إعادة تقويم نقدية لتاريخ الدولة العثمانية/ عمر كوش

27 فبراير 2025
حاول بعض المستشرقين والمؤرخين الغربيين تسويق مقولات واهية حول خصوصية الشرق الأوسط وتاريخ دوله ومجتمعاته، وتقديمها بوصفها نماذج علمية ومعرفية. وطاولت محاولاتهم الحضارة العربية الإسلامية بشكل عام، والإمبراطورية العثمانية بشكل خاص، حيث أُطلقت سمات الجمود والثبات على كل من الدولة العثمانية والمجتمع العثماني، وتم تصوير البنى والتشكيلات الرئيسية فيهما على أنهما ثابتتان، ولا تتبدلان مع مرور الزمن، وذلك بحكم جوهرهما غير القابل للتغيير. بالمقابل تصدى عدد من المفكرين والباحثين والمؤرخين لهذه الأطروحات، وأسسوا تيارًا نقديًا للدراسات التي تناولت تاريخ الشرق الأوسط، وقاموا بإعادة تقويم نقدي للتاريخ العربي الإسلامي، وللتاريخ العثماني على وجه الخصوص. وفي هذا الإطار، يحاول المؤرخ الفلسطيني رفعت علي أبو الحاج (1933- 2022) في كتابه، “تشكُّل الدولة الحديثة: الإمبراطورية العثمانية من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر” (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ترجمة محمود الحرثاني، الدوحة، 2024)، دراسة التاريخ العثماني باعتباره تاريخًا حقيقيًا، من خلال مواكبة تعقيدات المصادر وتفسيراتها، مع التنبيه على الاختلافات بين الأنظمة الثقافية المتنوعة، حيث لا مجال للمقارنة بين التاريخ العثماني والشرق أوسطي من ناحية أولى، والتاريخ الأوروبي في العصر الوسيط والعصر الحديث من ناحية أخرى، فالتاريخ العثماني يتقاسم بعض ملامح التاريخ الأوروبي، والدولة العثمانية هي واحدة من الدول “الحديثة المبكرة”، التي يتتبع المؤلف مراحل تشكلها منذ بداية القرن السادس عشر وصولًا إلى القرن الثامن عشر، معتبرًا أنه إذا كان التاريخ علمًا، فيجب معالجة التاريخ العثماني وتحليله بحسب معايير، تتناسق مع التطورات في دراسة تاريخ مناطق أخرى في العالم، بغية تسهيل إدراج التاريخ العثماني في إطار التاريخ المقارن، وبما يسمح للتواصل بين التقسيمات الإثنية والقومية والحضارية. ويقترح مقارنة التاريخ العثماني بتواريخ الدول الأخرى، باعتباره قابلًا للمقارنة مع التواريخ الأخرى، بدلًا من التمسك بالمقولة القديمة التي تزعم أن الدولة العثمانية والمجتمع العثماني فريدان في جوهريهما ومختلفين عن التواريخ الأخرى.
ينطلق المؤلف من رؤية نقدية، تشدد على حقيقة أن المجتمع العثماني اتصف بالسيولة والتغير، ولا يفترق عن سائر جميع المجتمعات البشرية التي شهدها التاريخ، وكان التحول يلازمه طوال تاريخه. وعلى الرغم من تغيّر بنية المجتمع العثماني إلا أن واجهته الخارجية بقيت على حالها، الأمر الذي يظهر أن التركيز على المظهر الخارجي يعطي إحساسًا زائفًا بالديمومة، ويسوق إلى اعتقاد خاطئ يوحي بأن التشكيل الاجتماعي وبنية السلطة كانا جامدين وثابتين. ويجري التركيز البحثي على مرحلتين أساسيتين، أولاهما التأسيس والتوطيد وثانيهما الإصلاح والتحديث، اللتين شكلتا حقبة يمكن تبيان معالم تحولاتها الداخلية، كونها جاءت استجابة لتأثير حاجات المكونات المجتمعية العثمانية أكثر منها بسبب الضغوط الخارجية. ثم يعقد المؤلف مقارنات تاريخية بالمجتمعات الصينية والمغولية للتعرف على العمليات التاريخية العثمانية في التاريخ الحديث. ويرى أن هناك ملامح تجانس بين الإمبراطورية العثمانية وأوروبا في تاريخ القرن السابع عشر، وهو أمر غير مفاجئ من ناحية تجانس الاقتصادات الزراعية والتكنولوجية حتى نصف القرن الثامن عشر الثاني، حيث استخدمت الإمبراطورية العثمانية تقنيات متشابهة في تنظيم تجارة الحبوب على سبيل المثال، وكذلك استخدمت البندقية، إضافة إلى التشابه الكبير لعمليات التعامل مع الجنود غير النظاميين والمرتزقة في السياقين الإيطالي والعثماني، وغيرهما. وعليه، يجري تفنيد ما ذهب إليه المؤرخ البريطاني بيري أندرسون، الذي اعتبر الإمبراطورية العثمانية كائنًا طفيليًا التصق بالقارة الأوروبية، وأن العثمانيين لم يتجنسوا كي يتجانسوا مع الأنظمة الاجتماعية والسياسية الأوروبية. ويرفض المؤلف كل هذا الادعاءات الهادفة إلى التقليل من شأن التاريخ العثماني، والتي تزعم أن هذا التاريخ متناقض مع وحدوية تواريخ القارة الأوروبية.
كان البحث في القضايا العثمانية في القرنين السادس عشر والسابع عشر، يجري من خلال تسليط الضوء على القضايا الاقتصادية، وخاصة من طرف المؤرخين الأتراك، أمثال خليل إنالجيك، وهوري جيهان إسلام أوغلو، وجاغلار كيدر، حيث اعتبر إنالجيك أن تدفق فضة العالم الجديد إلى الأقاليم العثمانية، وأزمة السيولة، شكلا العاملين الأساسيين في الاضطرابات التي حدثت في القرن السابع عشر في الدولة العثمانية، أي أن تركيزه تمحور على العوامل الخارجية. بينما رأى بعض المؤرخين أن البنيتين الاجتماعية والاقتصادية في الدولة العثمانية تغيرتا نتيجة التعديلات التي أجريت على طريقة ملكية الأرض. في حين أن مؤرخين آخرين اعتبروا أن تعديل نمط حيازة الأراضي كان نتاج سطوة السوق العالمية على الموارد العثمانية وشبكات التسويق. وتظهر الدراسة الشاملة للتغيرات الداخلية في الإمبراطورية العثمانية في القرن السابع عشر، أنها كانت نتاج عملية معقدة للظروف الداخلية، إلى جانب عوامل خارجية، حيث لعبت العوامل الداخلية الدور الأكبر من خلال نظام الضرائب وهجرة الفلاحين، الذين تحولوا إلى حِرفيين في المدن، والتغيرات في التكوين الاجتماعي، والسياسات النقدية والممارسات المشوشة والتعسفية في طرق اقتطاع الإيرادات.
لقد أسفرت التحولات في المجتمع العثماني، التي بدأت في القرن السادس عشر واستمرت خلال القرن السابع عشر، عن ثورات في “الروملي” (تسمية تطلق على الأراضي الأوروبية التي كانت تخضع للدولة العثمانية) وبرّ الأناضول، مثلما حصل في جبل لبنان في القرن السابع عشر، وكذلك صعود قوة أشراف مكة في الحجاز. واتبع التاريخ العثماني مسارًا مختلفًا مع متانة تطوره في المجالين الاجتماعي والاقتصادي، وإثباته حيوية تفوق نظيرتها في التاريخ السياسي التقليدي، حيث كان نموذج القيادة الكاريزمية فارغ المضمون في الفترة التي شكلت منعطفًا حاسمًا في عملية التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في المجتمع العثماني، وأخذ مكانه نموذج في القيادة الجماعية القائمة على أولغارشية مدَنية. أما أوروبا في تلك الفترة، فكانت ترزح تحت حكم أنظمة ملكية مطلقة، مدعومة بأيديولوجيا الحق الإلهي، وفيما كان عصر الأعيان العثماني قد بدأ للتو، كان نظراؤهم الأوروبيون يعيشون انحسارًا لصالح تدعيم الحكم المركزي، لذلك يجب عدم نقل المفاهيم بلا نقاش من موقع ثقافي إلى موقع ثقافي آخر، بالنظر إلى الافتراضات الثقافية الأساسية في الدولة العثمانية وليست بالضرورة هي نفسها التي سادت في أوروبا في عصر النهضة والشرق الأوسط. كما أن نموذج الدولة – الأمة لا يمكن سحبه على مناطق تاريخية واسعة، بالرغم من أنه سيطر على تفكير العديد من المؤرخين، فهناك صعوبة في معرفة الكيفية التي فهم بها الناس السياسةَ في دولة لم تكن دولة قومية على الإطلاق، إضافة إلى انتهاج تفسيرات تصلح فقط في نموذج دولة بيروقراطية، والتي تجري وفق معايير بيروقراطيتها التسطيحية تقويم الوثائق العثمانية، وعادة ما تكون المعايير ناقصة، فضلًا عن ضعف الإحاطة بأسباب وظروف تأليفها. ولعل الأمر يتطلب أيضًا تمييز مفهوم الدولة العثمانية “دولت” (Devlet) عن نظيره الأوروبي “الدولة” (State)، الذي عادة ما يشير إلى مفهوم “الدولة – الأمّة” الأوروبي، فيما يشير “دولت” العثماني إلى سلطة اتخاذ القرار، التي يتمتع بها حاكم الدولة الشرعي، ويحوز عليها أيضًا أولئك الذين فوّضوا صاحب السلطة.
أخيرًا، ينتصر المؤلف لمفهوم الدولة العثمانية، ويمنحه مكانة مركزية في بحثه، ومرد ذلك أنه ينتمي إلى تيار جديد، دشنه عدد من المؤرخين الجدد، بدءًا من لوسيان فيبر ومارك بلوك وفرناند بروديل، الذين أسسوا حقلًا جديدًا في الدراسات التاريخية بدءًا من بداية القرن التاسع عشر وصولًا إلى القرن العشرين، وأحدثوا تحولات كثيرة، كان أبرزها ظهور مدرسة الحوليات الفرنسية التي تمكنت من خلال النظريات الجديدة التي أرساها روادها من تغيير النظرة السائدة عن التاريخ من قبل، حيث قدموا منهجًا بحثيًا تاريخيًا متطورًا، عرف أبعادًا أكثر شمولية.
عنوان الكتاب: تشكُّل الدولة الحديثة: الإمبراطورية العثمانية من القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر المؤلف: رفعت علي أبو الحاج
ضفة ثالثة