منذر مصري لـ”المدن”:ليس مستحيلاً البناء على مآلات القضية السورية

بتول يزبك
الخميس 2025/02/27
منذ انطلاقة الثورة السّوريّة في العام 2011، شكّل الحراك الثقافيّ إحدى الأدوات الأساسيّة لتثوير الحيز العام، فاستُخدمت الفنون والممارسات الثقافيّة كوسائل توثيقٍ ونقدٍ وتخيُّل لحقّ السّوريّين في حياةٍ كريمة خارج قيود الاستبداد. ومع تسارع وتيرة الحرب وتدويل الصراع وارتفاع منسوب العنف والفقد، كانت المؤسسات الثقافيّة المستقلّة، ومعها المثقفون والفنانون والكتّاب داخل سوريا وفي مهاجرها، بمثابة شريان حياةٍ عنيد، خلاّق في صنع سردياتٍ بديلة ومتعدّدة عن تلك الّتي فرضها المنتصرون – حينها – في المعركة العسكريّة، وبطرقٍ تتجاوز المنظور البعثيّ الداعي إلى “الصهر في بوتقةٍ واحدة”… اليوم، تتجلّى أسئلة مشروعة حول مدى تجذّر هذا الفضاء، وكيف قد يبدو مستقبله في المنافي وفي الداخل السوريّ، حيث بقيت إرادة الخلق والمقاومة تنمو ولو في التربة الأشدّ وعورةً. في هذا السّياق، تلتقي “المدن” عددًا من الفنانين والكتّاب السّوريّين، للوقوف على آرائهم حيال راهن المشهد الثقافيّ السّوريّ ومستقبله.
في هذه الحلقة، تحاور “المدن” الشاعر والرسام السوري منذر مصري، الصوت الذي رافق الحداثة الشعريّة في سوريا على مدى عقود، وصاغ تجربته الفنيّة والأدبيّة في مفترق طرقٍ جمع بين الرسم والكلمة. منذر، المولود في اللاذقية، نشأ في كنف عائلة جمعت جذورها بين طرابلس اللبنانيّة والأصول المصريّة من جهة، واللاذقانية السوريّة من جهةٍ أخرى، فشكّل تنوّع هذه المنابت رافدًا لرؤيته الفنيّة والأدبيّة…
– بداية كشاعر وتشكيليّ سوريّ، هل بإمكانك توصيف تبدّل المشهد السّوريّ اليوميّ قبل سقوط النظام وبعده؟
* سأجيبك أولًا، كسوريّ، أحدّد كسوريّ، لأني أريد أن أشارك ما سمعت كل من حولي من السّوريّين يردّدونه: “حلم.. حلم حلمناه سنواتٍ طويلة، أما الفارق اليوم، أنّنا استيقظنا في 8/12/2024، ووجدناه واقعًا، حقيقة”. عندما سقط أمامي وتحت قدمي، تمثال مؤسس نظام الطغيان والفساد والنهب، وكنت أحد الذين شدّوه بالحبل من عنقه، اجتاحني شعور بأن هذا يكفيني كحصيلة حياة. عشت 75 سنة لا أنتظر شيئًا بقدر هذه اللحظة.
– ليس خفيًّا أنّه، وخلال العقود الماضية، طغت سرديات ثقافيّة وأدبيّة معينة في الداخل السّوريّ، وتحديدًا في المشهد الثقافيّ، فيما تعرضت السّرديات المناهضة لقمعٍ منهجيّ، وصل إلى حدّ منع نشر الكتب (وكأن المثقفين المعارضين كانوا غير موجودين). فهل ترى في سقوط النظام فرصة في استعادة التعدديّة في المشهد الثقافيّ السّوريّ؟ وهل ترى أنّه من الممكن خلق أدبيات (أو فروع من الأدب) ما بعد سقوط النظام من وحيّ القضايا الّتي حملتها اللحظة السّوريّة بحلوها ومرّها؟
* أنا ممّن صودر لهم كتاب، العام 1989، كما مُزّقت صفحتا قصيدةٍ لي كانت منشورة في مجلة الناقد سنة 1995، لكن ليس لأسبابٍ سياسيّة، لحسن حظي! ولم تُنشر أي من مجموعاتي الشعريّة في بلدي بدءاً من العام 1984، عندما أصدرت وزارة الثقافة السوريّة مجموعتنا المشتركة، أختي مرام وصديقي محمد سيدة وأنا: “أنذرتك بحمامة بيضاء”، ولغاية العام 1997 عندما أصدرت دار رياض الريس منتخبات من شعري: “مزهرية على هيئة قبضة يد”. نعم، سقوط النظام بحدّ ذاته سيعيد إلى رفوف المكتبات القليلة المتبقية في سوريا ولمعارض الكتب، عددًا لا بأس به من الإصدارات الّتي كانت ممنوعةً سابقًا، الدينيّة منها خصوصًا والسّياسيّة أيضًا، أما الكتب الممنوعة لأسبابٍ أخرى فهذا هو السّؤال الذي ليس بمقدوري، أو بمقدور أحد آخر باعتقادي، الإجابة عليه حاليًا.
لكن بالمختصر، نعم آمل أن ما يجري سيفتح أفقًا أوسع للثقافة السّوريّة والفنّ السّوريّ بشتى أصنافه وتلاوينه، فالسوريون شعبٌ متوثّبٌ دائمًا، ويتمتع بطاقةٍ داخليّة مرعبة لم يستطع الاستبداد لمدّة تزيد عن نصف قرن القضاء عليها أو حتّى إضعافها.
أما عن الأدبيات، فهناك تراكم في الأدبيات السّوريّة: روايات، مجموعات شعريّة، مذكرات، أفلام وثائقيّة، كتب تجمع فيها مقالات كتبها أصحابها عن الشأن السّوريّ العامّ، وقد تُرجم العديد منها، وخصوصًا الروايات، واحتل مساحة ما من المشهد الأدبيّ العالميّ.
– ما تقييمك للأحداث الحاصلة في سوريا حاليًّا، من وجهة نظرك طبعًا، وهل ترى أن المسار الذي سلكته القضية السّوريّة وصل إلى مرحلةٍ متقدمة، وبات يُمكن البناء عليه؟
* تقييمي إيجابيّ بالتأكيد. سأخبرك شيئًا خاصًا عني، رغم أنه من الممكن أن يشاركني فيه كثيرون، أني بعد بداية الثورة السّوريّة ودخولها في حالة العنف من جهة واحدة في بادئ الأمر، ثمّ تسلحها كردّ فعلٍ طبيعيّ على السّلاح الذي وُجه لها، كنت أردّد: “مهما بلغ الثمن الذي يمكن أن يدفعه السّوريون ليتخلصوا من نظام الأسد ويحصلوا على حريتهم ويستعيدوا وطنهم، فهو قليل. نظام لا شبيه له في التاريخ في التغوّل بدمّ شعبه!”. نعم، أعترف أني لم أُدِن التسلح إلّا بعدما تبين لي وللجميع كارثيته. رغم أني في الوقت نفسه كنت أردّد: “بشار الأسد ونظامه كلّه لا يستحق موت طفل”! وفي مقالتي الذائعة وسيئة الصيت بعنوان “ليتها لم تكن”، قلت: “سوريا كلها لا تساوي باسل شحادة”، فاتُّهمت بعدها بما اتُّهمت.
أمّا عن سؤال المسار الذي سلكته القضية، وإذا كان قد أوصل سوريا إلى مرحلةٍ متقدمة يمكن البناء عليها… ففي رأيي، ورغم أنه كان مسارًا داميًا وكارثيًّا إلى حدٍّ يكاد لا يوصف، فإنه ليس من المستحيل البناء عليه، ولا بد سيبنى عليه في المستقبل القريب أو البعيد نسبيًا. لأن سوريا، وأظنّ هذا ليس تفاؤلًا وتمسكًا بالأمل فحسب بل هو واقع يعيشه اليوم السّوريون جميعًا رغم قلقهم وخوفهم… السوريون، لسنواتٍ طويلة شربوا مياهًا عكرة، ويحتاجون زمنًا للشفاء من وباء الأسديّة.
– في ظلّ تخوّف التيارات العلمانيّة واليساريّة والديموقراطيّة من “أسلمة” الدولة، هل ترى أن هذه المخاوف، وإن تحقّقت، ستنعكس في المشهد الثقافيّ كما كان الوضع سابقًا قبل سقوط النظام؟
* بالتأكيد إنّ تحقّقت هذه المخاوف، فستنعكس في المشهد الثقافيّ سلباً، كما كان الوضع قبل سقوط النظام، وربما أكثر. لماذا أكثر؟ لأن إحدى الخدع الجليّة للنظام السّابق -مع أني والله أستكثر عليه صفة نظام- هي السّماح بنوع من الحرية الظاهريّة للأدباء والمفكرين والفنانين، في نتاجهم الإبداعيّ كما في حياتهم الشخصيّة، ليكون نتاجهم بمثابة واجهة ثقافيّة له. الدراما السّوريّة الّتي انتشرت في مختلف البلدان العربيّة وخصوصًا في دول الخليج، اعتُبرت نتاجًا وطنيًّا يقوم القصر على رعايته! وأيضًا، لغاية التلاعب بمشاعر السّوريّين في الداخل وتفريغها، أي عملية تنفيس لحالات التململ وعدم الرضى، كما اتُّفق على تسميتها. وكأن مهمتها تورية ما يعانيه السّوريون من ظلمٍ وقهرٍ بغطاء جميل من النكات والحوادث المضحكة. وأفضل دليل على ذلك هو الكم من الفنانين المشاركين في هذه المهزلة والمرتبطين بالنظام، والذين بعد 2011 لم يستطيعوا إلّا أنّ يكشفوا عنهم هذا الغطاء ويظهروا على حقيقتهم.
– أخيرًا، هل ترى في سوريا الجديدة ازدهارًا في المشهد الثقافيّ، وتحديدًا في المدن الكبرى، وعلى أيدي الشباب والفنانين العائدين؟
* في اللاذقية عاد بعض شبابها، ليس عددًا كبيرًا منهم حسب علمي، قضوا أيامًا، شاركوا أهلهم فرحهم وقلقهم، وبعدها غادروا. وأظنّ الأمر نفسه في دمشق وحلب وحمص. وطبعًا من الباكر، الحقيقة من الباكر كل شيء، أن يرى المرء ازدهارًا في المشهد الثقافيّ من قبل العائدين والباقين على السّواء. الأدباء والفنانون والمثقفون يحتاجون الآن أنّ يملأوا صدورهم ببعض الهواء النقيّ، وبعدها لا ريب سيصدحون.
المدن