضحايا الهجمات الكيماوية أسفر عن مسلسلات سخرت من القضية بوصفها “أخباراً كاذبة”.
وحاول المسلسل حينها خلق انطباع بأن ضحايا التعذيب راحوا نتيجة جرائم جنائية، لا يتحمل مسؤوليتها النظام. ويظهر التناقض اليوم عندما يؤدي مسعود دور البطولة في مسلسل جديد يحمل عنوان “قيصر” ويتم تصويره في سجون سوريا التي تحررت من نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر الماضي، من دون التفات إلى ماضيه في دعم نظام الأسد أولاً، وحساسية القضية ثانياً، في حين مازالت سجون البلاد سيئة السمعة من دون حراسة وحماية للأدلة التي فيها.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن المسلسل مكوّن من 30 حلقة مقسمة إلى 10 ثلاثيات، ويشارك فيه عدد من الكتّاب من بينهم نجيب نصير وعدنان العودة، وهو من إخراج صفوان مصطفى نعمو، ويشارك فيه إلى جانب مسعود، دانا مارديني وجوان خضر وفاديا خطاب وغيرهم. وقال مسعود أن مشاركته في العمل “تمثل مسؤولية فنية وأخلاقية”، لأن العمل “ليس مجرد دراما، بل هو توثيق لمرحلة مفصلية في تاريخ سوريا”، مضيفاً أن “الشخصيات التي نؤديها ليست من وحي الخيال، بل هي أصوات حقيقية عانت وواجهت مصيرها في تلك الفترة”.
وذلك التصريح يعتبر مشكلة بحد ذاته، لأن الدراما كمنتج فني مسلٍّ، لا ينبغي أصلاً ان تكون توثيقاً سياسياً ولا أن تحمل قضايا مصيرية مثلما تم تكريسها طوال حكم الأسد لسوريا بوصفها منتجاً ثقافياً شبه وحيد في البلاد مع تحويل صناع الدراما إلى مفكرين وصحافيين وموثقين وباحثين وناقلين لواقع الناس. رغم أنه لا يفترض بهم الاضطلاع بتلك الأدوار أصلاً، بل فقط تقديم قصص مقنعة، حول حياة الناس أو حياة الفضائيين، لا يهم، وهو ما يلاحظ حتى بعد سقوط الأسد مع تصدر الممثلين لوسائل الإعلام من أجل حديثهم عن الأوضاع السياسية، أو تصدرهم مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في دمشق، كوجوه حصرية للثقافة في البلاد!
المشكلة لا تنحصر في مسعود “المكوّع”
ووجود مسعود في المسلسل هو حبة الكرز الصغيرة فوق كعكة الكارثة الأخلاقية التي يمثلها هذا النوع من الأعمال، بسبب ماضيه في دعم نظام الأسد، هو الذي اعتبر في لقاءاته الصحافية طوال سنوات أن “الجيش العربي السوري هو ضمان السيادة الكبرى” حسبما قال لـ”تلفزيون المنار” التابع لـ”حزب الله”. إضافة إلى استنكاره “شيطنة” “الجنود البواسل” في تصريحات مماثلة لـ”التلفزيون السوري”. لكن توجيه الغضب نحو الممثل فقط بوصفه “شبيحاً” أو “مكوعاً” يبقى مشكلة أيضاً في بلد تغيب عنه حتى اللحظة أي آلية للعدالة الانتقالية، مع تحجيم أي قضية وحصرها في أشخاص من دون تقديم سياق أوسع، سياسياً وثقافياً واجتماعياً.
والحال أن المسلسل ليس الوحيد من نوعه، بل سبق أن أعلن الممثل المعارض لنظام الأسد جمال سليمان، عن مسلسل آخر من بطولته وكتابة سامر رضوان، تدور أحداثه في “سجن صيدنايا المركزي”، من دون أن يحدث الإعلان استياء مماثلاً رغم أنه يشكل أيضاً فكرة مستفزة أيضاً. وذلك لأن مأساة مثل صيدنايا تحتاج إلى جهود حقوقية من أجل التوثيق والمحاسبة، بدلاً من تنفيذ مسلسل درامي يرقص فوق الجثث، لا أكثر.
وقال مخرج مسلسل “قيصر” صفوان مصطفى نعمو، أن “المسلسل ليس مجرد دراما تقليدية، بل هو شهادة تاريخية توثق الأحداث كما عاشها أصحابها، مضيفاً: “حرصنا على التصوير في أماكن حقيقية لأنها تحمل بين جدرانها قصصاً حقيقية، وأردنا تقديم تجربة بصرية ووجدانية تجذب المشاهد ليعيش معاناة الشخصيات بكل تفاصيلها”، ويتم تأطير كل ذلك على أنه “سابقة تاريخية لإضفاء أقصى درجات الواقعية على الأحداث”!
لا يختلف ذلك عن “الفلسفة الدرامية” التي قدمها مخرج النظام السوري الأول، نجدة أنزور، والذي صوّر العام 2013 ثلاثية من سلسلته التلفزيونية “تحت سماء الوطن” بالقرب من مدينة داريا المحاصرة حينها، كي يستفيد من الدمار الموجود في المكان لإضفاء طابع واقعي، رخيص الكلفة، على العمل المصمم بأكمله لنقل البروباغندا الرسمية حول الحرب في البلاد، بطريقة “فنية”.
هَوَس بالواقعية
والهوس بالواقعية لدى صنّاع الدراما السورية، مشوّه، لأنه يحرم الفن من الخيال ويحرم المشاهد من المتعة ويكشف كيف ينظر صناع الدراما لأنفسهم على أنهم ناقلون للصوت الرسمي لا أكثر، حتى مع عدم وجود سلطة توجههم بذلك بعد سقوط الأسد. ويصبح ذلك مشكلة أخلاقية في بلد عانى الحرب والانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان. ويمكن النظر إلى تصريح قديم للمخرج أحمد إبراهيم أحمد قبل سنوات حينما قال: “تنفق الشركات العالمية آلاف الدولارات من أجل صناعة ديكور دمار أو تمثيل مشهد حربي. أما هنا فلا ننفق شيئاً، أرضنا أصبحت مسرحاً درامياً حياً”. بينما قال المخرج سمير حسين، خلال تصويره مسلسله “فوضى” العام 2018، وهو واحد من أسوأ ما قدمته الدراما السورية في تاريخها: “أبهرني مشهد الدمار في مدينة داريا، واستفدنا من الأصوات الناجمة عن قصف المدافع وإطلاق الرصاص حتى أننا أدخلناها في مشاهدنا”.
ويقدم صنّاع هذه الدراما السوريون، مقاربة عجيبة، بتشبيه أعمالهم بسينما الواقعية الإيطالية الجديدة، وهي تيار سينمائي ظهر في إيطاليا خلال الحرب العالمية الثانية، رغم أن الفارق شاسع بين الحالتين. فالدراما السورية لم تهتم يوماً بالناس وأصحاب البيوت المدمرة والحياة التي كانت موجودة وتم إزهاقها مرة بعد مرة بدم بارد، سواء بقصف قوات النظام أو بالتعذيب في السجون، لأن القصص يجب أن تروي قصة “سورية صرفة”، وتغليف ذلك على أنه الواقع أو النسخة الصحيحة منه على الأقل.
والسؤال يتمحور هنا عن سبب “الضرورة” التي يشعر بها صناع الدراما للحديث عن مأساة السجون والمعتقلات والتعذيب، بعد عقود من الصمت. فهم من جهة، يملكون الحق للتعبير عن أنفسهم بحرية عن الواقع السياسي المحيط بهم، لكن من جهة ثانية فإن التصوير في السجون قد يشكل تخريباً لها لا يمحو فقط الآثار الفيزيائية الموجودة كدلائل على الفظائع المرتكبة من قبل النظام المخلوع، بل يشكل أيضاً عدم احترام للضحايا واستهتاراً بقضية المعتقلين. وهو عبث بالذاكرة الجمعية للسوريين، لأن تلك الأماكن يجب أن تبقى شواهد للأجيال المقبلة على المأساة كي لا تتكر. ولا يمكن تخيل شعور معتقلٍ ما ما وهو يفتح التلفزيون مثلاً ليُصدم بمشهد مصور في الزنزانة نفسها حيث كان يعاني أشد أنواع التعذيب، مثلاً.
عبث بالذاكرة وبحقوق الضحايا
وأظهرت الأسابيع الماضية استخفافاً كبيراً بقضية المعتقلين، حيث تُرك الأهالي ليبحثوا بحرية في السجلات مع تدمير للوثائق والأوراق، وغياب المنظمات الحقوقية والمدنية ذات الصلة عن المشهد. وكان صناع المحتوى يدخلون ويخرجون، فيما شهد بعض السجون فعاليات للرسم على الجدران إلى جانب تقارير إعلامية عن أشخاص يقومون بتفكيك الزنزانات في سجن صيدنايا لبيعها كقطع خردة، في ما يبدو أنه “تعفيش” منظم.
وباتت الزنازين المظلمة، حيث كان التعذيب والموت يحصلان بطريقة ممنهجة طوال 54 عاماً في مختلف مدن البلاد، مكاناً لجذب المشاهدات في مواقع التواصل ولترويج المسلسلات الدرامية، بدلاً من العناية بها وحمايتها كدرس “تنذكر وما تنعاد”، ومن أجل البدء بعملية محاسبة في إطار العدالة القانونية لاحقاً، فيما يكرر ناشطون وصحافيون الحديث عن أجندة ممنهجة من قبل فلول النظام السابق لطمس الأدلة وعرقلة الوصول للعدالة.
وطالبت منظمة “هيومن رايتس ووتش” في كانون الثاني/يناير الماضي، الإدارة السورية الجديدة، بالحفاظ على الأدلة والوثائق التي تم العثور عليها في السجون والفروع الأمنية التابعة للنظام السوري السابق، مضيفة أن “عشرات آلاف السوريين اختفوا قسراً على أيدي أجهزة الأمن والمخابرات التابعة للأسد، ومن حق العائلات معرفة الحقيقة، ولذلك يجب الحفاظ على أدلة الفظائع التي ارتكبتها الحكومة السابقة”. وأعربت المنظمة عن قلقها من أن الأدلة الحاسمة على الفظائع التي ارتكبها النظام السابق، معرضة لخطر التلف أو التدمير أو الضياع، محذرة من أن ذلك يُضر بجهود العدالة للضحايا والناجين وجميع الذين مازالوا في عداد المفقودين وعائلاتهم.
المدن
—————————
سوريا ولبنان وتشابه المسار: عهد عربي جديد تهدده إسرائيل/ منير الربيع
الأربعاء 2025/02/26
وكأن لبنان وسوريا يعودان إلى تلازم المسارات. ليس التلازم هنا مشابهاً لما كان عليه عندما ولدت معادلة “وحدة المسار والمصير” أيام الرئيس حافظ الأسد، والذي نجح بفرضها على اللبنانيين. ولدت تلك المعادلة يومها، في ظل تحديات كبيرة للبنان الدولة لبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، ولإدخال الجيش اللبناني إلى الجنوب في العام 1993، وكان ذلك ضمن مسار عام في المنطقة، غايته التفاوض مع إسرائيل وفق نظرية “الأرض مقابل السلام”. في حينها فرض الأسد على لبنان أن يكون ملحقاً بالمسار السوري، وأن لا يذهب إلى أي اتفاق سلام طالما أن سوريا لم تذهب إليه. حالياً، تبدو المعادلة معكوسة، بحكم المتغيرات التي حصلت والانهيارات التي أصيب بها البلدان. ومن المفارقات، هو التزامن بين بدء جلسات نيل حكومة نواف سلام الثقة في البرلمان، وافتتاح الرئيس السوري أحمد الشرع لمؤتمر الحوار الوطني. فجلسات الثقة تمثل الانطلاقة الفعلية لعهد “جوزاف عون ونواف سلام”. أما الحوار السوري فهو المرحلة الفعلية للدخول إلى حقبة دستورية مرحلية ستنتج عنها حكومة جديدة لإدارة المرحلة المقبلة تحضيراً لإعداد دستور جديد.
بعد 30 سنة
يواجه البلدان تحديات كثيرة. مع التشابه في الظروف والاستحقاقات وحتى في مضامين الخطاب والتوجهات. بدا البيان الوزاري الذي تلاه نواف سلام أمام البرلمان وكأنه مؤجل منذ أكثر من 30 سنة. هو البيان الذي كان يُفترض أن يُتلى من قبل أول حكومة شُكلت بعد اتفاق الطائف، إذ ينص بوضوح حول حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، التي من واجبها بسط سيطرتها على كامل أراضيها وخصوصاً في الجنوب. وهو البيان الذي كان يُفترض أن يلتزم بتطبيق اتفاق الطائف كاملاً، مع ما يقتضيه ذلك من إصلاحات قضائية وإدارية ومالية، بالإضافة إلى الإصلاحات السياسية المتصلة بقوانين الانتخاب واللامركزية وغيرها. ما تلاه سلام كان يتمنى كثر من رؤساء الحكومات تلاوته، إلا أن الظروف والوقائع لاءمت مرحلته، علماً أن العبرة تبقى في التنفيذ وفي استمرارية المسار.
عون والشرع
ما أعلنه الشرع في افتتاح مؤتمر الحوار، يشبه إلى حدود بعيدة ما هو مطروح لبنانياً، في مضمون خطاب رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي أكد أن لبنان سئم حروب الآخرين على أرضه، وأنه يلتزم مقررات جامعة الدولة العربية. موقف عون في غاية الوضوح لا سيما أنه أُبلغ لرئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ما يعني أن طهران هي المعنية بشكل مباشر بهذا الردّ، ولا سيما أن لبنان كان طوال السنوات الماضية عرضة لتجاذبات سياسية، ولشروط وضغوط عربية حول ضرورة عودته إلى “الحضن العربي” أو الالتزام بالموقف العربي وعدم الخروج عن هذا المناخ. ذلك أيضاً ما يؤكده الشرع بدءً من إجراءات تتصل بوضع الإيرانيين في سوريا وعدم السماح لهم بالدخول، أي الانتقال إلى ما يشبه القطيعة مع طهران، وتأكيده بأن سوريا لن تكون منطلقاً لأي تهديدات لأي دولة أخرى، ولن تكون ساحة للحروب. كذلك يتطابق كلام الشرع مع كلام عون وسلام حول ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، وكلامه عن العيش المشترك، وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
بالاستناد إلى مضامين الخطابات والمواقف، يظهر بوضوح مدى التلازم، وكأن هناك يداً خفية هي التي ترسم الملامح، بقوة دفع إقليمي دولي، لكن ذلك لا يخفي حجم المخاطر أو التحديات. فالبلدان يواجهان مخاطر كبيرة، أولها المشروع الإسرائيلي الذي لا يزال يصرّ على الاحتلال والتوسع والتدخل الأمني والعسكري، مع إمكانية انتقال هذا التدخل إلى فرض شروط سياسية أو زرع بذور لمشاكل داخلية كبرى، على خلفيات طائفية أو مذهبية أو قومية. كذلك هناك التحديات والمخاطر الداخلية، على المستوى السياسي والمستويات الاقتصادية والمالية، وما يتصل بكيفية إعادة بناء المؤسسات وسد الشواغر فيها. علماً أنه في البلدين سيكون هناك مواجهة فعلية مع مراكز قوى متعددة داخل “الدولة العميقة”.
العهد الجديد في البلدين
الآلية التي يعمل وفقها العهد الجديد في لبنان، يُراد لها أن تمثل قطعاً مع المرحلة الماضية، وهو ما سيحاول الرئيسان فرضه في آلية التعيينات التي ستعتمد. كذلك فإن الآلية التي ستعتمد في سوريا يُراد لها أيضاً القطع مع “بنية ومرتكزات” النظام القديم، وهذا سيضع الجانبين في مواجهة حقيقية وجدّية داخل البنى المؤسساتية والوجهة العام للدولة وديناميكية عملها.
في لبنان، هناك قوى عديدة ستشعر بأنها مهددة النفوذ، أو أن نفوذها قابل للانقباض، لا سيما في حال برزت نوايا واضحة لدى الرئيسين لخوض الانتخابات النيابية عبر تحالفات مع قوى مدنية وتغييرية، لتوسيع هامش كتلة التغييرين داخل البرلمان.
في سوريا، أيضاً هناك قوى وجهات متعددة ستجد نفسها مهددة النفوذ، وسط اختلاف واضح في الآراء والتوجهات، لا سيما في ظل التدخلات الإسرائيلية في الجنوب ومحاولة خلق فتنة وأزمة بين الدروز والدولة السورية، وكذلك بالنسبة إلى أي محاولة لخلق شقاق وصراع بين الأكراد والدولة المركزية، وبين العلويين والسنّة.
العلاقة بين سوريا ولبنان
لم يكن من السهل والبسيط أن يمنح حزب الله الثقة لحكومة نواف سلام، على الرغم من كل الظروف والتطورات القائمة، ولا سيما أن سلام كما رئيس الجمهورية يتحدثان بوضوح عن حصر السلاح بيد الدولة، وأن الدولة هي التي تمتلك قرار الحرب والسلم. يشير ذلك إلى تحول عميق بالتأكيد أن حزب الله يتعاطى معه بواقعية وفق ما يظهر حتى الآن منذ لحظة انتخاب الرئيس إلى منح الحكومة الثقة، على الرغم من القرارات التي اتخذت مؤخراً حول الطائرات الإيرانية والتظاهرات التي حصلت على طريق المطار. ليس من السهل بالتأكيد أن تعبر سوريا إلى حكومة جديدة تضم مختلف المكونات وتنطلق إلى مرحلة جديدة من الحياة السياسية السورية وسط كل التحديات والمواجهات القائمة. كل ما جرى يشير إلى أن البلدين دخلا في مرحلة جديدة، لكن التركيز يبقى في معرفة ملامح ما سيليها وكيف يمكن تحقيق ما تريده السلطتان.
إلى جانب التحديات الداخلية والخارجية لكل دولة. هناك تحديات او استحقاقات على مستوى العلاقة بين البلدين. منها ملف ترسيم الحدود، ووقف التهريب، وملف إعادة اللاجئين السوريين، وإيجاد حل لمشكلة الودائع السورية في المصارف اللبنانية، وإطلاق سراح الكثير من المعتقلين السوريين من السجون اللبنانية، مقابل الكشف عن مصير الكثير من المفقودين أو المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، وصولاً إلى إعادة النظر في كل الاتفاقيات القديمة، والبحث في اتفاقيات جديدة أيضاً. هذه كلها ملفات ستكون حاضرة في المرحلة المقبلة، وسط تحضير واستعداد للدخول في وساطات من قبل دول عربية عديدة للمساعدة على معالجة كل هذه الملفات.
المدن
—————————
تسويق أيمن أصفري.. رئيس حكومة سوري بـ”ستايل” لبناني/ مصطفى محمد
الأربعاء 2025/02/26
يبدو من تبني وسائل إعلام سعودية الحديث عن تولي رجل الأعمال أيمن أصفري، منصب رئاسة الحكومة السورية الجديدة “الموسعة”، أن الرياض تسعى وتدعم هذا المقترح.
فبعد أن كشفت قناة “العربية- الحدث” نقلاٌ عن مصادر أن الترجيحات في دمشق أن يتولى أصفري تشكيل الحكومة، تناولت صحيفة “عكاظ” السعودية الخبر، معتبرة أن تعيين أصفري يُعيد إلى الأذهان “الستايل” اللبناني في اختيار رؤساء الحكومة من طبقة رجال الأعمال، من الراحل رفيق الحريري إلى نجيب ميقاتي.
وتابعت الصحيفة أنه في حال كُلف أصفري، “فإنها المرة الأولى التي يتولى فيها رجل أعمال رئاسة الحكومة في سوريا التي اعتادت على شخصيات سياسية وحزبية بالدرجة الأولى، باعتبار حقبة البعث كانت ترى في أدبياتها الأيديولوجية أنها ضد الرأسمالية”.
وإذ يؤكد مصدر مقرب من الرياض، أن لا معلومات مؤكدة عن تكليف أصفري، يقول لـ”المدن”: “يمكن وصف طريقة تعاطي الإعلام السعودي بالتسويق لأصفري، وتوقعاتي تذهب نحو إعلانه رئيساً للحكومة”.
وأضاف المصدر بالإشارة إلى نفي مصادر مقربة من أصفري الأنباء التي انتشرت في وقت قريب عن تكليفه برئاسة الحكومة، وقال: “على ما يبدو أن أصفري طالب بشروط قبل قبوله بالمنصب، وغالباً هي ضمانات متعلقة بشكل الاقتصاد السوري الجديد”.
نقاشات مع الإدارة السياسة
وعلمت “المدن” من مصادر في العاصمة البريطانية لندن، حيث يقيم أصفري، عن نقاشات بين الأخير والإدارة السياسية في دمشق، بخصوص تكليفه برئاسة الحكومة الجديدة، والثابت فيها أن أصفري “لم يحسم أمر قبوله المنصب بعد”.
وكان أصفري قد طرح على الرئيس السوري أحمد الشرع، إشراك الكفاءات والخبرات (تكنوقراط)، في حكومة تصريف الأعمال التي يترأسها محمد البشير، وعدم الاكتفاء بتعيينات “اللون الواحد”، وذلك خلال لقاء جمعهما في دمشق، في 5 كانون الثاني/شباط الماضي.
وبعد اللقاء، أبدى المليادير السوري أصفري إعجابه بالشرع، قائلاً: “تفاجأت بشكل إيجابي بالشرع الذي يحمل مشروعاً وطنياً حقيقياً ويعمل لصالح الشعب السوري”.
أيمن أصفري
وكانت سلطنة عُمان المحطة الأولى التي دخل منها أصفري المولود في محافظة إدلب، في عالم المال والأعمال، إذ بدأ عمله فيها بمجال المقاولات، وثم أصبح شريكاً في شركة “بتروفاك” المختصة بخدمات الطاقة، وحالياً يشغل منصب الرئيس التنفيذي لمجموعة “فينتيرا” الرائدة في مجال طاقة الرياح البحرية.
يُعرف عن أصفري الذي يحمل الجنسية البريطانية، أنه يُتقن الإدارة في الظروف الصعبة، وهذا ما قد يجعله “الخيار الأفضل” لسوريا التي تعاني من وضع اقتصادي بالغ التعقيد، نتيجة الحرب.
لم ينخرط أصفري الحاصل على شهادة ماجستير في إدارة الأعمال من الجامعات الأميركية، في العمل السياسي، لكنه عارض النظام السوري بعد اندلاع الثورة، وفصل شراكة كانت تجمعه برامي مخلوف، ابن خال رئيس النظام المخلوع بشار الأسد، في العام 2013، وعاقبه النظام على دعمه “العمل الإنساني” بإصدار مذكرة اعتقال بحقه بتهمة “تمويل الإرهاب”.
ودعم أصفري الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) وأعمالاً إنسانية ومجتمعية (تعليم، صحة…)، من خلال منصة “مدنية” التي كان من مؤسسيها والتي تجمع منظمات مدنية سورية.
وأشاعت الترجيحات بتكليف أصفري برئاسة الحكومة السورية، حالة من “الارتياح” في الأوساط السورية، نظراً لسمعته “الجيدة”، وعلاقاته الواسعة مع شركات الطاقة العالمية و”الاعتمادية” التي يحظى بها في الغرب، والتي قد تساعد على رفع العقوبات المفروضة على سوريا.
ولعل ما يدعم ترجيحات تولي أصفري رئاسة الحكومة السورية الجديدة، هو وجوده بجانب وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في المؤتمر الذي عقد في العاصمة الفرنسية باريس منتصف شباط/فبراير الجاري، بشأن سوريا والانتقال السياسي فيها.
المدن
————————-
جبهة جنوب سوريا بين الضمانات الدولية وتهديدات نتنياهو/ مهيب الرفاعي
الثلاثاء 2025/02/25
في ظل التطورات الجديدة في الجنوب السوري، ظهرت تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بشأن دعم الدروز في سوريا، والتي تحمل بُعدين: داخلي وخارجي. داخلياً، يمكن اعتبارها محاولة لاستقطاب الطائفة الدرزية في الجولان السوري وفي داخل إسرائيل، خصوصاً بعد سنوات من التوتر بينهم وبين الحكومة بسبب قانون “الدولة القومية اليهودية” الذي اعتبره الدروز تمييزياً؛ وخارجياً محاولة لفرض وجود توسعي واستيطاني لقواته في الجنوب السوري في ظل الفراغ الأمني بعد سقوط نظام الأسد وتخلي عناصره عن ثكناتهم العسكرية في مناطق الجبهة وأهمها اللواء 212 واللواء 90 وسرية الدفاع الجوي الموجودة في منطقة كناكر القريبة من “مثلث الموت”، وهو المهم للغاية بالنظر للعمليات العسكرية في المدة بين 2013 و2016؛ وبعد انسحاب كل من الميليشيات الإيرانية والفصائل المعارضة المسلحة بموجب قانون المصالحة الوطنية عام 2018، وانسحاب القوات الروسية وانسحاب قوات حفظ السلام الدولية.
هذا الفراغ الأمني والاستخباراتي والتخبط العسكري والإداري في المنطقة الجنوبية من سوريا، دفع تل أبيب إلى إطلاق عملية برية في الداخل السوري مستندة بذلك إلى نقطة مفادها أن اتفاق عام 1974 قد انتهى بسقوط نظام بشار الأسد؛ ولا داعي للالتزام ببنوده، وعملت على تثبيت عدة نقاط في سفوح جبل الشيخ وفي المنطقة العازلة؛ وأهم هذه النقاط كان بالقرب من قرية حضر، ونقطة في منطقة تلول الحمر شمال شرق بلدة حضر، ونقطة في المحمية الطبيعة في جباتا الخشب بالقرب من برج الزراعة، ونقطة شمال شرق بلدة الحميدية، ونقطة بالقرب من سد المنطرة الاستراتيجي، ونقطة تل أحمر غربي جنوب بلدة كودنة، ونقطة مبنى المحافظة والمحكمة. اليوم إسرائيل بوارد الضغط على القيادة الجديدة للجلوس على طاولة مفاوضات للتوصل إلى اتفاقيات جديدة، وإلا فإن الجنوب السوري سيكون مسرحاً لعمليات الجيش الإسرائيلي وتحالفاته المحلية؛ وبالتالي فإن القيادة السورية الجديدة مطالبة اليوم بتعديل موقفها تجاه الجنوب السوري؛ لاسيما وأن القيادة الجديدة وجدت نفسها أيضاً تحت ضغط شعبي يطالبها باتخاذ إجراءات واضحة وصريحة حول التوغل الإسرائيلي.
نفترض بناءً على تفاعل أبناء الطائفة الدرزية مع وصول “هيئة تحرير الشام” إلى دمشق وإطاحتها بنظام بشار الأسد وتسلم الإدارة العسكرية الجديدة زمام الأمور في البلاد، ورغبة الإدارة الجديدة بحل جميع الفصائل وضمها إلى جيش سوري موحد وبسط سيطرتها على المدن السورية؛ أن هناك تشدداً وتعنتاً في خطاب المرجعيات الدينية الدرزية تجاه قرارات الإدارة الجديدة حول بسط نفوذها على السويداء بشرط أن تسلم الفصائل المسلحة فيها سلاحها والانضواء تحت راية جيش سوري موحد. تصريحات الشيخ حكمت الهجري حول عدم الرغبة بتسليم سلاح أبناء الجبل إلا عند تشكيل حكومة ووجود انتخابات وتقديم ضمانات حقيقية بالحفاظ على أمن وسلامة الأقلية الدرزية، بالإضافة إلى رفضهم الانضمام إلى أي حوار وطني لا يضمن وجود الأقليات وتمثيلهم فيه، وتشديده على ـن الهوية السورية الجامعة هي الأساس لوجود دولة مدنية؛ كلها أثارت بلبلة في المنطقة الجنوبية وعززت الدوافع لعزل المنطقة الجنوبية بالاستناد إلى الجغرافيا الواحدة التي تجمع ثلاث محافظات وهي السويداء ودرعا والقنيطرة.
استغلت تل أبيب هذا التعنت في الخطاب وفي العمل السياسي والتشبث بسلطة السلاح لدى فصائل الجنوب عموماً، ولدى الدروز خصوصاً، وأعلن نتنياهو أنه لن يسمح بأي اعتداء على الدروز وأنه ماضٍ بوجود القوات الإسرائيلية في الجنوب السوري لحين استتباب الأمن وضمان أمن الأقليات. هذا الحوار مكرر للمرة الثالثة بعد عامي 2016 و2023، حيث أوردت صحيفة معاريف تقريراً حول مصير الدروز في المنطقة المحاذية للجولان السوري بعد تعاظم قوة المعارضة السورية المسلحة والفصائل الإسلامية المنتشرة في المنطقة، وبيّنت فيه أن مخاوف الدروز في القنيطرة تنبع من اشتداد المعارك بين الدروز الداعمين لنظام بشار الأسد لا سيما قرية حضر التي تعدادها 14 ألف نسمة من الطائفة الدرزية ومعظمهم في كتائب الدفاع الوطني التي عملت لصالح النظام في وقت من الأوقات. ومع هذه التهديدات، كانت حضر تتعرض لضربات صاروخية – قصف هاون – من جهتي جباتا الخشب وجهة بيت جن، وضغط حينها حزب “كلنا” في جلسات الكنيست الإسرائيلي عن طريق عضو الكنيست الدرزي أكرم حسون، لتبني موقف واضح من العمليات العسكرية التي طاولت الدروز في القرى المحاذية للجولان.
وبناءً على هذه المعطيات والتطورات، لدينا دروز الجولان السوري المحتل ، والذين لا يخدمون في الجيش الإسرائيلي ويرفضون التجنيس وجواز السفر الإسرائيلي؛ ويرفضون التعاطي معهم على أنهم ورقة ضغط بيد تل أبيب ضد أي عمل مقاوم في المنطقة؛ ويظهر ذلك جليًا بعد رفض القيادات الدينية استغلال قضية وقوع الصاروخ في قرية مجدل شمس في تموز/يوليو 2024، ليكون ذريعة أمام إسرائيل لتصعيد عملها العسكري ضد لبنان.
ولدينا أيضاً دروز القرى في الداخل الإسرائيلي، والذين يشكلون حوالي 2% من السكان، ويخدمون في الجيش الإسرائيلي، لكنهم يشعرون بالتهميش السياسي، خصوصاً بعد تمرير قانون “الدولة القومية” عام 2018، الذي رسّخ الطابع اليهودي للدولة دون الإشارة إلى الأقليات الأخرى. حينها خرجت مظاهرات درزية كبيرة ضد القانون، لكن نتنياهو وحكومته لم يُظهروا أي بوادر تراجع عنه. الآن، مع هذه التصريحات حول دعم الدروز في سوريا، يحاول نتنياهو الإيحاء بأنه يدعم الدروز كطائفة، ربما بهدف امتصاص بعض الغضب الداخلي.
إضافة إلى ذلك، هناك ملف الانتخابات والتوازنات السياسية في تل أبيب؛ لا سيما وأن نتنياهو حالياً يقود حكومة يمينية متطرفة، ورغم أن هذه الحكومة تضم أحزاباً دينية وقومية لا تهتم كثيراً بمطالب الأقليات غير اليهودية، ورغم أن الصوت الدرزي ليس حاسماً انتخابياً، فإن أي تراجع في دعم الليكود بين الطوائف غير اليهودية قد يضر به، خصوصاً مع تصاعد المعارضة الداخلية بسبب سياساته الأمنية والاقتصادية. هذه التصريحات قد تكون محاولة لإظهار نفسه كزعيم يهتم بجميع الإسرائيليين، وليس فقط اليهود المتدينين أو المستوطنين.
مؤخراً، وبعد سقوط نظام بشار الأسد، ووصول هيئة تحرير الشام إلى معظم مناطق سوريا، فإن دروز قرية حضر الواقعة على بعد 4 كيلومترات من الحدود، تواصلوا مع قيادات محلية إسرائيلية للمطالبة بحمايتهم أمام هذا “المدّ الإسلامي”؛ لا سيما وأنها ساعدتهم في المدة بين 2014 و2016، عندما كانت ألوية الفرقان عل طول خطوط بيت جن وجباتا الخشب وطرنجة وتنفذ عمليات في القنيطرة. وبحسب تقرير أورده موقع “i24News” الإسرائيلي، فإن زعماء قرية حضر قد طالبوا بالفعل خلال اجتماعهم بضم القرى الدرزية إلى هضبة الجولان وأن يعيشوا تحت الوصاية الإسرائيلية لتفادي أي خطوات انتقامية من الفصائل الإسلامية.
فعلياً استغلت إسرائيل هذه المخاوف بشكل مثالي بالنظر إلى الواقعية السياسية، لتحقيق أطماعها التوسعية في خطوة لضمان أمن حدودها الشمالية، واستخدام الدروز لخدمة أجنداتها في المنطقة ككيان من شأنه أن يمنع اصطفافاً حقيقياً للبلاد. يمكن القول إن قضية الدروز في القنيطرة -على أقل تقدير – معقدة من عدة نواح: أولاً كانوا مهمشين من نظام الأسد واستقطب أبناءهم بالإغراءات المالية للخدمة في الدفاع الوطني، وثانياً وجدوا في الفصائل الإسلامية التي كانت عاملة في القنيطرة، خطراً وجودياً نتيجة لوجود أبنائهم مع نظام الأسد، فسعوا إلى التواصل مع تل أبيب لتحييد خطر هذه الفصائل بعد أن شهدت حضر وغيرها من القرى الدرزية عدة هجمات لمحاولات السيطرة عليها وكسب مساحات في المنطقة الجنوبية؛ لكنهم لم يكونوا مدركين لخطر التواصل الذي استغله نتنياهو لتعزيز روايته الحالية حول الضم والاستعمار.
تصريحات نتنياهو جاءت تتويجاً لمشاريع عدة في المنطقة لا سيما بعد الحرب على غزة والحرب على لبنان وقصف مقار أمنية وعسكرية وموانئ ذات ثقل في سوريا، لتكون الاستراتيجية الجديدة لدى تل أبيب لتأمين حدودها الشمالية وتأمين المستوطنات؛ ليكون ذلك عبر الحرص على بقاء المنطقة الجنوبية من سوريا منزوعة السلاح وخالية من أي قوات تحمل أيديولوجيا إسلامية قد تشكل خطراً على مستوطنات الشمال. هنا يبرز لدينا احتمالان لتحقيق هذه الخطة: الأول هو إبقاء الجيش الإسرائيلي في المنطقة الجنوبية وجعلها مستباحة تحت تصرف المدرعات الإسرائيلية وسلاح المشاة؛ والثاني هو إعادة ترتيب اتفاقيات أمنية طويلة المدى وجدّية بضمانات دولية ووساطات أهمها الوساطة التركية والأردنية، تكون قادرة على ضمان أمن الحدود وضمان حماية الأقليات.
المدن
——————–
القبيسيات: ممنوع دخول الرجال…إلا بشار الأسد/ بثينة عوض
الإثنين 2025/02/24
كنت في العاشرة من عمري، أحدّق في درج حجري طويل يمتد أمامي كأنه لا نهاية له. كيف سأتمكن من صعوده؟ كان هذا السؤال يثقل رأسي الصغيرة، لكن يد والدي الممسكة بيدي منحتني شيئًا من الطمأنينة. بدأنا معًا العدّ، درجة بعد أخرى، حتى استوقفني قفص صغير وُضع على إحدى الدرجات. بداخله صورة لمريم العذراء، قبّلتها ومضيت، أواصل صعودي نحو قمة الدرج حيث يتربع دير صيدنايا في ريف دمشق.
عند وصولي، كنت ألهث، حينها مدّت إليّ امرأة يدها لتقبيلها، وهو فعل لم أعتده حتى مع جدي وجدتي. حدّقت فيها، كانت متشحة بالسواد من رأسها حتى أخمص قدميها، بحجاب أسود وفستان أكثر سواداً. سألتها ببراءة: “هل أنتِ في حداد؟”، لم تُجب مباشرة، لكنها أبقت يدها ممدودة. ترددتُ، ثم امتنعت عن تقبيلها. ابتسمت وقالت ممازحة: “يا جاحدة، أنا والدتك في المعمودية لي نصيب فيك كما أمك وأبيك، ستقضين الصيف هنا”.
التفتّ حولي، فوجدت مئات النسوة باللباس ذاته. اصطحبتني إحداهن، وألبستني حجاباً أزرق وفستاناً بلون السماء، تقليدًا لمن سيقطن الدير، لأغرق بعدها في طقوس لاهوتية، كالصلاة والمنع من الاستماع الى المذياع، لكني، وبحركة طفولية تلقائية، خلعت الحجاب وركضت هاربة على الدرج، من دون أن أكترث لعدّ درجاته التي كانت، كما أذكر، خمسةً وعشرين، تماماً كعمري حين التقيتُ في مجلس الشعب السوري امرأة ترتدي الحجاب الأزرق ذاته.
راقبتُها من بعيد… من تكون؟ الصحافية في داخلي دفعتني إلى البحث، فهرعت إلى مكتب عضو مجلس الشعب السابق محمد حبش، الإسلامي المعتدل الذي انشق لاحقاً عن النظام السوري. همس لي قائلاً: “إنها من القبيسيات”. أثار فضولي أكثر. طلبت منه أن يكون مصدراً سرياً لمساعدتي في تحقيق صحافي عنهن. حذرني من خطورة الأمر، لكنه، بعد إلحاحي، وافق.
أنجزتُ التحقيق. كان ملفاً شائكاً يحمل في طياته الكثير من الأسئلة، لكن قبل أن يتحول حبراً على ورق، أُرسل إلى أجهزة الأمن. هناك، طُوي الملف، كما طُويت ملفات أخرى قبله، وبقي سر القبيسيات حبيس الأدراج… شأنه شأن أسرار كثيرة في سوريا.
سقط نظام الأسد الذي هلّلت له زعيمة القبيسيات حينها وأسبغت عليه ألقاباً دينية وسياسية، فلقّبته بـ”المخلّص المؤمن” و”حكيم العرب”. ولم تكتفِ بالكلمات، بل ظهرت في المسجد الأموي تقود مئات النسوة في أناشيد تمجّد النظام، لتعود و”تكوع” بعد اندلاع الثورة. لكن، أين هنّ الآن؟
القبيسيات يحرسن أبواب دمشق
في إحدى زوايا باب شرقي، إحدى بوابات دمشق التاريخية، امرأة ترتدي الحجاب الأزرق اللواتي كن يرتدينه في بدايات التنظيم ليتعرفن إلى بعضهن البعض. وبحركة ودودة ونشاط فردي تطوعي من دون معارضة أو تدخل من قبل عناصر “هيئة تحرير الشام”، ناولتني مطبوعة ورقية تدعو إلى الحجاب واللباس المحتشم، قائلة: “السلام عليكم”.
سألتها مباشرة: “أنتِ من تنظيم القبيسيات، صحيح؟”
ابتسمت، وقالت بصوت خافت: “كنتُ، لكني أعلنت انشقاقي مع كثيرات بعد اندلاع الثورة السورية، حين وقفت الآنسة – كما يسمونها – تحت قبة المسجد الأموي، تدعو للولاء المطلق لبشار الأسد، رغم جرائمه بحق السوريين. كيف لا، وقد منحهن حريةً مطلقةً، وجعل عملهن علنيًا منذ العام 2006، حتى وصل عدد المنتسبات إلى 200 ألف؟”. توقفت لحظة، قبل أن تضيف: “عندما اشتعلت الثورة، انقسمت القبيسيات: بين مؤيدة بشراسة، ومعارضة، ومحايدة. من هلّلن للنظام، اختفين باختفائه. أما من عارضن، فها هنّ الآن يعدن إلى الدعوة من جديد، متوزعاتٍ بالقرب من بوابات دمشق السبع”.
سألتها بفضول: “لماذا البوابات تحديداً؟”
ابتسمت قائلة: “لأن كل من دخل دمشق، دخل من خلالها”.
في داخلي، كنت أرغب في مناقشتها عن الحريات، عن رغبتي الدائمة في “التمشاية” تحت المطر في باب شرقي حتى يبتل شعري بالكامل، عن مصافحة أصدقائي الشبان، عن الجلوس في إحدى حانات دمشق وتناول كأس من الشراب برفقتهم. لكني اكتفيت بابتسامة، واحتفظت بالمطبوعة، ليس اقتناعاً بأفكارها، إنما إدراكاً لما دفعته هذه النساء من أثمان غالية بعد انشقاقهن، ومعرفتي بما تشرّبن من حرمانيات طوال سنوات، رغم اختلافي معهن في المعتقدات، لكنهن الآن يمارسن ما يؤمنَّ به تحت باب تاريخي وليس في بيت مغلق أو تحت قبة مسجد.
طاعة “الآنسة”
في عُرف القبيسيات، لا يُسمح بمناقشة “الآنسة”، وطاعتها من طاعة الله. المريدة في هذا التنظيم ليست سوى هيكل بشري مكرّس للتفاني في حب وخدمة الشيخات/الآنسات، حتى أن بعضهن كان يتسابق لشرب فضلات ماء وضوئهن، ويعترفن لهن بزلاتهن قبل التوبة. لاحقاً، كما أكدت لي منشقّات، استُخدمت هذه الاعترافات للضغط على المريدات، وتهديدهن بفضح أسرارهن في حال فكّرن في الانسحاب أو التمرّد.
عدتُ بذاكرتي إلى التحقيق الصحافي الذي مُنعتُ من نشره. يومها، أخبرتني إحدى التلميذات عن ممارسات سرّية لإحدى الشيخات، قائلة: “كانت تنتقي أجمل الفتيات، وتأمرهن بتطليق أزواجهن لتقديمهن لرجال من الطبقة السياسية. ثمة جميلات تم تسخيرهن لشراء محلات المشروبات الكحولية، وإن فشلن، تدخلت المعارف الأمنية لمصادرة المحل بطرق ملتوية. في إحدى الحالات، رفض أحد أصحاب المطاعم في الربوة بيع محله الذي يقدم العرَق، فتمت السيطرة عليه عبر ابنه المتديّن”.
في بلادنا، نتشرّب التدين، مهما ابتعدنا عنه. وإلا، فلماذا في كل مرة تثقلني الهموم، أعود لذلك الدرج الحجري الطويل، أقبّل القفص الذي يحمل صورة العذراء، وأدخل دير صيدنايا؟ لماذا أجلس في ذلك المكان المسمى “الشاغورة”، أبكي بحرقة، وتراودني للحظة فكرة ارتداء ما تمردت عليه في طفولتي؟ لكنني، في اللحظة الفاصلة، أسمع ضحكتي تتردد في شوارع دمشق، فأهرع إلى الدرج، كما في المرة الأولى، وأنظر خلفي قائلة: سأدخل من باب شرقي وأصافح تلك المرأة الحرة.
القبيسيات، حركة دعوية إسلامية نسائية، خرجت من طبقة الأثرياء الدمشقيين، وأسستها منيرة القبيسي، التي تتلمذت على يد مفتي سوريا الراحل أحمد كفتارو، وتأثرت بأفكاره.
بدأ التنظيم عمله في الظل خلال ستينيات القرن الماضي، لكنه توسّع لاحقاً تحت سمع النظام وبصره، خصوصاً بعد وصول بشار الأسد إلى الحكم. اجتذبت القبيسيات نساء من مختلف الطبقات الاجتماعية، لا سيما الجامعيات والثريات، واعتمدت في هيكليتها على الطاعة المطلقة للشيخات.
المدن
————————–
فلنتحدّث بلا توقّف عن «حزب الله»…/ حازم صاغية
تحديث 26 شباط 2025
على مدى عقود تعرّضت منطقة المشرق لظاهرتين – نكبتين، إحداهما الانقلاب العسكريّ والدولة الأمنيّة التي أنجبها، وكانت سوريّا والعراق مسرحي الظاهرة هذه، ثمّ الميليشيات النضاليّة وكان لبنان محطّتها الأبرز. والظاهرتان هاتان، حتّى لو سقط آخر ممثّليهما، ينبغي الرجوع إليهما مرّةً بعد مرّة، والتذكير بهما، استفادةً من عِبَر التجربتين ومنعاً لتكرارهما، إذ لا يُبنى مستقبل صلب على قراءة رخوة للماضي. فالمشكلة لا يحلّها النسيان ومواعظ العفو عمّا مضى، أو التركيز على هموم اليوم وطيّ صفحة الأمس، كما لا تحلّها الأجواء التي ترافق مناسبات التشييع، والتشييعُ تظاهرة لعواطف جريحة ومنبر لكلام مجروح.
وفي ما خصّ اللبنانيّين، سيبقى حاسماً استرجاع المعاني التي تستعيد ما انطوت عليه الظاهرة – الكارثة في حياتهم.
فالبلد، منذ نشأته الحديثة وحتّى قيام «حزب الله»، كان معتاداً على الأجسام السياسيّة الصغرى، ببعضها الطائفيّ الذي يعبّر عن جماعات بعينها، كما ببعضها العقائديّ الذي نادراً ما غادر الهامش إلى المتن. أمّا الحزب، حيث اجتمع التنظيم الحديث والأفكار السحيقة في ظلّ قائد كاريزميّ، فكان دائماً شيئاً أكبر كثيراً من الطاقة المتواضعة لبلد صغير. وهناك عشرة أسباب على الأقلّ ساهمت في رسم صورته كفاعل ضخم واستثنائيّ في حضوره وقدرته على التدمير.
فأوّلاً، هو حزب سلاح دائم. صحيح أنّه لم يكن أوّل تنظيم مسلّح لبنانيّ، أو عاملٍ في لبنان، لكنّ «حزب الله» أوّل تنظيم لا يسلّم سلاحه كائناً ما كان السبب الداعي، كما لا يربط تسليمه بإنجاز وهدف محدّدين. وهكذا فالتضادّ بينه وبين قيام دولة تحتكر أدوات العنف تضادٌّ مطلق. فإمّا أن تكون دولة ولا يكون سلاح «حزب الله»، أو أن يكون سلاح «حزب الله» ولا تكون دولة.
وثانياً، عرف لبنان عديد الأحزاب الطائفيّة التي تدافع، أو تزعم الدفاع، عن جماعتها وعصبيّتها، من دون أن تكون بالضرورة دينيّة ومؤمنة. وهو عرفَ قليلاً جدّاً من الأحزاب الدينيّة المهتمّة بالدعوة والتبشير، من دون أن تكون بالضرورة طائفيّة. لكنْ مع «حزب الله» هناك حزب دينيّ وطائفيّ في آن. وقد يقال إنّ الصفة هذه توفّرت في «الإخوان المسلمين» («الجماعة الإسلاميّة»)، إلاّ أنّ نفوذ الأخيرين في لبنان ظلّ محدوداً جدّاً وعاجزاً عن إحداث تأثير فعليّ في الواقعين السياسيّ والاجتماعيّ.
وثالثاً، هو حزب لا يكتفي بالسطو على قرار الحرب والسلم، بل يمارسه بزجّه البلد في مواجهات تلامس البقاء والفناء. وحتّى لو وضعنا جانباً حروبه الصغرى، تبقى حربا 2006 و»الإسناد» شاهداً لا يخطئ على قولنا.
ورابعاً، هو حزب مُدمّر للنسيج الوطنيّ اللبنانيّ (ومساهم قويّ في تَمذهُب العالم الإسلاميّ)، تبعاً لإشعاره الآخرين بعدم المساواة في امتلاك أدوات القوّة، واحتياجهم تالياً إلى طمأنته. وهذا علماً بأنّ تجارب، أهمّها اجتياح بيروت في 2008، أخلّت بمزاعم الطمأنة تلك.
وخامساً، هو حزب احتلاليّ وتوسّعيّ، على ما يدلّ خصوصاً دوره في سوريّا بعد ثورتها في 2011، والذي لم ينته كلّيّاً حتّى اليوم. ولكنْ أيضاً هناك الأدوار التي لعبها في بلدان أخرى (العراق، اليمن…) بالتعارض مع رغبات شعوبها أو أجزاء وازنة منها.
وسادساً، إذا صحّ أنّ القوى السياسيّة اللبنانيّة غير مبرّأة من العلاقة بالخارج، يبقى أنّ إيرانيّة الحزب شيء آخر. فهو ليس فقط جزءاً من الاستراتيجيّة الإيرانيّة، بل أيضاً جزء من الممارسة الأداتيّة لتلك الاستراتيجيّة. وفي المقابل، كان لدعم بلد قويّ كإيران (وسوريّا الأسد) أن قوّى الحزب على نحوٍ وامتداد زمنيّ لم يحظ بهما أيّ حزب في علاقته مع طرف خارجيّ.
وسابعاً، أنشأ الحزب عالماً موازياً للاجتماع اللبنانيّ، وهو ما امتدّ من بضع أفكار غيبيّة معمّمة إلى الزعامة المعصومة، وصولاً إلى نشر قيم بائدة وطقوس غالبها غير لبنانيّ تقليديّاً، بل إلى توطيد دورة اقتصاديّة وخدميّة لا تندرج في دورة الاقتصاد الوطنيّ.
وثامناً، مجّد الحزب الموت بذريعة تمجيد الشهادة، وفي الوقت نفسه سيّدَ تطبيع العنف وأعمال القتل والاغتيال التي مارسها بإفراط بوصفها من طبيعة الأشياء وعاديّات الحياة السياسيّة.
وتاسعاً، صدَّ لبنان عن محيطه العربيّ والعالم الأوسع، فباتت صادرات هذا البلد إلى سواه تتراوح بين أدوات الإرهاب وحبوب التخدير. هكذا بدا طبيعيّاً نضوب الدعم والاستنكاف عن الاستثمار في بلد صارت العزلة سِمَته، علماً بأنّ موقعه وتكوينه وضآلة موارده تحضّ كلّها على عكس ذلك.
وعاشراً، أنشأ تقسيم عمل مع ما يسمّيه البعض منظومة الفساد الحاكمة، فحمى واحدهما الآخر. وفي هذه الغضون تولّى الحزب قمع حركات التغيير السياسيّ، ما تبدّى في أوضح أشكاله مع 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019.
أمّا مسؤوليّات الشيعة اللبنانيّين، واللبنانيّين غير الشيعة، والدولة والمجتمع، في بلوغ ذاك الدرك، ومن ثمّ في مغادرته المأمولة، فتبقى أساسيّة جدّاً تستدعي، هي الأخرى، العودة إليها، والتنقيب فيها، مرّة بعد مرّة.
الشرق الأوسط
———————–
تدمير سوريا وتفتيتها هدف إسرائيلي صريح/ حلمي موسى
26/2/2025
لم تكتف إسرائيل باستغلال سقوط النظام في سوريا بفرض سيطرتها على المنطقة العازلة القائمة بموجب اتفاقيات وقف النار بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول في هضبة الجولان، بل سعت إلى توسيع وجودها في منطقة عازلة كبرى تصل إلى حدود الأردن. ولم تقصر الأمر على مجرد وجود وإعلان أنه مؤقت إلى أن تستقر أوضاع سوريا لكنها صارت تعلن أن احتلالها لبعض المناطق سيبقى دائما.
والأدهى أنها صارت تتطلع إلى إنشاء نوع من الإدارة المدنية العسكرية في مناطق احتلالها الجديدة وتنظيم حياة الناس فيها بربطهم باقتصادها من خلال فتح آفاق تشغيل. وتفاقمت الرؤية الإسرائيلية لهذا الاحتلال من خلال اللعب على التنوع الطائفي بالجنوب السوري وخصوصا ادعاء حماية الدروز في السويداء وقراها.
وما كان كل ذلك ليحدث قبل أن تدمير إسرائيل القدرات العسكرية للجيش السوري بتدمير المطارات والطائرات والموانئ والسفن الحربية والمخازن الإستراتيجية ومراكز الأبحاث والعلوم. وكانت تعتقد أن كل ذلك يمكن أن يمر من دون ردود فعل سورية مناسبة ارتكازا إلى واقع انكباب السوريين على إعادة ترتيب أوضاعهم والنهج الذي أعلنوه بعدم الرغبة في التصادم مع القوى المحيطة.
ولكن عنفوان الشعب السوري وتاريخه والتصاقه بوطنه ومعرفته لعدوه لم تترك لإسرائيل فرصة. فقد انطلقت مظاهرات في أغلب المناطق المحتلة حديثا وبدأت الأصوات بالارتفاع مطالبة بتنظيم مقاومة لطرد “العدو” بل واستلهام تجربة قطاع غزة وجنوب لبنان. وهذا ما جرى تحديدا في مظاهرات جابت العاصمة السورية مطالبة بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي للجنوب ومحاولته تقسيم الوطن.
وبعد الغارات الأخيرة خرجت مظاهرات ليلية في مدينة دمشق عقب الغارات الجوية الإسرائيلية على الجنوب، حيث ندد العشرات من الشبان بالعدوان، وجابت المظاهرات المزة وصولاً إلى ساحة الأمويين وسط العاصمة.
حماية وإحباط
وبالطبع لا يروق هذا لإسرائيل حيث أعلن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، يوم الأحد الفائت، خلال حفل تخريج دورة ضباط قتاليين، أن قوات الجيش ستبقى في عدة مواقع بلبنان وسوريا، وأكد “نطالب بإخلاء جنوب سوريا من قوات النظام الجديد بشكل كامل”. وأضاف “كما أننا لن نتسامح مع أي تهديد للطائفة الدرزية جنوب سوريا”.
وأضاف نتنياهو أن “قوات الجيش الإسرائيلي في سوريا ستبقى في منطقة جبل الشيخ وفي المنطقة العازلة لفترة زمنية غير محدودة، لحماية بلداتنا وإحباط أي تهديد. ولن نسمح لقوات تنظيم هيئة تحرير الشام أو الجيش السوري الجديد بالدخول إلى منطقة جنوب دمشق”.
كما شرح معلقون إسرائيليون معنى كلام نتنياهو بوضوح فقالوا إنه يقصد بشكل صريح أنه يطالب بتجريد منطقة الجولان حتى الحدود مع الأردن في الجنوب ومن الشرق حتى المعبر إلى منطقة السويداء المعروفة كجبل الدروز. وفي هذه المنطقة يطالب نتنياهو بألا توجد هيئة تحرير الشام المسيطرة الآن في سوريا، وأساسا ألا يوجد أيضا الجيش السوري الجديد الذي هو تحالف منظمات إسلامية مسلحة انضمت لهيئة تحرير الشام وزعيمها أحمد الشرع.
وقد أطلقت إسرائيل الأيام الأخيرة سلسلة غارات جوية على دمشق ودرعا واستعراض عضلات جوية في السويداء وتوغلات برية جنوب سوريا، بتركيز على محافظتي القنيطرة ودرعا، بهدف معلن وهو منع تحول المنطقة إلى جبهة مقاومة جديدة. وشملت هذه الغارات والتوغلات تدمير ثكنات مهجورة وسرقة آليات ثقيلة، مع تأكيدات بأن الهدف هو إنهاء الوجود المسلح بالجنوب السوري.
التهديدات
وكانت الصحف الإسرائيلية أشارت إلى أن الجيش نفذ عشرات الغارات في المنطقة العازلة السورية، مما أدى إلى اكتشاف وتدمير أسلحة، بما في ذلك مخبأ كبير من البنادق والذخيرة التي تم اكتشافها خلال العمليات الليلية. وأضافت أن القوات تنتشر في نقاط إستراتيجية بالمنطقة، مما يسمح لها بالرد بسرعة على التهديدات المحتملة.
وأعلن وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن الغاية من هذه الهجمات “منع تحوّل الجنوب السوري إلى نسخة من جنوب لبنان” وحذر من أنّ أي محاولة من الجيش السوري أو “التنظيمات الإرهابية” للتمركز في “المنطقة الآمنة” سيواجه بردّ عسكري.
وأضاف أن “كل محاولة للجيش السوري الجديد لبناء قدرات عسكرية في الجنوب ستقابل بالنار. لن يسمح الجيش الإسرائيلي لقوات معادية بالتمركز والوجود في المنطقة الأمنية جنوب سوريا، من هنا وحتى دمشق، وسنعمل ضد أي تهديد”.
وأضاف كاتس “سنعمل على تعزيز العلاقات مع السكان الصديقين في المنطقة، مع التركيز على السكان الدروز الذين هم سكان أشقاء لإخواننا الدروز الذين يقاتلون إلى جانبنا في دولة إسرائيل”. وخلص إلى أن “الجيش الإسرائيلي سيبقى على قمة جبل الشيخ وفي المنطقة العازلة لفترة غير محدودة لضمان أمن مستوطنات الجولان والشمال وجميع سكان دولة إسرائيل”.
وتشير التلميحات الإسرائيلية -على لساني نتنياهو وكاتس- إلى خطة إسرائيلية قديمة أعلنت بعد حرب 1967 وترمي إلى إنشاء دويلة درزية في المنطقة بين دمشق والحدود الفلسطينية في ما يسمى محور دمشق السويداء. إذ قال كاتس حول هذه المنطقة “سنعزز العلاقات مع السكان الودودين في المنطقة، من أجل علاقات حسن الجوار، مع التركيز على السكان الدروز الكبار. وسيبقى الجيش الإسرائيلي على قمة جبل الشيخ وفي المنطقة العازلة لفترة غير محدودة لضمان أمن مستوطنات هضبة الجولان والشمال وجميع سكان دولة إسرائيل”. ونشرت صحية معاريف الإسرائيلية تقريرا يفيد بأن إسرائيل تدعم “وربما تدفع نحو التحرك نحو الحكم الذاتي للدروز، والذي من شأنه أن يشكل حاجزاً بين سوريا الكبرى والحدود الإسرائيلية. وفي وسائل التواصل الاجتماعي الدرزية في سوريا، يدور الحديث عن نية أن يوفر الجيش الإسرائيلي المظلة الأمنية ويكون القوة العسكرية بالمنطقة، في حين يتولى الدروز إدارة الأنشطة البلدية اليومية”.
العمال الدروز
وأشارت “معاريف” أيضا إلى أن هذا ما أثار الحديث عن “فتح الحدود للسماح بحركة العمال الدروز من سوريا إلى الجولان. وظاهريًا، يشير الاتفاق إلى أن جميع الأطراف تستفيد من هذه الخطوة. أولاً: ستستفيد إسرائيل من الأمن. ثانياً: يعتبر السوريون من أفضل عمال البناء في الشرق الأوسط، ولديهم أيضاً معرفة وقدرة جيدة كعمال الأراضي والمزارعين. والراتب الأساسي في السويداء هو 300 دولار شهريًا. وسوف يسمح فتح الحدود بتشغيل العمال الدروز السوريين بتكاليف أقل من تلك التي تدفع حاليا في إسرائيل للعمال من تايلند والصين والهند”.
وحاول المعلق العسكري في صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية رون بن يشاي تفسير ما يجري في جنوب سوريا، فكتب أن 7 أكتوبر/تشرين الأول قاد إسرائيل إلى وضع خطة تشمل 3 منظومات دفاع على حدود كل من غزة ولبنان وسوريا: استحكامات وعوائق داخل إسرائيل، منظومة دفاع متقدمة داخل أراضي العدو ومطالبة بنزع السلاح من المناطق الحدودية المجاورة لها. وهذا هو المعنى الحقيقي لمطالبة نتنياهو بتجريد منطقة جنوبي دمشق من السلاح. واعتبر أن منظومة الدفاع الإسرائيلية الجديدة في سوريا “تتشكل أساسا من استحكامات رصد، تقام على أراضٍ مسيطرة ودوريات، لكن بخلاف جنوب لبنان، توجد للجيش الإسرائيلي علاقات مع السكان (جنوب سوريا) وللوجود في قمة جبل الشيخ السوري، توجد أيضا قيمة استخبارية وعملياتية هامة”.
وردا على تصريحات وتلميحات نتنياهو وكاتس نظمت في العديد من مناطق جنوب سوريا مظاهرات واحتجاجات تستنكر هذه التهديدات بالسيطرة على مناطق جنوب سوريا، ونزع السلاح منها، ومنع وجود القوات السورية فيها.
وتركزت المظاهرات في مناطق القنيطرة وبصرى الشام، في ريف درعا وساحة التظاهر في السويداء، وردد المشاركون فيها هتافات تهاجم نتنياهو وإسرائيل، وتطالب بالانسحاب من الجولان المحتل. ورفض المشاركون تصريحات نتنياهو بشأن تقديم الدعم للطائفة الدرزية، معلنين أن الدروز مكون أساسي من المجتمع السوري، وطالب مشاركون من حراك السويداء الشعبي مشيخة الطائفة الدرزية بالرد على تصريحات نتنياهو بشأن تقديم الحماية لهم.
ومعروف أن إسرائيل خلافا لمعظم دول العالم لم تتقبل الإدارة السورية ولا سعي السوريين لترتيب أوضاعهم بأنفسهم. وعمدت منذ اللحظة الأولى لاستغلال الوضع وإعلان رفضها للقيادة السورية الجديدة بدعوى أنها إرهابية. ورغم ذلك نظمت القيادة السورية الجديدة لقاءات مع كل أطياف المجتمع السوري، وفق قاعدة أن سوريا وطن للجميع وأنها لن تقبل القسمة أبدا. كما أن مؤتمر الحوار الوطني الذي اختتم أعماله أمس ركز على مبادئ حماية الأقليات ورفض التقسيم أو الفدرالية.
المصدر : الجزيرة
————————–
سوريا و”ديبلوماسية الكهرباء”… الطاقة كمدخل للسياسة/ جيسيكا عبيد
قوة استقرار داخلي تفتح الباب لسوق إقليمية فاعلة لتبادل الطاقة
24 فبراير 2025
بينما تبذل سوريا جهودا مضنية لمعالجة النقص الشديد في الكهرباء، بدأ يتبلور شكل جديد من أشكال الديبلوماسية التي تدفعها اتفاقات شراء الطاقة. وفيما لا يحصل قسم كبير من البلاد إلا على أقل من ثلاث ساعات من الكهرباء يوميا، أصبحت البنية التحتية المدمرة للطاقة في سوريا عائقا أمام التعافي الاقتصادي، ومسألة محورية في السياسات الإقليمية للطاقة. فقد أدى أكثر من عشر سنوات من الحرب والصراعات والعقوبات الدولية إلى تحول البلاد من مصدّر للكهرباء إلى مستورد صافٍ للطاقة، مما أجبرها على الاعتماد على الاتفاقات الخارجية لتلبية احتياجاتها.
لم تعد الكهرباء الآن مجرد مرفق خدمات أساسي، بل تحولت إلى أداة للنفوذ. فالتخفيف الجزئي للعقوبات الأميركية في يناير/كانون الثاني مكّن سوريا من توقيع اتفاقات لشراء الطاقة مع دول مجاورة، تضم الأردن وتركيا حتى الآن. ويشير ذلك إلى نهج جديد للديبلوماسية يشكل فيه التعاون في مجال الطاقة مدخلا لتعاون أوسع نطاقا.
ما هي تحديات قطاع الطاقة في سوريا؟
أحدثت الحرب والعقوبات خسائر فادحة في قطاع الكهرباء في سوريا. فانخفضت القدرة الإجمالية لتوليد الطاقة إلى نحو 2000 ميغاواط بعد أن كانت 7500 ميغاواط. وأدى نقص الوقود والأضرار التي لحقت بمحطات الطاقة وشبكات النقل، إلى حرمان ملايين الأشخاص من الإمدادات بالطاقة الموثوق بها. وألحقت العقوبات مزيدا من الأضرار بالقطاع بمنع الحصول على التمويل الدولي واستيراد المكونات اللازمة لإصلاح المحطات والشبكات الأساسية. وشهدت مشاريع البناء توقفا تاما. ولم تسجل عقود أجنبية على ما يبدو إلا مع شركات إيرانية لإصلاح محطة للطاقة في حلب وإنشاء محطة جديدة في اللاذقية.
لا تزال أزمة الكهرباء في سوريا تشكل عائقا كبيرا أمام التعافي الاقتصادي، نظرا إلى عجز الطاقة المنتجة محليا عن تلبية الطلب، والتوقف عن إصلاح الشبكة إلى حد كبير. غير أن قيام وزارة الخزانة الأميركية برفع العقوبات عن مبيعات الكهرباء، لمدة ستة أشهر مبدئيا، مهد الطريق أمام عقد اتفاقات جديدة لشراء الطاقة مع الأردن وتركيا.
وتتجاوز هذه الصفقات معالجة النقص في الكهرباء، وتوضح كيفية استخدام الكهرباء كأداة إستراتيجية لتعزيز الروابط، وتبرز دور الطاقة في تشكيل العلاقات السورية في المستقبل. كما أنها تطرح تساؤلات جوهرية عن دور الكهرباء في تحقيق الاستقرار الاقتصادي بعد الحرب في الشرق الأوسط، وهل يمكن أن يمهد هذا الاتجاه الطريق لإقامة سوق إقليمية فاعلة لتبادل الكهرباء.
الأردن وسوريا: حيث تلتقي الكهرباء بالسياسة
التزم الأردن تزويد سوريا بالكهرباء بعد إعادة تأهيل البنية التحتية للنقل. وهذه الخطوة إستراتيجية واقتصادية في آن واحد. فالأردن يسعى إلى أداء دور بوصفه مركزا للطاقة ويرى أن ديبلوماسية الكهرباء أداة مفيدة لإعادة ترسيخ نفوذه في سوريا. أما دمشق، فسيتيح لها الاتفاق زيادة فورية في إمدادات الطاقة ويساعد أيضا في تسهيل إعادة اندماج سوريا فعليا في المحيط الإقليمي ودفع الجهود الديبلوماسية لتحسين العلاقات مع دول المنطقة.
لا يريد الأردن أن تحدث الصفقة السورية بمعزل عن سواها. فهو يواجه حاليا فائضا مكلفا في الكهرباء ويسعى إلى تحقيق إيرادات من خلال تموضعه كمركز ضمن شبكة موسعة لتبادل كهرباء. وينسجم ذلك مع إستراتيجية الأردن الوطنية للطاقة، التي ترسم خططا لاستعادة شبكة الربط الكهربائي مع عدد من جيران الأردن الإقليميين، بدءا من سوريا والعراق، أو إنشاء روابط جديدة. وكان الأردن قد ربط شبكته بالشبكة السورية في سنة 2001، لكن هذا الربط توقف منذ سنة 2012. وفي غضون ذلك، يجري تطوير ربط كهربائي جديد مع الشبكة في العراق بموجب اتفاق موقع في سنة 2024، وينتظر أن يزود العراق 150 ميغاواط من الكهرباء عند اكتماله تماما في وقت لاحق من هذا العام. وفي سنة 2022، وقع الأردن أيضا اتفاقا دعمته الولايات المتحدة لبيع الكهرباء إلى لبنان عبر سوريا، مع أن القيود المالية والسياسية أخرت تنفيذه.
سفن الطاقة التركية: حل قصير الأجل ذو آثار إستراتيجية
اتبعت أنقرة نهجا مختلفا عن الأردن، لكن الآثار المترتبة عليه مماثلة. فقد وافقت على تزويد سوريا الكهرباء من طريق سفن عائمة لتوليد الطاقة، وهي سفن كبيرة مجهزة بمحطات لتوليد الطاقة على متنها. وكانت تركيا قد استخدمت هذا النموذج في لبنان وغانا وأوكرانيا ودول أخرى، من خلال شركة الطاقة التركية “كارباورشيب”.
والميزة الرئيسة لسفن توليد الطاقة هي إمكان نشرها بسرعة وحاجتها إلى الحد الأدنى من البنية التحتية. فهي تقدم حلا سريعا لتلبية الطلب الفوري في المناطق المتأثرة بالنزاع، ولا تقدم الكثير لمعالجة التحديات الهيكلية التي تواجه قطاع الطاقة في سوريا. لكن تترتب على تلك الصفقة آثار إستراتيجية مهمة وأوسع نطاقا.
لطالما انخرطت تركيا في شمال سوريا، وقدمت الدعم لجماعات المعارضة، واحتفظت بوجود عسكري هناك. بيد أن توفير الكهرباء وسيلة جديدة لتوسيع نفوذها، لا في سوريا فحسب وإنما على الصعيد العالمي أيضا.
الكهرباء أداة للديبلوماسية للاستقرار
وتسعى تركيا منذ مدة طويلة لأن تصبح مركزا رئيسا للغاز. وسيعزز تطوير خط أنابيب غاز إلى سوريا بنيتها التحتية ويمكّنها من استخدام خط الأنابيب هذا لربط المنتجين الإقليميين بمراكز الطلب في أوروبا عبر الطرق التركية. ويمكن أن يكون قطاع الكهرباء السوري أيضا بوابة لدخول تركيا وتوسيع نفوذها في سوق الطاقة الأوسع في البلاد، بما في ذلك تطوير موارد النفط والغاز.
تبرز هذه التطورات اتجاها أوسع لا ينظر فيه إلى الكهرباء بوصفها موردا اقتصاديا فحسب، وإنما أداة للديبلوماسية أيضا. ففي مرحلة ما بعد النزاع، يمكن أن يؤثر توفير الطاقة بشكل طارئ على التحالفات السياسية وأن يرسم الشراكات الإقليمية.
لن تحل أزمة الكهرباء في سوريا من خلال عدد من اتفاقات شراء الطاقة أو استقدام مولدات عائمة. لكن يمكن هذه الصفقات أن تحدد المسار لإقامة سوق إقليمية فاعلة لتبادل الكهرباء، لا سيما في مرحلة ما بعد النزاع. ثمة أنماط مماثلة في العراق ولبنان، وكلاهما يواجهان نقصا كبيرا في الكهرباء وعدم استقرار سياسي. وفي مثل هذه البيئات، يمكن أن تصبح ديبلوماسية الكهرباء قوة استقرار تعزز إمدادات الكهرباء وتقلل الاعتماد على مورد واحد.
المجلة
————————–
خيارات دمشق للتعامل مع الخطط الإسرائيلية؟/ عدنان علي
2025.02.26
تكشف تصريحات رئيس وزراء دولة الاحتلال نتنياهو ووزير دفاعه كاتس بأن إسرائيل ستحتفظ بوجودها العسكري في المناطق التي احتلتها داخل سوريا، وستمنع دخول الجيش السوري الجديد إلى محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، بعض ملامح المخطط الإسرائيلي حيال سوريا.
والواقع أن العقيدة الإسرائيلية، وهي قديمة لكنها تبلورت بعد حرب غزة، تقوم على العمل الوقائي الاستراتيجي، بمعنى التعامل مع الأخطار التي تهدد إسرائيل حتى بعد عقود، والتأسيس لوقائع جديدة تجهض هذه المخاطر.
وترجمة ذلك على الأرض، أن على إسرائيل احتلال مناطق من دول الجوار بذريعة حماية أمنها على المدى الطويل، سواء في سوريا أم لبنان أم غزة وغيرها، حالما تتاح لها فرصة. وترى إسرائيل إن الفرصة مواتية اليوم في سوريا لتطبيق هذه الخطط، بسبب المرحلة الانتقالية التي تمر بها، وضعف الحكومة في دمشق.
تقسيم سوريا
وطبعاً تحت هذه الذرائع الأمنية، ستعمل إسرائيل في مراحل لاحقة على دعم انفصال هذه المناطق عن سوريا، ووضعها تحت الحماية الإسرائيلية، وصولاً إلى اقتناص اللحظة المناسبة لضمها لإسرائيل.
ووفق مصادر عدة، فإن إسرائيل تعول على بعض القوى ذات النفس الانفصالي في جنوب البلاد وشمالها الشرقي، حيث جرى مؤخرا الإعلان عما سمي “المجلس العسكري” الذي ينشط في بعض مناطق ريف السويداء الجنوبي، ويقوده المدعو طارق الشوفي، وهو ضابط منشق عن قوات الأسد، عمل مع تجمعات سياسية تطالب بنظام حكم لا مركزي في سوريا، ولديه تنسيق مع قوات “قسد” في شمال شرقي البلاد. ويبدو أن تصريح نتنياهو “لن نسمح لأي تهديد على الطائفة الدرزية في جنوب سوريا”، كان يستهدف تقديم رسالة دعم لمثل هذه القوى، على خلفية امتداد الطائفة داخل الأراضي المحتلة. كما تحاول قوات الاحتلال أيضاً منذ فترة مد جسور مع الأهالي في المناطق الحدودية خلال توغلاتها المتكررة عن طريق عرض تقديم مساعدات، وهو ما لاقى رفضاً شعبياً كبيراً.
العلاقة بين إسرائيل وقسد
وبالنسبة لقوات “قسد”، تشير صحف إسرائيلية إلى أن مسؤولين كباراً في “قسد” طلبوا المساعدة من إسرائيل بسبب شعورهم بتهديد مستقبل حكمهم بعد الإطاحة بنظام الأسد. وترى قسد أن العلاقة مع إسرائيل فرصة استراتيجية تُتيح لها الحصول على دعم سياسي وربما عسكري من دولة فاعلة في المنطقة، ولها علاقات خاصة مع حليفها الأميركي، في مواجهة الضغوط المستمرة من تركيا والفصائل السورية. وفي المقابل، تحاول إسرائيل أن يكون له موطئ قدم في سوريا عبر الذرائع الأمنية وتحت حجة حماية الأقليات، بينما هدفها الحقيقي تقسيم سوريا عرقياً وإثنياً، مع حرمانها من الموارد النفطية والغازية، إضافة إلى العمل ضد المصالح التركية خاصة في ظل التوترات المستمرة بين الجانبين.
غير أن تطور العلاقة بين الطرفين، وخروجها للعلن، محفوف بالمخاطر بالنسبة لقسد لأن من شأن ذلك أن يثير عليها نقمة شعبية محلية عربية وحتى كردية، إضافة الى استفزاز تركيا التي قد تصعد استهدافها لقسد، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى فرملة العلاقة بين الجانبين، أو على الأقل عدم ظهورها للعلن.
الخيارات المتاحة
فضلا عن التوغلات شبه اليومية، وعمليات القصف، تشير صور أقمار صناعية إلى إنشاء جيش الاحتلال سبع قواعد عسكرية داخل المنطقة العازلة في سوريا، عند الحدود مع الجولان المحتل، إضافة الى منطقتين على سفوح جبل حرمون.
ويرى البعض، أن الإدارة الجديدة في دمشق لم تتعامل بالجدية الكافية مع هذه المخاطر الإسرائيلية، واستكانت لوهم أن إبداء النية الحسنة تجاه إسرائيل يكفي لاتقاء شرها، في حين أن إسرائيل تعمل وفق حساباتها الخاصة على المدى البعيد، ولا تلتفت لأية مبادرات ودية قادمة من دمشق.
ومن هنا، يصح القول أن على الإدارة في دمشق تصعيد اهتمامها بما يجري على الحدود مع فلسطين المحتلة سياسياً وأمنياً وديمغرافياً من خلال حشد الموقف الإقليمي (التركي خصوصاً) والدولي، ومن خلال إرسال تعزيزات الى تلك المناطق، ودعم صمود السكان المحليين وتبديد إحساسهم بأنهم متروكون وحدهم في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. كما يجب على القوى الوطنية في محافظتي السويداء ودرعا، وهم الغالبية، الانخراط الفوري في الجيش السوري الوليد، وفي الدولة السورية، وتأكيد استعدادهم لقتال أي جيش محتل مع بقية إخوتهم في الوطن.
أما الإدارة في دمشق، فيمكن تفهم موقفها المتمثل في محاولة عدم التصادم مع جيش الاحتلال في ظل الاختلال بموازين القوى، وفي وقت تنهمك فيه بترتيب الوضع الداخلي الصعب في البلاد، لكن البعض يرى أن الإدارة لا تقوم بكل ما يمكنها القيام به بعيداً عن المواجهة العسكرية، مثل تعزيز وجودها الأمني والإداري والخدمي في كل مناطق محافظة القنيطرة، والمساندة المادية والمعنوية والسياسية للسكان المحليين، بغية تصعيب الوضع أمام التوغلات الإسرائيلية التي تتم اليوم بكل سهولة وفي الوقت الذي تريده إسرائيل.
الخلل الديمغرافي في القنيطرة
وخلال جلسات الحوار الوطني الأخيرة، طالب بعض أهالي القنيطرة النازحين خارج محافظتهم ببناء مساكن لهم على أرض المحافظة بغية تعزيز الوجود السكاني فيها، بما يقطع الطريق على الأطماع الإسرائيلية في تلك المناطق التي تنظر للقنيطرة بوصفها منطقة شبه فارغة نظراً لقلة سكانها الحاليين، حيث لا يتجاوز عددهم اليوم 100 ألف نسمة.
والواقع أن حكم آل الأسد أسهم في جعل محافظة القنيطرة هشة ديمغرافياً من خلال تركها خالية تقريباً من السكان خلال العقود الخمسة الماضية، مع وجود أكثر من نصف مليون نازح من الجولان المحتل يعيشون في ظروف مزرية في محافظات دمشق وريفها ودرعا، بينما كان الأجدر إعادة إسكانهم بما هو محرر من محافظتهم، وهذا ما يجب أن تعمل عليه الحكومة الجديدة.
وكان تعداد سكان القنيطرة قبل احتلال إسرائيل أجزاء منها عام 1967 نحو 350 ألف نسمة، نحو 154 ألفاً منهم كانوا يقيمون في منطقة الجولان التي خضعت للاحتلال بالكامل، وجرى تهجير معظم سكانها، وقسم من سكان القنيطرة، وبقي في الجولان نحو 7 آلاف شخص في القرى “الدرزية” الخمس، وارتفع عددهم اليوم إلى نحو 20 ألفاً، في حين وصل عدد النازحين من الجولان والقنيطرة إلى نحو 600 ألف شخص، موزعين اليوم على محافظات درعا وريف دمشق والقنيطرة، وما زال بعضهم يعيش في مخيمات. وقد استعادت سوريا مساحة 60 كيلومتراً مربعاً تضم مدينة القنيطرة وجوارها وقرية الرفيد في إطار اتفاقية “فض الاشتباك” عام 1974، وعاد إلى هذا الجزء بعض سكانه، باستثناء مدينة القنيطرة التي ما زالت مدمرة.
ورغم أن سياسات المواجهة مع إسرائيل، ترتبط في الوعي الشعبي السوري بسياسات النظام السابق، وتحالفاته مع إيران، وليس لها تالياً رصيد شعبي كبير، غير أنه ينبغي التمييز بين متاجرة نظام الأسد بشعارات المقاومة، والخطر الإسرائيلي الذي هو حقيقة ماثلة، لا ينفع معها دفن الرأس في الرمال، بل لا بد من بلورة سياسة أمنية وعسكرية وسياسية وخدمية متكاملة للتعامل الفعال مع هذه التهديدات.
—————————
مؤتمر الحوار الوطني السوري: الجانب المعتم
تحديث 26 شباط 2025
تقريباً، وفي كل الحالات المشابهة للحالة السورية، عند سقوط النظام وليس السلطة فقط، تكون الدعوة إلى عقد مؤتمر وطني تأسيسي شامل أولى الدعوات التي تقدمها السلطة الجديدة وجميع المهتمين في الشأن العام، وما يحتم هذه الدعوة والجدية والحرص على تنفيذها على أفضل وجه ليس فقط جدية الرغبة في إشراك الجميع في الدولة المقبلة، بل أيضاً الجدية التامة في الإصرار على تجاوز النظام البائد بكل رواسبه وآثاره المدمرة للهوية الوطنية للبلاد وللشعب. لذلك كله، ومن موقع الحرص الشديد على تجاوز النظام البائد، يجب الإصرار وتكرار المطالبة والعمل الحثيث على عقد “المؤتمر الوطني الشامل” بالوسائل الصحيحة وبالاستفادة من التجارب العالمية ووفق المدة التي يقتضيها التحضير ومجريات المؤتمر.
ما جرى في سورية من مؤتمرات “حوار وطني” هو أشبه بذر الرماد في العيون، أكثر منه عملاً جاداً للوصول إلى توافق وطني يرسم مستقل البلاد؛ بدءاً من تكليف لجنة قليلة العدد ومن لون واحد تقريباً، إلى طريقة الدعوات والاستعجال في المواعيد، إلى وقت الندوات غير الكافي، إلى المدعوين بدون أي معايير، وأخيراً إلى استبعاد الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية، كل ذلك يشي بهدف واحد من هذا العمل؛ تمرير مؤتمر حوار وطني، بدون نتائج واضحة وملزمة ومقيدة بمواعيد للتنفيذ، وعندها يمكن للسلطة الجديدة القول “نفذنا المؤتمر وكفى المؤمنين شر القتال”.
وتتضح الصورة أكثر إذا تابعنا مصير “المؤتمر الوطني” يومي 24 و25 شباط 2025 والذي اضطر حتى بعض أشد المؤيدين للسلطة الجديدة أن ينتقد بشدة التحضيرات والآليات المتبعة ونوعية الحاضرين؛ فالمستغرب أن يتم نقاش حزمة العدالة الانتقالية والدستور وشكل الدولة والاقتصاد وغيرها في يوم واحد، والأخطر أن اللجان المختصة في كل حقل ستشكل في يوم المؤتمر، والرسالة الواضحة حتى الآن التي تصل السوريين هي “أنتم تَنَاقَشوا ونحن سنقرر ما نريد”، لكن هذه الرسالة لا تأتي عبر المنابر الإعلامية الرسمية بل عبر تصريحات هنا وهناك للسد حسن الدغيم مثلاُ “هذا المؤتمر منزلة بين المنزلتين، فلا هو مقرر ولا هو فقط للاستئناس”، وعبر الرسائل الصوتية لبعض الوفود نقلاً عن السيد الشرع “ستتمتع سورية القادمة بنظام سياسي ذكي ومغاير للملكيات والديمقراطية التي نعرفها”! إذن نحن أمام قرارات، لكن بدون تصريح رسمي، وبانتظار ذلك يكفي تسريب بعض الأخبار المنقولة عن البطانة.
حتى الآن، لم تقدم السلطة الجديدة أي مبادرة جادة بخصوص القضايا الحاسمة في تأسيس الدولة الجديدة وهذا يعكس أحد احتمالين، فإما أن القرارات صارت جاهزة وبانتظار الموافقة الإقليمية والدولية على ما اتخذته السلطة الجديدة بمعنى الحصول على الشرعية الخارجية، وإما أنها لم تحسم أمرها بعد بخصوص الموقف من شكل الدولة القادم والعدالة الانتقالية والديمقراطية والمشاركة وحقوق الإنسان وغيرها من القضايا الهامة جداً في مستقبل الدولة السورية ونحن نرجح هذا الاحتمال بسبب أن الشرعية الداخلية لا يمكن اكتسابها بدون المرور بمؤتمر وطني وبدون أن تقول جميع مكونات الشعب السوري كلمتها في كل ما سبق، وبنفس الوقت فإن الإجماع الوطني على قضايا الديمقراطية والعلمانية وحقوق الأقليات القومية قد تخلق مشكلة عويصة للسلطة الجديدة، فهل ما نشهده من سلق للمؤتمر الوطني وتسريبات القرارات والتراجع عنها والغموض في معظم المسائل هي محاولة للالتفاف على بعض القوى التي كانت نافذة ضمن هيئة تحرير الشام، وبنفس الوقت هي محاولة للحصول على مباركة المجتمع الإقليمي والدولي؟
نحن في تيار مواطنة نرجح أنها مناورات تستهدف التعمية على بعض القوى الداخلية وتزجية بعض الوقت قبل أن تقول السلطة الجديدة كلمتها بخصوص القضايا الحاسمة، ومرة أخرى مع استمزاج لرأي شريحة كبيرة من السوريين عبر الحوارات الدائرة والتي لا يكمن أن تصل إلى مستوى المؤتمر الوطني، لا على صعيد الشكل ولا المضمون، بسبب افتقاده للتحضير السليم والتنفيذ الموثوق.
كنا في تيار مواطنة قد أكدنا على أن المؤتمر الوطني يجب أن يضم الأحزاب السياسية والمجتمع المدني والنساء والشباب وممثلي الأقليات القومية وممثلين عن المجتمعات المحلية وأن يتم التحضير له بعناية وأن يستمر الوقت الضروري والكافي لإنجاز مهامه، بالتالي فإن ما نراه اليوم مخالف لكل أمنيات السوريين في دولة ديمقراطية تعددية، لكن، ولقناعتنا الراسخة أن المشاركة في العميلة السياسية هي واجب وضرورة فإننا ندعو جميع الديمقراطيين السوريين لرص الصفوف والضغط على السلطة القائمة للبدء بالمسار الصحيح لخدمة السوريين وليس وفق مسبقات سياسية أثبتت عقمها في جميع الأماكن التي طبقت فيه ولا يمكن أن تؤسس لدولة تستحق اسمها، ونحن نشدد على أن بناء الدولة المواطنة يجب أن يستند إلى إجماع وطني ومؤسسات ديمقراطية ودستور عصري يضمن كرامة جميع السوريات والسوريين.
تيار مواطنة
مكتب الإعلام 26 شباط/ فبراير 2025
———————————
الشرع في الأردن.. ما هي أبرز الملفات المطروحة؟/ فيصل علوش
26 فبراير 2025
شكلت عمّان المحطة العربية الثانية التي يحطّ بها الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع، بعد الرياض التي زارها في الثاني من الشهر الجاري. والمحطة الخارجية الثالثة، بعد زيارته إلى أنقرة في الرابع من هذا الشهر أيضًا.
وتأتي هذه الزيارة كجزء من الجهود المستمرة لتعزيز التواصل بين البلدين بعد سقوط الحكم الأسدي، إذ سبقتها زيارة وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في السابع من كانون الثاني/يناير الماضي، برفقة وزير الدفاع، مرهف أبو قصرة، ورئيس الاستخبارات العامة، أنس خطاب. وقبلها زيارة وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي إلى دمشق، في 23 كانون الأول/ديسمبر الماضي، التي التقى خلالها الرئيس الشرع، وكان يومها قائد الإدارة السورية الجديدة.
وفي الواقع، تكتسي الزيارة أهمية دبلوماسية وسياسية خاصة، ليس فقط من كونها تأتي في سياق مساعي الحكم الجديد في دمشق نحو الاستقرار الإداري والسياسي وإعادة بناء دولته عبر تطبيع علاقاته مع جواره العربي والإقليمي، بل لما يمكن أن تنطوي عليه كذلك من أبعاد ومخرجات في ظل ما تشهده المنطقة من تطورات وتوترات متسارعة ومتصاعدة، وظروف دقيقة وحساسة حقًا وليس مجازًا، أو من باب الرطانة اللغوية المعتادة التي درج عليها المحللون العرب.
وتتمثل هذه الظروف، على نحو رئيسي، بالمشاريع الإسرائيلية والأميركية المطروحة لتهجير الفلسطينيين من غزة، وبما تقوم به إسرائيل من اعتداءات لا تتوقف على مراكز عسكرية سورية، وتحركات وتوغلات مشبوهة ومقلقة في المنطقة الحدودية، فضلاً عمّا تطلقه من تهديدات وتدخلات فظة ومستفزة في الشأن الداخلي السوري.
وقد دُعيّ الرئيس الشرع إلى حضور القمة العربية في بداية آذار، وفي حال فعل ذلك، كما هو متوقع، فستكون هذه المرة الأولى التي يحضر فيها اجتماع قمة عربية. وبالتالي، فإن زيارة الشرع إلى الأردن تأتي قبل أيام من انعقاد هذه القمة التي تحتاج إلى مزيد من التعاون والتنسيق حول الملفات المشتركة.
يذكر في هذا الصدد كذلك، أن زيارة الشرع أتت بعد يوم واحد من لقاء ولي العهد الأردني الأمير الحسين والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أنقرة، وسط معلومات متداولة عن تنسيق سوري أردني تركي مشترك بشأن الملفات المطروحة؛ سواء ما تعلق منها بغزة، أم في الجنوب السوري.
نهج سياسي سوري جديد
وإلى ذلك، وفي ضوء الحدود الطويلة بين الأردن وسوريا التي تمتد على مدى 375 كيلومترًا، والروابط العشائرية والاجتماعية الممتدة تاريخيًا، والمصالح الاقتصادية والتجارية المشتركة كذلك فثمة الكثير من الملفات التي يمكن أن تطرح بين الجانبين في وقت لا زالت العلاقة بينهما تتأرجح بين الحذر والانفتاح. ففي ظل النظام البائد، وبعد اندلاع الثورة السورية عام 2011 وتزايد المخاوف الأردنية من تداعياتها على أمن المملكة واستقرارها الداخلي، اتسمت العلاقات الأردنية السورية بحالة من البرود والشك. لكن بعد انتصار الثورة وصعود الشرع إلى الحكم، يبدو واضحًا أن عمان تحاول إعادة ضبط علاقاتها مع جارتها، وإن بشيء من الحذر، على وقع التغيير السياسي الحاصل، مع إدراكها أن استقرار سوريا يصب مباشرة في مصلحتها، وبأن السلطة الجديدة فيها تسعى إلى إعادة إنتاج الدولة السورية ونهجها وسياساتها على نحو مختلف عن السياق الذي عرفته في عهد النظام البائد.
وقد شهدت العلاقات السورية الأردنية بالفعل تحسنًا تدريجيًا، تجسد في إعادة فتح المعابر الحدودية واستئناف الرحلات الجوية والحركة التجارية، فضلا عن الزيارات المتبادلة بين مسؤولين من الجانبين.
وفي سياق ذلك، أكد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي خلال استقباله المبعوث الكندي الخاص إلى سوريا، عمر الغبرا، أن بلاده مستعدة لتقديم كل ما باستطاعتها للشعب السوري من أجل: “تجاوز المرحلة الانتقالية، وإعادة بناء وطنه عبر عملية سورية- سورية تشارك فيها مختلف مكونات الشعب السوري، وبما يضمن وحدة سوريا وأمنها واستقرارها، ويخلصها من الإرهاب، ويحفظ حقوق شعبها، بعد سنوات من القهر والظلم والدمار”.
ورأى الوزير الأردني الأسبق، بسام حدادين، أن زيارة الرئيس السوري إلى الأردن خطوة مهمة للغاية، ودليل على الرغبة السورية وحرص دمشق على تمتين علاقاتها مع عمّان، مشيرًا إلى أنه: “بعد زوال الكابوس الذي خيّم على الشعب السوري بسقوط نظام بشار الأسد، جاء نظام جديد يسعى إلى بناء علاقات جديدة مع محيطه العربي، وبالنسبة للأردن يُعد هذا الأمر مهمًا للغاية حيث بادر مبكرًا بفتح قلبه ومد يده للتعاون مع هذا النظام الجديد بهدف إقامة علاقات قائمة على أسس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة”.
وذكر حدادين أن سوريا: “تسعى ليكون الأردن بوابتها للغرب نظرًا لاستقراره وعلاقاته المتعددة والمحترمة مع الدول الغربية، وبالتالي قد يكون نموذج العلاقة السورية الأردنية دافعًا للغرب نحو إعادة صياغة علاقاته مع سوريا بشكل جديد”. ولفت كذلك إلى أن هنالك مصلحة اقتصادية مشتركة بين البلدين خاصة في تنشيط حركة التجارة، كما أشار إلى ضرورة الحد من المخاطر الأمنية، خصوصًا تهريب المخدرات والأسلحة وإلى أنّ هناك تفاهمًا بين البلدين في هذا الشأن، لكنه يحتاج إلى وضع خطط واضحة وتنفيذها بميزانية مدروسة”.
ويُعد الأردن من الدول التي استضافت مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، وبالتالي فإن مصلحته المباشرة تكمن في دعم الاستقرار في سوريا، لما له من انعكاسات مباشرة على أمنه الوطني، وعلى توفير فرص عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. وعانى الأردن كذلك من عمليات تهريب المخدرات (الكبتاغون)، إليه أو إلى دول أخرى عبره.
وتعد ملفات الإرهاب وتهريب المخدرات والسلاح خطرًا مشتركًا بين دمشق وعمّان. وخلال زيارة وزير الخارجية السوري إلى الأردن، أعرب الشيباني عن امتنان سوريا للأردن لاستضافته اللاجئين السوريين، وأكد حرصها على توطيد علاقات مميزة مع الأردن على كافة المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية. وتم الاتفاق حينها على إيجاد آليات تعاون لمحاربة تهريب المخدرات، وتشكيل لجان مشتركة بين البلدين في مجالات الطاقة والصحة والتجارة والمياه. ويُفترض أن يكون التعاون في المجالات السابقة من أبرز الملفات المطروحة على جدول المباحثات بين قيادتي البلدين.
الترا سوريا
————————-
مؤتمر الحوار الوطني بعيون حقوقيين: معايير غامضة ومخرجات معدة سلفًا
25 فبراير 2025
يشغل مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في دمشق اليوم، 25 شباط/فبراير، حيزًا واسعًا في انشغالات السوريين الراهنة. ربما لا ينافسه في ذلك إلا الاستفزازات الإسرائيلية التي حولت الجنوب السوري إلى منطقة قلقة ومتوجسة.
ويعقد كثيرون صلة بين الأمرين، منطلقين من فكرة مفادها أن ترتيب البيت السوري، عبر الشروع جديًا في كتابة عقد اجتماعي جديد، سيكون هو الرد الأمثل على أي تهديد خارجي، وهذا بالضبط ما كان منتظرًا من المؤتمر.
وفي الانشغال بالمؤتمر يحضر السوريون، بكافة فئاتهم وتوجهاتهم وتخصصاتهم المهنية والعلمية، غير أن حضور الحقوقيين يحظى بدلالة خاصة، ذلك أن جزءًا كبيرًا وحيويًا من محاور المؤتمر يملك صلة وثيقة بميدان تخصصهم: الدستور، العدالة الانتقالية، استقلال القضاء.. ومن هنا يبدو لافتًا خروج أصوات حقوقية كثيرة لتقدم انتقادات وتحفظات مختلفة على المؤتمر ومنظميه.
تستهجن المحامية عهد قوجة عدم توجيه الدعوة لنقابة المحامين، وإن كانت ترى في ذلك نقطة إيجابية “كي لا نصبح شهود زور على تلك القرارات الجاهزة سلفًا”. وتشير إلى القيمة العلمية والرمزية لكل من نقابة المحامين وكلية الحقوق، وهما اللتان اعتادتا لعقود طويلة “إعداد رؤساء ووزراء وسفراء وسواهم”، ما يجعل استبعادهما، مع بقية الرموز والكيانات الحقوقية “أمرًا سلبيًا للغاية في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد”.
ويذهب قاض (رفض ذكر اسمه) إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أن “سوريا ليست بحاجة لجلسات حوار، مؤتمر الحوار يعقد من أجل أشياء غير واضحة، تحتاج عصفًا فكريًا، أما من أجل بناء الدولة فإنك لست بحاجة إلى حوار”، مضيفًا أن “حقوق الإنسان وحقوق المواطن وشكل الدولة وهويتها، كل هذا لا يرسمه مؤتمر حوار، وإنما تحدده هيئة تأسسية تتكون من القانونين، علماء الاجتماع، أساتذة الاقتصاد، أساتذة العلوم الدستورية والقانونية، هؤلاء يضعون أسس الإعلان الدستوري أو الدستور الجديد”.
ويتساءل القاضي: “كيف سيتحاور رجل قانون مع فنان، مع ممثل، مع رجل دين؟ ما هي القواسم المشتركة بينهم؟ ما آليات الحوار؟ قد أكون مخطئًا ولكن بصراحة أنا غير مقتنع”.
وحول النقطة نفسها، معيار المشاركة وطبيعة المشاركين، يستبعد المحامي عز الدين عز الدين وجود معيار يكفل الشمولية “التنوع مسألة صعبة جدًا في غياب الأحزاب والتيارات السياسية. أما اعتماد المعيار الطائفي والجغرافي فلا يمثل التنوع الحقيقي للشعب السوري ولا يساهم في تأسيس الدولة التي نطمح إليها جميعا”. مؤكدًا أن “أفضل معيار يجب اتباعه هو معيار الاختصاص والكفاءات في جميع المجالات بغض النظر عن الانتماء الديني أو الجغرافي”.
ويضيف عز الدين: “الحقيقة ليس لدي أي فكرة عن المعيار الذي تم اتباعه في اختيار المشاركين، فحسب معرفتي بعدد من الأشخاص الذين تمت دعوتهم لم أتوصل إلى معيار محدد اعتمدته اللجنة”.
واللافت أيضًا، حسب عز الدين، هو الاستعجال الشديد في عقد المؤتمر، حتى أن مدعوين في الخارج وصلتهم الدعوة قبل يوم أو يومين ما حال دون إمكانية حضورهم. ويتساءل: “إذا دعي حقوقي إلى المؤتمر ليشارك في نقاش ملف من الملفات الحساسة والهامة المطروحة. العدالة الانتقالية، مثلا. ألا يحتاج هذا المدعو إلى عشرة أيام على الأقل ليحضر مداخلة جادة، وإلى التشاور مع من يفترض أنه يمثلهم، زملائه أو نقابته. وبما أن الدعوة وصلته قبل يوم واحد، فهل يكفي هذا اليوم ليستعد لمشاركة حقيقية وفعالة؟”.
وتتفق عهد قوجة مع عز الدين في ذلك، ملاحظة أنهم “حين دعوا الشخصيات الفاعلة الموجودة خارج سوريا أرسلوا لهم الدعوات قبل يوم، وفي هذا رسالة تؤكد على عدم الجدية وعدم الاهتمام”.
هذا الاستعجال دفع القاضي إلى الاستنتاج أن المؤتمر جاء “مجرد تغطية إعلامية لقرارات متخذة سلفًا. إنه مجرد إعلان، ما يذكرنا بمؤتمرات حزب البعث”.
وفيما إذا كانت الأخطاء مقصودة أم أنها مجرد أخطاء تنظيمية يقول إنه “إخراج لمسرحية. وبغض النظر عن الجهة المنظمة فإن أي أحد يتصدى لتنظيم مؤتمر بهذه الشروط لن يخرج بأكثر من مسرحية”. وهو ما يؤكده عز الدين قائلًا: “على الأرجح إنها إجراءات مقصودة، ومن الواضح أنهم يملكون رغبة في إقامة شكل ما من أشكال التجمع للخروج بتوصيات عامة، وهو أمر لم يكن بحاجة إلى مؤتمر، وكان ممكنًا الاكتفاء بجلسات الحوار التمهيدية”.
في ظل هذه التحفظات والانتقادات، كيف ستكون فعالية مؤتمر الحوار الوطني، ما مدى جدية مخرجاته؟
يقول القاضي: “منظمو المؤتمر لم يحددوا أهدافه بوضوح، ما عمل المؤتمر بالضبط؟ ما الهدف من مخرجاته؟ هل هي نواة الإعلان الدستوري؟ أو نواة دستور سوريا؟ ولنفرض أن “بلوغرز” حضر المؤتمر وطالب أن يكون شكل الحكم برلمانيًا أو شبه رئاسي أو رئاسيًا، فهل لمجرد قوله ذلك سيكون المؤتمر مضطرًا لإدراج كلامه في التوصيات والمخرجات؟!”.
وتختم قوجة حديثها بالقول: “إنه مؤتمر شكلي، في وقت يحتاج فيه الوطن إلى أفعال وليس إلى مجرد كلمات”.
———————————–
حصان الشرع: كيف يُصنع الإلهاء السياسي والمجتمعي/ سامي زرقة
مشهد الفروسية ليس بريئاً، بل هو محاولة لصناعة صورة الزعيم القوي المسيطر
23 فبراير، 2025
في زمن تتزايد فيه الأزمات المعيشية وتتصاعد فيه الأوضاع الاقتصادية سوءاً، يبرز مشهد الرئيس السوري أحمد الشرع وهو يمتطي حصاناً، صورة لا تختلف كثيرًا عن مشاهد قديمة لرئيس النظام السابق بشار الأسد في أوضاع مشابهة.. هذه المشاهد، رغم بساطتها الظاهرة، قد تحمل بين طياتها رسائل سياسية تتجاوز الإطار الترفيهي الذي قد يبدو للوهلة الأولى.
صناعة الرمز.. من الترفيه إلى الإلهاء
لطالما استخدم القادة السياسيون الرموز البصرية للتأثير على الجماهير، وتشكيل صورة ذهنية مرتبطة بالقوة أو البساطة أو القرب من الشعب.. مشهد الفروسية، في هذا السياق، ليس بريئاً، بل هو محاولة لصناعة صورة الزعيم القوي المسيطر على زمام الأمور.. غير أن السؤال الأهم: هل هذه الصور تقدم حلاً للأزمات الحقيقية؟
الإلهاء عن القضايا الأساسية
بينما تتصدر صور الحصان المشهد الإعلامي، تُهمَّش القضايا الحقيقية التي يعاني منها المواطن السوري يومياً.. مشكلات تحسين الواقع المعيشي، الإصلاحات الاقتصادية، وتدهور الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والتعليم، تغيب عن الأجندة السياسية والإعلامية.. يبدو أن التركيز على هذه المشاهد البصرية يخدم غرضاً واحداً: إلهاء الجمهور عن قضاياه اليومية.
التاريخ يعيد نفسه: من الأسد إلى الشرع
ما نشهده اليوم ليس جديداً، بل هو تكرار لأساليب قديمة استخدمها النظام السابق، حيث كانت الصور المصممة بعناية تُستخدم لصرف الأنظار عن الأزمات المتفاقمة.. إذا كان الأسد قد استخدم صور ركوب الخيل أو ممارسة الرياضة لبناء صورة القائد القوي، فإن الشرع يبدو أنه يسير على ذات النهج.
الحاجة إلى خطاب جديد
بدلاً من التركيز على الصور الرمزية، يحتاج السوريون إلى خطاب سياسي حقيقي يواجه التحديات بجدية. المطلوب اليوم هو تقديم حلول واقعية للأزمات الاقتصادية، ودفع عجلة إحلال السلم الأهلي، وتعزيز التماسك الاجتماعي، لا صناعة مشاهد رمزية تستهلكها وسائل الإعلام بلا جدوى.
متى ينتهي زمن الإلهاء؟
قد تكون الصور وسيلة قوية للتأثير النفسي، لكنها عاجزة عن تغيير الواقع المأزوم.. المطلوب اليوم هو الانتقال من السياسات الاستعراضية إلى الإصلاحات الفعلية التي تعالج جذور الأزمات وتستجيب لتطلعات السوريين في حياة كريمة ومستقبل أفضل.. وإلا، فستظل الصور مجرد وسائل لإلهاء شعب يعاني تحت وطأة الأزمات المتراكمة.
العربي القديم
—————————–
قاعة الخلد أم مؤتمر وطني لأبناء الرقة بدمشق: اجتماع وجلد وطرد/ أسامة الخلف
23 فبراير، 2025
شهدت العاصمة السورية دمشق مساء يوم الخميس اجتماعا للجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني الخاص بمحافظة الرقة “شمال سوريا” والذي ترأس فيه اللجنة “حسن الدغيم” المشهور بجملة “تمشي الضعينة من جرابلس إلى إدلب لا تخشى إلا الله والذئب على غنمها”.
ومثل الرقة عديد من الشخصيات أخفيت قوائمهم الاسمية، وطريقة انتقاءهم وتوجيه الدعوات لهم ،دون الأخذ بعين الاعتبار رمزية وتمثيل فئات مجتمعية كاملة ،خاصة وأن خارطة المحافظة إداريا تحت ثلاث قوى سيطرة وجغرافيات “الريف الشمالي تحت سيطرة فصائل موالية لتركيا، المدينة وريف المركز بيد قسد، الريف الجنوبي الشرقي والغربي والبادية بيد وزارة الدفاع الجديدة.
وقبيل البدء بالاجتماع تم تسريب مقطع فيديو يظهر قيام شخصين بطرد الإعلامي “مؤيد العجيلي”من أبناء مدينة الرقة، بطريقة هزلية ومهينة مخاطبا إياه صاحب المقطع بأنه “يتبع لقسد”، ما أثار استهجانا واسعا من قبل شرائح مجتمعية في داخل الرقة، واعتبروه إهانة كبرى للرقة كلها .
مؤيد العجيلي: إلصاق التهم ظلما وعدوانا
وقال الإعلامي مؤيد العجيلي في حديثه :
تمت دعوتي لحضور الجلسة الحوارية مع اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني، وعلى طريقة الأمن سابقاً تم إخراجي من القاعة بتهمة شبيح للنظام وأحدهم خلفي يصور المشهد ويقول ضمن مفارقة عجيبة شبيح لقسد .
أنا مواطن سوري من الرقة ولي حقوق في المواطنة والكرامة التي تدّعون أنكم خرجتم من أجلها ولكن للأسف أجد نفس التعامل القديم ونفس الممارسات الإقصائية بما في ذلك امتهان كرامة الإنسان وإلصاق التهم بالمجان ظلماً وعدواناً ممن لا أعرف من هم ولا أي سلطة خولتهم بذلك
لا تربطني بقسد ولا مسد ولا النظام البائد ولا المنظومة الحاكمة حالياً اي صلة و ليس لي معرفة شخصية بأي من أولئك الذين ذكرتهم آنفاً .
والناس تعلم وانا ادرى الناس بنفسي ولا أجدني مضطراً لسوق الأدلة على براءتي ولست مجبراً على الحديث بالتفاصيل ومع هذا فإن اقل ما جرى عليّ شخصياً
حرمت من إكمال دراستي الجامعية بدمشق حتى ٢٠٢٠ .
تم فصلي من عملي كمعلم من ٢٠١٧ وصدر بقرار قرار قضائي بحكم المستقيل .
في الرقة اعيش ولم أغادر ولا ليوم واحد تحت قصف النظام وروسيا والتحالف .
كانت لي وقفة مع قسد ضد الحظر والممارسات التعسفية بحق أبناء الجزيرة السورية التي لم ولن نقبل بأي تغيير ديموغرافي أو جغرافي أو نظام حكم يفصلها عن الجسم السوري .
أطالب برد الاعتبار وأطالب بحقي في محاسبة مَن تجنى عليّ من قبل عدالة الأرض إن وجدت وإن لم يكن فكلي ثقة بأن عدالة السماء ستأخذ حقوقنا جميعاً نحن المظلومين .
وعن اختيار مبنى القيادة القطرية بدمشق ليكون حاضنة للمؤتمر الخاص بالرقة كتب الناشط الرقي ياسين السويحة :
أولاً: حكومة دمشق تسيطر على أجزاء واسعة من محافظة الرقة، من بينها أماكن فيها قاعات ومراكز ثقافية ومضافات ومرافق قادرة على احتواء لقاء تشاوري مع أهل المحافظة، بدل إجراء اللقاء في دمشق. هذا أكثر احتراماً لأهل المحافظة وتقديراً لأن سوريا أكبر وأوسع من قاعة القيادة القطرية، حيث عُقد اللقاء التشاوري.
ثانياً: الفوضى وقلة الوضوح حول آليات الدعوة تنقص بشكل كبير من جدية هذه الاجتماعات ونجاعتها. هذا حصل في كل المحافظات، ولكن في حالة المحافظات التي تجري لقاءاتها في دمشق فالحيف أكبر، والجدّية معدومة فعلياً.
ثالثاً: لماذا حضرت اللجنة ناقصة في اجتماع محافظة الرقة؟ أهناك شيء أهم لدى اللجنة وأعضائها يمنع الحضور؟ وفوقها، غابت السيدتان هدى الأتاسي وهند قبوات، وحضر رجال فقط. لا مبرر أبداً لذلك، ولا تفسير طيب.
محمد الحاج: أقل عدد.. وأقل حضور نسائي
فيما قال الإعلامي محمد الحاج وهو أحد أبناء الرقة :
أقل عدد مدعوين في الندوات (تنافسها السويداء، لكن هناك كان لحجم القاعة، ما السبب بندوة الرقة..؟!).
أقل حضور نسائي حسب ملاحظتي مقارنة بباقي المحافظات (مبدئياً: سيدتان إلى 4 فقط؟
غياب للسيدة هند قبوات وهدى الأتاسي اليوم عن ندوتي الحسكة والرقة، وحضورهما بعد ساعات في جلسة مقامة حالياً بريف دمشق
ثلاث ندوات في يوم واحد، سابقاً أقيمت طرطوس واللاذقية بيوم، درعا والسويداء بيوم، بس 3 على ساعتين، ساعة ونص، يعطي انطباع “رقة ماشي، حسكة ماشي، ريف دمشق ماشي” (ماراثون وطني ماشي).
حضور بصبغة عشائرية (شيوخ) قليل وليس طاغ على المدعوين وإن تصدر بعضهم الكراسي الأولى (رأي: نقطة إيجابية قد تكون من غير رام!).
الرقة فيها مناطق خارجة عن سيطرة “قسد” ومع ذلك أقيمت الندوة في دمشق (سفر 40 شخص أسهل من سفر 5 أشخاص إلى قاعات أكبر موجودة بمعدان أو مضافة في قرية صغيرة تابعة إدارياً .
منى فريج: هل الرقة بعيدة دائما؟
الحضور الباهت للناشطات والإعلاميات من الرقة أثار حفيظة العديد من أهالي الرقة، لقول الناشطة منى فريج :
اجتماعان بيوم واحد للجنة الحوار بدمشق. نحن أبناء الرقة يصعب عليهم القدوم لعنا ع الرقة لأنه بعيدة، تصير تفاوض ع الغاز والثروات لكن ما يصير تفاوض مشان نحفظ كرامة أبناء المدينة وفوقها السيدات ما يكونوا حاضرات .
أبناء عفوا (نخب) دمشق الجلسة كل اللجنة فيها، هذا أول الغيث بحسابات الحكومة الجديدة.
وأذكر اليوم ما قاله المتنبي :
وقد أشهد الطعام معي من
لا يساوي الخبز الذي أكله
ويظهر الجهل بي وأعرفه
والدر در برغم من جهله.
العربي القديم
—————————————–
ملاحظات
Guevara Namer
مرحبا، انه البوست الاطول في حياتي الفيسبوكية وكنت مترددة اكتبو لانو ماني شايفة كتير نقاشات جدية عالفيسبوك، شايفة انو الغضب والتهكم مسيطرين ..
اول مبارح صار “جلسة نقاش” مع اللجنة التحضيرية للحوار، هي كانت الجلسة الوحيدة التخصصية وكانت للفن والثقافة .. باقي الجلسات التحضيرية حسب ما فهمت وتابعت كانت دايما مع ممثلين محافظات.
حضور الجلسة ما دخلو بحضور المؤتمر وحسب علمي مافي اي حدا من الحاضرين/ات تمت دعوته للمؤتمر نفسه، الاجتماع كان لمناقشة و /أو جمع توصيات متعلقة بوزارة الثقافة وما يتبع لها من مؤسسات ونقابات.
في مشكلة عم ينحكى عنها من شهرين هو انو مافي وزارة ثقافة بادلب وبالتالي الحكومة كانت مترددة بتفعيل الوزارة ولكن تم الضغط لتفعيلها على ما هي عليه – اهون الشرور، لتسيير أمور الطلاب بمعاهد تابعة للوزارة وكذلك أمور الموظفين – وكمان لانو كتار رفعوا شعار؛ صرنا أفغانستان وما عاد في حفلات موسيقا وعروض سينما (ع اساس الانتاج كان مدبح بعضو!)
المشكلة المستمرة؛ كل ما صار تواصل باسم الفن والثقافة عم يتم حصره بالممثلين وعالم الدراما .. هاد قصور مرعب بفهم الثقافة والفن .. صار نقاشات كتير خلال آخر شهرين واتطور بس فعليا اجتماع مبارح كان مرة تانية فيو كتير ممثلين ممثلات، ليش؟! لانو كل العالم العربي ومناطق أخرى حول هذا الكوكب، مقتنعة انو هدول اكبر مؤثرين بالمجتمع ولازم اي حكومة تستخدمون و برأيي؛ لانو الحكومة الحالية بدمشق مقتنعة انو معظم السوريين يلي كانوا داخل مناطق سيطرة النظام هنن مؤيدين للنظام السابق و وحدة من طرق التأثير عليون و/أو تطمينهم هي استخدام الواجهة الفنية تبعون! في كذا مليون سوري بيتأثر بهدول الناس وما رح يتأثروا بنفس الطريقة لما بتجيب فارس الحلو ومكسيم خليل ومحمد ال رشي وتضل تذكرهم بمي سكاف وزكي كورديللو، مؤسف؟ طبعا وياللهول! بس أي توقعات اكبر من هيك حول دور الثقافة بالمنطقة بيكون تقريبا الحق ع صاحب/ة التوقعات..
بنفس الوقت كان في حضور من عالم الادارة الثقافية والفنون الاخرى ومنها مسرح، فن تشكيلي، سينما، موسيقا ولكن ١٠ من اصل ٥٠، نعم الباقي كلهم ممثلين وممثلات من الصف الاول للعاشر .. كان في خطابات ولعي وبيانات سياسية ولغة خطابة اكل عليها الدهر وشرب من اللجنة ومن كذا ممثل أولهم جمال سليمان! .. صار مداخلات من تبع “مو وقت الفن” وحسيت انو طبيعي لانو ما بيعرفو دور الفنون والثقافة بهيك لحظات من تاريخ البلد! بالمقابل صار مداخلات مهمة عن اقتصاد الابداع وضرورة تفعيل وزارة الثقافة بشكل مطلق واهمية دور الثقافة والفنون تحديدا بالعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية وحرية التعبير وودور وشكل الرقابة وانو ممكن الاكتفاء حاليا بالتوزيع والعروض دون الانتاج وعن اهمية اللامركزية الثقافية ووو .. أنا كنت متخيلة انو بيكون اجتماع مغلق بعيد عن الإعلام لحتى يصير حوار بدل الخطابات الرنانة ولحتى نقول العدالة الانتقالية تشمل أبواق النظام ومن لمع صورته والخ! وبالأخير هاد الشي انحكى بس يبدو الإعلام يلي كان حاضر ما جاب سيرة، ولا غطى المداخلات يلي الها معنى وانما ركز عالنجوم والمشاهير وتحديدا يلي كانوا مستفيدين من النظام الاسدي .. لانو هاد الترند احلى وبيسلي كتير!..
كيف صارت الدعوات؟ في شي اسمو اللجنة الوطنية للدراما عم تشتغل بين وزارتي الاعلام والثقافة وهنن يلي سبق واجتمعوا مع كتير ناس متقاطعين مع وزارة الثقافة دار الأوبر والمعهد العالي ومديريات اخرى، وبينهم ناس اجوا من برا البلد بعد السقوط وكان عم يسألو عن وضع هي المؤسسات واستعدادهم للتعاون بخصوصها، من هون هنن عندهم مجموعة اسماء ويلي لاقوه بالشام بعتولو الدعوة وفقط قبل بيوم. هل منطقي هاد الشي؟ لا طبعا بس بصراحة إذا عم يدعو الناس من امريكا عالمؤتمر نفسه قبل يوم فما عتب ع جلسات النقاش .. هل كان الحضور قرار حكيم؟ كمان ما بعرف بس قرارنا نحن الأقلية العاملة بالثقافة والفنون الأخرى غير الدراما انو وجودنا احسن من بلاه .. يمكن بدهم عدم وجودنا من الله وبيكون اريح وشوي شوي بيصير إقصاء كامل لهي المجالات.
ليش عم اكتب؟ لانو متفاجئة بكمية اليقين المطلق حول المعلومات المغلوطة، ناس قررت انو هاد هو المؤتمر بينما كان “جلسة نقاش” مع اللجنة، ناس شافت انو تم إقصاءها وانو في مؤامرة بالدعوات، يلي بعرفو ما حدا انجاب من برا الشام وليس برا سوريا! ما حدا انحجزلوا طيارة وأوتيل ليكون بالجلسة .. بس للامانة كان في قهوة وعصير وبيتفور بعد الاجتماع.
أنا يلي عم شوفو وهي تاني نزلة عالبلد؛ التعامل مع اي شي بيخص سوريا من هون عالارض مختلف جداجدا عن التعامل معو عن بعد، اكيد ما كل الناس بتقدر تنزل ومن حقها تتابع وتعرف بس أنا بظن هي الفوضى تكون مستمرة لست شهور كمان! .. أنا عم انزل عالبلد لانو معي بسبور وما في فروع امن تعتقلني مو لاني متفائلة بالسلطة
الفيس بوك
————————————–
=========================