الدولة المدنية: فحص للمفهوم/ أحمد سيد رصاص

الخميس 27 شباط 2025
أتى مفهوم «المدني» عبر التعارض بين مدنيي الكنيسة وبين فئة رجال الدين في الكنيسة المسماة بالأكليروس. هذا التعارض الذي برز بقوة في القرن السادس عشر، بعد ستة قرون من نفوذ كنيسة روما على مجمل الفضاء السياسي والثقافي والاجتماعي الأوروبي، هذا النفوذ الذي بدأ عام 910 عندما جرى إصلاح كلوني الذي بموجبه تم تحرير الأديرة والرهبانيات من سيطرة النبلاء الإقطاعيين في مناطق إقطاعياتهم، تحت إشراف رأس كنيسة روما، وقد أصبحت الأديرة والرهبانيات، بملكياتها من الأراضي، وحتى المناجم كما في إنكلترا، ذات قوة اقتصادية كبرى في نطاق جغرافي يمتد من إيطاليا إلى إنكلترا ومن شمال إسبانيا الحالية حتى الجنوب الألماني الحالي.
عبر ترافق هذه القوة الاقتصادية، مع تولي الكنيسة للتعليم، يمكننا تفسير قوة بابا الكنيسة الكاثوليكية على صعيد الفضاء السياسي الأوروبي حتى بدايات القرن السادس عشر، وكيف أن البابا أوربان الثاني بعام 1095 هو الذي أطلق إشارة البدء بالحروب الصليبية التي قامت بها ممالك عدة أوروبية ودول المدن الإيطالية التي كانت تطمح للسيطرة على تجارة البحر الأبيض المتوسط.
حسب كتاب جورج تريفليان «التاريخ الإنكليزي الاجتماعي»، فإنه في إنكلترا كانت «ثروة الكاردينال وولزي في القرن السادس عشر تعادل ثروة الملك هنري الثامن، وكان الكاردينال يعامل النبلاء والقريبين من القصر والعائلات ذات الثروة وكأنهم أقذار تحت قدميه» (ص 109، طبعة بنغوين، لندن 1979). لذلك كانت خطوة هنري الثامن عام 1534 بفصل كنيسة إنكلترا عن روما وترئيس نفسه عليها خطوة ذات طابع اقتصادي تهدف للسيطرة على ممتلكات الأديرة من أراض ومناجم، وكان بيع الأخيرة من قبل الملك قد جعل خزائنه مليئة وهو ما مكّنه من أن يحكم إنكلترا بشكل فردي مطلق.
ولكن خطوة هنري الثامن لم تكن مجرد حركة للاستقلال الكنسي القومي تزامن مع ظهور حركة مارتن لوثر البروتستانتية في ألمانيا ضد بابا روما، وإنما عبّرت عن ثورة مدنيين مؤمنين من رعايا الكنيسة ضد فئة الإكليروس من رجال دين الكنيسة التابعة لروما بتراتبياتها، وتحكمها بالاقتصاد والتعليم وأماكن الحج زائد تبعيتها للخارج.
هنا، نشأت كلمة مدني layman بالتضاد مع رجل الكنيسة من فئة الإكليروس clergyman، والمدني هنا تعني وتشير إلى سواد الناس laity من أعضاء الكنيسة من غير فئة رجال الدين- الإكليروس clergy، وحتى كلمة laicize تشير إلى نزع الكهنوتية عن الشيء، وبالترادف جاءت كلمة laic كصفة للشخص المدني بالتعاكس مع كلمة cleric التي تشير إلى رجل الدين- إكليركي.
عبر كلمة مدني laic اشتق تعبير laicism التي تعني وفقاً لقاموس «المورد» النظام العلماني: نظام سياسي يتميز بإقصاء النفوذ الكهنوتي عن الدولة. وهو ليس معادياً للدين، ولا مقصياً له عن السياسة مثل مصطلح العلمانية الثاني secularism الذي يعني حسب «المورد» الدنيوية وعدم المبالاة بالاعتبارات الدينية، ويمكن أن نجد هذا النموذج العلماني الثاني عند علمانيي فرنسا وعند أتاتورك.
أمّا في إنكلترا، فإن مدنيين متدينين قد أقاموا حكماً دينياً هم البيوريتان الذين حكموا إنكلترا في مدة أوليفر كرومويل وابنه بين عامي 1649و1660، وذلك ضمن مذهب ديني لا توجد به مراتبية دينية إكليركية بل فيه علاقة مباشرة بين الإنسان والله عبر وسيط واحد هو الإنجيل. وقد قام البيوريتان بالتدخل في شؤون حياة الناس العادية وأغلقوا المسارح وقمعوا الرياضات الشعبية (تريفليان، ص 248)، ولكن تشدّدهم الاجتماعي ترافق مع إحداثهم، بقيادة كرومويل، ثورة اقتصادية ترجمت سيطرة إنكلترا على البحار، ثم كان البيوريتان عماد ثورة 1688 التي قادت لحكم البرلمان ضد سلطة الملك المطلقة.
هنا، لم يترافق «المدني» مع إقامة حكم ديموقراطي عند هنري الثامن، بل مع نزع لنفوذ رجال الكنيسة عن الدولة والاقتصاد والمجتمع، ومع حكم مطلق للملك، وعند كرومويل أقيم حكم ديني لمدنيين من طائفة البيوريتان بالترافق مع ديكتاتورية عسكرية لكرومويل. وإذا اشترك البيوريتان في ثورة 1688 وطالبوا بأن «يكون الملك يملك ولا يحكم» فهذا كان بالتوافق، بين أعداء الأمس من طرفي الحرب الأهلية الإنكليزية 1642-1649، على إزاحة الملك جيمس الثاني 1685-1688 الذي كان يريد إعادة الكاثوليكية تحت تأثير تبعيته السياسية للملك الفرنسي لويس الرابع عشر وتبعيته الثقافية حيث كان لا يتكلّم إلا بالفرنسية غالباً في القصر الملكي.
إثر ثورة 1688، وبعد عامين، أصدر جون لوك كتابه «في الحكم المدني»، حاول فيه تقديم تصور جديد لمصطلح المدني، يعاكس ما بدأ لقرن ونصف قرن مع هنري الثامن، فهو يحدّد أن الوصول إلى المجتمع السياسي أو المدني يتم «عندما يؤلف عدد من الناس جماعة واحدة ويتخلى كل منهم عن سلطة تنفيذ السنة الطبيعية التي تخصه ويتنازل عنها للمجتمع» (جون لوك: «في الحكم المدني»، اللجنة الدولية لترجمة الروائع، بيروت 1959، ص. 189).
ولوك يرى أن المجتمع المدني لا ينشأ «ما لم يعهد بالسلطة التشريعية لهيئة اجتماعية من الهيئات» (ص. 193). وهو يرى أن «الملكية المطلقة لا تتفق مع طبيعة المجتمع المدني، وليست شكلاً من أشكال الحكم المدني قط» (ص. 189). وهو يرى أن الحكم المدني له أساسان هما الحرية والمساواة (ص. 139) ويقوم بالتفريق بين الحرية الطبيعية والحرية الاجتماعية، حيث لا يرى المدنية سوى في الثانية، وهو ما نراه في قوله «تعني حرّية الإنسان الطبيعية استقلاله عن أي سلطة عليا على الأرض، وعدم خضوعه لإرادة بشري قط أو لسلطة تشريعية، ورضوخه للسنة الطبيعية وحسب، أمّا حرّية الإنسان في المجتمع، فتعني أنه ليس مسخراً لسلطة تشريعية سوى السلطة التي نُصِبت بالاتفاق في الدولة، وأنه ليس خاضعاً لأي إرادة أو مقيداً بأي قانون سوى ما تسنّه تلك السلطة التشريعية، وفقاً للأمانة التي عهد بها إليها» (ص. 150).
عند جون لوك نرى المجتمع المدني الذي يعتبره لوك أنه هو المجتمع السياسي نفسه (ص. 189)، وهو يقصد به الشكل (أو البناء) الدستوري-القانوني-السياسي لعلاقة أفراد المجتمع مع سلطة الدولة.
ولكن عند هيغل (1770-1831) لا نرى ذلك، بل الأمر كما يقول كارل ماركس إن «العلاقات الحقوقية – ومثلها في ذلك أشكال الدولة – لا يمكن أن تفهم بذاتها ولا بالتطور العام المزعوم للروح الإنسانية، وإنما تغوص جذورها على العكس من ذلك في شروط الحياة المادية التي كان هيغل، على غرار الفرنسيين والإنكليز في القرن الثامن عشر، يفهم مجملها تحت اسم المجتمع المدني، وأنه يجب تشريح المجتمع المدني بدوره في الاقتصاد السياسي» (كارل ماركس: «إسهام في نقد الاقتصاد السياسي»، وزارة الثقافة، دمشق 1970، ص. 24-25)، وهو ما يعني بأن هناك فهماً هيغلياً يختلف عن جون لوك حيث يرى هيجل أن المجتمع المدني هو «مجمل شروط الحياة المادية»، التي يرى ماركس أن تشريحها وفهمها يتم عبر الاقتصاد السياسي، وهو وهيغل يريان «المجتمع المدني» أبعد من نظرة لوك التي هي محض دستورية-قانونية-سياسية.
عندما نأتي إلى الحياة السياسية السورية، ومعها الفكرية-الثقافية، نرى التخبّط في موضوع مصطلح «المدني». عند المثقفين السوريين الذين طرحوا، في الشهر الأول من عام 2001، «بيان الألف»، وسمّوا أنفسهم «لجان إحياء المجتمع المدني»، كانت هناك محاولةٌ لجلب فهم جون لوك لكلمة مدني، وابتعادٌ عن مفاهيم هيغل وماركس لمصطلح «المجتمع المدني»، مع أنّ الكثير من أولئك المثقفين كانوا ماركسيين، وعلى الأرجح أن الكثير منهم قد أصابته الحيرة عندما طرحت جماعة «الإخوان المسلمين» في سوريا، في 3 أيار 2001، وثيقة «مشروع ميثاق شرف وطني للعمل السياسي»، واستُخدمت في نصها العبارة التالية: «بناء مؤسسات المجتمع المدني بوحداتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمهنية لتأخذ دورها في حماية المجتمع وترشيده».
ثم زادت حيرتهم، هم وغيرهم، عندما قدّمت جماعة «الإخوان المسلمين» أيضاً في يوم 25 آذار 2012 وثيقة «عهد وميثاق» وفيها العبارة التالية: «يلتزم الإخوان المسلمون بالعمل على أن تكون سوريا المستقبل دولة مدنية حديثة تقوم على دستور مدني».
والأرجح أنهم ظنّوا أن الجماعة لا تعني ماذا تقول، أو أنها تخدعهم، أو تشتري توافقهم معها في لحظة سياسية دقيقة بعام 2012 عندما كان «المجلس الوطني السوري» يضم الجماعة مع «إعلان دمشق»، من دون أن يفكروا بأن الإسلامي السنّي، وهو مثل البيوريتان وفي حالة تعاكس مع حالتين فيها تراتبية دينية مثل بابا روما في مواجهة هنري الثامن أو حالة الخميني في مدة حكمه 1979-1989 حيث توجد عند الشيعة مراتبية دينية تشبه الكنيسة الكاثوليكية، يمكن أن يقوم وهو المدني بإنشاء حكم ديني أو يطبّق سياسات دينية، فيما لا يمكن لمسعود بزشكيان (الرئيس الإيراني، وهو ليس من رجال الدين، بل طبيب) أن يقيم حكماً دينياً بل يمكن ذلك لـ«المرشد» علي الخامنئي فقط الذي هو رأس مراتبية دينية هرمية واحدة، فيما كان يستطيع أيمن الظواهري أن يقيم حكماً دينياً، وهو طبيب مصري كان زعيماً لتنظيم الجهاد الإسلامي، لو تمكّن تنظيمه من السيطرة على الحكم وإسقاط حكم الرئيس حسني مبارك في الثمانينيات.
الآن بعد سقوط النظام السوري، هذا التخبّط تجاه مصطلح «مدني» ما يزال قائماً في سوريا عند الليبراليين والعلمانيين، وكذلك عند يساريين، عندما يطرحون «الدولة المدنية» في مواجهة «الدولة الدينية» أو «الدولة ذات النظام الديكتاتوري العسكري الذي يحكم عبره عسكري كما حصل مع الجنرال فرانشيسكو فرانكو في إسبانيا بين ثلاثينيات وسبعينيات القرن الماضي» أو «الدولة ذات النظام الديكتاتوري الذي يحكم عبره مدني كما حصل في البرتغال مع كل من أنطونيو سالازار ومارسيليو كايتانو بين ثلاثينيات وسبعينيات القرن الماضي وهما أساتذة جامعة الأول في الاقتصاد والثاني في القانون»، وهم ما يزالون حتى اليوم يظنون بأن «الدولة المدنية» تتعارض مع هذه الحالات الثلاث بالمطلق، أي إن المدني ملتصق باللاديني والديموقراطي، والواقع يقول غير ذلك. كما يظنّون أن العلمانية متماهية بالديموقراطية رغم أن تجربة أتاتورك وغيره تقول العكس.
وعلى الأرجح أنهم لم يفهموا حتى الآن لماذا طرحت جماعة «الإخوان المسلمين» في سوريا مصطلحي «المجتمع المدني» و«الدولة المدنية» في عامي 2001 و2012.
الأفضل، الابتعاد عن مصطلح «الدولة المدنية»، بسبب الالتباسات المذكورة أعلاه، والاقتصار على مطلب وحيد هو الديموقراطية في دولة تسودها المساواة العابرة للأديان والطوائف والقوميات والجنس والاعتقاد السياسي زائد الحريات السياسية-الفكرية-الثقافية-الإعلامية لجميع المواطنين السوريين.
[محاضرة ألقيت في منتدى الكواكبي للحوار الوطني – حلب 21 شباط 2024]
* كاتب سوري
الاخبار