نصوص

عزيزتي ليلى: اقترب عيد الأم ونودّكِ بشّدة بيننا: نحن أيضاً بحاجتكِ

عبد الله الكفري

27-02-2025

        الدكتورة العزيزة ليلى،

        منذ أشهرٍ وأنا أشعر برغبةٍ كبيرة في الكتابة لكِ، هناك الكثير لنتحادث به، بلادنا بظاهرها وبواطنها المظلمة تعجُّ بالحياة وتعجُّ بالظلم، ومَن أفضل منكِ ليخبرنا عن ذلك؟ في الشهر الماضي كنتُ أعطي درساً في الجامعة ضمن مقرر الكتابة المسرحية، كنت أتناقش مع الطلاب حول مفهوم الصراع، وعندها حضرتِ أمامي، كنموذجٍ وحجة على قوة وهشاشة الحق في بلادٍ تتصارع مع الحاجة إلى العدالة والحرية، وكنموذجٍ بشري عن نضال الأم، وفداحة الحب والتضحية. فكرتُ كثيراً أن أخبر الطلاب بما عاجل ذهني لكنني عدلت عن الأمر، ليس لشكٍ مني في معرفتهم بكِ، لا بل على العكس أظن أن كثيراً منهم يتابعون مع منى وسناء تفاصيل صحتكِ، ولكن لأن هناك تعذرٌ في الإحاطة بكل ما تقومين به وفي إيفائه حقه. تحويل الألم الشخصي في أكثر أشكال تجريده: الجوع، إلى نضالٍ وسعي للعدالة، وكلما ازداد جسدكِ انكماشاً توسعت آفاق هذا النضال الهادئ والمثابر. وهنا يكمن التحدي: كيف لنا أن نخبر عن قصصٍ في طور الحدوث وأصحابها لا يرغبون أن يصيروا أمثولةً إنما يبحثون عن قليلٍ من العدل؟

        لسنواتٍ طوال كانت زياراتكِ لعلاء التي نجحت والأخرى الكثيرة التي تعثرت سرداً مغايراً لبلدٍ وواقعٍ لا ترغب السلطات في الحديث عنه. افتراش الطوب والصبر والانتظار، أتاح لنا أن نشهد كيف تنتقل الأمومة من الفضاء الخاص إلى الفضاء العام، وكيف تستحيل هذه الأمومة من كونها وجبة دافئة في منزل العائلة، أو زيارة طويلة مع الأحفاد في يوم الجمعة، أو تناول بعض الحلوى والتندر حول قصةٍ ما، لتصير ساعات انتظار، وتراب يغطي الثياب عقب النوم في الشارع أمام سجن طرّه. إن هذا التحول بين فضاءٍ خاصٍ معتادٍ وآخر عامٍ مفتوح على الحياة والحريات هو ما يتيح للنضال السياسي والاجتماعي الحضور كنمط حياة في كل ما تفعلينه.

        أصدقاؤكِ، وزملائكِ، والمقربّون منكِ يعرفون أن النزاهة والإصرار والعناد والثبات على الحق هي في صميم خيارتكِ وطبيعتكِ، لكنني أرغب أن أحيل الأمر أيضاً إلى علاقتكِ بدراسة وتعليم الرياضيات، وهو مجالٌ يعتمد المنطق والبراهين والاستدلال المنهجي، وهي للمفارقة المبادئ ذاتها التي ترتكز عليها أسس الدفاع عن حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية والناشطية السلمية، وكلها مجالات اخترتِ وعائلتكِ تكريس وجودكم لها.

        خلال السنوات الماضية كانت أحاديثكِ عن زياراتكِ لعلاء تتخفّف من المشاعر إلى أقصى الحدود، وتتحول إلى مجالٍ للبحث عن الحقيقة والإصرار عليها، أعيد مشاهدة أحد هذه الفيديوهات والذي أعلن فيه علاء إنهاء إضرابه عن الطعام. في هذه اللحظة التي تفيض بالأمل وتتضمن كل حمولة المشاعر الممكنة، تختارين التحدث عن الأمر بهدوء تامٍ وبلغة إخبارية ذات منطقٍ عقلي وتقولين، وهنا اقتبس: «كان شعوري الأول هو المفاجأة، ومن ثم شعرت بالراحة بالطبع، لأنه قال إنه أنهى إضرابه عن الطعام، وحقيقة أنه قال بوضوح إنه يود الاحتفال بعيد ميلاده معي في زيارتي القادمة هو مؤشرٌ على أنه يريد أن يطمئنني على أنه بخير». تختارين إذاً أن تقرأي الرسالة وتتشاركيها معنا من خلال برهان حقيقتها وعبر استخدام عدستي التفكير النقدي والتحليل الدقيق.

        هل تعرفين يا عزيزتي ليلى أن قولكِ السابق هو أقصى أشكال مشاعر الأمومة الفياضة؟ أميل للتفكير أنكِ حتى في أكثر لحظات قلقكِ تفكرين بقلوب الأمهات وأهالي المفقودين من حولنا، ومن هنا تتجنبين أي وصفٍ أو مجازٍ أو استعارةٍ لغوية تفتح جراحهن، وتبحثي في فائض معارفكِ عن المنطق وتعتمدين التفكير الرياضي، والواقع أنه كلما كان حديثك من العقل وصلنا في القلب.

        هي إذاً الرياضيات وقد صارت أساساً في النضال والأمومة، لا مجال للمجاملة أو الحلول الوسطى عندما يتعلق الأمر بالحقائق والبراهين. وما يقدم في الجامعة للطلاب هو المنطق ذاته في المواقف المبدئية والأخلاقية لمواجهة الظلم والقمع. لكن دراسة وتعليم هذه المادة يحتاج أيضاً إلى شجاعةٍ وجرأةٍ فكرية للتشكيك في المسلّمات وإعادة النظر في الفرضيات، وهو ما عرفناكِ عليه في مساءلة السلطة وتحدي الثبات عندما يكون باطلاً. يذكر من يعرفكِ واختبر زمالتكِ سمات الصبر فيكِ والتي يتسم بها علماء الرياضيات، وهي سماتٌ أعدتِ إنتاجها في نشاطكِ المدني والحقوقي للتأكيد على أسس العدل والكرامة الإنسانية.

        عزيزتي ليلى،

        سبق وذكرتُ لكِ أن هناك مئات البيوت التي تنتظر زيارتكِ في سوريا، وهناك كثرٌ أرغب أن أعرفكِ عليهم، ومن بين هؤلاء أودّ بشدّة أن أعرفكِ إلى السيدة فدوى محمود – أظن أنكِ تعرفينها- وهي ناشطةٌ سياسية ومدنية، أسست مع عددٍ من النساء السوريات حركة «عائلات من أجل الحرية»، ومنذ العام 2012 تبحث عن زوجها المغيّب والمناضل عبد العزيز الخير، وعن ابنها ماهر كجزءٍ من عمل وطني للبحث عن كل مغيبي سوريا. تخوض السيدة فدوى معركةً على كافة الجبهات للبحث دون مواربةٍ عن ابنها، وكلما شاهدتها وجدت نفسي أفكر فيكِ وأتخيلكما معاً، بصحبة علاء وماهر وكل الأحبّة الذين طال انتظارهم. سيكون هذا اللقاء فرصةٌ للفرح بقوة التغيير السلمي والاطمئنان إلى أن بلادنا فيها غد أفضل.

        عزيزتي ليلى،

   منذ أسبوعين وجّهت فدوى

رسالة لماهر احتفالاً بعيد ميلاده، كانت رسالتها لحظة نضالٍ وإصرارٍ على متابعة كل الجهود لإيجاده، ولحظة أملٍ مسترقةٍ من فائض الحزن. كانت رسالتها دافعاً لي ولكل من شاهدها للأمل بمعنى أفعالنا، وكانت لحظة فخر بنضالات فدوى ونضالكِ وكل أمهات هذه المنطقة اللواتي جعلن من حياتهن فرصة لتحسين واقعنا عندما يغمرنا التشكيك. وحينها أيضاً تذكرتكِ وتذكر رغبة علاء أن يحتفل بعيد ميلاده القادم معكِ، وأملت لعلاء أن يكون بحضنكِ وبصحبة عائلته كما هي أمنياتي للعزيزة فدوى، وهنا أود أن أخبركِ برغبتي وأملي وأمل الآلاف أن تكوني بيننا في 21 آذار (مارس) لنحتفل بعيد الأم معاً ونأمل أن يكون علاء وماهر معنا. 

        حتى يحين موعد اللقاء كوني بخير.

        عبدالله

موقع الجمهورية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى