مئة عام من العزلة» يعود مجددا: إعادة سينمائية لجيل قد لا يستسيغ القراءة/ حسن داوود

تحديث 27 شباط 2025
بعد نحو خمسين سنة من قراءتها في كتاب، عادت «مئة عام من العزلة» للظهور في سبع حلقات من مسلسل يعرض على نتفليكس. جميع من قرأوا الرواية، بأجيالهم المختلفة، أتيح لهم الآن أن يشاهدوا شخصياتها مجسّدة. من هؤلاء كاتب هذه السطور، الذي أمكن له قراءتها في زمن صدورها، بل في زمن الاحتفال العالمي بها وبأدب الواقعية السحرية الذي أشاعته. وعلى الرغم من انقضاء تلك السنوات لم تتساقط من الذاكرة أشياء كثيرة. ربما نسيتُ اسم تلك الفتاة الصغيرة التي طارت إلى الفضاء أثناء ما كانت أورسولا تنشر غسيلها في الخارج، أو اسم المرأة التي سمنت إلى حدّ أنها، لكي يمكن إنزالها إلى القبر، استُعين لها بجنازير ثقيلة. لكن أكثر ما في الرواية بقي ماثلا في الذهن. ربما لأنها، الرواية، عصيّة على النسيان، أو ربما لأن ذكرها الدائم هو ما أتاح لها ذلك البقاء.
ما زال اسم أورسولا متذكّرا إذن، متجسّدا في المسلسل بامرأة لم تختلف كثيرا عن تلك التي ألّفتها المخيّلة، أو صنعتها، من كلام الرواية المكتوب. أصاب مخرج الحلقات السبع إذن في أن يرى هذه المرأة كما رأيناها. لكنه، في ما يخصّ أوريليانو، الذي ورث بطولة الرواية عن أبيه خوسيه أركاديو بوينديا، فهو رجل آخر. أعني أنه ليس هو ذاك الذي تجسّد لي وأنا أقرأ. وهذا ما دعاني إلى التفكير بأن الشخصيات التي تنقلها الروايات والقصص تختلف أشكالها المتصوَّرة وتتنوّع بتنوّع القراء. أي أن هؤلاء، فيما هم يقرأون ما قام به أوريليانو في صراعه مع ديكتاتورية بلده الأرجنتين، كانوا يستخرجون أشكالا مختلفة له، كلا منهم خاصّا بكل منهم.
أي أن قارئيْن يحكيان عن أوريليانو يكونان يستحضران أوريليانوين اثنين. الأرجح أن نسخة المخرج من ذاك الرجل هي الأقرب إلى ما أراده غابرييل غارسيا ماركيز، هذا إن كان هذا الأخير قد وصف ملامح ذاك البطل بتفاصيل كاملة. كان ينبغي لي إذن أن أعيد قراءة الرواية، من أجل ذلك، كما من أجل التأكّد من أن أحداثها تسلسلت على نحو ما أظهره مخرج المسلسل. ذاك أنني، إذ أستعيد متذكّرا، أرى أن الرواية أكثر تشتّتا في تقديم الزمن وتأخيره. ثم إنني، وأنا أقرأ الرواية في كتاب، كنت أقف عند ما لا يكترث له الفيلم. في الصفحة الأولى من الكتاب استوقفني وصف الحجارة على ضفتي النهر، الكبيرة «مثل بيض ما قبل التاريخ»، كما أبدع الكاتب. وإذ ظننت، ونحن صرنا في آخر الحلقة الثانية، أن المخرج أهمل تلك الجملة، عاد وذكرها في ذلك الوقت المتأخّر. وكان ذلك على لسان المعلّق – الراوي الذي، فيما هو يعلّق على ما نشاهده، اتسع دوره ليشمل الأدب، أقصد ذاك الذي يصعب على الكاميرا تصويره. لكن الآن، مع تحويل الرواية إلى مسلسل، أعرف أن ما أبقيته في ذاكرتي منها هو أدبها وليس تسلسلها السردي. لا يتعلّق ذلك بالملاحظات المبدعة فقط، بل أيضا بتجاوز العادي المتاح في الحياة. كما ذكرت أعلاه، ظل جماعة الأدب، أعني من قرأوا الرواية، منذهلين بطيران تلك الفتاة الصغيرة مع قِطع الثياب التي كانت تعلّقها أورسولا على الحبل. تلك الواقعة غير المألوفة كانت، في الرواية، الأكثر تمثيلا للواقعية السحرية، وقد اتسع تأثيرها إلى كتّاب العالم وقرّائه. مع ذلك، لم تستوقف هذه الواقعةُ المتخيّلة ُالمخرجَ الذي، في أحد مشاهد الفيلم، نقل ارتفاع رجل الكنيسة عن الأرض بما يقرب من عشرين سنتيمترا. أهمل المخرجُ البنت التي طارت إذن ولم تعد إلى حيث كانت على الأرض، ورفع الكاهن تلك السنتمترات القليلة. ربما أراد من ذلك أن يكون ما يصنعه سينما وليس أدبا. ربما لأنه رأى أن التسلسل الذي أجراه على أحداث الرواية يخلّ به حدثُ الطيران غير القابل للتصديق.
الغريب أن واقعة الطيران تلك جرى التعاطي معها بأقل مما ظنّ القراء أنها تستحق. قال كاتبها ماركيز في ردّ على سؤال هو: كيف ترى واقعة الطيران تلك. قال إنه، فيما هو يفكّر في ما يكتب، لم يتوصّل إلى أن يعرف إلى أين، بالتتابع الروائي، سيذهب بهذه الفتاة.. فطيّرها. أي طيّرها ليتخلّص منها. وهنا يجدر بالذكر أيضا أن ارتفاع الكاهن تلك السنتمترات عن الأرض ألهمَ بول أوستر كتابة رواية كاملة بطلها ساحر تمكن من فعل ذلك.
ليس كل ما ذُكر أعلاه، مؤكّدا بكامله طالما أن أحد مرجعيه هو مجرّد تذكّر لرواية أتممت قراءتها من عقود. لم أرجع إلى قراءتها طالما أنني اكتفيت منها بتذكّري لها. ثم إن الكثير من الكلام الذي يجري بين محبّي الأدب يرجع إليها. أما المسلسل الذي أنشئ منها فهو من قبيل العودة التي لم تتوقّف إليها، ولم يكن مجرد عمل تجاري إذ شاء ألا يكون واحدا من أعمال كثيرة انتجت لها.
*بُثّت الحلقة الأولى من مسلسل «مئة عام من العزلة» يوم 21 ديسمبر/كانون الأول 2024، وهو الآن بحلقاته السبع متوافر على نتفليكس.
كاتب لبناني
القدس العربي