سوريا حرة إلى الأبد: مقالات وتحليلات 27 شباط 2025

حرية إلى الأبد: كل المقالات والتحليلات والحوارات التي تناولت انتصار الثورة السورية اعتبارا من 08 كانون الأول 2024، ملاحقة يومية دون توقف تجدها في الرابط التالي:
سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع
——————————-
حين تتدخل إسرائيل في تحديد مستقبل سوريا/ بكر صدقي
تحديث 27 شباط 2025
كان لافتاً تزامن الاعتداءات الإسرائيلية الأحدث على جنوب سوريا، وصولاً إلى نقاط قريبة من العاصمة دمشق، مع انعقاد مؤتمر الحوار الوطني في قصر الشعب، وهو المؤتمر الذي من المفترض أن يساهم في تحديد مستقبل الكيان السوري. وكأن حكومة نتانياهو المتطرفة تعلن بذلك نيتها في الحصول على حصة لها في تركة نظام الأسد.
فمن المعروف أن نظام الأسد قد لعب دور الحراسة لأمن الحدود الإسرائيلية منذ اتفاقية فض الاشتباك في العام 1974، وحين فقد هذا الدور بعد استجلابه للميليشيات الإيرانية، أثناء قمعه للثورة السورية، فقد حصانته أمام الطيران الإسرائيلي الذي لم يتوقف عن استهداف الأراضي السورية منذ العام 2012، وارتفعت وتيرة تلك الاستهدافات منذ عملية طوفان الأقصى في 7/10/2023. أما بعد فرار بشار الأسد في 8/12/2024 فقد توغلت القوات الإسرائيلية داخل المنطقة منزوعة السلاح وضربت كل ما بقي من قدرات تسليحية لسوريا. وبلغت الوقاحة بنتانياهو أنه طلب إخلاء كل منطقة الجنوب السوري من القوات العسكرية، في سابقة خطيرة من التدخل في أمن دولة ذات سيادة. وفي ذلك محاولة لإذلال السوريين وإدارتهم الجديدة التي سيطرت على السلطة بعد سقوط نظام الأسد.
يحدث هذا في الوقت الذي تواجه فيه سوريا تحديات هائلة لا تقل عن إعادة تشكيل الكيان السوري دولةً ومجتمعاً واقتصاداً وسياسة وعلى جميع الأصعدة بلا استثناء، وإعادة تعريف سوريا بمعنى جديد يتجاوز به معنى «سوريا الأسد» بكل حمولته الفظيعة كنظام سلالي إجرامي استعماري و«أبدي» حبس السوريين في حاضر بلا مستقبل.
وكان أمل قطاعات واسعة من السوريين أن يشكل «مؤتمر الحوار الوطني» نوعاً من مؤتمر وطني تأسيسي يضع دستوراً عصرياً لسوريا يكون من شأنه تحديد العلاقة بين السلطة والمجتمع، وبين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية المتمايزة والمستقلة، وشكل الدولة، ونظاماً لتداول السلطة كما يليق بجمهورية، وتنبثق منه قوانين لتنظيم الحياة السياسية، ويكرس الحريات العامة والفردية إلى آخر ما هنالك من أعمدة الدولة الديمقراطية الحديثة. غير أن الطريقة التي تم بها تشكيل المؤتمر واللجنة التحضيرية التي دعت إليه كانت مخيبة للآمال، سواء بسبب الاستعجال أو عدم وضوح معايير المدعوين أو الفترة القصيرة جداً التي استغرقتها «أعمال» المؤتمر، وقبل كل ذلك إقصاء المكون الكردي ومقاطعة المكون الدرزي عبر تعبيراتهما السياسية المعروفة.
صحيح أن المؤتمر ليس السياق المناسب لتمثيل «المكونات» الاثنية أو الطائفية أو الجهوية، بيد أن هذه معطيات واقعية لا يمكن تجاوزها بدعوى التركيز على المواطنة المتساوية التي تحتاج سوريا إلى زمن يطول أو يقصر لتكريسها. فبهذا الإقصاء إنما يتعمق فقدان الثقة بدلاً من العمل على تعزيزها في الطريق نحو مفهوم المواطنة التي هي حلم لجميع السوريين ينبغي العمل على تحقيقه.
تزداد أهمية النقطة الأخيرة بالنظر إلى الشق الثاني من التصريحات الإسرائيلية التي رافقت قصفها لجنوب دمشق، عنيت به زعمها حماية الدروز في سوريا، وحديث وزير خارجية إسرائيل عن وجوب إقامة نظام فيدرالي يتضمن مناطق حكم ذاتي! كان رد السوريين على هذه التصريحات الوقحة بتنظيم مظاهرات شعبية في مختلف المدن والبلدات رفضاً لها ولتوغل إسرائيل في الجنوب. على أهمية هذه المظاهرات لتعبيرها عن إرادة السوريين فهي غير كافية وحدها، بل يكون الرد الحاسم على وقاحة إسرائيل من خلال دولة تحتضن كل مواطنيها، لا تستبعد أحداً بصرف النظر عن انتماءاته الصغرى، دولة تعترف بتعددية المجتمع القومية والدينية والمذهبية والثقافية وتكون على مسافة واحدة منها جميعاً.
والحال أن موضوع المكون الكردي أكثر تعقيداً من مجرد التمثيل أو الإقصاء من مؤتمر الحوار الوطني، إذ تتقاطع فيه مشكلات وجود فصيل مسلح (قسد) يسيطر على نحو ربع الأراضي السورية بما فيها من ثروات نفط وزراعة، وتداخل إقليمي مع تركيا، وأحزاب سياسية كردية من خارج قسد. وثمة مفاوضات بين قسد والإدارة في دمشق لتفكيك هذه العقدة بالطرق السلمية، لم تصل إلى نتائج نهائية بعد لارتباطها بمشكلة تركيا الكردية التي من المفترض أن هناك مسعى لحلها سياسياً يتقدم ببطء، إضافة إلى وجود فاعلَين دوليين هما واشنطن وباريس. ولم تحدد إدارة ترامب إلى الآن سياسة واضحة تجاه سوريا من شأنها أن تؤثر على التفاعلات الإقليمية والمحلية.
بصورة معاكسة على طول الخط لسوريا في ظل النظام المخلوع، حفلت الأسابيع الماضية بانفتاح دبلوماسي على الإدارة الجديدة عربياً وإقليمياً ودولياً، وكأن كل التحفظات على الماضي الجهادي للفريق الحاكم قد انهارت. الآن يبدو أن هذا الزخم سيبدأ بالانحسار وكأنه لم يتجاوز جانبه الإعلامي. ذلك أن كل النوايا الطيبة التي عبرت عنها الدول التي دخلت في علاقة تماس مع الإدارة الجديدة لم تترجم بعد إلى وقائع، وكأنها جميعاً بانتظار تحول «الأقوال إلى أفعال» أي مضي السلطة في عملية سياسية تتسق مع مطالب تلك الدول. وهذا ما بدأت السلطة به، بطريقتها، من خلال عقد المؤتمر المذكور، ومن المتوقع أن يليه تشكيل حكومة انتقالية تكون بـ«تمثيل شامل» في الأول من شهر آذار/مارس. عسى أن يتم تلافي الصورة المنقوصة التي ظهر فيها المؤتمر.
كاتب سوري
القدس العربي
——————————
سياسة الضعفاء: سوريا الجديدة وإسرائيل الاستعمارية القديمة/ ياسين الحاج صالح
تحديث 27 شباط 2025
في تصريح استعماري نموذجي، قال بنيامين نتنياهو إن إسرائيل «لن تسمح بانتشار قوات هيئة تحرير الشام أو الجيش السوري الجديد جنوب دمشق» المنطقة التي تشمل محافظات درعا والسويداء والقنيطرة التي قال كذلك إنه يريدها أن تكون منزوعة السلاح. رئيس الوزراء الإسرائيلي أضاف إن إسرائيل لن تتسامح مع أي تهديد لمجتمع الدروز في جنوب سوريا». الإدارة الجديدة تركت التعليق على هذه البلطجة للسيدة هدى الأتاسي، واحدة من سبعة أعضاء في اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني في سورية. فكان أن أدرج في البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني السوري بند حول تصريح نتنياهو، لا هو مما يحتمله سياق البيان، ولا هو ينم عن تقدير خطورة مضمون ذلك التصريح. ولعل في ذلك ما يشير إلى قلة الحيلة، أكثر مما يشير إلى قلة الوسيلة، أو ببساطة إلى غفلة عن الواقع وسوء تقدير، أكثر مما يشير إلى الضعف العسكري السوري المعلوم.
الضعيف عسكرياً لا يمكن أن يكون قويا سياسياً، هذا مفهوم، وهو مفهوم أكثر إن كان كذلك ضعيفاً على كل مستوى آخر، تثقل كاهله تركة باهظة. لكن الضعيف يمكن أن يلجأ إلى سياسة الضعفاء التي تعمل على كسب الصراعات أو عدم خسارتها بالاستناد إلى وسائل القانون الدولي، ومحاولة كسب الرأي العام في الإقليم والعالم، و«القوة الناعمة» الفكرية والسياسية والأخلاقية، وقبل كل شيء بتحويل ملكية البلد من الحكم الأسدي إلى الضعفاء من عموم السوريين، على نحو يوسع قاعدة المسؤولية عن المصير الوطني. ليس المطلوب بحال تصريحات عنترية من الفريق الحاكم الجديد، ولا التهديد الطقسي بالرد في الزمان والمكان المناسبين، ولا «التكويع» نحو خطاب الممانعة الذي كان ذريعة مشرعة لتدمير البلد من قبل الحكم الأسدي وحماته. المطلوب والممكن بالأحرى التزام سياسية الضعفاء بصورة متسقة، على نحو يتوافق مع وضع سورية الفعلي، ويقطع مع سياسة قوة لا سند لها.
وأول أركان سياسية الضعفاء عدم الانجرار إلى مواجهة مسلحة، هي مما لا يحتاج الحكم الجديد في سورية إلى نصيحة بشأنها على كل حال. من الآن ولسنوات طويلة قادمة سورية لا تستطيع الدفاع عن نفسها عسكرياً في مواجهة أي جيران أقوياء. لا ينبغي التكتم على ذلك، فهو معلوم للجميع، الأعداء قبل الأصدقاء. ولكن الضعيف الذي لا يستطيع الدفاع عن نفسه، يستطيع إدانة الاعتداء عليه، وتسميته باسمه: عدوان غير مبرر وغير مسبوق باستفزاز. بل هو أسوأ: تلاعب استعماري ببنية المجتمع السوري من قِبَل قوة قومية إثنية ارتكبت للتو جريمة الجينوسايد في غزة.
في المقام الثاني محاولة الاستفادة مما يتيحه القانون الدولي والمؤسسات الدولية من حماية. القانون الدولي يعتبر مرتفعات الجولان أرضا سورية محتلة، ومن باب أولى التوسعات الإسرائيلية الأخيرة، وإن لم تُبلّغ الأمم المتحدة بشأنها فيما يبدو. يشعر المرء بالحرج والسخف وهو يدعو إلى تقديم شكوى موثقة إلى الأمم المتحدة حول اعتداءات إسرائيل على المجتمع السوري والتراب السوري منذ اليوم الأول لسقوط الحكم الأسدي، إذ أن ذلك لا يحتاج إلى نباهة خاصة، ولا يصعب القيام به. ربما يقال إن اللجوء للأمم المتحدة ليس بالشأن المهم، فهناك قرارات من الأمم المتحدة ومن مجلس الأمن حول فلسطين والصراع العربي الإسرائيلي، لم تجد سبيلها إلى التنفيذ. هذا صحيح فقط إن كان ينتظر من الأمم أن تعيد لنا الحقوق وتردع المعتدي، لكنه خاطئ إن فهم اللجوء إلى الأمم المتحدة كمسعى رديف يلتمس حماية القانون الدولي لبلد ضعيف، خرج لتوه من حرب طويلة ولا يكاد يقف على رجليه. ومن المساعي الرديفة كذلك مخاطبة الجامعة العربية وربما دعوة مجلسها إلى اجتماع عاجل، وذلك التماساً للدعم الدبلوماسي والإعلامي من الدول العربية، وربما مساعدات اقتصادية هي بالغة الأهمية اليوم.
أما المسعى الأكثر إلحاحاً فيتجه نحو الجنوب السوري، نحو ترتيب العلاقة مع المحافظات المعنية على أسس تضمن التمثيل العادل والشراكة الوطنية، واحترام الخصوصيات المحتملة. ليس مواطنو السويداء ودرعا والقنيطرة هم من يتعين أن يردوا على نتنياهو، بل الفريق الحاكم الحالي. وسيكون أمراً طيباً أن يبادر مواطنو الجنوب السوري إلى الاحتجاج على البلطجة الإسرائيلية، لكن يجب أن يكون ظهرهم مسنوداً من قبل شاغلي موقع السيادة في بلدهم. ما تقوم به إسرائيل هو اعتداء على السيادة السورية، ومن يشغل موقع السيادة هو الفريق الحاكم الجديد، وهو من يتعين عليه الرد.
ويبقى أن الأساس في سياسة الضعفاء هو أن يساعد الضعفاء أنفسهم، أن يعتنوا بتعافي مجتمعهم وتوفير بيئة أنسب لتطوره السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والتعليمي، والحقوقي والأمني. في هذا الشأن يبدو مؤتمر الحوار الوطني الذي انتهى يوماه قبل نشر هذه المقالة بيومين بمثابة فرصة ضائعة، محاولة لتلفيق شرعية مؤسسية دون أدنى تفويض للسلطة إلى المشاركين في الحوار، أو حتى لجنة السبعة التي وقع عليها أن «تُلهْوِج» جلساته التمهيدية كيفما اتفق. هنا تعجل غير مفهوم من قبل من يتكلمون على مرحلة انتقالية تدوم ثلاث سنوات أو أربع أو خمس. وهو في فوقيته وانعدام شفافيته نقيض سياسة الضعفاء التي يفترض أن تعمل على تقوية المجتمع السوري لا على تركه مبلبلاً في الظلام لا يعرف ماذا يجري. بنود البيان التي قرأتها السيدة الأتاسي تبدو مسبقة الإعداد ولا تتضمن تعهدات ملزمة، أقرب إلى تعبيرات من السلطة عن نياتها الحسنة منها إلى تعبيرات من ممثلي المجتمع عما يتطلعون إليه.
سورية الجديدة في حاجة إلى أن تظهر وعيها بوضعها وتطلب من العالم، من القريب والبعيد، المساعدة في التعافي. كان يمكن قول أشياء مهمة عما عاناه السوريون وعما عاشوه طوال 54 عاماً، كان يمكن إيراد عناصر أساسية في وصف الحال اليوم، من نصف مليون من الضحايا على الأقل، إلى سبع ملايين مهجر خارج البلد (نحو 30 في المئة من السوريين) إلى 113 ألفاً من مجهولي المصير… إلى ثلاث ساعات فقط من الكهرباء في اليوم في العاصمة، وطلب العون من العالم والحماية من القانون الدولي، بخاصة في وجه دولة شبيحة، وضعت نفسها في استمرار مع الحكم الأسدي، فاحتلت أراض سورية جديدة ودمرت مقدرات عسكرية سورية في اللحظة التي لم يعد بشار الأسد قادراً على فعل ذلك. لم يحدث للأسف.
ما يريده نتنياهو هو دفع البلد نحو حرب أهلية دائمة وإبقاء سورية منقسمة ضعيفة. كان بشار الأسد جيداً لإسرائيل لأنه كان إداري حرب أهلية لا تنتهي، ترك سورية منقسمة ضعيفة، بل كان إداري إبادة، تماماً مثل نتنياهو ودولته حيال فلسطين وشعبها. وما يقطع الطريق على نتنياهو وعلى الحرب الأهلية معاً هو سياسة ضعفاء بصيرة وجسورة. سياسة الضعفاء ليست سياسة ضعيفة، مستكينة أو خانعة، بل يمكنها أن تكون سياسة نشطة وديناميكية، تخاطب دوائر أوسع من جمهور عالمي مستاء من التشبيح الإسرائيلي والأمريكي، وتوسع من دائرة الشركاء والحلفاء، لكنها قبل كل شيء تخاطب السوريين كمالكين لبلدهم ودولتهم، يحترمونها ويدافعون عنها. سياسة الضعفاء ليست مطلوبة في مواجهة الأقوياء الخارجيين حصراً، فمحتواها الإيجابي هو الاستثمار في الحقوق والحريات والطاقات الاجتماعية، طاقات ملايين السوريين من النساء والرجال للنهوض بحياتهم المشتركة وببلدهم. سياسة الضعفاء هي السياسة التي تتمحور حول ضعف السوريين الفعلي، لكنها تعمل على تقويتهم.
كاتب سوري
القدس العربي
——————————-
شهية إسرائيلية لتفتيت سوريا: “ممر داوود” ومواجهة تركيا/ منير الربيع
الخميس 2025/02/27
تضع إسرائيل عينها على دمشق. يتناقل بالتواتر كلام منسوب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يقول فيه: “نتلاقى في دمشق”. من غير المعروف إذا ما كان يقصد الكلام بحرفيته، بمعنى أن التوغل الإسرائيلي في الجنوب السوري سيصل إلى العاصمة وحدودها، أم أنه يقصد النتيجة السياسية للتوغل العسكري الإسرائيلي في جنوب سوريا. يتقدم نتنياهو إلى مشروعه مدعوماً من الولايات المتحدة الأميركية، ولا يجد أي طرف في مواجهته. هو عملياً نجح حتى الآن في كسر كل موازين القوى على مستوى المنطقة، وينطلق من خلفية أن إسرائيل ذات مساحة صغيرة لا بد من توسيعها، وهي الكلمة المفتاحية التي قالها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. هذه الـ”إسرائيل الصغيرة”، والتي تتركز المساعي الاميركية لتكبيرها، ليس لها إلا طريقان، إما توسيع مساحتها الجغرافية من خلال تهجير الفلسطينيين من غزة والضفة، والتوغل أكثر في سوريا ولبنان وضم مساحات. وإما أن تُصبح الدول المجاورة لها كيانات صغيرة، فتصبح إسرائيل هي الدول الأكبر فيما بينها.
مشروع التوسع
تعبّر إسرائيل بوضوح عن نواياها ومشروعها، من كلام نتنياهو في السرّ والعلن، إلى كلام غيره من المسؤولين الإسرائيليين الذين يتحدثون عن الفيدرالية في سوريا، أو عن إقامة دويلات أو تكريس مناطق ذات حكم ذاتي. وهي تُقرن القول بالفعل، من خلال العمليات العسكرية التي تشنّها إما جوياً أو برياً أو عبر زيادة منسوب التوغل في الأراضي السورية. أما سياسياً، فهي تستكمل المشروع من خلال تزكية كل أشكال الصراع أو الفرقة أو الانقسام والتشرذم داخل المجتمع السوري، فتلعب لعبة تضارب المصالح والاتجاهات لدى المكونات المختلفة، ولا سيما الأكراد، الدروز، والعلويين. هذا مشروع يُفترض أن يضع إسرائيل في مواجهة استراتيجية مع دول عديدة في المنطقة، وخصوصاً مع الدول العربية، ومع تركيا، بعد إقدام إسرائيل على توجيه ضربة للمشروع الإيراني.
تبرز ملامح المشروع الإسرائيلي في الجنوب السوري، انطلاقاً من العمليات المكثفة التي تجري، ربطاً بالمواقف التي تصدر في عدم تحويل جنوب سوريا إلى منطقة مشابهة لجنوب لبنان، أي أن لا تكون منطلقاً لتنفيذ عمليات عسكرية ضد إسرائيل. في الموازاة، تأتي المواقف الإسرائيلية التي تتحدث عن حماية الدروز أو الأكراد، بشكل يسهم في ضرب أي “وحدة وطنية سورية”. وهو ما تسعى إليه تل أبيب من خلال استخدام القوة العسكرية، والإغراءات السياسية أو المالية. فسياسياً، أصبح واضحاً أن تل أبيب تسعى إلى دعم مشاريع “الإدارة الذاتية” في المناطق المختلفة، ولا سيما لدى الدروز والأكراد، ولاحقاً قد يتوسع طموحها باتجاه الساحل السوري.
“ممر داوود”
تعمل إسرائيل على تقديم إغراءات مالية هائلة لقاء استقدام سوريين للعمل في مناطق خاضعة لسيطرتها، كما تعمل على شق واستحداث الكثير من الطرقات في الجنوب السوري وبين بعض القرى الدرزية والمناطق التي احتلّتها. ومن الجنوب السوري، هناك من يبدي تخوفاً من إقدام تل أبيب على خلق خطّ “عسكري” نحو شرق سوريا، فتصبح هي الحاضرة في جنوب لبنان، وجنوب سوريا، وتحيط بالأردن من الجهة الشمالية وليس من الجهة الغربية فقط، وتتمدد باتجاه الحدود مع العراق، بالإرتكاز إلى استحضار توراتي جديد لإنشاء خط “ممر داوود”، في محاولة منها لربط المناطق التي تسيطر عليها، بالجنوب السوري وانطلاقاً منه باتجاه شرق سوريا، فيكون لها صلة جغرافية وخط مباشر باتجاه المناطق الكردية، وتصبح هي على حدود العراق، وقد تطرح نفسها بديلاً للوجود العسكري الأميركي في التنف مثلاً، طالما أن نغمة دونالد ترامب حول الانسحاب العسكري من سوريا تتزايد، فتكون إسرائيل هي البديل عنه.
مواجهة تركيا
تركز إسرائيل على تكريس منطق “الإدارات الذاتية”، ولا سيما لدى الأكراد، بالإضافة إلى وضعية “الدروز”. وهذا يفترض أن يضعها في مواجهة مباشرة مع تركيا. هنا ستكون الإدارة السورية الجديدة أمام تحدٍ استراتيجي في ظل الصراع على سوريا، لا سيما أن الرئيس السوري أحمد الشرع كان يركز على ضرورة الوصول إلى تفاهم وحلّ بالحوار مع التنظيمات الكردية ولا سيما تنظيم قسد. بينما تركيا تدفع باتجاه الصراع العسكري. وأي صراع عسكري ستستغله إسرائيل للعب أكثر على الساحة السورية، وليتحول الصراع إسرائيلياً- تركياً على أرض سوريا وبأياد سورية.
في محاولة من الشرع لتسوية العلاقة مع الأكراد، أقدم على الاتفاق معهم حول شراء النفط. لكن هذا القرار يمثل خطأً. إذ سيبدو وكأنه تكريس للاعتراف بهذه السلطة الذاتية هناك، علماً أن الدولة هي التي يفترض أن تكون صاحبة السيادة على كامل الأراضي السورية. وهذا ما ستسعى إسرائيل إلى استغلاله لاحقاً، خصوصاً أن شرق سوريا ومنطقة الجزيرة مليئة بالخيرات النفطية والزراعية والمائية. أما في الجنوب السوري حيث لا وجود لمثل هذه الخيرات، فيعمل الإسرائيليون على ضخ الأموال في المنطقة الجنوبية، لتكريس المشروع الذي يسعون إليه، وهو خلق إدارة ذاتية. ما يجعل سوريا دولة متشظية أو ذات كيانات صغيرة مقسمة على أسس دينية أو قومية أو عرقية.
أي نجاح لهذا المشروع الإسرائيلي لن ينحصر تأثيره داخل سوريا، بل سيطال دولاً عديدة، خصوصاً أن الموضوع الكردي يشكل تحدياً استراتيجياً لتركيا، التي سارعت قبل سنوات للدخول إلى شمال سوريا وقطع أي اتصال بين المناطق الكردية لمنع إقامة كيان كردي. وهي تسعى دوماً للانتقال إلى الضفة الشرقية للفرات أيضاً لمنع قيام أي مقومات لإقامة هذا الكيان. هنا تسارع إسرائيل إلى التدخل، بالإضافة إلى تكثيف الضغط العسكري في جنوب سوريا وباتجاه دمشق.. العاصمة التي تعتبر على علاقة قوية بتركيا. وكأن تل أبيب تقول لأنقرة إن المواجهة ضد الأكراد في شرق الفرات، ستقابلها مواجهة ضد الحكم في دمشق.
المدن
————————-
العدوان الإسرائيلي على سورية: اتساع الرفض الشعبي وخيارات سياسية أمام دمشق/ محمد أمين
27 فبراير 2025
يتمادى الاحتلال الإسرائيلي في عدوانه على سورية، وجنوبها تحديداً، مدعياً أنه يدافع عن مواطنيه، ولن يسمح لهذا الجنوب بأن “يصبح جنوب لبنان”، مستفيداً من عدم قدرة الإدارة السورية الجديدة على مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية عسكرياً، فهي لم تنته بعد من بناء الجيش الجديد، والذي سيحتاج لوقت غير قليل، وذلك بعدما عمد الاحتلال إلى تدمير السلاح الثقيل ومنظومات الدفاع الجوي التي كان يملكها الجيش السوري فور سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي. ورغم أن دمشق تستند في الوقت الراهن إلى موقف شعبي طاغٍ رافض لأي محاولات للعبث بالهوية والوحدة والسيادة السورية من جهات خارجية أو داخلية مرتبطة بها، والذي يتجلى بالتظاهرات المنددة بممارسات إسرائيل والتي باتت تخرج بشكل شبه يومي ويتسع نطاقها في المدن السورية، تبدو الخيارات محدودة ومعقّدة أمام الإدارة السورية في التعامل مع العدوان الإسرائيلي، والذي لا يقتصر على التوغل البري والضربات الجوية، بل تحاول تل أبيب العبث في الجنوب السوري (بمحافظاته الثلاث درعا، السويداء، القنيطرة)، من خلال إيجاد مشاريع غايتها الدفع باتجاه إنشاء كيانات على أساس مذهبي تحديداً في محافظة السويداء، خصوصاً في ظل ظهور تشكيلات وكيانات عسكرية تذهب إلى المطالبة بوضع خاص للجنوب. ويضاف إلى ذلك عدم اتضاح مصير قضية اندماج فصائل في الجنوب ضمن الجيش السوري الجديد.
توّغلات واعتداءات إسرائيلية جديدة على سورية
وفي جديد العدوان الإسرائيلي على الجنوب السوري، توغّلت نحو 50 عربة وآلية إسرائيلية في مناطق بريفي درعا والقنيطرة، وصلت إلى قرية البكار في ريف درعا الغربي وبلدة عين البيضا في ريف القنيطرة، قبل أن تنسحب صباح أمس الأربعاء. كما شن الطيران الإسرائيلي في ساعة متأخرة من مساء الثلاثاء غارة على بلدة الكسوة، على بعد حوالي 20 كيلومتراً جنوبي دمشق، وأخرى على هدف في ريف درعا الجنوبي. وذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان أن الضربات الجوية الإسرائيلية على ريفي دمشق ودرعا أسفرت عن مقتل أربعة أشخاص. وذكر المرصد أنه منذ مطلع العام 2025، قامت إسرائيل باستهداف الأراضي السورية 16 مرة، 14 منها جوية ومرتين عبر البر، وأسفرت تلك الضربات عن إصابة وتدمير نحو 21 هدفاً بين مستودعات للأسلحة والذخائر ومقرات ومراكز وآليات. وتسببت تلك الضربات بمقتل عسكريين اثنين وستة مجهولي الهوية، بالإضافة لإصابة شخص، بحسب المرصد.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه قصف “أهدافاً عسكرية في جنوب سورية، بما في ذلك مراكز قيادة ومواقع عديدة تحتوي على أسلحة”، من دون أن يذكر مكانها بالتحديد. وحذّر الجيش في بيانه من أنّ “وجود قوات ومعدّات عسكرية في الجزء الجنوبي من سورية يشكل تهديداً لمواطني إسرائيل”، لافتاً إلى أنّه “سيواصل العمل لإزالة أيّ تهديد لمواطني دولة إسرائيل”. من جهته، هدد وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس بأن “أي محاولة من قوات النظام السوري للتمركز في المنطقة الأمنية جنوب سورية سيتم الرد عليها بالنيران”. وقال كاتس في بيان لمكتبه: “الآن يقوم سلاح الجو بمهاجمة جنوب سورية بقوة كجزء من السياسة الجديدة التي حددناها لإخلاء جنوب سورية من السلاح – والرسالة واضحة: لن نسمح لجنوب سورية بأن يصبح جنوب لبنان”. وتابع: “لن نعرّض أمن مواطنينا للخطر” و”أي محاولة من قوات النظام السوري والمنظمات الإرهابية في البلاد للتمركز في المنطقة الأمنية جنوب سورية سيتم الرد عليها بالنيران”. وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قد طالب الأحد الماضي بجعل “جنوب سورية منزوع السلاح بالكامل”، وقال: “لن نسمح لقوات تنظيم هيئة تحرير الشام أو للجيش السوري الجديد بدخول المنطقة الواقعة جنوب دمشق”.
إدانات وتظاهرات رافضة
ودان العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، خلال لقائه الرئيس السوري أحمد الشرع في عمّان أمس الأربعاء، الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، مؤكداً دعم المملكة لسيادة سورية ووحدتها وسلامة أراضيها. كما شدد على وقوف الأردن إلى جانب السوريين في إعادة بناء بلدهم عبر عملية تشارك فيها مختلف مكونات الشعب، بما يضمن وحدة سورية وأمنها واستقرارها. وبحسب الموقع الرسمي للديوان الملكي، بحث اللقاء فرص تطوير التعاون والوصول إلى صيغ مشتركة في زيادة واستدامة التنسيق على مختلف الصعد، بما يحقق المصالح المشتركة ويعزز وحدة الصف العربي. وأشاد ملك الأردن بمخرجات مؤتمر الحوار الوطني السوري، مؤكداً أنه خطوة مهمة نحو إعادة بناء سورية بما يحقق تطلعات الشعب السوري. وأكد ضرورة التنسيق الوثيق بين البلدين في مواجهة مختلف التحديات المتعلقة بأمن الحدود والحد من تهريب الأسلحة والمخدرات، مشددا على أهمية عودة سورية إلى دورها الفاعل في محيطها العربي. وبيّن العاهل الأردني ضرورة تهيئة الظروف المناسبة للعودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين إلى بلدهم. بدوره، أعرب الرئيس السوري عن تقديره لموقف الأردن، بقيادة العاهل الأردني، الداعم لجهود إعادة بناء سورية والحفاظ على وحدتها وأمنها واستقرارها.
كما دان الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، الغارات والاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي السورية، واعتبرها “استفزازاً وتصعيداً ينتهزان فرصة التحول السياسي في سورية لتثبيت واقع غير قانوني وغير شرعي”. وأكد في بيان أمس أن “الاحتلال الإسرائيلي لأي أراضٍ سورية ينتهك القانون الدولي، وأن المجتمع الدولي مطالب باتخاذ مواقف واضحة لإدانة هذا العدوان غير المبرر والذي يستهدف إشعال فتيل التوتر في المنطقة، ووضع العراقيل في طريق الانتقال السياسي في سورية”.
وخرجت تظاهرات ليل الثلاثاء ـ الأربعاء في مدينة دمشق عقب الغارات الجوية الإسرائيلية على الجنوب السوري، وندد العشرات من الشبان بالعدوان، وجابت التظاهرات المزة وصولاً إلى ساحة الأمويين وسط العاصمة. كما خرجت تظاهرة في السكن الجامعي في حمص تنديداً بالعدوان على الجنوب السوري. كما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان بخروج تظاهرات في بلدتي صيدا الجولان وغدير البستان في ريف القنيطرة الجنوبي أمس، تنديداً بالاعتداءات الإسرائيلية.
وكانت تل أبيب قد خرقت بعد سقوط نظام الأسد اتفاقية “فك الاشتباك” المبرمة مع سورية في عام 1974، واحتلت المنطقة العازلة ومواقع أخرى منها قمة جبل الشيخ، ووصلت في توغلها إلى مدينة القنيطرة وريف درعا الغربي. وفي حين دان مؤتمر الحوار الوطني السوري، الذي عُقد أمس الأول الثلاثاء، “التوغل الإسرائيلي في الأراضي السورية، مطالباً بانسحابه الفوري، لم تُظهر الإدارة السورية الجديدة أي ردة فعل عسكرية معلنة على التغول والتوغل الإسرائيليين في الجنوب السوري واللذين يتزامنان مع ظهور تشكيلات خاصة بمحافظة السويداء ذات الغالبية الدرزية والتي تطالب بمنح المحافظة حكماً ذاتياً. وكان نتنياهو قد قال الأحد الماضي: “لن نتسامح مع أي تهديد للطائفة الدرزية جنوب سورية”، في محاولة واضحة لاستمالة سكان السويداء الذين أعلنوا رفضهم التدخل الإسرائيلي في الشأن السوري من خلال تظاهرات حاشدة شهدتها المحافظة.
خيارات ضيقة أمام الإدارة السورية
ولا تبدو الإدارة السورية الجديدة في وضع يسمح لها بمواجهة التهديد الإسرائيلي عسكرياً، إذ لم تنته بعد من بناء الجيش الجديد، والذي سيحتاج الكثير من الوقت خصوصاً لناحيتي التدريب والتسليح، فقد دمّرت تل أبيب جلّ القدرات العسكرية السورية بعد أيام قليلة من سقوط الأسد الذي حافظ على هدوء الجبهة مع إسرائيل ولم يكن يشكل أي تهديد لها. وليس أمام الإدارة الجديدة سوى الخيار السياسي لمقاربة ملف الجنوب سواء لجهة التهديد الإسرائيلي المتكرر أو لجهة مشروعات التقسيم التي ظهرت أخيراً في أكثر من منطقة سورية. وتستند دمشق في الوقت الراهن إلى موقف شعبي طاغٍ رافض لأي محاولات للعبث بالهوية والوحدة والسيادة السورية من جهات خارجية أو داخلية مرتبطة بها، والذي يتجلى بشكل شبه يومي وخصوصاً في محافظة السويداء. كما يدفع هذا الموقف فصائل عسكرية في محافظة درعا المجاورة لنسج خيوط تفاهم نهائي مع الإدارة الجديدة في دمشق وإنهاء الأوضاع الشاذة في المحافظة والتي تشجّع محافظات سورية لديها هواجس من السلطة الجديدة للمطالبة بالانفصال أو بالحكم اللامركزي وهو ما يؤسس لتقسيم البلاد.
وتعليقاً على التصعيد الإسرائيلي ودعوات تقسيم سورية، رأى الباحث السياسي محمد صبرا، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “سورية اليوم دولة منهكة ولا يوجد لدينا جيش قوي وسلاح ثقيل ومنظومات دفاع جوي”، مضيفاً: “فكرة المواجهة العسكرية مع إسرائيل مستبعدة، ولكن يجب ألا نستسلم لإرادة الاحتلال، لذا يجب العمل على تفعيل علاقات سورية مع دول العالم لوضع حد للعربدة الإسرائيلية”. وأشار إلى أنه يجب القيام بعمل سياسي في الداخل، مضيفاً: “مواجهة أي تهديد خارجي تتطلب استقراراً أمنياً وسياسياً. على الإدارة الجديدة إشاعة مناخ سياسي أكثر راحة، وأن تعزز حضورها في البلاد”. وبيّن أن “إسرائيل لا تزال عدوة لسورية، فهي تحتل أراضي سورية وحالة الحرب مستمرة على المستوى القانوني، من ثم فإن أي تعامل مع إسرائيل يحكمه قانون العقوبات السوري وهو واضح في منع أي تواصل مع الكيان الصهيوني”. وطالب وزارة العدل السورية بتفعيل دور النيابة العامة وتحريك الدعاوى العامة بحق كل من يدعو إلى تقسيم سورية أو إلحاق أجزاء منها بدولة الاحتلال، وكل من يتعامل مع إسرائيل.
وفي السياق، من المتوقع أن تلجأ السلطات السورية إلى العمق العربي من أجل الضغط على تل أبيب لوضع حد لتدخلها في الشأن السوري وعدم محاولة اللعب على مخاوف غير مبررة حتى اللحظة من الأقليات في سورية. وتبدو تل أبيب داعمة لكل مشروعات التقسيم التي تُطرح من جانب تشكيلات عسكرية أو سياسية خصوصاً في الجنوب السوري وفي الشمال الشرقي من البلاد، في محاولة لتفتيت سورية إلى دويلات متناحرة تضمن بقاء تل أبيب في مأمن من أي تهديد.
ورأى المحلل السياسي عرابي عرابي، في حديث مع “العربي الجديد”، أن على الحكومة السورية “قراءة المشهدين الإقليمي والدولي للتعامل مع التهديد الإسرائيلي بهدف الضغط الدبلوماسي”. وتابع: “نتنياهو في مأزق له علاقة بالحرب الذي شنها على قطاع غزة، والملف الأوكراني، ومن عادته الهروب إلى الأمام وخلق بؤر صراع وخلق مساحة اصطدام”. ورأى عرابي أن دعوات تقسيم البلاد التي تظهر بين وقت وآخر لا حل لها سوى “العصا الغليظة”، مضيفاً: “تجب على الحكومة مواجهة محاولات تهديد وحدة البلاد بالقوة”.
من جهته، رأى الخبير العسكري ضياء قدور، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “سورية الجديدة تتبنى في مواجهة التصعيد الإسرائيلي سياسة حذرة تضع الكرامة والسيادة الوطنية في طليعة الأولويات”، مضيفاً: “أعتقد أن هناك رغبة لدى الحكومة السورية في الابتعاد عن أي تصعيد عسكري غير مجدٍ والتركيز على استقرار البلاد وإعادة الإعمار بعيداً عن التحولات الإقليمية المتسارعة”. وتابع: “دمشق حريصة على عدم الانجرار إلى صراع عسكري مفتوح مع إسرائيل أو معركة مفتوحة قد تضر باستقرارها الداخلي وتؤثر سلباً على فرص إعادة الإعمار”. وأعرب عن اعتقاده بأن الحكومة السورية “ستسعى إلى توجيه رسائل حازمة لإسرائيل عبر القنوات الدولية مع تأكيد حقها في الدفاع عن سيادتها”، مضيفاً: “هذا قد يشمل تعزيز الحوار والتعاون مع القوى الكبرى والإقليمية والعمل على استعادة الثقة الإقليمية التي قد تساهم في تخفيف الضغوط العسكرية والسياسية”. كما اعتبر أن “استقرار حكومة دمشق له تأثير كبير على الأمن والاستقرار في المنطقة بشكل عام، وهو يعد مصلحة إقليمية كبرى”، مضيفاً: “انهيار الحكومة أو عدم قدرتها على أداء مهامها يمكن أن يؤدي إلى تفاقم الأزمات الإنسانية والأمنية، ويزيد من احتمالات انتشار الفوضى والتطرف”.
العربي الجديد
———————————–
«المنع الاستباقي»: سوريا في العقيدة الأمنية الجديدة لإسرائيل/ خليل كوثراني
الخميس 27 شباط 2025
وضعت حملة بنيامين نتنياهو على سوريا، وما تخلّلها من خطاب عدواني تُرجم من فوره استفزازاً بالنار من طرف واحد، الحُكمَ الجديد هناك على مفترق طرق يصعب الالتفاف عليه. ولعلّ مكمن المأزق السوري الجديد، هو في قصور الاستراتيجية التي وضعها هذا الفريق للسياسة الخارجية السورية، عن الاستجابة لتحولات العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد حربَيْ غزة ولبنان، بما تفاقمه الأخيرة من مركزية إسرائيل في واقع الإقليم، وتعزيز تأثيرها على الشأن الداخلي السوري تحديداً.
يرى رئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، ومعه وزير خارجيته أسعد الشيباني، أنه لا مناص من مهادنة الولايات المتحدة وإسرائيل لسنوات، وتجاهل عدوانهما على البلاد، وغضّ الطرف عن أطماعهما فيها، ريثما تُرفع العقوبات عن سوريا كشرط لازم للتمكين من إقامة سلطة فعّالة. هذه، باختصار، السياسة الخارجية الجديدة لدمشق، وقد ارتسمت معالمها جليّة في الأسابيع المتصرّمة، مسندةً من أنصارها بحجج «الواقعية» وانعدام الخيارات، في منحى مفارق لنموذجَيْ أفغانستان واليمن.
في الغضون، ثمّة انزياح في إسرائيل إلى تطوير عقيدة الأمن القومي، ومن ثم قلب هرمها ليكون في رأسه «المنع الاستباقي» بدلاً من «الردع»، فيضاف «المنع» كركيزة خامسة إلى الركائز الأربع (الردع والإنذار والحسم والدفاع)، ويرث مركزية «الردع» في العقيدة. و«المنع» يختلف عن «المعركة بين الحروب» من حيث إنه بلا أسقف ولو اشترك معها في «الاستباقية». وعرّف البعض «المنع» بأنه القضاء على التهديد قبل أن يستحيل خطراً ماثلاً (أي ما يمكن تسميته «وأد المخاطر»).
وركيزة «المنع» اضطرت إسرائيلَ إليها عمليةُ السابع من أكتوبر، وتبلورت آلياتها التطبيقية مع وقف إطلاق النار في لبنان فغزة. وهذا ما يكمن وراء مجمل الأقوال والأفعال التصعيدية – ما بعد وقف إطلاق النار شمالاً وجنوباً – تُجاه غزة والضفة ولبنان وسوريا. بتعبير آخر، تسعى إسرائيل إلى متابعة الحرب، بغير وسائل، وعلى الساحات جميعها، تطبيقاً للعقيدة الجديدة، وفحصاً لفاعليتها وإمكانية استدامتها.
ويتلخّص ذلك المسار بجملة تكتيكات سردها رون بن يشاي، أمس، في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، وهي التالية: إقامة منظومة دفاعية من ثلاثة مستويات، اثنان منها «داخل أرض العدو» وقوامها قواعد عسكرية ومناطق منزوعة السلاح، و«استحكامات وعوائق داخل إسرائيل».
وهو ما سيُعمل به عند المنطقة العازلة في غزة، وجنوب الليطاني انطلاقاً من النقاط الحدودية الخمس في لبنان، وعلى كامل الجنوب السوري.
ومن هنا، خرج تعقيب وزير الأمن، يسرائيل كاتس، على الضربات الجوية الأخيرة، بالقول: «لن نسمح يأن يتحوّل جنوب سوريا إلى جنوب لبنان». وهذا تصريحٌ، معطوفاً على تصريح وزير الخارجية، جدعون ساعر، عن أن «حكومة سوريا الجديدة هي جماعة إرهابية إسلامية من إدلب استولت على دمشق بالقوة»، لا يشي بأقل من إغلاق الأفق في وجه صفقة متوهّمة، يمنّي البعض النفس بها، حتى وإن فرّطت دمشق بالحقوق، مقدّمةً كل تنازل. كما أن توفّر فرصة استثنائية لتل أبيب في البيت الأبيض، عنوانها دونالد ترامب، الضارب عرض الجدار بأي وزن لثبات الجغرافيا السياسية في النظام الدولي، يزيد الإسرائيليين تشبّثاً بالعدوانية الشاملة إلى أقصى مدى من سياسات الاحتلال والتهجير والتوسّع والضم والتدخّل وضرب السيادة والتلاعب بالوحدة عبر الفتن والانقسامات.
وإزاء تلك الحملة العدوانية الصلفة واحتلال مئات الكيلومترات والتهديدات الصريحة لوحدة سوريا، لا بوادر لفرصة لسياسة المهادنة مع كل التعقيدات الماثلة، ولا مؤشرات إلى ثقة ستنعقد بين الأطراف، برغم أنه، وفق بن يشاي، ثمة نافذة تركها نتنياهو، عبر رسالة بعث بها إلى كل من دمشق وأنقرة، مفادها أن إسرائيل لا تنوي البقاء في الجنوب السوري إذا ما ضمنت ترتيبات أمنية مناسبة، والقصد منها تجريد المنطقة (المحافظات الثلاث: القنيطرة ودرعا والسويداء)، من السلاح ومنع وجود «جماعات جهادية» أو مطلق قوات عسكرية في هذا النطاق.
وأتت رسالة نتنياهو، والتي رافقها ضغط ناري عدواني، عشية زيارة الشرع إلى الأردن، في مسعى لإخضاع الحكم الانتقالي على ما يبدو، علماً أن الأخير، وبرغم حراجة وضعه وضعف إمكاناته، ليس لديه ما يضمن الاستقرار المنشود، ولا استمالة واشنطن من البوابة الإسرائيلية إذا ما قدّم الجنوب السوري كحاجز آمن للاحتلال.
وكاتس نفسه كان صريحاً في أن إسرائيل لن ترضى بأيّ قيامةٍ سورية – ولو قصر الوعيد على الجنوب السوري- حين قال: «كل محاولة للجيش السوري الجديد لبناء قدرات عسكرية في الجنوب ستقابل بالنار. لن يسمح الجيش الإسرائيلي لقوات معادية بالتمركز والوجود في المنطقة الأمنية جنوب سوريا، من هنا وحتى دمشق، وسنعمل ضد أي تهديد».
هكذا، يبدو رهان الحكم الجديد في دمشق على تفاهمات تركية – إسرائيلية أو «وساطة» أردنية مفترضة مع تل أبيب، كالمستجير بالرمضاء من النار؛ فإسرائيل عزمت أمرها على عدوان واسع يصل مداه إلى اللعب بوحدة البلاد والسيطرة على السكان ودعم حكم أمني ومدني محلي وإعاقة بناء قوة مركزية سياسية وعسكرية. وجميع هذه الأطماع والمخاطر على مستقبل سوريا، تتعدّى مخاوف أمنية حدودية للعدو من مساع لـ«حماس» و«الجهاد الإسلامي» لفتح جبهة ضد إسرائيل من سوريا، كما قال كاتس بالأمس، إلى محاولة تبديد الكيان السوري برمّته.
الاخبار
—————————————-
تفاصيل توغلات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري/ رأفت أبازيد
27/2/2025
الجنوب السوري- توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي، مساء أمس الأربعاء، داخل الأراضي السورية بالتزامن مع استهداف عدة مواقع بالطائرات الحربية.
وصلت القوات الإسرائيلية برا عبر عشرات الآليات العسكرية إلى بلدة البكار في ريف درعا الغربي، ودخلت إلى ثكنة عسكرية تابعة للجيش السوري السابق، تُعرف بثكنة المجاحيد، حيث تم تفجير الأبنية الموجودة فيها.
وفي الوقت نفسه، توغلت مدرعات في بلدة جبا في الريف الأوسط لمحافظة القنيطرة، كما وصلت إلى بلدة عين البيضة شمال المحافظة، حيث قامت بتجريف الأشجار في محيطها قبل الانسحاب منها باتجاه الجولان المحتل.
اجتياح مستبعد
توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي منذ سقوط نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد في الجنوب السوري، ووصلت إلى عدة نقاط بارزة، منها جبل الشيخ وحرش جباثا الخشب والتلول الحمر في محافظة القنيطرة، بالإضافة إلى كتيبة الهاون بالقرب من بلدة عابدين في ريف درعا الغربي، حيث أقام الاحتلال نقاطا عسكرية ولا يزال متمركزا فيها حتى الآن.
كما شهدت مناطق متقدمة توغلات لقوات الاحتلال لساعات ثم انسحبت منها، مثل منطقة حوض اليرموك غربي درعا، حيث وصلت القوات إلى بلدات كويا وجملة ومعرية وعابدين.
تعليقا على ذلك، قال أحمد أبازيد الكاتب والمحلل السياسي للجزيرة نت إن هذا التوغل الأخير ليس بجديد، حيث كانت قوات الاحتلال تقوم سابقا بعمليات توغل في مناطق قريبة من الحدود مع الجولان المحتل وتنسحب منها بعد ساعات، ومع ذلك هناك نقاط تم التموضع بها عبر نقاط عسكرية لا تزال قائمة حتى الآن.
وأضاف أنه لا يرى أن الاحتلال لديه مشروع جدي لاجتياح بري للجنوب السوري لأنه سيواجه تجمعات سكنية كبيرة، حيث تتركز التوغلات حتى الآن غالبا في قرى ذات تعداد سكاني قليل جدا. وأشار إلى أن الاحتلال سيواجه معضلة إذا فكر في الوصول إلى مناطق ريف درعا التي تشهد كثافة سكانية، لذلك لا يعتقد بوجود أي خطة للتقدم البري.
تأثيرات سلبية
وحسب المحلل أبازيد، هناك تهديدات إسرائيلية بقصف مواقع وتجمعات عسكرية تابعة للدولة السورية، وفقا لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وأكد أن القصف الجوي الذي شهدته المنطقة قبل يومين هو بمثابة رسالة بأن التهديد جدي، وليس لتنفيذ عملية اجتياح واسعة في الجنوب السوري.
وربط هذا القصف بالتزامن مع زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى عمّان، كنوع من الضغط على الجانبين، “لأن الأردن أيضا يواجه ضغوطا من الإدارة الأميركية للقبول بتهجير أهالي قطاع غزة إلى أراضيه”. واعتبر أن إسرائيل تسعى للحصول على ضمانات من دول إقليمية ذات علاقات جيدة معها.
وكان لهذه التوغلات تأثيرات سلبية كبيرة على المنطقة، ومن أبرزها السيطرة على مناطق زراعية تعود ملكيتها للأهالي في منطقة حوض اليرموك غربي درعا.
كما منعت قوات الاحتلال المزارعين من الوصول إلى أراضيهم في الوادي القريب من بلدة عابدين وكويا في ريف درعا الغربي لزراعتها، وهي مصدر رزقهم الوحيد. وبدأ كثير من سكان المنطقة بالتفكير في الخروج منها باتجاه مدينة درعا أو ريف دمشق خوفا من أي تطورات مفاجئة قد تشهدها المنطقة.
وتحدث معاوية الزعبي، وهو ناشط إعلامي وسياسي في درعا، للجزيرة نت عن أن القصف الإسرائيلي للأراضي السورية ليس بجديد، حيث شهدت السنوات الأخيرة عمليات قصف متكررة، وشهد الساحل السوري إنزالا جويا إسرائيليا قبل سقوط النظام المخلوع وتدمير نقطة عسكرية.
قلق إسرائيل
وبرأي المتحدث الزعبي، فإن التغيير السياسي الحاصل في سوريا أثار حفيظة إسرائيل، وأنها تحاول الاستفادة من الوضع الراهن، وقال إن “الوقت الحالي يحتاج إلى موقف واضح من الدولة السورية الجديدة واختيار حلفائها بشكل جيد، وخاصة العرب، لأنها في مرحلة تأسيس وتحتاج إلى دعم خارجي وداخلي لمواجهة أي محاولة تدخل بشأنها الداخلي”.
وأكد الزعبي “ضرورة العمل على تشكيل حكومة ذات خبرات ولديها وعي سياسي، وتعمل على التواصل مع الأطراف العربية الإقليمية لوقف تمادي إسرائيل داخل الأراضي السورية”. وتوقع أن تعود سوريا قريبا إلى دورها المحوري في المنطقة، وحذر من أن “تقسيمها سيكون له عواقب لا يحمد عقباها على دول أخرى وقد يؤدي إلى تدميرها”.
هذا وشهد الجنوب السوري، الاثنين الماضي، مظاهرات “لإيصال الصوت بأن الشعب السوري واحد، ويقف خلف القيادة الجديدة، ولن يسمح لأي دولة بالتدخل في شؤونها”، احتجاجا على تصريحات نتنياهو التي طالب فيها بنزع السلاح في المنطقة ومنع انتشار الجيش السوري الجديد فيها.
ورفع المتظاهرون لافتات وصفوا من خلالها تصريحات نتنياهو بـ”الفتنة ومحاولة خلق خلافات بين مكونات الشعب السوري”، كما أكدوا أنهم “على وعي كامل بأن الشعب السوري محب لبعضه، ولن يستطيع أحد التفريق بينهم، في الوقت الذي يتطلعون فيه إلى دولة سورية جديدة تحترم حقوقهم بعد سنوات من الذل والقمع في ظل حكم عائلة الأسد”.
المصدر : الجزيرة
————————-
بعد تهديد نتنياهو لدمشق.. “يديعوت أحرونوت” تكشف تفاصيل المخطط الإسرائيلي
2025.02.25
كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن استراتيجية عسكرية جديدة لإسرائيل تهدف إلى إنشاء نظام دفاعي بري ثلاثي الطبقات لحماية حدودها مع كل من سوريا وقطاع غزة وجنوب لبنان.
تتزامن الخطة الجديدة مع تهديدات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لدمشق بإخلاء منطقة الجنوب السوري من قوات “هيئة تحرير الشام” والجيش السوري الجديد، ونزع السلاح فيها.
ونشرت الصحيفة
، أمس الإثنين، تقريراً مفصلاً عن الاستراتيجية الجديدة، والتي تتضمن إنشاء منظومة دفاعية من ثلاث مستويات، اثنان منها خلف الحدود، تكون “داخل أرض العدو” على حد وصفها، وتتضمن إنشاء قواعد عسكرية وفرض نزع السلاح.
تفاصيل الخطة يعرضها، رون بن يشاي، أبرز خبراء الشؤون الأمنية في “يديعوت أحرونوت”، وهو معروف بصلاته الوثيقة بهيئة أركان الجيش الإسرائيلي.
وأشارت الصحيفة إلى أن إسرائيل شرعت بالفعل في تطبيقها جزئياً، واحتمال اعتمادها في ظل “الفرصة الممكنة” نظراً لعودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، وما يعلنه من مشاريع “مثيرة للجدل” لصالح التوسع الإسرائيلي في المنطقة.
ويأتي الحديث عن الخطة في ظل رفض إسرائيل الانسحاب الكامل من قطاع غزة ومن جنوب لبنان، على الرغم من سريان اتفاقي وقف إطلاق النار “هشين” مع بيروت وحماس، وتهديدات نتنياهو الأخيرة ومطالبته بأن تكون المحافظات السورية الجنوبية الثلاث القنيطرة ودرعا والسويداء “منطقة منزوعة السلاح”.
وفقاً للصحيفة، تعد الخطة إحدى الدروس المهمة التي استخلصتها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من هجوم السابع من أكتوبر2023، وتم بلورتها قبل نحو ثلاثة أشهر بالتزامن مع التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في جنوب لبنان.
وتتضمن الخطة الإسرائيلية الجديدة لحماية الحدود مع سوريا ثلاثة مستويات دفاعية. تبدأ بإنشاء منطقة حدودية عازلة داخل الأراضي الإسرائيلية، تضم مواقع عسكرية وحواجز دفاعية متطورة، تشمل سياجا وجدرانا وأجهزة استشعار، مدعومة بقوات احتياطية ومدفعية ودفاع جوي لحماية المستوطنات القريبة. يلي ذلك نظام دفاع أمامي داخل الأراضي السورية، عبر إقامة نقاط عسكرية ومراقبة في المنطقة العازلة شرق الجولان، بهدف تنفيذ عمليات استباقية ضد أي تهديدات، مع الاعتماد على طائرات مسيّرة ووحدات استطلاع.
أما المستوى الثالث، فهو فرض نزع السلاح في جنوب سوريا، من خلال إخلاء هيئة تحرير الشام والجيش السوري الجديد، ومنع أي وجود للأسلحة الثقيلة والصواريخ، مع السماح فقط بالأسلحة الخفيفة ضمن ترتيبات أمنية محددة.
وتسعى إسرائيل إلى دعم أميركي، خاصة من إدارة ترمب، مع إمكانية التنسيق غير المباشر مع تركيا، واستغلال ملف الدروز في السويداء كذريعة للتدخل. لكن الخطة تواجه عقبات، أبرزها معارضة المجتمع الدولي.
ويترجم موقع “تلفزيون سوريا”التقرير كاملاً، والذي يوضح التغييرات العميقة في العقيدة العسكرية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر، ومدى تأثيرها على المعادلات الأمنية في المنطقة.
من دروس 7 أكتوبر.. لدى إسرائيل استراتيجية جديدة لحماية الحدود تتكون من ثلاث طبقات
إن فشل السابع من أكتوبر أدى إلى اعتماد استراتيجية جديدة، حتى ضد الدول التي عقدت معها إسرائيل اتفاقيات سلام. وتتضمن الخطة 3 أنظمة دفاعية على حدود قطاع غزة ولبنان وسوريا، مكونة من 3 طبقات: إنشاء مواقع وعوائق عسكرية في الأراضي الإسرائيلية، بهدف السيطرة والمراقبة على الحدود، و”نظام دفاع أمامي” في أراضي العدو، والمطالبة بنزع السلاح من المناطق التي تحمل تهديدات محتملة، وتعتزم إسرائيل إقامة هذه المنظومة على أمل أن تدعمها إدارة ترمب، لكن من غير الواضح كيف سيكون رد فعل الدول الأوروبية، وعلى أي حال، فإن هذه الخطة تتطلب آلاف المقاتلين وميزانيات ضخمة. (مقدمة تلخيصية لصحيفة “يديعوت أحرونوت).
كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو فعلياً عن استراتيجية الدفاع الحدودية الجديدة لإسرائيل، عندما قال، في حفل تخريج دورة ضباط، يوم الأحد، بأنه طالب “بإخلاء جنوب سوريا بالكامل من قوات النظام الجديد”.
وتبلورت هذه الاستراتيجية، بشكل فعلي، نهاية العام الماضي، بعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار مع لبنان، ولكن نتنياهو أضاف، في خطابه يوم الأحد، القطعة الناقصة إلى لوحة البازل عندما أعلن أنه سيطالب بأن تكون جنوب غرب سوريا، من دمشق جنوبا، منطقة منزوعة السلاح.
وتشكلت هذه الاستراتيجية، بالدرجة الأولى، نتيجة لاستخلاص الدروس المستفادة من إخفاقات ما حدث في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وكان الهدف منها في المقام الأول توفير الأمن لسكان المستوطنات الحدودية في الجنوب، وفي الشمال، وعلى الحدود السورية.
وتميز الاستراتيجية بين الحدود مع الدول التي لدينا سلام معها، أي مصر والأردن، وبين الحدود التي تشكل خطراً مباشراً وتهديداً نشطاً لمواطني دولة إسرائيل، في المستوطنات الحدودية وتلك التي لا تبعد سوى بضعة كيلو مترات عن الحدود.
الاستراتيجية على الحدود التي تشكل خطراً: نظام دفاع بري ثلاثي الطبقات
منطقة حدودية عازلة
على الحدود التي لا تزال تشهد حرباً نشطة أو شبه نشطة، أي على حدود قطاع غزة، وعلى الحدود مع لبنان، وعلى مرتفعات الجولان، سيكون هناك منظومة دفاع برية ثلاثية الطبقات. وستكون أولى طبقات هذه المنظمة الدفاعية داخل الأراضي الإسرائيلية، إنشاء منطقة عزل حدودي تتكون من مواقع عسكرية ثابتة مع حواجز وعوائق برية بما في ذلك سياج و/أو جدار، وأجهزة استشعار مختلفة لمراقبة الحدود، فضلاً عن إنشاء شبكة من طرق إمداد سريعة، وتضم قوات الاحتياط، ومعدات من الدفاع الجوي والمدفعية. ومن المفترض أن تكون هذه الطبقة من النقاط والحواجز العسكرية بمثابة منطقة عازلة بين المستوطنات الحدودية والقرى الشيعية ومراكز التجنيد المحتملة لحزب الله في جنوب لبنان.
وفي قطاع غزة، ستكون هناك منظومة ذات خصائص مشابهة، تكون حاجزاً بين أراضي القطاع ومستوطنات غلاف غزة، ولكن سيتم استبدال معسكرات القوات على الحدود بمواقع عسكرية حصينة قادرة على حماية محيطها والتصدي لمحاولات الاقتحام، وتمتع بجاهزية حتى من دون أي تحذير استخباراتي.
أما على الحدود مع سوريا، هناك بالفعل منطقة عازلة مكونة من مواقع ومعوقات عسكرية مع مرتفعات الجولان السورية، وهناك مواقع دفاعية مأهولة تقع داخل الأراضي الإسرائيلية.
إنشاء مواقع عسكرية خلف الحدود
في حين، ستكون الطبقة الثانية من المنظومة الدفاعية داخل أرض العدو، في كل المناطق الحدودية الثلاث، وستكون جزءا من “الدفاع الأمامي أو المتقدم” بهدف التصدي للتهديدات قبل حدوثها، تشبه تلك التي كانت قائمة في المنطقة الأمنية في جنوب لبنان، منذ عام 1984 حتى انسحاب الجيش الإسرائيلي وجيش لبنان الجنوبي (جيش لحد) في أيار/مايو 2000.
في قطاع غزة هذا يعني أن وجوداً للجيش الإسرائيلي، بطريقة أو بأخرى، في المنطقة الأمنية الحدودية (الشريط الأمني) الذي يقع داخل أراضي القطاع. ولكن لا يزال من غير الواضح مدى عمق هذه المنطقة العازلة وحجم انتشار الجيش فيها، والتي تهدف إلى منع الفلسطينيين من الاقتراب من السياج. هذا أمر متروك لمفاوضات المرحلة الثانية من صفقة تبادل الأسرى الحالية، والتي ستناقش بشكل أساسي الترتيبات الأمنية في المنطقة الأمنية، والتي تعد منطقة دفاع أمامية. وكانت إسرائيل قد أوضحت بالفعل أنها ستطالب بحقها في العمل ضمن هذه المنطقة الأمنية، سواء كان ذلك عبر وجود دائم، أو من خلال الدوريات البرية، والطلعات الجوية، وما شابه ذلك.
في لبنان، تطبق إسرائيل عملياً الآن نظام دفاعي أمامي داخل الأراضي اللبنانية من خلال 5 نقاط متقدمة على طول الحدود تقع في مناطق خاضعة لسيطرتها. وفيها قوى فصائلية، وتقول إسرائيل إنها ستنسحب من هذه المواقع مع زوال خطر التهديدات الأمنية من جنوبي لبنان إلى الأراضي الإسرائيلية.
وفي مرتفعات الجولان، قوات الجيش الإسرائيلي التي دخلت المنطقة العازلة واستعدت للبقاء فيها بشكل مؤقت تواصل توفير مهمة الخط الدفاعي الأمامي لمستوطنات مرتفعات الجولان ولسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان. والجدير بالذكر تقع المنطقة العازلة شرقي الحدود مع إسرائيل، وهي مصممة لتكون خالية من أي وجود عسكري، إسرائيلي أو سوري، وتشكل حاجزاً جغرافياً برياً بين السوريين وبيننا، لن يتجاوزه إلا من كانت لديه نوايا هجومية.
أنشئت هذه المنطقة العازلة في اتفاقيات وقف إطلاق النار مع سوريا عام 1974، والآن، بعد الإطاحة بنظام بشار الأسد على يد منظمة هيئة تحرير الشام الجهادية “HTC”، سارعت إسرائيل إلى دخول المنطقة العازلة والاستيلاء عليها بهدف إنشاء نظام دفاع أمامي لحماية المستوطنات في مرتفعات الجولان لم يكن موجوداً من قبل.
إن هذه الطبقة (الثانية)، كما هو الحال في لبنان، تتكون في المقام الأول من نقاط مراقبة في مواقع خاضعة للسيطرة الإسرائيلية وتقع في نطاق عمل الدوريات العسكرية، ولكن على عكس جنوبي لبنان، فإن الجيش الإسرائيلي في هذه المنطقة لديه اتصالات مع السكان، كما أن الوجود على قمة جبل الشيخ السوري له قيمة استخباراتية وعملياتية مهمة.
الجديد.. نزع السلاح
أما الطبقة الثالثة، هي الابتكار الحقيقي، وتتمثل بالعمل على نزع السلاح من المناطق التي تشكل تهديداً لإسرائيل.
ففي قطاع غزة، أعلن رئيس الوزراء نتنياهو أن أي تسوية لإنهاء الحرب يجب أن تشمل ليس فقط إعادة الرهائن الإسرائيليين والقضاء على الحكم المدني والعسكري لحماس، بل يجب أيضاً نزع السلاح من القطاع.
“نزع السلاح” هو مصطلح عام، ويختلف من منطقة إلى أخرى حسب الترتيبات الأمنية لنزع السلاح، إما أنه لن يكون هناك أي أسلحة على الإطلاق أو السماح بالأسلحة الخفيفة مثل الأسلحة الشخصية وبنادق الكلاشينكوف والمسدسات، وربما حتى الرشاشات التي تستخدمها الشرطة لتطبيق القانون، ولكن الأسلحة الهجومية مثل القذائف والصواريخ أرض – أرض وقذائف الهاون والصواريخ المضادة للدبابات وقاذفات آر بي جي، وبالطبع المركبات القتالية المدرعة مثل الدبابات وناقلات الجنود المدرعة أو السفن الحربية والقوارب والطائرات من دون طيار، وما إلى ذلك، ستكون محظورة كل الأسلحة التي يمكن إطلاقها فعلياً إلى الأراضي الإسرائيلية وتسبب لنا إصابات.
في إطار اتفاقيات السلام مع مصر، واتفاقية “فض الاشتباك” مع سوريا في 1974، تم تقييد انتشار القوات والسلاح في المناطق التي خضعت للترتيبات الأمنية وقتها، أي أنه مسموح بوجود الدبابات حتى عدد معين، ويحظر تحليق الطائرات المقاتلة، ويحظر وجود المدافع وقذائف الهاون فوق عيار معين، وهكذا. وبالتالي فإن قضية نزع السلاح قضية قابلة للتفاوض ومعقدة، وعندما نتحدث عن نزع السلاح فإن الشيطان يكمن في التفاصيل.
وتنطبق القاعدة نفسها أيضاً على جنوبي لبنان. في واقع الأمر، تطالب إسرائيل بأن تكون منطقة جنوبي لبنان، من الليطاني جنوباً وشرقاً، خالية من الصواريخ والقذائف من كل الأنواع: الصواريخ المضادة للدبابات، وطائرات من دون طيار، وقذائف هاون، وطائرات من دون طيار كبيرة الحجم. وبطبيعة الحال، تطالب إسرائيل أيضاً بعدم السماح لعناصر حزب الله بالتجول مسلحين في المنطقة الواقعة جنوبي الليطاني، حتى ولو بأسلحة خفيفة. ومن المفترض أن يقوم الجيش اللبناني بتنفيذ هذا الأمر، وفي حال فشل في مهمته سيتكفل الجيش الإسرائيلي بتنفيذها. ولكن في لبنان يعمل الجيش الإسرائيلي على مسافات بعيدة عن الحدود داخل العمق اللبناني، تصل لأكثر من 100 كيلومتر، بحيث يصبح لبنان منزوع السلاح من الصواريخ والقذائف الثقيلة والدقيقة بشكل خاص، والتي يمكن أن تلحق أضراراً كبيرة في العمق الإسرائيلي.
وفي سوريا، قال رئيس الوزراء صراحة أنه يطالب بنزع السلاح في هضبة الجولان السورية من الحدود مع الأردن جنوباً إلى منطقة السويداء شرقاً، المعروفة لدينا بجبل الدروز. في هذه المنطقة، يطالب نتنياهو بإخلائها من قوات المنظمة الجهادية التي تسيطر على سوريا في الوقت الراهن، والتي هي في الأساس نموذج أكثر حداثة من تنظيم القاعدة، وإخلاء ما يسمى “الجيش السوري الجديد”، والذي هو في الأساس أعضاء في نفس التحالف من المنظمات الإسلامية المسلحة التي انضمت إلى هيئة تحرير الشام وزعيمها أحمد الشرع “الجولاني”.
وتحاول هيئة تحرير الشام الآن إقناع العالم بأنها، على الرغم من كونها منظمة إسلامية، تسعى إلى السلام وإقامة علاقات جيدة مع دول الجوار والعالم بشكل عام. والشرع الذي استبدل ملابسه العسكرية المموهة ببدلة وربطة عنق، يحاول الآن إقناع العالم بأن كل اهتمامه منصب على إعادة بناء سوريا من أنقاض الحرب الأهلية، والقضاء على إرث الحكم الاستبدادي لعائلة الأسد والأقلية العلوية. ويؤكد صراحة أنه يريد علاقات جوار خالية من العنف مع إسرائيل، لكنه لا يتحدث عن السلام (التطبيع).
الخوف من النزعة الجهادية
تهيمن تركيا على خلفية الأحداث في سوريا، فالأتراك هم الداعمون الرئيسيون للجولاني وجماعته، ولكنهم لا يسيطرون عليهم. وتخشى إسرائيل من ظهور متلازمة “القط ذو الحذاء” في سوريا، وهذا يعني أنه لن يكون بعيداً اليوم الذي يعود فيه الجهاديون، الذين ارتدوا البدلات وتحدثوا باسم دولة محبة للسلام، إلى كونهم قوة جهادية إسلامية تحت ستار “الجيش السوري الجديد” على حدودنا.
علاوة على ذلك، هم يهددون أبناء الطائفة الدرزية الذين يقطنون في منطقة السويداء، ويشعر إخوانهم في إسرائيل بالقلق مما سيحدث في المستقبل. في الوقت الحالي يحاول أحمد الشرع تهدئة الدروز وضمهم إلى نظامه، ولكن بما أنهم أقلية تختلف عن التنظيمات السلفية التي تشكل هيئة تحرير الشام، فإن الدروز مهددون، ولإسرائيل مصلحة في حمايتهم. ولذلك، أوضح نتنياهو في كلمته في حفل تخريج دورة ضباط أن إسرائيل تطالب بإجلاء المنطقة في جنوبي دمشق، والتي تضم القنيطرة ودرعا الحدوديتين مع إسرائيل والسويداء التي تقع شرقهما وفيها يعيش الدروز، من عناصر هيئة تحرير الشام أو الجيش السوري الجديد، فهي سيدة جهادية بلباس حديث.
عندما سألتُ عن معنى الحظر المفروض على دخول الجيش السوري الحر وأعضاء هيئة تحرير الشام إلى المنطقة الواقعة جنوب دمشق، أوضح لي مسؤول أمني كبير أن إسرائيل تريد في الواقع نزع السلاح من هذه المنطقة، ولكن ليس فقط من وجود الأسلحة الثقيلة والصواريخ والقذائف والطائرات من دون طيار، ولكن بشكل أساسي من وجود الإسلاميين، الذين قد يحاولون تنفيذ هجوم على الحدود السورية على غرار هجوم 7 أكتوبر المميت.
في الواقع، يهدف مفهوم الدفاع ثلاثي الطبقات هذا إلى حماية إسرائيل من الإسلام المتطرف في قطاع غزة وجنوبي لبنان، وكذلك في سوريا. والتهديد المحتمل لإسرائيل في كل هذه المناطق هم الجهاديون الشيعة والسنة، وتعتقد إسرائيل أنهم سيظلون يشكلون خطراً حتى بعد تسويات “اليوم التالي” في سوريا ولبنان وقطاع غزة. ستواصل إيران الشيعية دعم الميليشيات التي قد تأتي إلينا بسرعة من الأراضي العراقية، وقد تدعم تركيا الميليشيات الجهادية لهيئة تحرير الشام. التي ستأتي إلينا من وسط سوريا وشمالها، ولا داعي للحديث عن حماس في غزة.
ومن المفترض أن توفر هذه الطبقات الثلاث من الدفاع لسكان شمالي وجنوبي وشرقي إسرائيل الحماية من شكلين من الهجوم: الهجوم البري أو التسلل إلى داخل الأراضي الإسرائيلية، والقصف المباشر، كما كانت الحال في الجبهة الشمالية وإلى حد ما في منطقة غلاف غزة.
ولكن عملياً، يعتمد مفهوم حماية الحدود على طبقة رابعة، وهي القدرات الاستخباراتية والجوية لدولة إسرائيل. ومن أبرز دروس السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 جاهزية القوات الجوية ويجب أن تكون حاضرة في الميدان، وأن تكون جزءا لا يتجزأ من الدفاع الحدودي الجديد.
ما فرص تنفيذ هذه الاستراتيجية؟
من المؤكد أن هذه الاستراتيجية تتمتع بمزايا أمنية وعسكرية واضحة، ولكن السؤال المهم هل سيتم تنفيذها، ومتى؟
في سوريا، على سبيل المثال، أوضحت إسرائيل للأتراك والحكام الجدد في دمشق، عبر وسطاء، أنها لا تنوي البقاء بشكل دائم في المنطقة العازلة والحفاظ على دفاع أمامي هناك إذا كانت هناك ترتيبات أمنية دائمة، والتي قد تضمنها تركيا أيضاً.
وفي لبنان، في الواقع، من المفترض ألا يكون النظام الدفاعي الحالي موجوداً، وتقول إسرائيل إنها ستزيل مراكز السيطرة والمراقبة، إذا تبين أن الجيش اللبناني سيطر بالفعل بشكل فعال ومستمر وكامل على المنطقة الواقعة جنوبي الليطاني.
مطلب إسرائيل الأساسي هو تفكيك حزب الله ونزع سلاحه بشكل كامل، على الأقل جنوبي الليطاني، ولكنها ترغب قي تطبيق استراتيجية حماية الحدود، وهي تملك الفرصة لتحقيق ذلك، ولكن عقدة الحل لدى إدارة ترمب.
على خلاف عهد إدارة بايدن أو أوباما، لم يكن لدى إسرائيل أي احتمال لعرض هذه الرؤية العسكرية على الإدارة الأميركية، ولكن في عهد ترمب، فإن الفرصة ممكنة.
“حدود السلام”.. الرؤية الدفاعية على الحدود مع مصر والأردن
لن تكتمل صورة مفهوم حماية الحدود من دون توضيح ما سيحدث على الحدود مع مصر والأردن، على الرغم من وجود اتفاقيات سلام مع القاهرة وعمان، فإن لدى إسرائيل نية في زيادة نشر أنظمة دفاعية مادية مع “حدود السلام” أيضاً، تشمل إنشاء مواقع عسكرية وحواجز “سياج أو جدار فولاذي”، ووسائل المراقبة وجمع المعلومات الاستخبارية من جميع الأنواع. الدفاع عن هذه الحدود سيتم داخل أراضينا، وعلى الحدود الشرقية، أي مع الأردن بالأساس، سيتم إنشاء فرقة “جلعاد”. وسيكون دورها الرئيسي في الوقت الحاضر منع التهريب من الحدود الأردنية، التي أصبحت تشكل الصداع الرئيسي في الضفة الغربية، لكن هذه الفرقة ستكون مستعدة أيضاً لاحتمال التهديدات البرية من الشرق.
وحتى على الحدود المصرية، التي هي أقصر من الحدود الأردنية، ستكون هناك حماية مختلفة لنفس الأهداف بالضبط، رغم أن شبه جزيرة سيناء على الحدود المصرية توفر تحذيراً وعمقاً استراتيجياً أفضل من الحدود الأردنية، المعرضة للتسلل من محور المقاومة الشيعية من الشرق.
التكاليف
إن منظومة الدفاع الحدودية الجديدة، إذا نجحت إسرائيل في إنشائها بدعم من الحكومة الأميركية في الجبهات الثلاث، سوف توفر حماية جيدة للمستوطنات الحدودية وتلك القريبة من الحدود، ولكنها ستكون باهظة الثمن. وسوف يتطلب هذا التشكيل ما لا يقل عن 7 أو 9 ألوية مشاة ومدرعات تكون متمركزة بشكل دائم على الحدود، وكمية هائلة من الوسائل التكنولوجية وأجهزة الاستشعار وبطاريات الاعتراض والطائرات من دون طيار، فضلاً عن قوة جوية مجهزة خصيصاً لمهام الدفاع عن الحدود، ومنع التسلل، والتعامل بسرعة مع الهجمات غير المتوقعة على الأراضي الإسرائيلية أو الاقتراب منها.
وتتطلب ما لا يقل عن 10 آلاف مقاتل ومقاتلة، فضلاً عن ميزانية مالية كبيرة للغاية. ويجب أن نأخذ في عين الاعتبار أيضاً أن نظام حماية الحدود هذا لن يحظى بشكل تلقائي على الشرعية الدولية من العالم أجمع، وحتى لو دعم ترمب إنشائه، ومن غير المؤكد أن تمنح الدول الأوروبية والصين وروسيا وتركيا الشرعية لإسرائيل لنشر هذا النظام.
وأخيرا، فإن منظومة الدفاع الأمامي سوف تنكشف وستصبح بعد فترة زمنية معينة هدفا لهجمات من قبل حزب الله أو المسلحين من قطاع غزة، سواء كانوا من حماس أو مجموعات مسلحة أخرى، وسوف يحدث الشيء نفسه في مرتفعات الجولان. إن نقاط المراقبة والسيطرة في لبنان، والشريط الأمني في قطاع غزة، وربما قد نواجه في هضبة الجولان السورية أيضاً حرب عصابات ومجموعات إرهابية، على غرار ما حدث في الشريط الأمني في جنوبي لبنان. ولذلك، يتعين على إسرائيل أن تستكمل أنظمة دفاعها البرية مع الاحتفاظ بجاهزية قدراتها الجوية، إلى حين التوصل إلى اتفاقيات وترتيبات نهائية.
——————————-
“مشروع حماية الدروز”: حرب نتنياهو على الدولة السورية الجديدة/ شادي علاء الدين
2025.02.27
تسعى إسرائيل تحت قيادة بنيامين نتنياهو وفي خضم التحولات السياسية والعسكرية التي تشهدها سوريا بعد سقوط نظام بشار الأسد، إلى إعادة صياغة معادلات السطوة في الجنوب السوري عبر مشروع “حماية الدروز”، الذي يشكل في جوهره محاولة ممنهجة لإنشاء حزام أمني جديد داخل الأراضي السورية، على غرار ما حاولت إسرائيل فرضه في جنوبي لبنان خلال فترة الاحتلال عبر “جيش أنطوان لحد”.
تمتد المناطق التي يشملها مشروع نتنياهو من الجولان المحتل إلى محافظة القنيطرة، ثم درعا والسويداء، وصولاً إلى جنوبي دمشق وريفها. هذه الرقعة الجغرافية تمثل أهمية استراتيجية لإسرائيل لعدة أسباب، أولها أنها تشكل حاجزاً طبيعياً أمام أي امتداد عسكري سوري اتجاه الحدود، وثانيها أنها ترتبط مع شبكة طرق حيوية تربط سوريا بالأردن، مما يمنح إسرائيل قدرة على السيطرة على أهم المنافذ التجارية الأساسية لسوريا الجديدة، وثالثها أن هذه المناطق، بحكم طبيعتها الديمغرافية، تمكنها من اللعب على المخاوف الطائفية والمناطقية.
تمتلك إسرائيل خبرة واسعة في توظيف الأقليات الدينية والطائفية لمصلحتها، ولا تكتفي بتوظيف هذا المشروع في سوريا، بل تحاول تعميم نموذج “الحزام الأمني” على أكثر من جبهة.
ويستند المشروع الإسرائيلي في سوريا على فكرة الحماية الظاهرية للدروز، لكنه يهدف في عمقه إلى فرض واقع جديد.
تل أبيب تدرك أن نجاحها في إقامة حزام أمني في جنوبي سوريا سيوفر لها ثلاث فوائد أساسية: الأولى هي ضرب سلطة الدولة السورية الجديدة، عبر منعها من بسط سيادتها على كامل أراضيها، والثانية هي تأمين حدودها مع سوريا بأقل كلفة عسكرية ممكنة، من خلال الاعتماد على قوات محلية بديلة، والثالثة هي تعزيز نفوذها الإقليمي عبر فرض معادلات ميدانية تفرض لاحقاً على المجتمع الدولي التعامل معها كأمر واقع.
الرفض الشعبي لهذا المشروع في الجنوب السوري كان واضحاً منذ اللحظة الأولى. الدروز، الذين عانوا من تهميش كبير من قبل النظام السوري الأسدي لا يرون في إسرائيل خياراً يمكن الوثوق به. معظم القوى الدرزية، رغم خلافاتها الداخلية، تدرك أن الانخراط في المشروع الإسرائيلي سيضعها في مواجهة مباشرة مع باقي المكونات السورية، وسيفتح الباب أمام صراعات دموية.
الرفض الشعبي لا يعني أن إسرائيل ستتراجع عن مشروعها بسهولة. حكومة نتنياهو تراهن على أمرين: الأول هو الضغط الاقتصادي، حيث تعيش مناطق الجنوب السوري أوضاعاً صعبة والثاني هو التحركات السياسية، حيث قد تحاول فرض واقع مستجد من خلال دعم شخصيات درزية موالية لها، والسعي إلى تقديمها كبديل عن القيادة التقليدية للدروز.
الدولة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع التي تحاول إنشاء بنية مؤسساتية محكمة كانت الحرب قد دمرتها، تدرك أن إبداء أي تساهل مع المشروع الإسرائيلي سيفقدها السيطرة على الجنوب نهائياً، لكن في الوقت ذاته، فإن قدرتها على المواجهة العسكرية المباشرة محدودة، نظراً للضغوط الاقتصادية والدولية التي تواجهها. السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن تعمل دمشق على تعزيز وجودها غير المباشر في الجنوب، عبر استقطاب الفصائل المحلية، ومحاولة بناء تحالفات مع القوى البارزة الرافضة للمشروع الإسرائيلي والضغط من خلال المسارات الدولية والإقليمية.
ولا يتوقع أن تنظر الولايات المتحدة تحت ظل إدارة ترمب بعين الرضا الكاملة إلى مثل هذا المشروع، لأنها تسعى إلى الإنهاء السريع للصراعات المندلعة في المنطقة للتفرغ للعناوين الأكثر أهمية بالنسبة لها، والمتعلقة بفرض سطوة تكنولوجية اقتصادية على العالم. وتاليا فإن المشروع الإسرائيلي بما يتوقع أن يستجره من توترات وصراعات مفتوحة ومستمرة لا ينسجم في آفاقه المتوقعة مع المسار الأميركي، لذا قد تجد حكومة نتنياهو صعوبة في إقناع الحكم الأميركي الجديد بدعمه.
إسرائيل، وفي حال السير بخطوات تنفيذية، ستخوض هذه المغامرة بمفردها في مواجهات تكتلات من المصالح الدولية والإقليمية والمحلية التي تتعارض معها بدرجات متفاوتة من الشدة.
وتتصدر روسيا قائمة الدول المتضررة من طموحات إسرائيل في الجنوب السوري وهي دولة لا تزال تمتلك نفوذا كبيرا وفاعلا في سوريا، ويرجح أن يزداد مع حسم الحرب الأوكرانية لصالحها عبر مفاوضات لا يمتلك فيها الطرف الأوكراني عناصر قوة في ظل انكفاء الدعم الأميركي.
إيران من جهتها قد تجد في هذا المشروع فرصة لإعادة تعزيز نفوذها المتهالك، عبر تفعيل عنوان مواجهة المخططات الإسرائيلية، مما قد يفتح الباب أمام صراع جديد بالوكالة بين طهران التي تسعى للدفاع عن حضورها في سوريا، وإسرائيل التي تبذل جهودا كبيرة في محاولات تصفية الوجود الإيراني في دمشق ومحاولات تهريب السلاح إلى حزب الله في لبنان.
وكذلك فإن فكرة فرض المشروع بالقوة العسكرية دونه محاذير كثيرة فالواقع السوري الجديد لا يتطابق مع الظروف الفلسطينية واللبنانية لناحية فرض واقع جديد عبر النار، لأن نتنياهو لن يجد نفسه في مواجهة سلطة محلية وحسب، ولكنه سيدخل في مواجهة مع شبكات مصالح كبرى ترعاها دول وازنة.
من هنا فإن مشروع “حماية الدروز” الذي يروج له نتنياهو يهدف إلى فرض واقع إسرائيلي جديد في سوريا، و في لبنان أيضاً، عبر إنشاء أحزمة أمنية تخدم مصالح إسرائيل على المدى الطويل. لكن هذه الاستراتيجية، تحمل في طياتها مخاطر كبيرة إذ إنها قد تؤدي إلى تقسيم المنطقة وتفتيتها وتعطيل مشاريع السلام كما ستعطي حجة متينة لنشوء أنواع جديدة من الاعتراض المسلح على الوجود الإسرائيلي يرجح أن تكون أكثر راديكالية وتشددا.
كل ذلك من شأنه أن يخلق واقعاً متفجرا تصعب السيطرة عليه وإدارته في مواجهة معادلات سلطة سورية جديدة تطرح عنوان وحدة الأراضي السورية كعنوان عام لشرعيتها، ومشاريع عربية تطرح الحلول العادلة للقضية الفلسطينية وضبط الأوضاع في لبنان والمنطقة عموما كشروط أساسية للسير في عملية السلام.
تلفزيون سوريا
—————————
خيارات دمشق للتعامل مع الخطط الإسرائيلية؟/ عدنان علي
2025.02.26
تكشف تصريحات رئيس وزراء دولة الاحتلال نتنياهو ووزير دفاعه كاتس بأن إسرائيل ستحتفظ بوجودها العسكري في المناطق التي احتلتها داخل سوريا، وستمنع دخول الجيش السوري الجديد إلى محافظات القنيطرة ودرعا والسويداء، بعض ملامح المخطط الإسرائيلي حيال سوريا.
والواقع أن العقيدة الإسرائيلية، وهي قديمة لكنها تبلورت بعد حرب غزة، تقوم على العمل الوقائي الاستراتيجي، بمعنى التعامل مع الأخطار التي تهدد إسرائيل حتى بعد عقود، والتأسيس لوقائع جديدة تجهض هذه المخاطر.
وترجمة ذلك على الأرض، أن على إسرائيل احتلال مناطق من دول الجوار بذريعة حماية أمنها على المدى الطويل، سواء في سوريا أم لبنان أم غزة وغيرها، حالما تتاح لها فرصة. وترى إسرائيل إن الفرصة مواتية اليوم في سوريا لتطبيق هذه الخطط، بسبب المرحلة الانتقالية التي تمر بها، وضعف الحكومة في دمشق.
تقسيم سوريا
وطبعاً تحت هذه الذرائع الأمنية، ستعمل إسرائيل في مراحل لاحقة على دعم انفصال هذه المناطق عن سوريا، ووضعها تحت الحماية الإسرائيلية، وصولاً إلى اقتناص اللحظة المناسبة لضمها لإسرائيل.
ووفق مصادر عدة، فإن إسرائيل تعول على بعض القوى ذات النفس الانفصالي في جنوب البلاد وشمالها الشرقي، حيث جرى مؤخرا الإعلان عما سمي “المجلس العسكري” الذي ينشط في بعض مناطق ريف السويداء الجنوبي، ويقوده المدعو طارق الشوفي، وهو ضابط منشق عن قوات الأسد، عمل مع تجمعات سياسية تطالب بنظام حكم لا مركزي في سوريا، ولديه تنسيق مع قوات “قسد” في شمال شرقي البلاد. ويبدو أن تصريح نتنياهو “لن نسمح لأي تهديد على الطائفة الدرزية في جنوب سوريا”، كان يستهدف تقديم رسالة دعم لمثل هذه القوى، على خلفية امتداد الطائفة داخل الأراضي المحتلة. كما تحاول قوات الاحتلال أيضاً منذ فترة مد جسور مع الأهالي في المناطق الحدودية خلال توغلاتها المتكررة عن طريق عرض تقديم مساعدات، وهو ما لاقى رفضاً شعبياً كبيراً.
العلاقة بين إسرائيل وقسد
وبالنسبة لقوات “قسد”، تشير صحف إسرائيلية إلى أن مسؤولين كباراً في “قسد” طلبوا المساعدة من إسرائيل بسبب شعورهم بتهديد مستقبل حكمهم بعد الإطاحة بنظام الأسد. وترى قسد أن العلاقة مع إسرائيل فرصة استراتيجية تُتيح لها الحصول على دعم سياسي وربما عسكري من دولة فاعلة في المنطقة، ولها علاقات خاصة مع حليفها الأميركي، في مواجهة الضغوط المستمرة من تركيا والفصائل السورية. وفي المقابل، تحاول إسرائيل أن يكون له موطئ قدم في سوريا عبر الذرائع الأمنية وتحت حجة حماية الأقليات، بينما هدفها الحقيقي تقسيم سوريا عرقياً وإثنياً، مع حرمانها من الموارد النفطية والغازية، إضافة إلى العمل ضد المصالح التركية خاصة في ظل التوترات المستمرة بين الجانبين.
غير أن تطور العلاقة بين الطرفين، وخروجها للعلن، محفوف بالمخاطر بالنسبة لقسد لأن من شأن ذلك أن يثير عليها نقمة شعبية محلية عربية وحتى كردية، إضافة الى استفزاز تركيا التي قد تصعد استهدافها لقسد، وهو ما قد يدفع واشنطن إلى فرملة العلاقة بين الجانبين، أو على الأقل عدم ظهورها للعلن.
الخيارات المتاحة
فضلا عن التوغلات شبه اليومية، وعمليات القصف، تشير صور أقمار صناعية إلى إنشاء جيش الاحتلال سبع قواعد عسكرية داخل المنطقة العازلة في سوريا، عند الحدود مع الجولان المحتل، إضافة الى منطقتين على سفوح جبل حرمون.
ويرى البعض، أن الإدارة الجديدة في دمشق لم تتعامل بالجدية الكافية مع هذه المخاطر الإسرائيلية، واستكانت لوهم أن إبداء النية الحسنة تجاه إسرائيل يكفي لاتقاء شرها، في حين أن إسرائيل تعمل وفق حساباتها الخاصة على المدى البعيد، ولا تلتفت لأية مبادرات ودية قادمة من دمشق.
ومن هنا، يصح القول أن على الإدارة في دمشق تصعيد اهتمامها بما يجري على الحدود مع فلسطين المحتلة سياسياً وأمنياً وديمغرافياً من خلال حشد الموقف الإقليمي (التركي خصوصاً) والدولي، ومن خلال إرسال تعزيزات الى تلك المناطق، ودعم صمود السكان المحليين وتبديد إحساسهم بأنهم متروكون وحدهم في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية. كما يجب على القوى الوطنية في محافظتي السويداء ودرعا، وهم الغالبية، الانخراط الفوري في الجيش السوري الوليد، وفي الدولة السورية، وتأكيد استعدادهم لقتال أي جيش محتل مع بقية إخوتهم في الوطن.
أما الإدارة في دمشق، فيمكن تفهم موقفها المتمثل في محاولة عدم التصادم مع جيش الاحتلال في ظل الاختلال بموازين القوى، وفي وقت تنهمك فيه بترتيب الوضع الداخلي الصعب في البلاد، لكن البعض يرى أن الإدارة لا تقوم بكل ما يمكنها القيام به بعيداً عن المواجهة العسكرية، مثل تعزيز وجودها الأمني والإداري والخدمي في كل مناطق محافظة القنيطرة، والمساندة المادية والمعنوية والسياسية للسكان المحليين، بغية تصعيب الوضع أمام التوغلات الإسرائيلية التي تتم اليوم بكل سهولة وفي الوقت الذي تريده إسرائيل.
الخلل الديمغرافي في القنيطرة
وخلال جلسات الحوار الوطني الأخيرة، طالب بعض أهالي القنيطرة النازحين خارج محافظتهم ببناء مساكن لهم على أرض المحافظة بغية تعزيز الوجود السكاني فيها، بما يقطع الطريق على الأطماع الإسرائيلية في تلك المناطق التي تنظر للقنيطرة بوصفها منطقة شبه فارغة نظراً لقلة سكانها الحاليين، حيث لا يتجاوز عددهم اليوم 100 ألف نسمة.
والواقع أن حكم آل الأسد أسهم في جعل محافظة القنيطرة هشة ديمغرافياً من خلال تركها خالية تقريباً من السكان خلال العقود الخمسة الماضية، مع وجود أكثر من نصف مليون نازح من الجولان المحتل يعيشون في ظروف مزرية في محافظات دمشق وريفها ودرعا، بينما كان الأجدر إعادة إسكانهم بما هو محرر من محافظتهم، وهذا ما يجب أن تعمل عليه الحكومة الجديدة.
وكان تعداد سكان القنيطرة قبل احتلال إسرائيل أجزاء منها عام 1967 نحو 350 ألف نسمة، نحو 154 ألفاً منهم كانوا يقيمون في منطقة الجولان التي خضعت للاحتلال بالكامل، وجرى تهجير معظم سكانها، وقسم من سكان القنيطرة، وبقي في الجولان نحو 7 آلاف شخص في القرى “الدرزية” الخمس، وارتفع عددهم اليوم إلى نحو 20 ألفاً، في حين وصل عدد النازحين من الجولان والقنيطرة إلى نحو 600 ألف شخص، موزعين اليوم على محافظات درعا وريف دمشق والقنيطرة، وما زال بعضهم يعيش في مخيمات. وقد استعادت سوريا مساحة 60 كيلومتراً مربعاً تضم مدينة القنيطرة وجوارها وقرية الرفيد في إطار اتفاقية “فض الاشتباك” عام 1974، وعاد إلى هذا الجزء بعض سكانه، باستثناء مدينة القنيطرة التي ما زالت مدمرة.
ورغم أن سياسات المواجهة مع إسرائيل، ترتبط في الوعي الشعبي السوري بسياسات النظام السابق، وتحالفاته مع إيران، وليس لها تالياً رصيد شعبي كبير، غير أنه ينبغي التمييز بين متاجرة نظام الأسد بشعارات المقاومة، والخطر الإسرائيلي الذي هو حقيقة ماثلة، لا ينفع معها دفن الرأس في الرمال، بل لا بد من بلورة سياسة أمنية وعسكرية وسياسية وخدمية متكاملة للتعامل الفعال مع هذه التهديدات.
تلفزيون سوريا
—————————-
ترتيبات أمنية.. من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط/ صهيب جوهر
2025.02.27
لم يستطع حزب الله رغم كل الاستعراضات الجماهيرية في الشارع يوم تشييع أمينه العام حسن نصر الله، في توجيه أية رسالة مهمة من خلال الحشود الشعبية الكبيرة التي حضرت، والتي أرادها الحزب استفتاء شعبياً لفرضها كوقائع سياسية في الداخل في ظل الانكسارات التي تعرض لها خلال الأشهر الماضية على المستويين العسكري والأمني، لكن ثمة رسائل أخرى تحمل أبعاداً أكبر ظهرت في التشييع. وأبرز تلك الرسائل جاءت من خلال التواجد الإيراني الرفيع، والتي سرعان ما رد عليها الإسرائيلي بخرقه الأجواء فوق الحشود.
فيما تابعت القوى الإقليمية المتعددة الحضور الإيراني رسالة إيرانية مفادها أن الحرب الإسرائيلية وسقوط النظام السوري لم تنجحا في إخراج إيران من اللعبة اللبنانية، وأن الحضور الإيراني متجذر في لبنان بانتظار تطورات جديدة تسمح له بإعادة ترميم القوة ومراكمتها من جديد، فيما كل التطورات الجنوبية تعطي مؤشرات لموقف إسرائيلي مفاده أنه لا عودة عسكرية لما قبل 17 أيلول 2023.
فرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، وعلى الرغم من وقف إطلاق النار إن في لبنان أو حتى في قطاع غزة، لا يزال يرسل الإشارات إلى أن المشروع الذي يحمله للمنطقة، لا يزال مستمراً، خصوصاً أن عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض أعطت دفعاً قوياً لطموحات الرجل، خصوصاً بعدما ظهرت التوافقات بين الرجلين خلال الزيارة الأخيرة لنتنياهو إلى الولايات المتحدة.
وإذا كانت حرب غزة قد فتحت الباب أمام حرب لبنان وسقوط نظام بشار الأسد والاندفاع في اتجاه تغيير المعادلة والتوازن في المنطقة، فإن حرب أوكرانيا فتحت بدورها شهية ترامب لإنجاز تغييرات كبرى ستطول العلاقة مع روسيا والركائز التي قامت عليها العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي.
فيما أفصح ترامب ونائبه عن الأهداف التي يسعى إليها البيت الأبيض. فخلال مؤتمر ميونخ للأمن، وجه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس انتقادات لاذعة وقاسية للقادة الأوروبيين بسبب سياستهم حول الهجرة والرقابة القائمة على المعارضة السياسية، والمقصود هنا التضييق القائم على أحزاب اليمين المتطرف، مؤكداً أن واشنطن ستعيد تقييم وجودها العسكري في ألمانيا، وبالتالي تعديل الالتزامات الدفاعية الأميركية، وألمانيا التي تستضيف نحو 35 ألف جندي أميركي ضمن ما يُعرف بالتزامات أمنية أميركية بدأ العمل بها منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية في إطار استراتيجية الردع لمواجهة روسيا، ستضع ألمانيا أمام تحديات وجودية.
وكلام فانس يؤشر إلى أن حقيقة الخلاف مع دول أوروبا الغربية ليس اقتصادياً واجتماعياً كما يظهر، بل سياسي. ويبدو أن التغيير السياسي في الدول الأوروبية بدأت بوادره بالظهور. فأولى مؤشرات الاندفاعة الأميركية مع ترامب أظهرت تقدماً واضحاً لليمين المتطرف في الانتخابات البرلمانية، وهو ما يعني خطورة سياسية ليس فقط في ألمانيا، بل لكل النظام السياسي القائم في دول الاتحاد الأوروبي.
وأهمية الحاصل هو أنه يأتي عقب اتفاق مبهم تم بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين لإغلاق الحرب في أوكرانيا. والأهم أن كل المؤشرات توحي أن بوتين يسعى لتعديل الواقع الجيوسياسي لدول أوروبا، عبر تمتين علاقاته مع كل القوى والأحزاب والتيارات اليمينية في أوروبا، وبدا ترامب وكأنه يميل إلى نسف القواعد القائمة على المستوى الدولي، واستبدالها بتحولات استراتيجية جديدة تقوم على تطرف في الليبرالية الاجتماعية، وهو يعتقد أن روسيا بقيادة بوتين قادرة على أن تساعد في مشروع إعادة تشكيل أوروبا والشرق الأوسط والتنسيق معاً لاحتواء التمدد الصيني.
وزار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف طهران. وتأتي هذه الزيارة في خضم التقارب الحاصل بين واشنطن وموسكو، ما يدفع الإيرانيون للتوجس، في ظل الخشية من أن يؤدي هذا التقارب الأميركي ـ الروسي إلى انعكاسات سلبية على التعاون الاستراتيجي بين روسيا وإيران في الملفات العالقة، ولا بد أن تكون القيادة الإيرانية التي تستعد لمواجهة حملة الضغوط القصوى لترامب، قد ربطت بين وضع إدارة ترامب الأولوية لإنهاء حرب أوكرانيا وإنجاز التفاهمات مع بوتين وترك الملف الإيراني للمرحلة الثانية. ما يعني أن المنطقة ستكون إحدى ركائز التفاهمات الروسية – الأميركية في المرحلة التالية.
لذا كل ما يجري بات يؤشر إلى وجود تفاهمات كبيرة ستطول كل المنطقة، والتي تساهم فيها موسكو في إطار تفاهمات دولية أكبر، لذا لا بد للنظام الإيراني المتخلخل من قراءة المشهد كله بترو، على الرغم من أن المؤشرات الصادرة عن إدارة ترامب تحرص على عدم المس بالنظام القائم في إيران، لكن المتفق عليه هو إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة وإبعاد حزب الله وحلفائه عن الحوض الشرقي للبحر المتوسط وعن مياه الخليج والممرات المائية للتجارة العالمية.
من هنا يمكن تحليل الأداء الإيراني الناعم مع التطورات، وخاصة بعد توقف الحوثيين عن استهداف الممرات البحرية خلال الأسابيع الماضية، وفي لبنان عمد حزب الله إلى إعطاء حكومة نواف سلام الثقة، وهذا ما يفسر عدم حصول تداعيات سياسية بعد أزمة الطائرات الإيرانية، والأهم كانت كلمة الأمين العام للحزب نعيم قاسم، الذي أعلن تمسك الحزب إياه بسقف الدولة واتفاق الطائف والانتقال للمقاومة في السياسة والإعمار.
والأهم هي مرحلة ما بعد الثقة، والمتعلقة بزيارات سيجريها رئيس الجمهورية جوزيف عون إلى السعودية وقطر وسوريا، وعلى الرغم من أن حسابات سياسية لا تزال مفتوحة. فالسعودية لم ترسل بعد أي إشارات توحي بأنها ستدعم مشروع إعادة الإعمار أو أي مشروع آخر متعلق بانتظام الوضع السياسي اللبناني، والتلويح عبر مصادرها المستمرة أنها تحتاج إلى سلوك حكومي جديد يحاكي المطلب المرفوع والقاضي بخروج النفوذ الإيراني من لبنان، وخاصة بعد انهيار حكم الأسد في سوريا.
والحكومة الجديدة والتي لم تبد أي إيجابية بالتعاطي مع دول إقليمية وعربية أخرى، تراقب الضغوط الحاصلة لإتمام الانسحاب الإسرائيلي من التلال الخمسة المشرفة على كل الجنوب، فيما تربط الإدارة الأميركية هذا الوجود بقيام الجيش اللبناني بتفكيك كل البنية العسكرية لحزب الله على امتداد شمال وجنوب الليطاني، لإعطاء جو أمني يدفع المستوطنين للعودة بفترة قليلة.
تلفزيون سوريا
—————————
مخرجات مؤتمر الحوار الوطني كأساس للإعلان الدستوري المؤقت في سوريا/ محمد صبرا
2025.02.27
يتفق فقهاء القانون وفلاسفته على أن الظاهرة القانونية هي الظاهرة الأكثر عقلانية التي تميز الثقافة الإنسانية بشكل عام، فالظاهرة القانونية ظاهرة مصطنعة بشكل قصدي وبنائي لإعادة ترتيب الانتظام العام للأفراد داخل جماعة، ومن ثم تحويل هذه الجماعة لبناء مجتمعي متميز تحكمه جملة من المبادئ المتواضع عليها والمتفق على معياريتها التوجيهية.
من هنا تأتي وجاهة فكرة أن القانون هو ابن الواقع، ينتج عنه وفي نفس الوقت هو الميكانيزم المحرك له والقادر على خلق واقع جديد، وبالتالي فإن أي عمل يهدف لخلق ظاهرة قانونية يجب أن يرتبط بمدى ملائمة هذه الظاهرة القانونية للواقع وأيضاً قدرتها على تجاوز هذا الواقع لخلق ظروف تسهم في تحقيق البناء المجتمعي الجديد، بشكل قصدي وعقلاني ضمن معايير المشروعية والملائمة.
فالحكم على النص القانوني لا يكون من خلال علائقه واشتراطاته الداخلية باعتباره بناء منفصلا عن الوقائع على الأرض، بل الحكم عليه يكون من خلال بحث مدى ملائمته من ناحية، ومن ناحية أخرى الاشتراطات المُحمّل بها والتي تسمح بتجاوز الوقائع المنبثق عنها لإعادة بناء وقائع جديدة.
من خلال هذه المقدمة الضرورية يمكن أن نحدد ماهي الاشتراطات اللازمة لوضع إعلان دستوري مؤقت في سوريا خلال المرحلة الانتقالية.
الظروف وتهتك مفهوم الدولة:
منذ بداية عام 2013 بدأت ملامح تهتك الدولة تظهر في المجتمع السوري، ففي المناطق التي خرجت على سيطرة النظام رأينا انهيارا شاملا لكل بنى الدولة الإدارية والقانونية، وظهرت تشكيلات جديدة حلت محل الدولة وقامت ببعض وظائفها، وفي المناطق التي بقيت تحت سيطرة النظام رأينا أيضا انهيارا على المستوى الحقيقي في مفهوم الدولة لصالح ظهور ميليشيات شاركت الدولة في كثير من مهامها واكتسبت بعض ملامحها.
إذاً خلال الأعوام الاثني عشر الماضية، انهارت الدولة كمفهوم، وكمجموعة من البنى الإدارية والضوابط القانونية، المسيرّة للاجتماع السياسي للسوريين، وبالتالي ورثت السلطة الانتقالية التي بدأت مهام عملها في 8/ديسمبر 2024، ركام مؤسسات وأشلاء قوانين، ومرافق عامة مدمرة على المستوى المادي وعلى المستويين الإداري والقانوني.
إن هذا الواقع يفرض على اللجنة التي ستقوم بوضع مسودة الإعلان الدستوري مهمة أساسية وهي إعادة توطين مفهوم الدولة بالدرجة الاولى، إضافة لتطوير الوسط القانوني الذي تعمل فيه الحقوق والواجبات، وهذه الثنائية يجب فهمها بعمق كبير، فالحريات والحقوق لا يمكن أن تنشأ وتنمو إلا داخل وسط قانوني، والوسط القانوني لا يمكن أن ينشأ إلا من خلال مجموعة من الحقوق تمنح للأفراد تمكنهم من المساهمة الفعالة في خلق هذا الوسط القانوني، هذه الثنائية أو الإشكالية بشكل أدق يجب أن ندركها جيدا في المرحلة الانتقالية، فالأفراد بوصفهم أعضاء في الأمة، هم الذين يصنعون الوسط القانوني، وفق أدوات الحرية السياسية والحقوق التي يتمتعون بها، لكن هذه الحقوق والحريات لا يمكن أن تنشأ إلا ضمن وسط قانوني منضبط، وهنا التحدي الكبير برأيي هو كيفية إدارة هذا التناقض وحل إشكاليته الأساسية، وبالتالي تصبح عملية وضع الإعلان الدستوري هي اللبنة الأساسية في إنتاج الوسط القانوني الذي تتحرك فيه الحريات والحقوق، وهو أيضا الإطار العام الذي سيمكن الأفراد من وضع الضوابط اللازمة والمؤسسات الضرورية لنيلهم هذه الحقوق والحريات، انطلاقاً من هذه المبادئ الأساسية والأولية، يمكن تحديد أهداف الإعلان الدستوري المؤقت باعتبار هذه الأهداف ليست مجرد غايات يجب الوصول لها، وإنما باعتبارها أساس بناء الإعلان الدستوري، لأنه كما قلنا سابقاً هو الذي سيمثل الحلول الأولية للإشكالات والوقائع التي تواجهنا، وهو أيضا الذي يفترض به أن يؤسس لوسط قانوني يمكن السوريين كأفراد من إعادة بناء اجتماعهم السياسي عبر إنتاج عقد اجتماعي جديد، يلبي تطلعاتهم في المرحلة الدائمة.
طبيعة المرحلة الانتقالية والسلطات العامة فيها:
يمكن ببساطة تحديد المقاصد العامة للدولة في شكلها البسيط، في تحقيق الأهداف الثلاثة الكلية وهي: الأمن العام – الصحة العامة – السكينة العامة، هذه الأهداف الثلاثة يتفرع عن كل منها عشرات الفروع، وفي المرحلة الانتقالية نجد الحقائق التالية:
• وجود تشكيلات موازية للدولة تملك وسائل القهر والجبر وتشارك الدولة في امتلاك وسائل العنف، وحسناً فعل البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني عندما نصّ على اعتبار هذه الجماعات، خارجة عن القانون في الفقرة 3 من البيان الختامي.
غياب المرافق العامة التي تقوم على تقديم الخدمات العامة ووجود تشكيلات أهلية تقوم ببعض مهام المرافق العامة، وهذا يتطلب إصلاح المؤسسات العامة وإعادة هيكلتها، وهذا ما نصّ عليه البيان الختامي في الفقرة 15 منه.
غياب الآليات التي تضبط حركة الصراع في المجتمع سواء بين الأفراد أو بين الأفراد والمؤسسات ” القضاء وقوة إنفاذ القانون “، وترافق ذلك مع ظهور تشكيلات أخرى تقوم بهذه المهمة ” الهيئات الشرعية، أو الأهلية في بعض المناطق، ولذلك يجب أن يركز الإعلان على نصوص واضحة فيما يتعلق بالقضاء، وقد نصّ البيان الختامي على هذا الأمر بشكل واضح في الفقرة 10 منه.
وجود تشكيلات إدارية محلية لا ترتبط بمركزية الدولة، ولا تعمل بتوافق مع المنظومة القانونية لها، سواء إدارات ذاتية في شرقي سوريا، وهيئات خدمية وإدارية ومجلس شورى محلية في بعض مناطق شمال غربي سوريا، وهذه التشكيلات جميعاً، يجب أن تُحلّ في هذه المرحلة، لأنها تمنع عمليا من إعادة توطين مفهوم الدولة، ووحدة مؤسساتها، وهذا شرط أساسي لحماية وحدة
التراب الوطني، وهذه النقطة رغم أهميتها غابت عن البيان الختامي لمؤتمر الحوار الوطني، ويبدو أنها لم تناقش أصلاً لأسباب كثيرة.
انهيار مفهوم الحريات والحقوق المؤطرة قانوناً، وبالتالي لا بد من إعادة تبيئة هذه الحريات وإعطائها الحركية القانونية اللازمة لتستطيع أن تظهر بشكل عملي في المرحلة الانتقالية، وقد أشار البيان الختامي للمؤتمر الوطني إلى هذه النقطة في الفقرتين 7 و8 منه، لكني أعيب على البيان أنه لم يتحدث بشكل واضح عن موضوع حرية إنشاء الجماعات السياسية باعتبارها تشكل أحد أركان الوسط القانوني الذي يتم امتصاص الصراعات في المجتمع من خلال تدافعها، كجماعات سياسية، لأن البديل عن ذلك هو انقسام المجتمع لجماعات أهلية عصبوية على أسس إثنية أو دينية أو مناطقية، وهذه الجماعات بطبيعتها تقف عائقاً أمام توطين مفهوم الدولة، ومفهوم المواطنية كعقد سياسي حر بين الأفراد وبين الدولة كتشكيل سياسي جامع لهم.
هذه الطبيعة الخاصة للظروف في الواقع السوري، تجعل من السلطة الانتقالية التي تقود وتدير المرحلة الانتقالية، مؤسسة حكم ذات طبيعة استثنائية، وبالتالي فإن وضع الإعلان الدستوري يجب أن يأخذ هذه الطبيعة بعين الاعتبار ويوليها الأهمية القصوى، وفي هذا الشأن يجب الخروج من التفكير التقليدي في إطار القانون الدستوري القائم على تحديد النماذج المعروفة في الأنظمة الدستورية، فنظام الحكم في المرحلة الانتقالية لن يكون نظام حكم برلماني أو رئاسي أو نظام الجمعية الوطنية، بل سيكون نظام حكم استثنائي يستمد طبيعته ومحدداته من خلال الظروف الاستثنائية التي تمر فيها سوريا، وذلك بالاسترشاد بنظرية الظروف الطارئة المعروفة جيدا في الفقه الدستوري وتطبيقاتها المختلفة، كذلك المبادئ العامة التي نتجت عنها ولا سيما مبدأ دوام الدولة ومبدأ حالة الضرورة، ويمكن الاستفادة إلى حد كبير من أعمال مجلس الدولة الفرنسي والمصري والسوري في هذا الشأن.
أهداف الإعلان الدستوري الواجب أخذها بالاعتبار:
ضمان بقاء الدولة السورية والحفاظ على البنية القانونية والإدارية لها ما أمكن ذلك وبما تسمح به طبيعة المرحلة الانتقالية وإعادة توطين مفهوم الدولة.
الحد من بناء مؤسسات عامة جديدة ومحاولة استثمار التنظيمات الإدارية الموجودة حاليا لاستيعاب مؤسسات المرحلة الانتقالية.
ضمان قدرة السلطة الانتقالية على إدارة المرحلة الانتقالية بشكل فعال وانسيابي وتقليل فرص العطالة الذاتية للمؤسسات من خلال تداخلها أو تضارب صلاحياتها.
ضمان الحد اللازم والكافي من الحقوق والحريات القادرة على إفساح المجال للسوريين للمشاركة الفعالة ببناء النظام السياسي الجديد في المرحلة التي تعقب المرحلة الانتقالية.
أبواب الإعلان الدستوري المؤقت:
يجب أن يبتعد الإعلان الدستوري عن القضايا التي تفرض شكلا محددا للدولة السورية أو تصادر قدرة السوريين على بناء المستقبل.
ولذلك يجب أن يكون الإعلان الدستوري إطاراً تقنيا قادراً على خلق الوسط القانوني اللازم الذي تستطيع المرحلة الانتقالية من النمو فيه، والنجاح في تحقيق أهدافها، ولذلك يجب أن يكون إعلاناً مركزاً ومقتضباً ويقتصر على أبواب محددة أهمها، الحريات والحقوق، الضمانات اللازمة لممارسة هذه الحقوق والحريات خلال المرحلة الانتقالية، وأيضا السلطة الانتقالية من حيث تعريفها وولايتها الزمنية والموضوعية وسلطاتها وآليات عملها وعلاقتها بمؤسسات السلطة العامة الأخرى التي ستقوم بتشكيلها لمساعدتها على أداء مهامها، ومرجع فض النزاع بينها وبين المؤسسات القائمة أو المستحدثة ” مجلس دستوري، أو محكمة دستورية”، ويجب أن يتضمن الإعلان الدستوري باباً عن السلطة القضائية وضمانات استقلالها خلال المرحلة الانتقالية ضمن شروط وطبيعة المرحلة الانتقالية، وكذلك باباً عن الإدارة المحلية وعلاقاتها بالسلطة المركزية، ووسائل فض النزاعات بين السلطة المركزية والسلطات المحلية، وأحكام عامة تحدد كيفية نهاية المرحلة الانتقالية والعبور للمرحلة النهائية.
وعلى الرغم من تحفظاتي الكثيرة على مؤتمر الحوار الوطني شكلاً ومضموناً ما زلت أطالب بعقد مؤتمر وطني جامع دائم الانعقاد لتأسيس الدولة السورية الجديدة، كما بينت في مقالات سابقة، إلا أنني مؤمن بالقاعدة التي تقول: “مالا يدرك كلّه، لا يُترك جلّه”، ولذلك فإن كثيراً من المبادئ التي وردت في البيان الختامي للمؤتمر، يمكن اعتبارها أساساً مناسباً لأسس عامة وضرورية لكتابة الإعلان الدستوري، الذي يفترض أن تصدره السلطة الانتقالية خلال الأيام القليلة القادمة، فالبلاد باتت أحوج ما يكون لمثل هذا الإعلان، والذي نتمنى أن لا يخرج عن المبادئ التوجيهية التي وضعها مؤتمر الحوار الوطني.
تلفزيون سوريا
—————————
الحقيقة ليست مزاراً: عن جدوى النقاش/ راتب شعبو
أن تغني أكثر من أغنية في وقتٍ واحد
26-02-2025
شهدتُ في مرحلة مبكرة من عمري نقاشاً طويلاً أربك تصوري عن النقاش، ولست أدري كيف أو من أين جاءني ذاك التصور، فقد كانت قناعتي أن النقاش في السياسة أو الدين أو في أي شيء، هو وسيلة تعاون بين العقول للوصول إلى «الحقيقة» التي هي ضالة الجميع. كنت أعتقد أن للحقيقة وجوداً مستقلاً عن العقول الساعية إليها، كما يكون المزار مستقلاً عن الساعين إليه. النقاش الذي بلبل قناعتي تلك كان حول حادثة انفجار «ضرب ديناميت» في يد أحد أبناء قريتنا بينما كان يصيد السمك في النهر الصغير المجاور. رجل فقير بلا عمل وذو عائلة كبيرة، إلى ذلك كان بوهيمياً وساخراً ومتمرداً في حياته، حتى وهو يسعى لتأمين عيش أولاده. مزق الانفجار راحة يد الرجل وأفقده إصبع الإبهام.
أراد السهارى، كما لو في تمرين ذهني، تحديد السبب الرئيسي في هذا الحادث المؤسف. هل هو الفقر، أم الجهل وإنجاب الأولاد دون ناظم، أم مزاج الرجل واستهتاره، أم نوع الفتيل المستخدم في الضرب، أم التفاصيل الصغيرة التي أحاطت بالحادث، كما رواها الرجل نفسه، مثل تعثر قدمه واضطراب توازنه قليلاً بسبب ملاسة حصى النهر البيضوية، أم تردده، بعد أن أشعل الفتيل، في اختيار المكان الأنسب لرمي الضرب في الدوار، وما إلى ذلك من أسباب جعلته يتأخر في رمي الضرب. لم يخلُ النقاش من الرأي الذي ستجده في كل مكان، وهو القول إن السبب الحقيقي هو كل ذلك مجتمعاً. طال النقاش وحمي واختلفت المحاولات وتضاربت.
بعد ذلك النقاش الطويل الذي بدا لي، حينها، عبثياً أو نوعاً من التمرين العقلي على المحاججة اللانهائية، اختلط الأمر عليّ كثيراً وارتسم في نفسي شعور ثقيل بأن الوصول إلى «الحقيقة» أصعب مما تخيلت. وتساءلت، بعد ذلك، إن كان هناك أصلاً حقيقة يقبلها الجميع في مثل هذه المواضيع التي تبدو الحقيقة فيها ضائعة، ويبدو أن لكل رأي نصيباً فيها. وبت أتخيل أن الحقيقة ليست «مزاراً» محدداً يمكنك أن تبلغه بالنقاش، بل هي بالأحرى أشبه ببرتقالة انفجرت وتناثرت مادتها في كل اتجاه، حتى أصبح يمكنك العثور على أجزاء وآثار منها هنا وهناك وفي كل مكان، ولكن من المتعذر الإحاطة بها وإعادتها سليمة كاملة كما كانت، مهما طال النقاش. هكذا مزحت مع نفسي وقلت، ليس فقط الكون بدأ بانفجار كبير، بل والحقيقة أيضاً.
استعدت تلك القناعات والانطباعات المبكرة بينما كنت في السجن. كان هذا بعد فترة من مباشرتي، مع صديق آخر، نقاشات دورية مع سجينَين إسلامييَن. كانت رغبتي في سماع حجج الإسلاميين كبيرة، لا تقل بشيء عن رغبتي القديمة والدائمة في معرفة أسرار السحر وفنونه. في الحالتين كان يبدو لي أن هناك ما يتجاوز قوانين الواقع ويُدهش ويخض العقل ويثير الفضول. كيف يمكن لأحد أن يخرج حمامة حيّة من منديل فارغ؟ وكيف يمكن لأحد أن يسعى جدياً وأن يضحي من أجل بناء نظام سياسي يقتدي بنموذج يعود إلى عصور غابرة؟ أو كيف يمكن لأحد أن يدافع عن مبدأ يصنّف أبناء بلده حسب ولادتهم على هذا الدين أو ذاك؟
لم يكن من السهل أن تجد بين الإسلاميين من يقبل مناقشة أحد من الشيوعيين. وبالمقابل كان لدى معظم الشيوعيين شيء غير قليل من الفوقية تجاه الإسلاميين «الغارقين في الماضي». لم يكن لديهم قناعة بجدوى أي نقاش مع الإسلاميين. منطلق الشيوعي في مناقشة الإسلامي لا تختلف عن منطلق هذا في مناقشة ذاك، المنطلق هو الهداية، أو الكسب، بعبارة أكثر وضوحاً. ومن يهدي لا يخالطه الشك في أنه على صواب، ويناسبه بالتالي أن يكون واعظاً أكثر منه مناقِشاً. النقاش يبقى بلا قيمة فكرية، إذا لم يكن لدى المناقش مقدار ما من الاستعداد للتأمل في ما يقوله غيره، أو مقدار ما من القلق حيال قناعته يدفعه للبحث عن «الحقيقة» التي في حديث صاحبه، وإلا ما الذي يدفع إلى النقاش؟
في كل حال، كان من الجيد أنه توفر بين السجناء الإسلاميين من قَبِل النقاش، متحملاً لوم زملائه. من جهتنا لم ننجُ نحن أيضاً من السخرية الخفيفة من جانب بعض أصدقائنا أو أبناء تهمتنا: «هل كان النقاش مفيداً يا شيخنا؟» «جزاكم الله خيراً»، «نسأل الله أن لا يضيع تعبكم»… إلخ.
كان المشارك الأساسي في النقاشات أحد الإسلاميين المستقلين، رجل يكبرنا ببضع سنوات، يحمل شهادة دكتوراه في الهندسة من فرنسا، وكان قد اعتقل في 1980 عقب إضراب النقابات المهنية السورية احتجاجاً على القمع المعمّم الذي تعامل به نظام الأسد مع المجتمع السوري حينذاك، مستغلاً أعمال العنف المسلح التي مارستها في تلك الفترة «الطليعة المقاتلة» الإسلامية ضد أفراد ومؤسسات النظام. كان رجلاً وسيماً ذا لحية حسنة التشذيب، أنيقاً في لباسه وفي سلوكه وحديثه، وتجعله الابتسامة المقيمة على وجهه قريباً من القلب. وكان إلى ذلك واسع الثقافة وذا اطلاع، ليس فقط على الفكر الإسلامي، بل وعلى الفكر الحديث.
لم تكن رغبتي في استكشاف دفاعات وحجج الإسلاميين أقل من رغبة هؤلاء في استكشاف حججنا بوصفنا بشراً يتنكرون لما في بيتهم وينظرون من النافذة مبهورين، يتطلعون لاقتناء ما لدى الآخرين مما لا يناسب بيتهم ولا أهل بيتهم. هذا هو التشبيه الذي استخدمه الدكتور للتعبير عن استغرابه من قناعاتنا. مضيفاً على سكة التشبيه نفسه، لا بأس من النظر إلى الخارج والاستفادة مما قد يكون لدى الآخرين، ولكن الأساس يبقى دائماً هو البيت ومن في البيت وما يناسبهم.
في حين بدا لنا كلامهم وحججهم انغلاقاً عن العصر وتعصباً وإعجاباً مريضاً بالذات وبالتخلف، بدا كلامنا لهم تغرّباً وانسلاخاً عن منبتنا وبيئتنا وتاريخنا واستلاباً للآخرين. كانوا يغزلون على هذا النول حججهم بلا نهاية، ونعيد حججنا بلا نهاية عن ضرورة مواكبة العصر والخروج من أسر الماضي. وإذا كان طريق الخلاص في نظرنا هو التحرّر من تعظيم ماضينا وجعله المرجعية الدائمة في البحث عن الحلول، كان الطريق في نظرهم هو المزيد من الالتزام والمزيد من التأكيد على الهوية.
لم تخرج النقاشات الكثيرة بيننا في أي يوم، عن مسار الاحترام التام المتبادل، ولكن بالمقابل لم يخرج أي منّا عن مساره الخاص الذي بقي يدور فيه منذ بداية الجلسات حتى نهايتها على مدى حوالي سنتين.
هكذا نقلني الزمن إلى تصور يختلف عن تصوري الأولي، وهو أن الكثير من النقاشات لا تبحث عن حقيقة، فكل طرف مؤمن بأنه أدرك الحقيقة، وأن الغرض من الانخراط في النقاش هو الإقناع أو حتى الإفحام الذي عبّر عنه العرب بالقول الشهير الثقيل «ألقمه حجراً». هكذا انتقلت من تصور النقاش بوصفه تعاوناً إلى تصوره بوصفه مواجهة.
أحياناً يخطر لي تشبيه النقاش بغناء أكثر من أغنية في وقت واحد، كل مغنٍ يحرص على غناء لحنه الخاص، ويكون النجاح حليف من يُبقي تركيزه على لحنه الخاص دون أن يعطي إذنه لأي لحن آخر، وإلا فإنه سوف يتعثر في غنائه ويخسر.
عدت أقول في نفسي إن الحقيقة ليست مزاراً، كما أنها ليست برتقالة متفجرة، إنها شيء خفي لا ندري كيف يتشكل داخل الرأس ويكون لدينا كامل الرضى عنه، فلا يروق لنا تغييره، ويصعب تتبع منشأ هذا الرضى لأنه ليس من منشأ عقلي فقط، بل وكذلك من منشأ شخصي ونفسي وجمالي حتى. هناك طرفة كردية بنفس الدلالة تقول، إن الله جمع الأرزاق ثم أعاد رميها، فركض كل شخص يريد حيازة رزق غيره، ولكن حين جمع الله العقول وأعاد رميها، فقد أسرع كل شخص لالتقاط عقله الخاص.
موقع الجمهورية
—————————–
عن بياضٍ صارع العتمة/ هنادي زرقة
27/2/2025
حين بدأتُ بكتابة هذه المقالة، سألتُ وديع، السجين السياسي العتيق: كيف ترى مستقبل سوريا الآن؟ أجابني: “البلد عجينة، وعلينا أن نساهم في تشكيلها، لا أن نتركها كي تُشكّل وفق رغبة من تولّى السلطة”.
قبل أن ألتقيكَ
شاهدتُ طفلًا يحمل قفصًا
وفي داخل القفص
بدلَ العصفور
سكين
/
كتب عنكَ (عادل محمود) قصيدة
لا أذكرُ منها
سوى أنَّ وجهك في الزنزانة
صار خاليًا من حبّ الشباب.
/
سجّانو الوداعة
إذا أعادوا لك الشوارع
من الذي يُعيد لكَ
المواعيد.
بدل العصفور سكين/ منذر مصري
في طريقي إلى محطة القطار، لمحتُ، على الرصيف المقابل، شخصًا ستينيًا شائب الشعر، نحيلًا يرتدي سترة رمادية وسروال جينز يبدو قديمًا. يمشي مسرعًا ويخفض رأسه نحو الأرض، كأنه يعدّ خطواته أو يفكر في أمر ما.
لثوانٍ قليلة نسيتُ أنني في برلين وكدتُ أصرخ كما اعتدتُ، على الدوام، في اللاذقية: وديــــــــــــــــــــــــــــــــــــع!
تعرّفتُ إلى وديع ابراهيم في أواخر عام 1996. كنت طالبة جامعية وكان يعمل في مكتبة قرب الجامعة.
حين دخلتُ أول مرة إلى المكتبة، رأيت رجلًا أشيب متوسط القامة يجلس على كرسيّ صغير وراء فيترين زجاجي. لا أعرف لم انتابني شعور بأن هذا الرجل وُلد في المكتبة وكبر فيها. ربما بسبب نحوله وقامته الصغيرة وبياض وجهه الصقيعي الذي يوحي بأنه لا يرى الشمس. هذا البياض الذي ذكرني به الرجل الألماني الذي لمحته في الشارع.
خلف هذا البياض يقبع عقل شديد الذكاء وقلب دافئ تلمسه ما إن تتوطد علاقتك به. قيل لي إن وديع أمضى 19 عامًا بين تخفٍّ واعتقال بتهمة الانتماء إلى “حزب البعث الديمقراطي”. هذا الحزب الذي يجهله كثير من ثوار اليوم ويخلطون بينه وبين حزب “البعث العربي الاشتراكي”، وقضى جلّ أعضائه حياتهم بعد توليّ حافظ الأسد السلطة بين الاعتقال والنفي لأعوام طويلة.
أمضى وديع ابراهيم أربعة أعوام متخفيًا بين عامي 1976 و1980 بين اللاذقية ودمشق. اعتُقل في دمشق٬ قرب سوق الحميدية من قِبل دورية مؤلفة من 12 مسلّحًا. رقم كبير بالنسبة لشخص أعزل لا يحمل سلاحًا سوى أفكاره المناهضة للديكتاتور. قال لي إنهم أمطروه بأسئلة متلاحقة كي لا يتيحون له المجال لترتيب أفكاره٬ بيد أنه أصرّ على جملة واحدة “لا أعرف شيئًا عمّا تسألون”.
اقتيد معصوب العينين إلى “فرع فلسطين” الذي تقبع زنازينه تحت الأرض٬ حيث تعرّض لتعذيب رهيب فقد على إثره الوعي. يؤلمني أن يكون اسم فلسطين مرافقًا لأشدّ فروع الأمن السوري رعبًا.
لم يكن دخول دورة المياه يسيرًا في تلك الزنازين. كان مسموحًا للسجين أن يذهب مرتين إليها خلال اليوم. لذا، فقد عمد وديع إلى تخفيف الأكل والشرب٬ ثم امتنع عنهما لأيام قبل نقله إلى سجن المزة حيث أمضى فيه ثماني سنوات لينتقل بعدها إلى سجن صيدنايا الذي قضى فيه سبع سنوات.
أمضى وديع شهرًا واحدًا في السجن الانفرادي٬ وتلك، كما قال لي٬ مدة قصيرة نسبيًا بالنسبة إلى السجناء. بيد أنَّ وصول دفعات كبيرة من المعتقلين حال دون بقائه مدة أطول.
يتحدّث وديع عن حفلات التعذيب الدائم التي تعرض لها السجناء٬ وتضحكني كلمة “حفلات”٬ إذ اعتدنا أن تكون الكلمة مرافقة للفرح. أما في سوريا فللكملة معانٍ أشدّ إيلامًا. تضيع الأيام وتضيع معها وجوه الأهل والأصدقاء والشوارع حتى إنه كتب نصًّا شعريًا يقول فيه “شوارع ذاكرتي خلت من المارة”.
كان السجان٬ في بعض الأيام٬ يترك الإنارة شغالة فيختلط الليل بالنهار. يقول وديع: “كنتُ أعرف أوقات اليوم من خلال طبيعة الطعام٬ فإذا كان ثلاث حبات زيتون سيئة فهو الصباح٬ وإذا كان برغلًا غير ناضج فهو العصر”. فقد اعتادوا أن تكون حصتهم وجبتي طعام في اليوم٬ بلا ملاعق. “كنتُ أتركُ كسرة خبز حتى تيبس وأستخدمها كملعقة”.
ثمة ممرٌّ لا يتجاوز عرضه مترين أمام الزنازين٬ كانوا يسمحون للسجناء بالمشي فيه من الساعة السابعة صباحًا حتى الرابعة بعد الظهر. ولأن أعداد السجناء كبيرة، فقد كان الممر يغصّ بهم. ربما٬ لهذا السبب٬ كانت طريقة مشي وديع مميزة٬ يمكنك التعرف إليه على بعد عشرات الأمتار. إذ يختار حيزًا ضيقًا مهما كان الشارع واسعًا وخاليًا من المارّة٬ يخفض رأسه ويُعد خطواته ويفكر٬ كأنه يمشي بين خطين متوازيين ويخاف أن يزاحم الهواء على حصّته في الشارع.
كان وديع شاعرًا وكاتب قصة٬ لكنه توقف عن الكتابة بعد خروجه من السجن. قال لي: ” كان مشروع الكتابة يعتمد على التصوير بالنسبة إلي. تبدو الكلمات صورًا متلاحقة كما لو كان الكاتب يحمل كاميرا ويلتقط صورًا متتالية من دون زخرفات ومجاز وتحليل”.
وحين تقرأ قصته المهولة “السيخ” التي كتبها في السجن ونشرها له ميشيل كيلو في جريدة “السفير”٬ سوف ترى كيف يصور وديع الشوارع والدكاكين والبيوت والجيران ويعيدها إلى ذاكرته٬ كأنه يحاول بقصته تلك أن يكتب ذاكرة ضد النسيان. وإذ تبدو القصة٬ التي سردها على لسان طفل٬ لطيفة في البداية إلا أنه ينهيها بمشهد رهيب وهو يصور كيف تغرز جدة الطفل السيخ في جسد فأر عالق في المصيدة. يعلق وديع ” كنا٬ كمعتقلين٬ مثل ذلك الفأر العالق في المصيدة٬ نرى اقتراب السيخ ونعرف أنه سوف ينغرز في أجسادنا ولا مهرب لنا”.
تغيرت اللاذقية كثيرًا بعد اعتقال وديع الطويل. فحين خرج من السجن٬ لم يستطع التعرف إلى الأمكنة. فمشروع الزراعة حيث تسكن عائلته لم يكن موجودًا قبل اعتقاله. يتذكر تلك اللحظة: “شعرتُ بدوار٬ واختلط الواقع بالخيال٬ منذ ساعات كنتُ أصعد الدرج مكبّلًا ومعصوب العينين٬ من زنزانة تحت الأرض وها أنا الآن أصعد الدرج إلى بيتنا بيدين طليقتين وعينين مفتوحتين”.
لقي وديع في استقباله أشخاصًا كثيرين٬ لم يستطع التعرف إليهم. كبر الأطفال ومنهم من وُلد في غيابه. أكثر ما لفت انتباهه في البيوت الجديدة هو الثريات واللوحات المعلقة على الجدران٬ فقد كانت الجدران بالنسبة إلى السجناء مكانًا خاويًا يستندون إليها حين يتناوبون على النوم٬ فمهاجع السجن لا تتسع٬ في بعض الأحيان٬ لنوم جميع السجناء في وقت واحد.
أما اللمبة الوحيدة المثبتة على أحد الجدران٬ فكان تشغيلها وإطفاؤها بيد السجان لا بيدهم. هكذا٬ كان عليه أن يتعلم متى يطفئ الضوء ويشغله. أما الأمر الآخر الذي كان عليه أن يتعلمه فهو إغلاق الباب٬ فقد أمضى 15 عامًا وهم يغلقون الباب عليه ويفتحونه حسب مشيئتهم. يقول: ” بقي السجن مسرحًا لأحلامي ثلاثة أشهر ولم يخرج مني حتى الآن”.
حين كان يعمل وديع في المكتبة٬ صدرت٬ عام 1997، عملة معدنية من فئة الـ 25 ليرة٬ تحمل صورة الرئيس حافظ الأسد٬ فكان وديع كلما أعطاه زبونًا هذه العملة يأخذها ويضعها في مرطبان زجاجي ويغلقه٬ سألته: لم تفعل ذلك٬ فأجابني: أريد أن أسحب هذه العملة من السوق وأمنع تداولها. ضحكنا يومها وتمنينا لو أنه باستطاعتنا أن نحبس هذا الرئيس في مرطبان تحت الأرض.
سوف يترك وديع العمل في المكتبة في عام 1998، العام الذي تخرجتُ فيه من الجامعة٬ ويعمل مدرّسًا خصوصيًا لمادة الرياضيات٬ وسوف تندر لقاءاتنا٬ خلا تلك اللقاءات العابرة في الشارع٬ إذ يندر أن يكون لدى وديع وقت للاستراحة بين طالب وآخر.
حين قامت الثورة السورية عام 2011، كان وديع من أكثر المتحمسين لها٬ برغم عدم انخراطه بأي عمل سياسي. كان يكتفي بالمراقبة والتحليل٬ وبرغم المخاض العسير الذي رافق الثورة وتحولاتها٬ لم يفقد الأمل في سقوط النظام٬ وذلك ما حيّرني٬ من أين له هذا التفاؤل؟
سقط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وكان وديع حاضرًا في ذاكرتي٬ لكنه لا يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي. فكان لا بد لي أن أتصل بأخته حتى تحدّد لي موعد اتصال معه. قال لي يومها: “من المبكر الحكم على أي شيء الآن”.
حين بدأت كتابة هذه المقالة عدتُ وسألته: كيف ترى مستقبل سوريا الآن؟
أجابني: “إن الخراب الممنهج الذي سببه النظام على مدى 54 عامًا يلزمه وقتٌ طويلٌ كي نكنسه٬ ومن الصعب أن يكون البلد ديمقراطيًا في الأيام المقبلة. علينا أن نساهم جميعًا في بناء البلد٬ أمامنا عجينة وعلينا أن نساهم في تشكيلها٬ لا أن نتركها كي يتم تشكيلها بحسب رغبة من تولى السلطة. علينا ألا نقبل بعد الآن أن نكون متلقين٬ كما كنا في عهد الأسد٬ بل فاعلين في صنع المستقبل. ليست القضية نظامًا سياسيًا فحسب٬ بل ينسحب ذلك على جميع القضايا الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية٬ ما زلت متفائلًا٬ والطريق ما زال في أوله”.
أُنهي المكالمة معه ويمرّ في شريط ذاكرتي عشرات المعتقلين الذين غيّبهم حافظ الأسد في مدينتي٬ قضوا زهرة شبابهم في المعتقلات. هؤلاء الذين لا يعرفهم أحد٬ منهم من مات ومنهم من غدا عجوزًا.
هؤلاء الذين لم يستفيدوا يومًا من كونهم معارضة٬ ولم ينتظروا شهادة حسن سلوك من أحد. لم تنفصل عندهم قضية الديمقراطية عن قضايا التحرر الوطني. معتقلون من الطوائف كافة ناهضوا الديكتاتور بوصفه ديكتاتورًا فحسب٬ لا ابن طائفة معينة. هؤلاء الذين جعلوا من المستحيل ممكنًا ومهّدوا الطريق أمام الثوار في 2011.
لهم أهدي هذه المقالة.
ملاحظة: ما زال وديع يعمل، برغم تجاوزه السبعين من عمره، مدرّسًا لمادة الرياضيات، ينتقل راجلًا من بيت لآخر في شوارع اللاذقية، لا بيت يملكه ولا أسرة.
أوان
——————————
هل سورية بخير؟/ أحمد مظهر سعدو
27 فبراير 2025
لعلّه السؤال الذي لم يبرح المكان بعد، وهو ما انفكّ موجوداً وحاضراً سمةً للتفكير اليومي لدى السوريين في كلّ مكان، سواء في الداخل أو في الخارج، من عاد إلى الوطن بعد زوال نظام بشّار الأسد، أو من لم يعُد بعد، بانتظار مزيد من التغيّرات الأخرى، التي ما زال الجميع بانتظارها، ويبقى السؤال: هل أضحت سورية بخير، وعاد شعبها لممارسة حيواته بشكل طبيعي، أم أن الشعب السوري والحالة السورية في مرحلة البرزخ، يقبعان في أتون بين بين؟… أسئلة كثيرة ومتعدّدة تصعد إلى مخيال السوريين جميعاً، وهم يرون ويتابعون المشهد السوري المختلف، والجديد بعد فرار بشّار الأسد إلى العاصمة الروسية موسكو، ومن ثمّ استلام فصائل الثورة السورية العسكرية ذات اللون الواحد (نسبياً) الحكم.
صحيح أن هناك تغيّرات جمّة حصلت في سورية، منذ 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024، لكن الحقيقة أيضاً أن حجم الخراب البنيوي الذي خلّفه نظام الأسد كان كبيراً جدّاً، ومن الصعب بحقّ على أي حكومة أو سلطة، أن تتمكّن من إعادة إنتاجه بشكل أفضل، بما يوازي تطلّعات الناس من السوريين، قبل مضي كثير من السنوات، إذ يعتبر أحد المسؤولين الأمميين الكبار أن اقتصاد سورية الحالي يحتاج إلى أكثر من خمسين سنة مقبلة ليعود إلى ما كان عليه قبل بدء المقتلة الأسدية بحقّ السوريين، وتخريب البنية التحتية التي تجاوزت نسبة تدميرها عتبة 65%، وهي تحتاج أكثر من 500 مليار دولار تكلفة إعادة بناء من جديد، في أقل التقديرات. ويحتاج هذا الخراب كلّه إلى مزيد من الوقت، كما يحتاج إلى تعامل حقيقي وجدّي من دول الإقليم والدول الكبرى، التي ما زالت تتردّد في رفع العقوبات عن كاهل السوريين، وكان يفترض أن ترفع وتزال مباشرة بمجرّد انتهاء حكم بشّار الأسد، لأنه هو وحكمه وأدواته من كانوا السبب الأساس لفرضها.
نعم، وبملء الفم، يمكن القول إننا (السوريين) قد حقّقنا كثيراً وكثيراً جدّاً عبر كنس نظام الأسد وتغوّل دولة الملالي بطهران على الحالة السورية، إلا أننا، وحتى اللحظة، لا يمكننا القول إننا قد عبرنا عُنق الزجاجة، وأصبحنا بخير عميم. إذ لا يزال الأداء الخدماتي في الحكومة المؤقتة متواضعاً، وما زلنا بعد مؤتمر الحوار الوطني ننتظر صياغة عقد وطني سوري جامع، تتوافق عليه فئات الشعب السوري كلّها. كما لا تزال هناك عقبات كثيرة أمام وحدة سورية أرضاً وشعباً، في وجود فصائل في شمال شرق سورية، وكذلك في الجنوب السوري، لها مطالبها وشروطها، التي قد لا تتوافق مع رؤية السوريين بمجموعهم، أو رؤية الإدارة السورية الجديدة.
كانت وحدة سورية وما زالت مسألة في غاية الأهمية، ولا يمكن التساهل فيها أو التصالح مع مَن لا يعمل في إنجازها. ومن ثمّ، قد يساهم الداعم الخارجي لبعض الفئات والفصائل هو الآخر في لجم عملية بناء الدولة السورية الواحدة وإعاقتها. ولعلّ انتظار الخارج والدول الكُبرى تحرّكات المراحل المقبلة التغييرية في سورية، وخاصّة آليات تشكيل الحكومة الانتقالية الجديدة، القادرة على تلبية الطلبات الداخلية والخارجية، هو ما سوف يكون المعيار الأهم، الذي على أساسه ستُبنى سورية، وتتوافق من ثمّ بناءاتها مع متطلبات الخارج والداخل، في عملية إشراك السوريين، بأيديولوجياتهم وإثنياتهم وطوائفهم كافّة، في كلّ المؤسّسات الوطنية المزمع إنشاؤها.
هي المهام الصعبة التي لن يكون إنجازها باليسير أبداً، وتحقيقها يحتاج إلى مزيد من العمل والجهد، ومزيد من الوعي المطابق لكلّ متطلبات السوريين وحاجاتهم اليومية والمرحلية. ولا يجب أن يغيب عن مخيالنا أبداً حجم التهديد الإسرائيلي الكبير، وخطورته المتزايدة التي تطاول الأرض السورية، بعد التمدّد المستمرّ فيها، والتصريحات الإسرائيلية بعدم سرور بنيامين نتنياهو ممّا جرى في سورية من تغيير وفرار الأسد. ذلك في ظلّ عدم قدرة الإدارة السورية الجديدة على فعل الكثير في مواجهة ذلك، لكن لا يمكن بالضرورة إلا أن يكون هناك مزيد من التحرّكات في جميع المستويات العالمية الأممية والدولية والعربية، في محاولة لكبح جماح بنيامين نتنياهو وأطماعه في الجولان السوري وسورية كلّها.
أمام هذه المتغيّرات والعقبات، هل تبعثرت (أو تبدّدت) فرحة السوريين باقتلاع نظام الاستبداد الأسدي؟ وهل يئس السوريون من احتمالات تحقيق الرغبات الوطنية السورية الكبرى؟ واقع الحال يقول إن الأمل لا يزال كبيراً ومتجسّداً في أن المقبل من الزمن سيكون أفضل، وأن حكومات اللون الواحد لم تعد ممكنة أو قادرة على المتابعة، وأن عثرات ومعوقات الحوار الوطني السوري يمكن تذليلها، وأن مشاركة المُحجمِين عن المشاركة باتت قاب قوسين أو أدنى من الفعل والفاعلية الحقّة، لأن الأمل ما برح موجوداً، والوعي الذي تملكه قيادات ونخب سورية يضعنا جميعاً أمام مسؤولياتنا، خاصّة أن الحلم الأكبر بزوال الاستبداد قد تحقّق، وأنه لم يعد من مكان في سورية لأي حالات جديدة من الاستبداد قد تشبه ما مضى أو تتساوق معه، بأي حال من الأحوال.
العربي الجديد
———————–
سوريا اليوم: نهاية الأيديولوجية/ رشيد الحاج صالح
2025.02.27
أكثر ما يلفت الانتباه في النقاشات السياسة في الساحة السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد هو عودة السياسة بوصفها نقاشا شفافا حول سوريا الحالية وتعقيدات المرحلة التي تمر بها، وهو ما يشي بتراجع التنميط الأيديولوجي المسبق للمواقف والأفكار المطروحة. فاليوم أن يكون المرء ماركسيًا أو قوميًا أو إسلاميًا أو علمانيًا لا يعني الشيء الكثير للسوريين، لا بالنسبة للمثقفين ولا بالنسبة لعموم السوريين ولا حتى بالنسبة للسلطة الجديدة. اللحظة السياسية الراهنة وتعقيداتها هي مركز تفكيرهم وقلقهم بغض النظر عن خلفياتهم الأيدولوجية والحزبية. تفكيرهم الأخلاقي والسياسي والديني أخذ يميل إلى الواقعية العقلانية والبراغماتية المنفتحة أكثر من أي وقت مضى. والمقال يحاول فهم هذا الانتقال وملابساته والآفاق التي يفتحها أمام السوريين اليوم.
في الحقيقة هناك تراجع لدور الأيديولوجية في المنطقة العربية منذ لحظة انطلاق ثورات المنطقة عام 2011 عندما لوحظ أنها ثورات غير أيديولوجية؛ فهي لم ترفع شعارات أو أهدافاً أيديولوجية مسبقة، بل تمحورت حول مطالب الحرية والكرامة والعدالة وكف الظلم. السوريون ملّوا من الأيدولوجية لسببين: الأول أن أيدولوجية حزب البعث وخطابات حافظ الأسد وابنه الخشبية، التي تقدم الأيديولوجية على الواقع، أو تلغي الواقع بالأيدولوجية، لم تكن تعني لهم الشيء الكثير لأنها تغربهم عن واقعهم وتسلبهم وجودهم السياسي. أما السبب الثاني فيعود إلى أن البعث وباقي الأيدولوجيات والأحزاب ذات التوجه الماركسي أو الإسلامي أو القومي أو العلماني لم تكن تعني لها الأيديولوجية شيئاً سوى كونها وسيلة للوصول إلى السلطة، وجلب قدر ما من الشعبية عبر مخاطبة عواطف السوريين بعيدا عن الظروف المحيطة بهم وتحولاتها. معظم السوريين كان يشعر بذلك، ولكنه لا يعرف ماذا يفعل في ظل نظام أمني. فأي وحدة وأي اشتراكية يتحدثون عنها، فالوحدة الواقعية العربية مستحيلة التحقق، كما تبين أن الاشتراكية، في حقيقة الأمر، ليست سوى نوع من رأسمالية الدولة كما بين توني كليف منذ أكثر من نصف قرن، والحرية تحولت إلى “ديمقراطية مركزية” على طريق حافظ الأسد: أنا أختار لكم ممثليكم في الأحزاب والنقابات وأن أعزلهم كذلك وأنتم عليكم التصويت بنعم فقط، أو أنتم من يقدم المقترحات ويرفعها وأنا أقرر ماذا أفعل بها، أأخذ بها أو أرميها في سلة المهملات.
حتى سقوط الاتحاد السوفيتي السابق ومنظومة الدول الاشتراكية في بداية تسعينيات القرن المنصرم كان في حقيقته سقوط للأنظمة التي تنغلق حول أيديولوجيتها وتختصر السياسة إلى مجرد تطبيق لتلك الأيديولوجية. وإذا عدنا إلى التاريخ الأوروبي السياسي الحديث نجد أن معظم الكيانات الأيديولوجية من قومية وهوية ومذاهب سياسية دينية تراجعت كثيرا في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أصبحت المصلحة العامة تمثل الوطن أكثر من القومية، ولم يعد من أهمية للهوية بالمقارنة مع العدالة الاجتماعية، وتحول الماضي والتراث لشأن ثقافي وأخلاقي ليس له دور في الواقع السياسي الذي يتسارع يوما بعد يوم. فالقومية لم تجلب سوى الحروب التي قتلت عشرات الملايين، مثلما تبين أن الهوية هي “أكبر قاتل في التاريخ” كما بين إمارتيا صن العالم الهندي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد.
لقد تغير حتى مفهوم السلطة اليوم من السلطة بوصفها القدرة على فرض إرادة الفريق الحاكم على الشعب إلى السلطة بوصفها القدرة على الحراك الجماعي من أجل أهداف مشتركة بين الحاكم والشعب. فالسلطة اليوم لم تعد كما تخيلها ماكس فيبر بوصفها تمترس من جانب الدولة التي تحتكر القوة. النظام الأسدي احتكر العنف لفئة حتى أضيق من الدولة، ولكنه انهار في النهاية بطريقة دراماتيكية. الدول الأكثر استمرارا واستقرارا اليوم هي الدول التي تشّبك مع أهداف الناس وتقدم الواقع على الأيديولوجية، وكذلك التي تعمل من منطلق أن لا اقتصاد فعال ومتطور من دون ديمقراطية، وهذا هو السبب الأساسي في نهضة معظم دول العالم المتقدم اليوم.
بالنسبة لتيارات الإسلام السياسي على مختلف تنويعاتهم، بمن فيهم هيئة تحرير الشام السورية، يبدو أنها ليست استثناء من قاعدة تراجع الأيديولوجية لصالح الواقعية العقلانية. الأيديولوجية الجهادية والسلفية المحاربة اليوم لا تعني شيئا بالنسبة للهيئة، ويبدو أنها تتراجع في مواجهة الواقع السوري وتعقيداته وظروفه القاسية، وكذلك المطالب الدولية. فالتعامل مع الواقع بعقلانية على الأغلب سيكون هو الخيار المقدم، وقد يكون الوحيد أمام الهيئة. حتى أن الأنثروبولوجي المعروف آصف بيات يستخدم اليوم مصطلح “الماركسية الإسلامية” للإشارة إلى تيارات إسلامية تتبنى مفاهيم اشتراكية واقتصادية قريبة من الماركسية. ويذكر في هذا السياق أن مصطفى السباعي أحد زعماء الإخوان المسلمين في سوريا وعضو سابق في البرلمان السوري كتب كتاب أسماه “اشتراكية الإسلام” ونشره في خمسينيات القرن العشرين. حتى أن محمد رشيد رضا قال في بداية القرن العشرين إن مبادئ الإسلام تتوافق مع “البلشفية الروسية” في إطار معارضته للاحتلال الفرنسي لسوريا وسعيه للتحالف مع الثورة البلشفية الروسية التي كانت في صراع مع فرنسا وذلك لدحر الفرنسيين من سوريا. يذكر أن شعار فقهاء عهد جمال عبد الناصر يقول إن الإسلام يتوافق مع الاشتراكية في حين قال فقهاء عهد أنور السادات إن الإسلام يتوافق مع الرأسمالية. كما أن الشيوعي محمود أمين العالم يقول إن السلفيين يناصرون الرأسمالية ويتبنونها، في حين يذهب علي شريعتي إلى أن الإسلام يتوافق مع مبادئ الماركسية.
مثلما انتشرت خلال العقدين الماضيين مصطلحات عديدة للتعبير عن التداخل بين عوالم التدين والإدارة والسياسة والاقتصاد تشي بتراجع الأيديولوجية في السياسة المعاصرة، ومن هذه المصطلحات نذكر “إسلام السوق” الذي استخدمه باتريك هايني للقول بإن الأنظمة الإسلامية منفتحة تماما على اقتصاد السوق وليس هناك أثر لتدينها في هذا الانفتاح، وكذلك مصطلح “الإسلام التركي” أو “الديمقراطية التركية” للتدليل على أن الأحزاب الإسلامية تتوافق مع الديمقراطية بسهولة وقد تحررت من الأيديولوجية الماضوية في نصوص بعض فقهاء السياسة المعاصرين.
واليوم ليس من المجدي نقد أو تأييد أي طرف على أساس الأيديولوجية، أو حتى على أساس ماضيه السياسي. التاريخ السياسي يبين لنا عشرات الحالات التي غيّر فيها الساسة مواقفهم وأيديولوجيتهم بشكل جذري، بل إن الأيديولوجية كانت آخر همومهم على الرغم من أنهم يصرخون بها من على منابرهم ليلا ونهارا. فمن الخطأ أن نقيّم حافظ الأسد على أساس أنه قومي أم لا، فالقومية لم تكن تعنيه في شيء، حتى كمال أتاتورك العلماني القوي كان أحد أعمدة حكم السلطنة العثمانية الإسلامية في بداية الأمر. يذكر أن الناظر إلى أحزاب أوربا اليوم لا يستطيع متابعة التغيرات الكبرى في برامجها وسياساتها ويصعب عليه تحديد فيما إذا كانت هناك فروق ثابتة بين اليمين واليسار. الأمور في السياسة لا تميل إلى التنميط الأيديولوجي.
وعلى الرغم من الماضي السلفي والجهادي لهيئة تحرير الشام وكذلك تاريخها في الصراعات العسكرية وكونها تنظيم مسلح في النهاية إلا أن التجارب التاريخية تشي بأن الأحزاب والتنظيمات السياسية المعاصرة عموما تعلي من شأن الواقعية على حساب الأيديولوجية، وتفضّل نموذج السلطة التشاركية على نموذج السلطة القمعية. وأن تاريخ انفتاح الإسلام السياسي على الديمقراطية والسياسة الواقعية يسير في هذا الاتجاه، وإلا فإنه قد يلاقي مصيراً ليس بأفضل من مصير من قدم الأيديولوجية على الواقع، وتبنى مفهوم السلطة القمعية على حساب السلطة التشاركية، ولنا في المرحلة القادمة العبرة.
تلفزيون سوريا
————————
الكرد في سوريا الجديدة: بين المقاومة والاندماج!/ سانتياغو مونتاغ سولير
27.02.2025
لا يزال مصير الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها غير واضح، بخاصة بعدما قررت الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة دونالد ترامب التخلّي عن حلفائها العسكريين السابقين، ما أدّى إلى كسر التحالف الذي هزم “داعش”، والذي لا يزال ضرورياً لمنع عودته. حتى الآن، المفاوضات متعثّرة بينما تزداد الأزمة الاقتصادية والإنسانية سوءاً بالنسبة الى الكرد.
“كانت هناك جثث في كل مكان حولي، كان كابوساً لا يمكنني نسيانه”، تروي هناء (45 عاماً)، وهي جالسة في خيمتها في مدينة الطبقة، والدموع تملأ عينيها: “في تلك الليلة، أثناء هروبنا من منبج، كان أول ما فكرت فيه أننا يجب أن ننجو لنروي قصتنا”، قصة الكرد الذين يُهجَّرون مراراً وتكراراً، من مأوى إلى آخر.
مرّ ما يقارب الشهرين منذ سقوط نظام الأسد وحزب “البعث” في سوريا. ركّزت الأخبار الدولية على كيفية شروع الحكومة المركزية الجديدة، بقيادة “هيئة تحرير الشام”، في عملية تطبيع بطيئة ولكن ثابتة مع المجتمع الدولي، إلى جانب إعادة إعمار البلاد التي دمرتها 14 عاماً من الحرب الأهلية.
لكن في المناطق الصحراوية الشمالية، يبدو المشهد مختلفاً، إذ بدأت فصول جديدة من الحرب، وبينما يحاول الحكّام الجدد بسط سيطرتهم وتوحيد القوّات المسلحة، تواجه الإدارة الذاتية في شمال سوريا وشرقها (AANES)، وهي السلطة المتعددة الإثنيات التي تحكم المنطقة بقيادة الكرد، واحدة من أعمق أزماتها منذ 12 عاماً على وجودها.
التقدّم التركي الجديد
في الأيام الأخيرة من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، وقبل سقوط النظام البعثي، سقطت المناطق القليلة الخاضعة لحكم الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها، في عفرين، والشهباء، وتل رفعت، إثر عملية عسكرية قادها “الجيش الوطني السوري/ SNA”، واستغلّت الفصائل المتحالفة مع تركيا الفراغ الذي خلّفه رحيل الأسد، لشنّ موجة جديدة من الهجمات المدمرة ضد المقاومة الكردية والسكان المدنيين، أسفرت عن نزوح فوضوي لنحو 150 ألف شخص إلى الضفة الشرقية لنهر الفرات.
مصير الكرد والمجتمعات التي تتقاسم معهم هذا الفضاء الجغرافي، يعتمد على نتيجة الصراع المستمر بين “قوّات سوريا الديمقراطية/ SDF” و”الجيش الوطني السوري” المدعوم من تركيا. المعارك أضافت مئات القتلى إلى “مقابر الشهداء”، بينهم الكثير من المدنيين، وأفراد من التنظيمات السياسية، وفي الوقت نفسه، أدّى انقطاع المياه والكهرباء إلى تعميق الأزمة الإنسانية في المنطقة.
“الوضع الأمني حرج”، يقول المتحدث باسم “قوّات سوريا الديمقراطية” سيامند علي من داخل ثكنته، ويضيف: “سقطت الشهباء أولاً، ففرّ الكثيرون إلى منبج، بينما لجأ آخرون إلى حي الشيخ مقصود في حلب”، ويتابع الضابط وهو يعدّل نظارتيه: “لكن لم يكن هناك وقت للراحة، إذ أُجبر السكان على إخلاء المدينة، وهي الآن في أيدي حلفاء أردوغان”. تحاول “قوّات سوريا الديمقراطية” الصمود عند سد تشرين الاستراتيجي، الذي يقع على بُعد بضعة كيلومترات فقط من منبج.
بينما تواصل الطائرات التركية والمسيّرات قصف المنطقة، تسافر مجموعات من الناشطين لتقديم الدعم المعنوي لـ”قوّات سوريا الديمقراطية” بالقرب من السد. “لا يمكننا التوقّف عن الدفاع عن السد، إنه آخر خط دفاع لدينا”، تقول هدى حماد (42 عاماً)، وهي عضوة في منظّمة نسائية، وتضيف: “برغم أننا مدنيون، لا تفرق القنابل بيننا”، مؤكّدة أنها جزء من اعتصام دائم، احتجاجاً على الهجمات، وأنه منذ 8 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، قُتل 24 مدنياً وأُصيب 200 في محيط السد.
“سد تشرين لا يزوّد شمال سوريا بالكهرباء فقط، بل له دور مهم أيضاً في الزراعة”، تشرح سوسن خليل من إدارة المياه في كوباني. وبعبارة أخرى، يضمن سد تشرين الأمن الغذائي والمائي إلى جانب الكهرباء. “بنية السد معلّقة بخيط رفيع، فهو يتعرّض لهجمات مستمرّة، وأي خرق قد يؤدّي إلى كارثة”، يحذّر مصدر آخر في الإدارة، رفض الكشف عن هويته، “هناك فريق تقني داخل السد، لكن عندما يشتد القصف، يخشى الفريق الخروج”.
أصبحت المعركة من أجل المياه أكثر احتداماً منذ ذلك الحين. في محطة استخراج مياه صغيرة على الحدود التركية، تعرّض العمال للهجوم ما لا يقل عن خمس مرات. يقول رحمن محمد (50 عاماً)، وهو عامل في السد: “منسوب الفرات يتناقص لأن تركيا تحوِّل تدفّقه عبر سد أتاتورك في الشمال”، ثم يواصل حديثه من داخل غرفة المحركات الصاخبة: “نأتي إلى العمل ونحن خائفون، فقد أُصيب ثلاثة من زملائنا في انفجار سيارة، وأُصيب آخر برصاصة”، يقول العامل الذي يتقاضى راتباً زهيداً.
تخدم هذه المعارك هدفاً استراتيجياً لتركيا؛ فهي مفتاح توسيع نفوذها في سوريا. وبينما تتعثّر جولات المفاوضات بين الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها والإدارة الجديدة، يكسب “الجيش الوطني السوري” وتركيا الوقت لمواصلة عمليات الاستنزاف ضد “قوّات سوريا الديمقراطية”.
لطالما اعتبرت تركيا “قوّات سوريا الديمقراطية” كياناً معادياً، لكنها حتى الآن كانت مقيّدة بسبب الوجود العسكري الأميركي في المنطقة، الذي يسعى إلى استبدال “قسد” بحلفاء أكثر توافقاً مع مصالحه، لكن الظروف تغيّرت بشكل كبير بعد وصول “هيئة تحرير الشام” إلى السلطة وتحالفها مع “الجيش الوطني السوري” وجماعات مسلّحة أخرى.
فقدت “قوّات سوريا الديمقراطية” آلافاً من عناصرها في القتال ضد تنظيم “داعش” والفصائل المسلّحة المدعومة من تركيا، وتعتبر أنقرة أن “قسد” امتداد لحزب “العمال الكردستاني/ PKK”، وهو تنظيم كردي مسلّح تصنّفه كمنظّمة إرهابية. لهذا السبب، ترى تركيا في مشروع الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها، مشكلة استراتيجية منذ تأسيسه بعد الانتفاضة الشعبية في عام 2011 ضد نظام الأسد وبداية الحرب الأهلية.
إحدى هذه الإشكاليات كانت عندما أنشأت التنظيمات السياسية الكردية، وعلى رأسها “وحدات حماية الشعب/ YPG”، مشروعاً سياسياً مستقلاً بحكم الواقع، مستنداً إلى اتفاقيات مع زعماء العشائر العربية والمجتمعات متعددة الإثنيات والأديان. وقد حققت هذه السلطة مستويات عالية من الحكم الذاتي من خلال إدارة الشؤون اليومية للمنطقة، التي يسمّيها كثر من الكرد “روج آفا – كردستان الغربية”.
دور العشائر
أدّت سياسات التغيير الديموغرافي منذ العام 1970 التي انتهجها آل الأسد، وفي السنوات الأخيرة تركيا، إلى تعقيد ميزان القوى، ما جعل الكرد أقلية في الأراضي التي يطالبون بها تاريخياً، وكان هذا هو أساس التفوّق الميداني لأنقرة في منبج، كما يُوضح المتحدث باسم “قوّات سوريا الديمقراطية” سيامند علي وهو يرتدي سترته الرسمية: “جزء من العشائر هناك كان دائماً معادياً للإدارة، لكن هذا ليس حال جميع المناطق”.
في مكتبه، يوضح الشيخ بندر، أحد زعماء قبيلة شُمّر القوّية بالقرب من العراق، قائلاً: “بعض العشائر قاتلت إلى جانب داعش، بينما انضم رجالنا إلى وحدتنا التي تضم 4,000 مقاتل، وتُعرف بالصناديد’”، ويتابع الشيخ، الذي يرتدي بدلة ويضع شالاً أبيض على رأسه: “قاتلنا من أجل تحرير المنطقة منذ العام 2014، وعندما قررنا أن نكون جزءاً من قوّات سوريا الديمقراطية، منذ ذلك الحين نحن مسؤولون عن أمن هذه المنطقة”.
هذا التحالف يشكّل ركيزة أساسية لاستدامة الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها، حيث بُني على سنوات من الدفاع عن المجتمعات ضد “داعش”، الذي ارتكب عشرات المجازر بحق العشائر العربية. بالنسبة الى الشيخ بندر فإن “داعش لم يحترم البنية القبلية، بينما فعلت الإدارة الذاتية ذلك”، ما جعل الكرد، رغم كونهم أقلية، يعتمدون في نظامهم على احترام الهياكل العشائرية، على عكس ما فعله تنظيم “داعش”. هذه العلاقة محورية لفهم أي تحوّل محتمل في التحالفات المستقبلية.
جالساً على فرش تقليدية بجوار مدفأة منزله، يُوضح الشيخ فارس حوران في الرقّة موقفه قائلًا: “رغم أننا لا نُعفي الإدارة من النقد ونرغب في سوريا موحّدة، فإن علاقتنا مع حكّامنا قائمة على الاحترام، ولا ندعم أي عمل عسكري. على العكس، نريد حلولاً سياسية سلمية”.
شنّت تركيا أربع عمليات عسكرية ضد هذه الكيانات منذ العام 2016، مثل عملية “درع الفرات” و”غصن الزيتون”، وسيطرت على مساحات واسعة على طول حدودها، ما أدّى إلى نزوح مئات الآلاف من الأشخاص في محاولة لتقويض أي مشروع سياسي بديل. يشير القصف المستمر للمناطق المدنية إلى أن هذه الهجمات لن تتوقّف حتى بعد سقوط الأسد.
أزمة إنسانية جديدة
“ها نحن هنا، انتهى بنا المطاف في ملعب كرة القدم البلدي في الطبقة، ننام ونعيش في ظروف غير إنسانية، من دون مأوى آمن لفصل الشتاء”، تقول أرين سليمان (32 عاماً)، وهي أم لأربعة أطفال، أحدهم يعاني من اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD). بالنسبة إلى كثيرين، هذه هي المرة الثالثة التي يُجبرون فيها على النزوح منذ العام 2018.
مصطفى رشيد رئيس مخيم النازحين داخلياً، يراجع الأرقام: “هناك حوالي 150,000 نازح في الطبقة، مع ما يقارب 1,300 عائلة هنا، بينما ينتشر أكثر من 2,000 آخرين في أماكن مثل المدارس والمساجد، في حين يوجد قرابة 200 شخص بلا مأوى”، يقول الرجل ذو اللحية الرمادية (55 عاماً)، و”الخيام مكتظّة، لا يوجد أي خصوصية، وهناك مشاكل خطيرة في الصرف الصحي”، يضيف رشيد. أما باقي النازحين، فهم منتشرون في مناطق أخرى مثل قامشلي وكوباني، ويعيشون في ظروف مماثلة.
جالسة بجواره، تشرح نسرين فهيمة أن “الفصول الدراسية توقّفت بسبب هذا الوضع، ما تسبب في مشكلات تعليمية خطيرة”، تقول ذلك بينما تأخذ رشفة من الشاي. “هناك مشكلات صحية من جميع الأنواع بسبب البكتيريا في المياه، ليس لدينا أطباء، وقد تُوفي بالفعل طفلان دون السنة من عمريهما بسبب البرد”، تتابع المرأة ذات الشعر الطويل (42 عاماً). “كما تُوفيت امرأة مسنة بسبب نقص الرعاية”، تضيف بأسى.
“لا توجد أدوية أيضاً، وهناك أشخاص يعانون من أمراض مزمنة خطيرة مثل السرطان أو يحتاجون إلى غسيل كلى، ناهيك بالصدمة النفسية الهائلة التي مررنا بها”، تشرح فهيمة بوجه قلق، جالسة بجوار المدفأة.
المنظّمات غير الحكومية مثل الهلال الأحمر الكردي و”اليونيسف” أرسلت مساعدات، لكنها غير كافية، بخاصة مع نقص المعدات الطبية المتقدمة. “أصبح النقص جزءاً من حياتنا اليومية”، وباختصار، “الوضع الإنساني كارثي”، تختم حديثها.
مشكلة الاندماج
ببطء ولكن بثبات، فتح قادة الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها، قنوات تفاوض مع السلطات الجديدة في دمشق، بشأن مستقبل الكرد، الذين يشكّلون 10 في المئة من سكان سوريا قبل الحرب، وهم لا يسعون إلى حكم ذاتي كامل بحكومة وبرلمان مستقلّين، بل يريدون ببساطة اللامركزية الإدارية، أي مساحة لإدارة شؤونهم اليومية.
لكن السلطات الجديدة متحالفة مع الجماعات المسلّحة المدعومة من تركيا، التي شنّت هجوماً على الكرد في كانون الأول/ ديسمبر، مستغلّة الفوضى التي أعقبت سقوط الأسد. بمعنى آخر، فيما تحاول قيادة “هيئة تحرير الشام” إبداء ضبط النفس، وتسعى إلى دمج المجتمعات المختلفة، فإنها تعتمد بشكل كبير على جهات خارجية مثل أنقرة والرياض والدوحة.
للصراع المستمر تداعيات كبيرة على مستقبل سوريا، حيث تحاول الحكومة الجديدة، بقيادة الجماعة الإسلامية المتمرّدة السابقة “هيئة تحرير الشام”، ترسيخ سلطتها والشروع في إعادة الإعمار بعد قرابة 14 عاماً من الحرب الأهلية، بينما تسعى الآن إلى تحقيق قدر من الاستقلال الذاتي.
في اجتماع مغلق بين أحمد الشرع (المعروف سابقاً باسم محمد الجولاني) والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أُبرم تحالفهما بشكل صريح. أعلن الشرع أن سوريا تسعى إلى “علاقة استراتيجية عميقة في جميع المجالات” تخدم مصالح البلدين. كما شدد على ضرورة وضع “استراتيجية مشتركة لمواجهة التهديدات الأمنية في المنطقة”، مشيراً بشكل خاص إلى شمال شرقي سوريا، الخاضع لسيطرة ميليشيا يقودها الكرد ولا تخضع لسلطة “هيئة تحرير الشام”.
رغم أن الشرع لم يشارك بعد بشكل مباشر في الصراع، فإنه أبدى استعداده للتعاون في مواجهة ما وصفه بـ”الإرهاب في الشمال”.
لا يزال مصير الإدارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها غير واضح، بخاصة بعدما قررت الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة دونالد ترامب التخلّي عن حلفائها العسكريين السابقين، ما أدّى إلى كسر التحالف الذي هزم “داعش”، والذي لا يزال ضرورياً لمنع عودته. حتى الآن، المفاوضات متعثّرة بينما تزداد الأزمة الاقتصادية والإنسانية سوءاً بالنسبة الى الكرد.
درج
——————————————-
ملاحظات
Jamal Alshoufi
حول المؤتمر ومشاركتي به….
من خلال وجودي في ورشة البناء الدستوري هناك تعطش سوري عام للحرية والكرامة والمواطنة.
الورشة ضمت أنماط سورية متعددة من فعاليات دينية اسلامية ومسيحية واشورية وكردية وعشائر ونخب سورية فكرية وثقافية وقانونية ….
رغم الاختلاف بوجهات النظر حول الدستور، وهو امر طبيعي، لكن ما قدمته وشاركني به الكثير من الحضور ووثقت بالمخرجات:
– الدستور يحتاج لوقت لانجازه بالحوار والتوافق للوصول لتعاقد وطني ويجب انتخاب هيئة تاسيسة له.
– المرحلة الحالية انتقالية تستلزم اعلان دستوري يتضمن مبادئ دستورية مؤقتة عامة اقترحت ان تستند لدستور ١٩٥٠ وهناك من اشار لدستور ١٩٢٠ والنتيجة التوافق على الاستناد لروحية هذه الدساتير بعامها.
– الإعلان الدستوري يضمن صون الحريات والحقوق وترسيخ مفهوم المواطنة وحق المرأه والإعلام المستقل والحر والعمل المدني واصدار قانون للأحزاب.
– تضمين الاعلان الدستوري فصل عن العدالة الانتقالية بكافة تفاصيلها.
– تضمين الاعلان فصل يتعلق بمدة المرحلة الانتقالية (عامان عالاكثر) وصلاحيات الحكومة الانتقالية وتحديد صلاحيات الرئيس والحد منها.
– اعادة الإعمار ورفع العقوبات واعطاء المتضررين من ذوو الشهداء والمعتقلين والمهجرين وساكني خيم النزوح والمتضررين من مفصولين وووو أولوية في اعادة الإعمار وانصافهم وطنيا….
افكار كثيرة تم تداولها بهذا السياق اتسمت بالتنوع والاختلاف مع سواد المحبة وقبول الاخر والتعاون بين الجميع والتفريق الدقيق بين الدولة ومؤسساتها والتي هي قيد التأسيس والسلطة المشروطة بالتداول السلمي لها كاحدى مؤسسات الدولة وضمان عدم تغولها على الدولة كما فعل عسكر البعث .
ملاحظاتي العامة على المؤتمر:
– البيان الختامي مهم ورائع.
– المؤتمر خطوة أولى بالطريق الصحيح.
– المؤتمر اشبه ب (ورشة عمل موسعة متنوعة) او (لقاء وطني موسع) يكتنف التعدد والجدية. هذا ما سجلته نقديا وعلنيا.
– المؤتمر استجابة لمتطلبات المرحلة لسد فراغها التشريعي والقانوني ويستجيب لشروط الاستقرار عربيا ودوليا.
– رغم الجهود الكبيرة المبذولة لكن التنظيم والوقت وزمن المؤتمر عليه اشارات ليست جيدة.
– المؤتمر صحيح دون امال النخب العامة بان يكون سياديا وبقرارات ملزمة وبزمن واسع كما افترضته قبل المؤتمر بمقال سابق، لكن الظرف الموضوعي الان يتطلب الاسراع ببناء المؤسسات وتذليل العقبات والصعاب الحالية والدخول بالمرحلة الانتقالية فعليا… وتبقى فكرة المؤتمر العام قائمة في اي وقت خاصة بنهاية المرحلة الانتقالية….
ملاحظة اضافية، احدى السيدات قدمت نفسها انها ام لخمسة شهداء اثنان منهم بصيدنايا بالمعتقل….. والسؤال ماذا نفعل لها وإمثالها الان؟
أحد الحضور رجل دين كان احد المشرفين على عمليات التحرير ممن ظهر باحدى اللقطات يقول اذهبوا وأنتم الطلقاء، كرر مرددا لا نريد ثأر بل دولة وان يقبلنا السوريون بأننا لسنا إرهابيون ولا قتلة…
شكرا لكل من ساهم براي ايجابي او نقد سلبي حول المؤتمر وظروفه وجميعها تستحق المراجعة.
شخصيا قمت بواجبي وما افترضه بالشأن العام دون اخلال بالثوابت العامة، متفهما وبحرص رغبة الجميع بالتعبير والحضور في المؤتمر، واتمنى للجميع تحقيق ذلك، اقله للاستماع للاصوات السورية المختلفة عن اصواتنا وتطلعاتنا وهذا هو الجوهري بالمؤتمر او اللقاء الموسع.
من خلال لقائي بالعديد من الزملاء والاصدقاء السوريين والذي كنا نعرف فقط افتراضيا او نقرأ لبعض، كان هناك اشادة كبيرة بفريق السويداء وبما قدمته ساحة الكرامة وبالفكر النير والحوار المتسع الذي قدم في المؤتمر…
كلي امل بالقادم والمستقبل بتكاتف وتشارك الكل السوري للعمل لبناء الدولة والبدء بعمل سياسي فعلي مختلف عن المرحلة السابقة …
الفيس بوك
———————————
ملاحظات
Maria Shukri تشعر بـالإيجابية.
صباحكم ورد وفلّ وياسمين.. وشكراً جزيلاً لكل مشاركاتكم اللطيفة، والله لو ما الإعلام الفاضح 🤣 نزّل صور ما كنت ناوية أنشر. لكن حصل وكله لخير.
أولاً: ألف حمد وشكر أن أكرمني الله سبحانه وتعالى بالعودة لبلدي سورية بعد غربة 12 سنة قسّرية مثل كل السوريين. والعودة نهائية بإذن الله.
ثانياً: فيما يخص مؤتمر الحوار الوطني السوري، فوالله ما بستاهل أكيد لست بسياسية ولا أكاديمية مرموقة ذات أبحاث.. وحتى مسيرتي التربوية التكنولوجية.. مو أنه والله عبقرينو زماني… بس أكيد سورية شامية للعضم.. مثل ما بيقولوا.. والله يرحم الوالد والوالدة اللي هيك ربّونا.
شاركت بدعوة كريمة من لجنة الحوار بالمؤتمر التمهيدي ومؤتمر يومي الاثنين والثلاثاء اللي كان فيهم مقررات تم تلاوة بيانه في حينه بوجود كريم من رئيس الجمهورية والحكومة الكريمة.
هلق بقة لبّ البوست: الكل بعت سألني شو لقيت؟ متفائلة؟ شو الوضع؟ وفي أسئلة اجتني ما الها أي علاقة بمؤتمر حوار أو مصالحة أو أي شي وإنما أمور معيشية.
الجواب باختصار شديد هو التالي: نعم أنا متفائلة جداً بصفتي مواطنة سورية وأم ومربية.. وجداً جداً… كل من حضر المؤتمرين شعرنا شعور غريب جميل… ألا وهو:
1- وقت انوجدنا بأول الأمر.. بتسلم على الناس اللي بتعرفها.. طبيعي، لكن يوم الإثنين في اجتماع التعارف بفندق الداماروز.. الحقيقة صار أمر جداً جميل ألا وهو تجرأنا نقرّب ونكسر حاجز خوف بعرفك أو ما بعرفك… ووصلنا لنقطة أنت سورية وأنا كمان وبدون مبالغة أي حضننا بعض. برأي هذا من أهم الأمور. هلكتوا عمرنا… من الشام لا من حماه لا من إدلب… خلصنا بقة.. نحن سوريّات… كلنا للبلد ومن البلد وبرأي هي نقطة هامة جداً عمل على حرماننا منها نظام البعث والعسكر.
2- تواجدنا بقصر الشعب لمدة تقارب ال10 ساعات أو أكثر وبدون مسبحة إبليس اللي هو الموبايل أكبر تلهاية بالعمر، كانت تجربة فظيعة لأنه ركزّنا مع بعض نحن مكوّنات الشعب السوري، ومن كافة الأطياف، وداخل اللجان صار حوارات وانفعالات ولكن صدقاً كان همنا البلد بلدنا تبعنا.. مو أي شي ثاني.. لقينا أديش في نقاط جامعتنا والله بدون مبالغة أكثر بكثير من اللي مختلفين عليها أو ممكن لا سمح لها تودي بنا إلى تفرقة.
موحدّين مية بالمية بالرؤيا…. أكيد لا، وما لازم نحن مو قص لصق، والحقيقة كل شخص من اللي كانوا موجودين بيمثل أوجاع ملايين السوريين في الداخل والشتات والمهاجر.
بس الحقيقة أنه التفاؤل صدقاً كان جامعنا.. وحسيت أهم شي وأهم من كل القرارات التي لا تقل أهمية… بس رأي المتواضع… كلنا كنّا بدنا بلد المواطنة والعزة والكرامة… وكلنا كنّا شايفين أنه وظيفة كل سوري مو سهلة أبداً أبداً لأنه بلد مهدودة بتدمير ممنهج انشغل عليه من أبالسة إبليس نفسه…
متفائلة.. لأنه ما عندي شك أنه كلنا بدنا البلد…
كلمة هي الأهم… بدكم تجنّوا ويعصّ على قلبكم روحوا اسمعوا واقرأوا الفوضى الخلاّقة اللي عم تسببها وسائل التواصل والقنوات الفضائية اللي كل واحدة ولا أبرئ ولا واحدة منها ولا اللي اسمها سوريا من الفوضى الخلاّقة اللي بدهم ندخلها.
عن نفسي.. أنا متفائلة وسعيدة أني بالبلد وعم عيش مع أبناء وطني وعم نعاني ولح نعاني.. أكيد.. ما في شي ببلاش.. بس صار عنّا حب وقلب كبير يسعنا ما كنّا محصلين منه ذره. (ياريت تحطوا تحت هالكلام ستين مليون خط)
نصيحتي:
1- كرمال الله والأنبياء والأولياء… خففوا سوشال ميديا إلا إذا حابب تعيش وجع مستمر متواصل، وتنجلط فوقها…
2- خلينا نصبر ونشتغل.. والله بدها.. والله بدها والله بتستاهل كثير.. الروح بترخص لها.
3- بشّروا ولا تنفروا.. بشّروا ولا تنفروا.. بشّروا ولا تنفروا…
آخر كلمة لكل مين برات البلد وقلبه عالبلد… كرمال الله تفضل تعا لجوا وساهم.. كلامك من برّة رغم كل حبك وخوفك.. ما عم يكون عامل مساعد.. بل بدون قصد أكيد ولكن عم يوجّع شوي لأنه باللاشعور البُعد بيعمل غربة، مو قدران تجي… أكيد في ملايين مو قدرانة.. بس لا تحكي بالهبرلول.. أحكي بقلب لحدا يقدر يعمل.. بدك تقول ما حدا عم يسمعنا… معليش هالكلام مو دقيق.. لأنك إذا وعيان وأكيد أنت وعيان وضع البلد.. فما صار البلد لسه راجع اله كم يوم ما لح تنصلح بكلمة… قدّ ما كانت….
في ناس ما عم تنام بالبلد على فكرة.. ناس مثلنا.. ومو مبالغة.. وفي ناس لسه عايشة بلطجة زمان مفكرتها مخلّدة… أو أنه لح ترجع.. وحياة عيونكم ما لح ترجع…
بتشكّر كل سوري أو سورية بالاجتماعات شاركوا أوجاعهم وآلامهم معنا.. كلنا انوجعنا.. كلنا تآلمنا… كل إنسان اله جمال تميّز وتفرّد بتجربته…
نحن شعب بيستاهل يعيش، ويبني، ويأبدع….
تفضلوا.. مني وجرّ… في تضحيات كثير كثير .. ما بدنا نضحك على بعض. بس ألف ألف حمد وشكر.. أولادي وطلابي وأبناء بلدي صار الهم وطن ينفدى بالعمر والدم والروح. نسأل الله أن يقبلنا ويستخدم كل ذرّة فينا لخدمة بلدنا..
الروح بترخصلها… الشام
الفيس بوك
———————–
ملاحظات
Haneen Alwatan
صباح الخير يا أحباب
اعتذر للتأخر بالحديث عن المؤتمر.
شاركت قبل البارحة بمؤتمر الحوار الوطني في قصر الشعب.
حقيقةً تنظيم حدث بهذه الضخامة وبهذه السرعة كان تحدياً صعباً وواضحاً، واعتقد أنه انجز بالطريقة الافضل تنظيمياً.
دخول قصر الشعب لاول مرة بالنسبة لي واحساسي اتجاهه بالملكية لاول مرة كان غريباً وممتعاً.
غياب شعور السلطة والتسلط والخوف وعدم القبول التي كانت تربطني بالسلطة لسنوات طويلة، سقطت ولم تكن موجودة.
كنت موجودة في محور الحريات الشخصية والحياة السياسية.
أما عن المؤتمر حتى لا أطيل سأتحدث كنقاط:
🌀آلية العمل:
بعد الانتهاء من مراسم اطلاق المؤتمر، تقسم المشاركون وعددهم اكثر من ٩٠٠ مشارك ومشاركة على المحاور الرئيسية الستة المعلنة مسبقاً.
ولكل محور كان هناك قاعتين او اكثر بسبب العدد، كل قاعة تضمنت بين(٦٠-٣٥)شخص.
بدأ الحوار بناء على ورقة وزعها الميسرين علينا، فيها مجموعة نقاط استمدت من الجلسات التحضيرية كما ذكر الميسرين، حيث كان لكل محور ورقة، وفي كل قاعة كان هناك ميسر ومساعد ميسر.
وكان الحوار مبني على هذه الورقة.
ثم عولجت المخرجات من فريق التيسير وأتت كنقاط مصاغة، ثم ناقشناها في المجموعات،ثم بعد اقل من ثلاث ساعات صدر البيان النهائي للمؤتمر.
علماً ان اللجنة اخبرتنا ان نتاج عملية الحوار التي تمت تضمنت:
١- مخرجات الجلسات التحضيرية
٢-عشرة الاف مشاركة عبر الرابط الالكتروني
٣-اكثر من ٧٠٠ ورقة
٤-مخرجات المؤتمر الوطني الاخير.
🌀ملاحظاتي :
١- لم يتضمن البيان كل الافكار التي طرحت بشكل قاطع، فمثلا نقطة الاحزاب التي كانت بمحوري والتي أخذت نصف النقاش تقريبا لم ترد أبدا في البيان، كما الحديث عن الديموقراطية وهوية الدولة.
٢-كان هناك اشكالية عميقة في آلية التيسير المتبعة كخطة عمل وليس كأداء أو تنفيذ،فقد كانت جهود الميسرين والميسرات ملحوظة وعالية.
٣- التمثيل في المؤتمر كان جيد، لكن نسبة النساء كانت اقل من ٣٠٪، و غياب معايير للدعوات واليات واضحة للتمثيل يعرض العملية كلها لاشكالية في الشرعية.
٤- غياب الاكراد عن المؤتمر إشكالية كبيرة. فكل آفات سوريا وحروبها ولدها التهميش والاقصاء فلماذا نعود للوقوع بالفخ؟
٥-أثمن تأكيد البيان على الوحدة والاستقلال ورفض التقسيم وادانة العدو الصهيوني .
٦-أهم النقاط على الاطلاق، يجب أن يكون هناك الية واضحة لاستمرار الحوار فهناك تقرير عن العملية كاملة كما ذكرت اللجنة، و هذا الاستمرار هو الضمان الوحيد للاستقرار والشرعية وضمان التشاركية وتمثيل مصالح الجميع.
٧- ترافق انطلاق المؤتمر بتهديدات واسعة لوحدة سوريا واستقلالها واستقرارها، وهذا صلب وسبب مشاركتي في المؤتمر، فإعادة صناعة مستقبل وشرعية سوريا هي مسؤولية الجميع اليوم في الشمال والجنوب والوسط.
٨- قلت، والجميع يعلم بمن فيهم الدولة،أن هذه العملية ليست حوار وطني شامل وحقيقي اذا لم يستمر ويكون له الية واضحة ومعايير وضوابط.
٩- نأمل أن يتحول البيان الى حقيقة وألا يبقى حبراً على ورق كما اعتاد السوريون والسوريات.
هناك فرصة حقيقية لعودة سوريا واحدة مستقلة، وهناك الكثير مما يمكن قوله والعمل عليه.
أشكر كل من وثق بي وحملني رسائل وافكار وأوراق.
واتابع مسؤوليتي كسورية بمتابعة الحوار بين الجميع عبر اليات عديدة.
شكرا واعتذر للاطالة
الفيس بوك
————————–
لماذا يجب هزيمة قسد ؟/ ماهر سليمان العيسى
في ردي على إحدى الصديقات التي سألت (ما هو مشروع قسد) الذي أعارضه وأطالب بالتصدي له بكل ما لدينا من قوة كتبت التالي :
ملاحظة: للأمانة في النص هنا بعض الإضافة والتعديل.
سأتجاوز بالحديث هنا عن كل ما سجل من انتهاكات وجرائم وتهجير للمدنيين والناشطين والسياسيين (السوريين من أصول مختلفة) بمن فيهم الأكراد. وسأتجاوز عن الحديث في قضية التجنيد القسري للأطفال، وعن قضية المقاتلين الأجانب، وكذلك التنسيق مع النظام السابق في العديد من الملفات فكل هذا معروف ومعلن ولا يحتاج لتوكيد أو أدلة. سأتجاوز هنا عن كل هذا لأني أريد الحديث في المستور، وفيما يتم إغفاله والتعتيم عليه، إذ يمكن القول باختصار شديد أن مشروع قسد الرئيس والجوهري الذي بطبيعة الحال كان سيمتطي على ظهر ما يعرف (بالمظلومية الكردية) هو أخطر ما تواجهه سورية اليوم، وهو ما يهدد مصيرها كبلد وكيان وطني، فهو محاولة إعادة تصميم وتشكيل الكيان الوطني السوري على مقاس ما يريده من هم وراء وظيفة حزب الاتحاد الديموقراطي وأدواره القادمة، هو تصميم وتشكيل متعدد الاستخدامات، فإن لم يحقق الهدف الثانوي الأقرب أي الكيان (الكردي)، فليكن شبه كيان كردي، أو حتى خطوة ما باتجاه كيان كردي، وطبعاً على حساب أرض السوريين ووطنهم، فليكن هذا التصميم والتشكيل الجديد لسورية قابلاً لتحقيق الهدف الأهم والأكبر وهو التفسخ والتشظي العميقين عبر زرع فتيل التفجير والصراع والحرب الأهلية بين أبناء البلد والأرض الواحدة، ولابد من الإقرار بأنه صراع تتلبد ملامحه عبر السنوات الأخيرة حتى تلك التي سبقت الثورة السورية بدءًا من 2003 واحتلال العراق، وازدادت مؤشراته وأسبابه خلال الثورة السورية تصاعداً، حيث انتشر كمٌ هائل من السلاح المخفي والمخبأ، وجنح المزاج العام الكردي لضرورة استغلال الفرصة إلى الحد الأقصى لتعويض (مظلوميتهم) حتى وإن كان هذا على حساب بلد وشعب احتضنهم بعد أن تعرضوا للتنكيل من الآخرين، هي الفرصة التي اعتبرها أغلب سياسيهم مواتيه في بلد هي أضعف دول المنطقة حالياً وأكثرها تعرضاً للتدخلات الدولية. ويصول ويجول فيها كل أشكال الشياطين وشذاذ الآفاق. واجه كل هذا توتر وغضب متناميان لدى الغالبية الساحقة من أبناء المنطقة الذي يشكل العرب غالبيتهم، ولهذا بالضبط يصر مظلوم عبدي وجماعته على أن يكون (كتلة مسلحة) داخل الجيش السوري الجديد. وليس بسبب صراعهم مع الأتراك فهذا الصراع يفترض أن ينتهي بمجرد انخراطهم بالجيش السوري لو كانوا صادقين.
نعم هو تشظي وانفجار ينمو في أرض خصبة جداً له هذه الأيام، وسيكون بطبيعة الحال في أي لحظة مناسبة تحتاجها وتقررها الجهة الأساسية الراعية والداعمة لإنتاج وبقاء وتقوية التشكيل العسكري المعروف باسم قوات سورية الديموقراطية (قسد) أي إسرائيل دون غيرها، فهي الجهة التي أصرت ومارست الضغوط والحيل المختلفة لمنح توكيل حصري لفرع حزب العمال الكردستاني PKK في سورية أي حزب الاتحاد الديموقراطي (PYD) بتشكيل جسم عسكري وقيادة الحرب على داعش ابتداءاً من عام 2015 (بمقاتلين أغلبهم من غير الكرد من المجموعات المسلحة العشائرية التي كانت تبحث آنذاك عن حماية أمريكية من تغول داعش وعن آكل عناصرها وشربهم). مضاف إليهم مجموعة من الوجهاء العشائريين والطامحين من شائهي الوجوه والرخيصين في المنطقة كواجهة (تحلل) وجود هذا المشروع شكلياً. تم هذا مع استبعاد قوة مهمة من الجيش الحر الذي تم تشكيلها آنذاك باسم (جيش الحق) والذي كان قادراً وجاهزاً لمهمة مواجهة داعش وإنهاء وجودها الذي كان ناشئاً في كل محافظات المنطقة الشرقية من سورية (دير الزور والرقة والحسكة) حين طلبت قوات التحالف الدولي قوات ضرورة وجود قوة محلية موجودة على الأرض لمواجهة الدواعش.. فنمت قسد بسرعة هائلة.. وأضعف الباقين بنفس السرعة، وعلى رأسهم الجزء الآخر من حلفاء التحالف لمحاربة داعش في الجيش الحر (جيش مغاوير الثورة) الذي لم يسمح بتجاوز عدد عناصره 400 مقاتل مع أنه (كما هو مفروض) يغطي كل منطقة البادية، والحدود العراقية الأردنية، ومنع من الانتشار في منطقة دير الزور وخط الفرات لماذا؟ لأن المجموعات العشائرية المقاتلة التي كانت تنضوي تحت إدارة قسد في منطقة الجزيرة السورية كانت تطالب علناً بأن تكون تحت قيادة جيش مغاوير الثورة ، وقد كان هذا خيارها الوحيد لأن انشقاقها عن قسد أنذاك بدون انضمامها للمغاوير سيجعلها بلا مظلة قوات التحالف وتقع فريسة لداعش أو للمليشيا الإيرانية والنظام.
لقد كان لافتاً ومدهشاً في تلك الفترة 2014-2015 أن يعلن محللي المخابرات الأمريكية أنه تعرضوا لعملية تضليل ممنهجة وزودوا ببيانات (كاذبة) عن واقع داعش وواقع القوى المناوئة لها في سورية عامة وبشكل خاص في المنطقة الشرقية، من قبل القيادة المركزية للقوات الأمريكية في العراق التي كان يرأسها (الجنرال لويد أوستن) الذي كان ينسق فريقة في كل التفاصيل مع عناصر الموساد ، وكان هذا لتوجيه القرار الأمريكي ومعه الدولي لصالح تسليم المهمة (لحزب الاتحاد الديموقراطي) وتشكيلاته العسكرية، مع ملاحظة أن هذا الجنرال أوستن انتقل بعدها من منصبه هذا إلى منصب وزير الدفاع خلال ولاية بايدن كأول وزير دفاع أمريكي أسود .. ما استدعى قيام المفتش العام لوزارة الدفاع الأمريكية بإجراء تحقيق لفلف من خلاله هذه الفضيحة التي تسربت للإعلام حينها، ويمكن الاطلاع على تفاصيل هذا في التقرير والتحقيق الذي نشرته CNN:
من جهة أخرى ليس سراً أن هذا التكليف الحصري (الذريعة) لقسد هو المبرر الرئيس الذي بسببه مازالت هناك بؤر لداعش منتشرة في البادية السورية حتى اليوم. ولا تمس من قبل أي أحد، في الوقت الذي (جيش مغاوير الثورة سابقاً ) المتمركز في قاعدة التنف قد طلب مراراً أن ينجز المهمة ويطهر كل المنطقة من الدواعش، ولكن قوات التحالف كانت ترفض دون أي سبب منطقي.
هذا إضافة إلى تمسك (قسد) بوجود مراكز اعتقال الدواعش تحت سيطرتها، ورفضت عرض (جيش مغاوير الثورة منذ عامين أو سلطات دمشق الحالية استلام هذه المعتقلات والسيطرة عليها، حيث هددت مراراً أن محاولة لإسقاط مشروعها من قبل السوريين أو الأتراك (كل لأسبابه) ستقوم بإطلاق الضباع الداعشية.
وللحديث بقية…
الفيس بوك
————————–
ملاحظات
Tammam H Hunaidy
2 ي ·
عن السويداء ومؤسستها الدينية ورفض الشرع الاستماع للصوت السوري في السويداء.
مخطئ من يعتقد أنّنا نعلن رفضنا تصريحات السافل حامي الأقليات الجديد خضوعاً لابتزاز وطنيّ من نوع ما، أو إثباتاً لسوريتنا أمام بقية السوريين. بقية السوريين مطالبون، كما نحن، بإعلان موقفهم أيضاً. نحن نعلن رفضنا لأسباب أخرى تماماً، ليس من بينها شهادة حسن السلوك، وهو ليس موجهاً للداخل السوريّ
بأنساقه الاجتماعية المختلفة. نعلن رفضنا لأنه جزء من منظومة مبدئية ورثنا أساسها وطوّرنا أسبابها جيلاً بعد جيل، فإذا كان رفض الأسلاف للـ ا حتـلال منبعه دينيّ أو قوميّ (كما يحلو للكثيرين اتهامنا) فإن رفضنا أسبابه تتعلق بعنصرية هذا الكــيان وإجراميّته وظلمه، كما أنّ لنا أرضاً ما زال حتى اللحظة يحتلها بغير وجه حق، ولأنّ سلوك الاحـــتلال مع مناهضيه، ليس مختلفاً عن سلوك طغمنا الحاكمة إزاء معارضيها. فإذاً، نحن لا نطلب صكوك براءة من السوريين، ومن يعتقد عكس ذلك فلأنه يشعر بنفسه أكثريةً تملك البلد تستطيع أن تطلب شيئًا من أقلية تعيش ضيفة عليه، ونحن لسنا ضيوفاً في سورية.
ثمة مطلب طبيعيّ، يطلبه أبناء السويداء من مؤسستهم الدينية، وقد تجاوزت دورها الدينيّ منذ سنوات لتلعب دوراً سياسياً معززاً بالسلاح وقوّته، لتفرض على أبناء المحافظة الرأي والسلوك وتحتكر قرارهم وتمثيلهم.
مطلب إعلان الموقف مما حدث ويحدث، منبعه أن المؤسسة الدينية عاملت حكومة دمشق، من بعد سقوط النظام مباشرة معاملة الند الذي يطلب المحاصصة؛ معززة مطالبها بقوة السلاح أولاً، وبإدراك عجز الحكومة عن فرض الرأي على الجماعة الدرزية، نظراً لأن ثمة من سيتنطع للعب دور الحامي!
عندما اندلعت المشكلة الأهلية بين أهل الجبل وبعض البداة مطلع الألفية الحالية، وخلال تشييع الراحل فادي الأعوج في قرية الرحى، كنت حاضراً حين كانت الحشود الغاضبة تطلب أن يخاطبها الراحل منصور الأطرش، لا أي رجل دين آخر، على الرغم من وجود شيوخ العقل الثلاثة في التشييع، من يذكر من أبناء السويداء فقد كان الهتاف: بدنا بو ثائر منصور.
آنذاك، كان ثمة قوى سياسية واجتماعية مكافئة، بل متفوقة ثقلاً في دورها على دور مؤسسة مشيخة العقل. نحن اليوم، بصفتنا أبناء السويداء، نطالب بأن يكون هناك ثقل مواز لمؤسسة المشيخة مما يمنع احتكار قرار المحافظة بيد جهة واحدة، وذلك لن يكون بما أننا نواجهُ مؤسسة باتت اليوم تمتلك سلاحاً، وتعرف، كما أعرف وتعرف حكومة دمشق، أنها تتصرف بصفتها أعلى من الدولة، مستمدةً قوتها من كون النظام الحاكم حالياً في دمشق، لن يكون بمقدوره، أسوةً بالنظام السابق، أن يفرض عليها قراراً بالقوّة. لم يستطع بشّار الأسد فرض سطوته على السويداء عندما خرجت شعبياً عن طاعته قبل هروبه المذلّ بأعوام قليلة، ولو كان الأمر بيده لأباد السويداء كما فعل في محافظات كثيرة أخرى. واليوم، يعلمُ شيوخ العقل، كما تعلم حكومة دمشق، أنه ليس بالإمكان فرض القرار على السويداء للأسباب ذاتها.
نحن إذًا إزاء استعصاء اجتماعيّ وسياسيّ مخيف، فماذا يعني أن يكون مطلب رئيس حكومة الـــاحتلال منطقة جنوبية منزوعة السلاح؟ هل ينطبق هذا على سلاح أحمد العودة وفصائل السويداء؟ هل سيُسلّمون سلاحهم للاحتلال بعد أن رفضوا تسليمه لسلطة دمشق؟
لطالما ألمحت المؤسسة الدينية في السويداء على لسان شيوخ العقل أنّ تعاونها مع دمشق منوط بشكل الدولة ورغبة الحكام الجدد بالتشاركية، حسنًا، وإلا ماذا؟ ما الذي كانت تلوّح به المؤسسة الدينية منذ شهرين؟ ثمّ هل أخذت رأي أهل السويداء بهذا أم فرضت رأيها بقوة السلاح؟
كيف ستعيش المحافظة في حال لم يرغب حكام دمشق بالتشاركية والمحاصصة التي يحاول أولي الأمر في السويداء فرضها عليهم؟
ولماذا كان أولئك أنفسهم متعايشين مع وزارة الإدارة المحلية، حصة السويداء التاريخية من حكومات الأسد المتعاقبة منذ الثمانينيات حتى بعد اندلاع الثورة؟ لماذا لم تفرض المؤسسة الدينية على الأسد ما تحاول فرضه على الشرع؟
أوليس لأن حظوة الأسد عند الـاحتلال أكبر من حظوة الأقليات التي يتشدق السافل اليوم بحمايتها؟
ثمة خوف يجب أن يكون معلناً لدى كل الطوائف الدينية السورية من الإسلام السنيّ، لا ينفع مع هذا الخوف نكرانه لدى الخائفين، أو استنكاره على الخائفين لدى المطمئنين. خوف يجب أن يكون موضع نقاش عميق وصادق ووطني. هو ليس عيبًا، ولا نقيصة، لكنّه يجب أن يكون موضع تفكيك، وهذا ليس مسؤولية الطوائف الأخرى من غير المسلمين السنة فحسب، هذا مسؤولية وطنية قبل أي شيء.
ولكي يستقيم هذا النقاش، يجب اليوم القول إنّنا لا نملكُ ما نهدد به حكومة دمشق التي نخافها إلا ما يملكه بقية السوريين: الاحتجاج والاعتراض والتظاهر والعمل المدني، وحين نصل إلى طرق مسدودة، فالثورة. هذا فقط ما في يدينا.
من يحمي الخائفين هم المطمئنون السوريون، من يحمي الأقليات هم الأكثرية. من يحمي السوريين هم السوريون أنفسهم. ذلك هو التحالف الطبيعي والمنطقي.
أما أن تكون مطالبك من حكومة دمشق مرفقة دائماً بتهديد “وإلّا” رغم سكوتك عن وجود أضرحة ومتاحف لمجرمي حرب بحقّ أبناء البلد جميعاً، فهذا ما يجعلنا نطالبك بصكّ البراءة الذي تستنكره الآن. كما يجعلنا نطالب حكومة دمشق نفسها، بالاستماع إلى الصوت المدني السوريّ في السويداء الذي لا تمثله هيئة دينية ولا سلاح منفلت.
الفيس بوك
——————————–
ملاحظات
Reham Mourshed
هذه المادة للأصدقاء الذين بقوا في البلاد وتشاركت معهم قسوتها خلال السنوات الأخيرة.
هي لكل من كان يجهد ألا تصيبه لوثة الدولة الأمنية وحاول أن ينجو.
هذه المادة للأصدقاء السوريين في لبنان، وهي بقدر ذلك للأصدقاء اللبنانيين الذين وجدناهم بجانبنا.
تنذكر وما تنعاد.
——————————
كان اسمي «لينا المصري»، وكنت أكرهه. رغم أنني اخترته بنفسي في البداية لأنه يحمل اسم لينا، إحدى المحررات اللواتي ساعدنني، إلا أنني لم أدرك أنه، مهما كان الاسم، سأعجز عن تقبّله في النهاية.
في أواخر عام 2022، دخلتُ أول مرة مكتب موقع «ميغافون» في بيروت. أحببت تفاصيله. اسمع تعليق أحدهم في الخلفية: «روحي شوفي شو مغلطين، بدهن يدمروا المؤسسة!» أعجبت بطريقة التعامل مع الأخبار، وكيف أن دورة الخبر كانت أشبه بتمرين نكرّره جميعا، بحماس أو ملل، بفرح أو توجّس مختلف.
بدأت فترة التدريب في «ميغافون» التي امتدت لثلاثة أشهر، ومعها تغير موقعي كمشاهدة عن بُعد إلى أن أصبحت جزءًا من الفريق الذي يصنع الخبر. أحببت القدرة على النقد، والحرص على أخذ مسافة لرؤية القضايا من زوايا مختلفة، والعمل باستقلالية. كنت أتنفس من جديد، قدرتي على تغطية الشأن العام السوري في منصة تتماشى سياستها التحريرية مع توجهي كصحفية سورية؛ الموقف الحاسم ضد نظام الأسد ودعم قضايا اللاجئين السوريين في لبنان.
في بداية عملي، اجتمعتُ مع الفريق الذي يعمل على حماية الأمن الرقمي للعاملين. وبعد الحديث، ومعرفة أنني ما زلت أزور دمشق أحيانًا، طُلب مني اختيار اسم مستعار للعمل. لم أفكر كثيرًا، ظننته قرارًا عابرًا لن يستحق الاهتمام. عملي كان يتركز على التصميم، وتحرير الفيديوهات، والجانب الفني للمواد الإخبارية، وهو جهد جماعي لا يرتبط باسم فرد واحد. لكن الأمور لم تكن بهذه البساطة.
تسلّمت بريدًا إلكترونيًا باسم «لينا»، وكذلك حسابي على تطبيق «سلاك»، حيث ننظم العمل، بالاسم نفسه. كان الاسم يقفز أمامي على الشاشة طوال اليوم، اسمٌ ليس اسمي. لم يمضِ أسبوعان حتى قررتُ تغييره فقط على «سلاك»؛ ظننتُ أن لا أحد سينتبه. لكن بعد دقائق، تحدث معي المدير التنفيذي للمؤسسة، جان قصير. جلسنا سويًا، وسألني إن كان بإمكاني استعادة «لينا». تناقشنا؛ أنا من منطلق «ما رح يصير شي»، وهو من منطلق أن النظام السوري هو الرعب المطلق، وأن فريق الأمن الرقمي نصح بذلك.
كان جان حين يتحدث عن نظام الأسد ينقل خوفًا مختلفًا، خوف اللبنانيين الذين شاركونا معنى الحياة في ظله. اختبرت عائلات كثيرة في لبنان، ومنها عائلة قصير نفسه، كيف يتغير شكل الحياة تحت الوصاية الأسدية إلى شبكة محكمة من الخوف والمراقبة. المخابرات السورية في لبنان لم تفرض سيطرتها العسكرية فقط، بل كانت تعيد تشكيل حدود المسموح والممنوع داخل البيوت والحوارات اليومية. اغتيال سمير قصير تخطى كونه مجرد تصفية لمعارض، بل كان رسالة بأن الكلمة نفسها فعلٌ يستوجب العقاب، وأن من يجرؤ على السلطة يدفع الثمن أمام باب منزله.
لكن قصير لم يشاركنا معنى العيش في دمشق خلال السنوات الأخيرة، حيث خلقنا مجتمعًا مصغرًا نعيش فيه سويًا، نتشارك الكثير من المبادئ، والانتظار والملل، والهواجس، والخوف. كنا نجاور الوحش في عيشنا، ومع أنه لم يتوقف عن التغلغل بكل أذرعه، إلا أننا تعلمنا، وبأصعب الطرق وأعقدها في بعض الأحيان، أن نهرب.
يُقال إن من بقوا ساهموا في دقّ الأسافين في نعشه، لكنني لا أرى في الأمر شجاعة، أو هي شجاعة بقدر ما استطاع كلٌّ منا أن يبلغها، أو محاولة نجاة تلو الأخرى. لكننا كنا هنا، بجواره، ما جعلنا معتادين على الوحش، فقللنا من شأنه، فهو لن يأكلنا إن لم يعرف ماذا نفعل. وأظن أن هذا اختلاف جوهريٌّ بين من كان خارج هذا الثقب، ومن كان بداخله، ولم يُجبر يوميًا على أن يطوي لسانه في طبقات ويعض عليه مرة بعد الأخرى.
المسافة بين بيروت والشام حوالي ساعتين بالسيارة، ومع الحواجز، تمتد إلى ثلاث ساعات أو أكثر. لكنّ الدقائق الخمس التي أقضيها على الحدود السورية أمام الموظف ليضع الختم على جواز سفري كانت الأطول، حيث يرجف جسدي رجفات قاسية، أحاول اخفائها، وتتكثف دقات قلبي فيما أراقبه يدقّ الاسم حرفًا حرفًا على الكمبيوتر بإصبع واحد، ينظر إليّ ثم إلى شاشته، ويكرر ذلك.
في هذه اللحظات، لا يهم أنك «شيّكت اسمك»، أي أنك دفعت رشوة لأحدهم ليفحص لك بياناتك على أجهزة الدولة قبل قدومك للتأكد من عدم وجود أمر اعتقال ضدك. ما يهم هو أن تصدّق أنهم لم يعتقلوك، لم يتعرّفوا عليك، لم يدركوا كم تكرههم، لم يكتشفوا طبيعة عملك، ولم يعرفوا ماذا تفعل ضدهم. كان ذلك انتصارًا بسيطًا، يتوغّل داخلك، يختلط بالخوف من أن تكون قد نسيت على هاتفك صورة تجمعك بأحد أصدقائك المعروفين بمعارضتهم، أو إيميلًا يتضمّن مادة كتبت فيها ما تفكّر به حقًا تجاههم.
كانت بيروت نافذتنا المفتوحة على احتمال آخر للحياة، رغم ما حملته لنا من عنصرية. كنا نعرف أن في أزقتها أصدقائنا، وأن بيوتهم ستظل مشرعة لنا كلما احتجنا أن نلتقط أنفاسنا بعيدًا عن بطش بشار اللامنتهي. هناك، حيث تغيب السلطة إلا عن حدودها الهشة، بدا كل شيء على النقيض من سطوة المخابرات السورية. كنت أمرّ بجانب جندي لبناني دون أن يرتجف قلبي كعادته، دون أن أشعر أن عيون الأمن تلاحقني من كل زاوية. بتناقضاتها كانت أقرب علينا من مدننا المغلقة، وحريتها تلمس يدك وتدفعك إلى الأمام، حتى لو عاد وأدركك التعب لاحقًا. بيروت مجنونة لا تستقر على حال، تهبك الحياة بقدر ما تنتزعها منك، لكنها رغم كل شيء، تترك أبوابها مواربة لمن يجرؤ على العودة.
أعدتُ الاسم، وأيقنتُ أنني سأقضي معه وقتًا طويلًا، لذا كان عليّ أن أعتاده بطريقة أو بأخرى. لكن المشكلة لم تكن في الاسم فقط، بل في جذور ممتدة داخلي، في طبقاتٍ من التخفي والإخفاء، في ملاحقة الكلمات التي قيلت ولم تُقل، في كل المنشورات التي حُذفت، والآراء التي كُتمت. هي تجربة السوري مع الخوف، السوري الذي تعلّم أن الأفضل دائمًا أن يختبئ، أن يبتعد عن الطريق، أن يقلل كلامه.
كل مرة وضع أحدهم لي «تاغ»، كنت أقول في داخلي: اسمي رهام. أنا رهام. كان الأمر مضحكًا أحياناً، فالقصة لا تبدو بهذا التعقيد، خاصة أن علاقات الصداقة والزمالة في المكتب كانت تسهّل الأمور. فالصديق يراك، يسمعك، يعرفك. لكن رغم ذلك، لم يتغير شيء. وبلغت ذروته حين كنت أعمل على مواد معينة ولا أستطيع مشاركتها على صفحتي، فأكتفي بإرسالها في رسائل خاصة لأصدقائي، أخبرهم أنني ساهمت فيها، حينها سيضطرون للرد والتفاعل معي.
بشكل أقل تعقيدًا، هذا النص كتب لأقول فيه إنني عملت مع «ميغافون» خلال العامين الماضيين وأشتاقها، كما أشتاق بيروت، لكنني لا أحنّ للأسماء المستعارة، على أمل ألّا أحتاجها مجددًا، وأن تصبح هويتنا السورية أقل قسوة علينا مما مضى.
ما زلت أتدرب على قول: أنا رهام مرشد، صحافية من سوريا.
الفيس بوك
———————–
عن القسوة السورية بائعة فطائر تخاف من صور أولادها. عن الانتصارات حينما تملك سردية واحدة.
Nawwar Jabbour
اللاذقية طريق الدعتور.
…………..
في الخامسة مساءً، بعد رحلة مضنية نحو مدينة أوغاريت المنسية، خرجت حزيناً. بيت ربانو، كاتب السيرة الأوغاريتية وحكيمها، كان مليئاً بالأوساخ، والحشرات، والأعشاب، وكان الحتّ يأكل المدينة التاريخية.
كنت جائعاً. مضيت أنا ولينا ومجموعة معنا نحو بائعة فطائر. كانت في السبعين، وتُعلق خلفها صور ثلاثة شهداء من الجيش السوري. كانت غريبة، تعجن الخبز ولا تنطق أبداً، تنظر إلى الآتين وتمضي لتعجن. كان بيدها اسوارة واحدة، خفيفة جداً، من الذهب القديم المستدير بليونة. كان يلمع لأن العجين يرتطم بالسوار ويُصدر صوتاً خافتاً.
عمتي، حينما كانت تعجن بيدها، كانت تملك اسوارتين، فيخرج صوت مثل الجرس. اقتربتُ من وجهها. كانت تستمع إلى سيدة أخرى تملي طلبات الزبائن، تعجن، وتضع العجين داخل النار. لا تنظر إلى أي شيء آخر، لا تسأل عن المال، ولا عن أي شيء سوى أن تعجن وتنحني.
كان ظهرها منحنياً، وقدمها منتفخة قليلاً. حينما تُعدل إشاربها، تُعدله بأصبع واحد. كانت يدها من فولاذ، تُمسك الحطب وتضعه بيدها، ثم برقة هائلة داخل بيت النار. للحظة، افتقد نظرها كل العجين الذي تحت يدها، ومدت يدها نحو ركبتها، ثم دفعت يدها بخفة لتنظر إلى الخلف. سرقت النظر إلى صور الشهداء الثلاثة خلفها، رمقتهم بنظرة، ثم عادت لتستمع بأذنها للطلبات الجديدة.
كان علينا الانتظار، وكنت أراقب تلك الحركة الساحرة ليدها وهي تدفع الركبة لتغير وضعيتها وتنظر إلى الخلف. كان مشيناً أن يقف خلفها أي أحد. يعمل معها ثلاث نسوة ورجل يشبه الديك حرفياً. كان ابن أخيها أو أختها، لا أتذكر.
وقعت الحادثة عام 2017، حينها كان ريف اللاذقية يقطع علاقته بالنظام ويهرب منه. في الصورة، كان هناك شهيد بزي عسكري، والشابان الآخران دون لباس عسكري. بعد أن أعطيت سيجارة للديك، سألته عن أولادها. قال لي: “إي، كانت قد فقدت أولادها الثلاثة، الأول متطوع أو تطوّع، والثاني والثالث مضيا في الدفاع الوطني أو ما شابه.”
وسريعاً ما أضاف: “من خوفهم كلهم، بإيديها صنعوا البيت، كانوا ميتين جوع.” صنعت بيتاً لأولادها من العجن. مشيت سبع خطوات كبرى وخمساً صغرى، لأكتشف البيت الحجري من قطع البلوك غير المكتمل، والمكسو برداءة. كان هذا البيت القصير هو الوحيد الذي صنعته.
أولادها قُتلوا جميعاً في الجيش. خط الكهرباء كان مسروقاً، وافتخر الديك بذلك، ثم شتم الأسد وقال لي: “إذا بتكون مُخبر، خبّر.” كان العنف في اللاذقية يأخذ شكلاً رمزياً ضد النظام.
عدت إليها. كانت يداها منتفختين، وسوارها يلمع، وإشاربها يُزعجها، والنار لا تحرقها أبداً. كانت تقترب بوجهها منها دون أن ترمش. كانت تُحب النار.
إنه موت بطيء. اقتربتُ أكثر منها، فرأيت في شقوق وجهها تيبّس الملامح، والتجاعيد التي تُشكل حُفراً قاسية وواضحة. كانت حرفياً تشوي وجهها ببطء.
ماذا تُعلّمنا النار؟ لا شيء، انها تقول للجميع تشتهي الاحتراق. للمرة الرابعة، أعادت النظر إلى صور أولادها، وعرفتُ أنها أطالت تلك النظرة. من أجل من تعيش؟ من أجل الأولاد.
السيدتان اللتان كانتا بقربها كانتا من أقاربها، تلّقنانها الطلبات، ثم ظهر أنهما زوجتا ولديها. كيف عرفتُ ذلك؟ عندما قالوا لها: “مرحبا، مرت عمي”، وقبّلوا كتفها.
أمٌ تحمل ثلاث شهداء، وبحدود عام 2019، سيكون راتب التعويض أقل من أي توقع لحياة كريمة. ثم إن النظام كان قد بادر إلى منع التعويضات لضحايا الدفاع الوطني.
يا للهول! ثلاثة أولاد من أجل بيت رديء جداً! ومن أجل أن تحاول أن تقول للجميع إنها تُريد الموت.
يمكن فهمها أكثر. يمكن فهم فقراء الدعتور وريف اللاذقية بتأمل أمهات الشهداء والضحايا. ألا يكفي الحزن أحياناً؟ أو محاولة زرع اليد في النار؟
كل الوجوه السورية تحتاج إلى سرد جديد لمعرفة هذا القهر وهو يمتد. عائلة كاملة تعمل من أجل بيت بلا كهرباء، ولا رجال فيه. كل ما أخذوه من الحرب أن عائلة كاملة فقدت رجالها، وأن الأولاد يعيشون اليتم، وأن الخالة، صانعة الفطائر، ستموت سريعاً.
بالتأكيد، لم يعد يُسمح لها بتأمل صور أولادها بعد أن تُنهي بعض الفطائر لزبون ما.
الفيس بوك
——————–
ملاحظات حول التطرّف/ فوّاز حداد
25 فبراير 2025
يُحيلنا التطرّف إلى التعصّب بما هو ظاهرة معقّدة لا تستجيب للمنطق العادي. على عكس ما قد يُفترض، لا يتمسَّك المتعصّبون بأفكارهم ومعتقداتهم من دون استنتاجات عقلية رصينة، يتشبّثون بها، لا تقبل النقاش، إنها الحقيقة المُطلَقة، ولا قياس عليها. في هذه الحالة، يصبح من المستحيل عليهم أخذ أي منطق مختلف بعين الاعتبار، فيرفضون تلقائياً كلّ ما لا يتوافق مع قناعاتهم، فيعزلون أنفسهم في خانة لا تقبل التنوّع، أسرى لرؤية واحدة ومُحدّدة.
المشكلة في التعصّب ليست في الافتقار إلى المنطق، بل تكمن في الالتزام الأعمى بأيديولوجيات أو معتقدات لم تأخذ بالاعتبار مقتضيات الواقع، وإعادة صياغة العالم وفقاً لرؤية خاصّة، لهذا يبحث المتعصّبون باستمرار عن مبرّرات تؤكّد صحّة أفكارهم، من دون أن توضع على محكّ التجربة. مع هذا يبدو تفكيرهم متماسكاً ظاهرياً، لكنه في العمق متصلّب وغير قادر على التفهّم.
في هذا السياق، يُصبح التطرُّف نوعاً من الإفراط في العقلانية، وليست شدّة تماسكه إلّا في محاولته فرض منطق صارم على واقع متحرّك ومتجدّد، لا يستطيعون مجاراته، في حين يُفترض أن يكونوا أكثر مرونة وليونة. فالتفكير العقلاني السليم يتطلّب قدراً من الانفتاح على الآراء المختلفة، أمّا التفكير المتطرّف فيتّسم بالانغلاق على نفسه. من هنا، يغدو التطرّف محاولة لتحصين الأفكار ضدّ أي تحدٍّ أو تساؤل، ما يؤدّي إلى اغترابه عن المجتمع.
لكن كيف يتحوّل التفكير العادي إلى تطرّف؟ الحقيقة أنه لا يحدث فجأة، بل هو عملية تدريجية تتضمّن سلسلة من الخطوات الصغيرة التي تبدو معقولة كلٌّ منها على حدة. يبدأ الأمر بتبنّي أفكار بسيطة ومنها إلى معقّدة، ثم تتحوّل هذه الأفكار إلى قناعات راسخة مع مرور الوقت. ودائماً باتجاه اليقين المُطلق، ما يجعلها مؤهّلة لتفسيراتٍ شاملة ونهائية لكلّ ما يحدُث من حولنا.
في هذه المرحلة، يُصبح الفكر المتطرّف أكثر جاذبية لأنه يُقدّم إجابات قطعيّة تُزيل الشكوك والارتباك. ويجد الفرد في هذه الأفكار ملاذاً من الحيرة والتردُّد، يُصبح مستعدّاً للدفاع عنها بشراسة، حتى لو تطلّب الأمر تبرير العنف أو الإقصاء. وهكذا، يتحوّل من شخص عاديٍّ إلى متعصّب لا يرى في العالم سوى الأبيض أو الأسود.
تجمَعُ السوريّين اليوم همومٌ مشتركة، بينما يعيشون في جُزر منفصلة تضمّ مجتمعات صغيرة متباعدة، يحملون قناعات متناقضة، لا تشكّل جسوراً للتفاهم بقدر ما هي ساحات للخلاف، إن القدرة على جعلها مساحات للنقاش، يُحقّق خطوات على طريق تغيير كلّ جماعة، بينما تشبُّث كلّ طرف بموقفه يهدّد بتحوّل الخلاف إلى قناعات غير قابلة للمراجعة. وفي الاستمرار على هذا المنوال، تُصبح القناعة مصدراً للتعصّب، ويغدو العالم الخارجي مُعادياً لكلّ ما يتعارض معها، ما يعزّز رؤى متطرّفة وثنائية للعالم: الصواب ضدّ الخطأ.
إذن، كيف يُمكن مواجهة التطرّف؟ تكمن الخطوة الأولى في الاعتراف بأنه ليس نتيجة جهل أو ضعف عقلي، بل هو نتيجة لمنطق مغلق وعقلاني. ومن هنا، يتطلّب التصدّي له فتح قنوات الحوار، وتقديم رؤى بديلة أكثر شمولاً ومرونة، تُتيح للفرد رؤية العالم بألوانه المتعدّدة، وليس فقط من خلال ثنائية الصواب والخطأ.
يحتاج المجتمع السوري إلى تعزيز قيم التسامح والانفتاح الفكري، وتشجيع التفكير النقدي الذي يسمح بمراجعة القناعات وتطويرها باستمرار. بهذه الطريقة، يمكن الحدّ من جاذبية الفكر المتطرّف، وجعل الانتماء إلى المجتمع الكلّي أكثر إغراءً من الانعزال في هويّات ضيّقة، تؤدّي إلى التطرّف، سواء كان الديني أو العلماني واليساري والليبرالي، ويشمل أيضاً التعاطي مع الديمقراطية من خلال عدم النظر إليها على أنها بنودٌ جامدة تُفرض على الواقع، وإنما بنودٌ تتحرّى الحقيقة، موضوعها البشر والمستقبل، دون الوقوع في فخّ الانقسام.
* روائي من سورية
العربي الجديد
———————————
الاسلام السياسي وعقدة الديمقراطية/ معقل زهور عدي
يكاد أن يكون من المستحيل أن تعثر في أدبيات التيارات الاسلامية السياسية في المشرق العربي على كلمة الديمقراطية , وبدلا عنها يمكن أن تجد تكرارا لكلمات مثل الحرية والعدالة والكرامة …الخ ..
إذن هناك استعصاء في هضم مفهوم الديمقراطية , وسواء كان ذلك راجعا للخوف من جمهور تلك التيارات , أو من القناعة بأن ذلك المفهوم لايتسق مع الاسلام ولايمكن هضمه ولابد من استبداله بمفاهيم أخرى فالنتيجة واحدة وهي أننا أمام مشكلة حقيقية في الموقف من الديمقراطية .
وتبدأ المشكلة بالاسم , فكلمة الديمقراطية كما ينظر اليها البعض كلمة غريبة على قاموس التراث , وهي توحي بشيء غريب آت من الغرب , وهي بذلك محل ريبة , بل هي ثقيلة على لسان العربي المؤمن .
فإذا بدأنا بنقاش الشكل ( الكلمة ) فنجد أن القرآن الكريم حافل بالكلمات من أصل غير عربي , منها : السندس والاستبرق والقرطاس وسجيل ونمارق وزرابي وأساطير وزنجبيل والقسطاس وغير ذلك …
فإذا كانت المسألة مسألة استساغة استخدام كلمة أجنبية الأصل فهي لاتقوى على الصمود أمام استخدام القرآن الكريم العديد من الكلمات الأجنبية الأصل كما سبق .
إذن لنترك جانبا مسألة مجرد استخدام كلمة أجنبية على الأذن العربية , ونأتي إلى المضامين والإيحاءات التي تتضمنها ” الديمقراطية “.
لنبدأ بما يفكر به البعض : لماذا تصرون على مفهوم ” الديمقراطية ” الغربي ولدينا في الإسلام ماهو أفضل منه ” الشورى ” مثلا ؟
يشبه ذلك من يصر على استخدام السيف في عصر الصواريخ , فالديمقراطية والشورى هما أساسا أدوات للحكم والأداة محكومة بالزمان وما يصلح من أدوات في زمن لايصلح في زمن آخر , ومشكلة الاسلام السياسي أنه لاينظر للديمقراطية كأداة لكن ينظر اليها كعقيدة وبالتالي لايمكن التسامح معها .
يرى ابن رشد ” وجوب استعمال القياس العقلي أو العقلي والشرعي معا ” , ” فواجب أن نجعل نظرنا في الموجودات بأفضل أنواع القياس وأتمها وهو المسمى برهانا ” , “ونحن نستعين بآلات العمل في شؤوننا اليومية والدينية , دون أن نتحرى في ذلك ما اذا كان منشؤها وصانعها مشاركا لنا في الملة أو غير مشارك , نحن نذبح ذبائحنا وأضحياتنا مثلا بسكاكين لانتحرى فيها أن تكون من صنع مشارك لنا في الملة , بل نتحرى فيها فقط شروط الصحة , وهي أن تكون نظيفة غير نجسة وحادة لاتعذب الحيوان ..الخ.. واذا كنا نفعل هذا في حياتنا العملية , الدينية وغير الدينية , فلماذا لانفعل الشيء نفسه في حياتنا الفكرية ؟ يجب اذن أن نضرب بأيدينا في كتب القدماء فننظر فيما قالوه من ذلك فان كان صوابا قبلناه منهم , وان كان فيه ماليس بصواب نبهنا عليه ” ( كتاب فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال ) .
نعم الديمقراطية مفهوم غربي , نشأت بذرته في اليونان , ثم استعادت تلك البذرة حيويتها ونمت متأثرة بما حملته الثورة الفرنسية من أفكار كالحرية والمساواة والمواطنة وتجذرت الديمقراطية من خلال الممارسة لعقود طويلة وفي نهاية القرن العشرين شهدنا تحولا متسارعا في أوربة الشرقية وآسيا وافريقيا نحو الديمقراطية .
هل يجب علينا أن نعادي الديمقراطية فقط لأنها آتية من الغرب ؟
فأين نحن من الحديث الشريف ” الحكمة ضالة المؤمن فأينما وجدها فهو أحق بها “؟ . رواه الترمذي في سننه.
والديمقراطية كأداة للحكم تستند الى ثلاثة مرتكزات : المواطنة , الحريات العامة , المؤسسات الديمقراطية ,
لكن لماذا الإصرار على مفهوم الديمقراطية ؟
لأن النظام الديمقراطي وحده هو الضمان للحريات العامة والخاصة كالحق في ابداء الرأي وتشكيل هيئات المجتمع المدني المستقلة وحرية واستقلال الصحافة وبعث الحياة السياسية في المجتمع ليشعر أفراده جميعا أنهم شركاء في تقرير مصيرهم , ووضع الأسس لتداول السلطة بطريقة سلمية , ومحاسبة المسؤولين واستقلال القضاء …الخ .. وفي العصر الراهن لايوجد ما يضمن ذلك سوى النظام الديمقراطي .
ومفهوم ” الشورى ” ليس سوى النواة الأخلاقية – المبدئية للديمقراطية الحديثة التي أصبحت مفهوما عالميا منذ زمن بحيث لايمكن أن يحل اليوم مكانها مفهوم “الشورى ” بقدر ما يمكن أن يؤسس لتقبلها في مجتمعنا السوري .
وما يعنينا أكثر هو عقل الجمهور الذي أظهرت السنوات العشر الأخيرة أنه لم يتحرر بعد من الجمود والتقليد وقابلية الإنسياق وراء بعض الدعوات الشعبوية التي تستغل عاطفته الدينية لتبيعه الأوهام .
يرتبط القبول بالديمقراطية بالقبول بمفهوم المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات , وبمبدأ تداول السلطة عبر الانتخاب وليس عبر الغلبة أو العنف , وعدم وضوح المفاهيم الديمقراطية يعني سهولة الانقلاب عليها والانفلات منها وقد حدث ذلك في تاريخ سورية الحديث حين انقلب حزب البعث من حزب يقول بالديمقراطية في الخمسينات إلى حزب يتبنى نظرية الحزب الواحد القائد للدولة والمجتمع في أوائل الستينات دون معارضة ذات وزن بسبب ضعف الثقافة الديمقراطية كونها مجرد قشرة في الوعي الجمعي .
——————————
تحويل المصيبة إلى فرصة/ يوسف بزي
الخميس 2025/02/27
كانت مهمة تيارات قومية ويسارية، ثم إسلامية جهادية، ازدراء الحدود الوطنية “التي رسمها الاستعمار”، والطعن بشرعية وجود الكيانات-الدول، بوصفها كيانات مصطنعة تطمس الهوية الأصلية لشعوب وجماعات هذه المنطقة من العالم، حسب قناعات راجت لأكثر من قرن.
أيضاً، كانت مهمتها في تاريخ الصراع مع إسرائيل، أو في الحروب البينية والأهلية، الاستخفاف بـ”الخسائر”، أكان هدم العمران وخراب الاقتصاد وتمزيق المجتمعات، أو موت الناس و”استشهاد” الشباب جيلاً بعد جيل. وأكثر من الاستخفاف، كانت الأدبيات الرائجة (وما زالت) امتداح الموت والدم المسفوك وطلبه، وتعظيم التضحيات مهما كبرت. بل وفي حقبة سابقة وصل الأمر إلى اعتماد العمليات الانتحارية كنهج وسلاح.
إلى جانب هذا كله، تغاضت حركات يسارية وقومية وإسلامية، أو تواطأت واشتركت وتحالفت مع أنظمة استبدادية كان إنجازها الأبرز المقابر الجماعية.
بمعنى آخر، كانت سيادة الدول وحدودها كما حياة مواطنيها وأملاكهم وثرواتهم، عدا حقوقهم السياسية.. مستباحة ولا قيمة أو حصانة لها، بذريعة محاربة إسرائيل والاستعمار والاستكبار العالمي.
هكذا، تم إغفال ما كشفه سقوط صدام حسين من مقابر جماعية سرية لمئات آلاف الضحايا. ومهد هذا الإغفال والاستخفاف لكي يتمثّل به نظام بشار الأسد، إن بالمجازر الجماعية أو باستخدام السلاح الكيماوي. ولم يترتب على ما كشفته أهوال العراق وليبيا وسوريا أي مراجعة أخلاقية أو أيديولوجية أو حقوقية.. حتى الآن.
وإذ كان العالم يرى ضعف حساسيتنا الأخلاقية واستخفافنا تجاه ما تقترفه أنظمة وحركات مسلحة بحق شعوبها ومواطنيها، كما تجاه أعمال إرهابية مشهودة منذ ما قبل 11 أيلول 2001 وما بعدها، سوّغ هذا العالم لنفسه الاستخفاف أيضاً بأرواحنا وبسيادة دولنا على أرضنا وحدودنا، فما عادت تُذهله أو تغضبه الجرائم الإسرائيلية الموصوفة ولا يتوقف عند حقائق الإبادة والتطهير. وتعززت عنصرية استعمارية قديمة ظننا لفترة أنها تتلاشى، فعادت قيمة حياة رجالنا ونسائنا وأطفالنا أقل بكثير من قيمة حياة الإسرائيلي والأوروبي والأميركي..
وذهب الجنرالات الإسرائيليون في تبرير ما يقترفونه في غزة (ما يعادل التدمير النووي) إلى اتهامنا واتهام العالم بالنفاق، مذكراً بصمتنا والعالم عن براميل الأسد وسلاحه الكيماوي. وعلى هذا، أسس الإسرائيليون معادلة “أخلاقية” قوامها يشبه الشعار القديم: العربي الجيد هو العربي الميت.
وعلى المنوال نفسه، منح الإسرائيليون أنفسهم حق استباحة حدود الدول وإهانة سيادتها واحتلال ما تطمع به من أرض، من غير احتساب لأي احتجاج دولي، ومن دون تخوف من خرق القوانين الدولية أو الإخلال بمبادئ النظام العالمي.
اليوم، تتهدد ما بقي من فلسطين مخاطر الابتلاع النهائي. ويبدو أن سوريا التي تركها آل الأسد أشلاء وأرضاً مشرعة، أمام مخاطر أسوأ من المشروع الفرنسي في مطالع القرن الماضي بإنشاء دويلات إثنية-طائفية، بعدما أعلن الإسرائيليون عن إرادتهم باحتلال أجزاء من جنوب سوريا وفرض تقسيم البلاد ولو بالقوة أو بافتعال حروب أهلية. كذلك، لا يخفي الإسرائيليون رغبتهم بتحويل الشريط الحدودي اللبناني، بعمق كيلومترات عدة، إلى أرض خلاء، وإقامة قواعد عسكرية استراتيجية فيه، عدا الاستباحة الأمنية والاستخباراتية، براً وبحراً وجواً.
هذا ما يفرض علينا، الكف عن الاستخفاف بالحروب وبالدماء وبالدمار، وإعادة الاعتبار لمعنى الكيان السياسي المستقل، ولحدود الدولة الوطنية الدستورية. كما إعادة الاعتبار لحياة البشر واقتصادهم وعمرانهم ورغباتهم وتطلعاتهم وحقوقهم السياسية.
الفلسطينيون مطالبون اليوم بالضبط بما يحاوله اللبنانيون والسوريون من إعادة تأسيس دولة ونظام سياسي، وإعمار ما تدمّر، والبحث عن السبل وأساليب الحوار الجدي لطي صفحة الانقسامات والعصبيات الطائفية والإثنية، علّنا نبدأ السير بطريق التحرر والاستقلال، لنكون دولاً طبيعية وشعوباً وافرة الكرامة والإنسانية. هذا بالضبط ما فعله السوريون قبل قرن، حين أفشلوا المشروع الفرنسي وثاروا عليه، وحافظوا على وحدة بلادهم.
مرة قال الإمام موسى الصدر: “السلام في لبنان هو أفضل وجوه محاربة إسرائيل”. على هدي هذا القول، هل نحوّل المصيبة التي حلت بلبنان إلى فرصة؟
المدن
—————————
لماذا أعجبت النساء بالرئيس أحمد الشرع؟/ نسرين طرابلسي
معجزة أو نيزك:
الثورةُ بحدِ ذاتِها فكرةٌ عاطفيةْ، منبعُها القلبُ والأحلام. وبيئتُها خصبةٌ لازدهارِ المشاعرْ، ومنذُ أن انطلقتْ شرارتُها الأولى ارتفع سقف التوقعات، مشحوناً بمنطق الحقّ والعدالة، لكنّ ظلم النّظام استعجلَ بقنصِ شبابِنا، وتباعاً قضى زهرتُهم في الحرب وتحتَ التعذيبِ، شهيداً جميلاً تلو الآخرِ حتى عم القبح. وتسرّب البقيةُ في رحلات الموت إلى دول اللجوء والاغتراب.
بدا وكأنّ الشرّ والعنفَ بلا نهايةْ. ومع استطالةِ أمدِ الحربِ وازديادِ تعقيدِ المشهدِ السوريّ، انتشرتْ عباراتٌ كالإحساسِ العامِ والفرديِ بالعجزِ والهزيمةْ، وضاقتْ فسحةُ الأملِ وكثُرت حالاتُ الانتحار في مدن ومناطق الداخلِ وبلدانِ اللجوءِ، وحلتِ التفاهةُ محلَ الفكرِ، وصارعَ الشعبُ في كلِ مكانٍ ليتشبّثَ بما بقي لهُ من حياةٍ، بما أتيحَ لهُ من الممكنِ، متشظياً بين النحنُ والأنتمْ، والداخلِ والخارجِ، والمحررِ والمحتلْ.
كانَ لا بدَّ من معجزةٍ للخلاصْ.. حرفياً كان الناسُ يدعونَ: يا اللهُ أظهرْ عجائبَ قدرتكْ. والبعضُ منهم كانَ ينتظرُ أن يضغطَ مجنونٌ ما زرَ السلاحِ النووي ليفنى هذا العالمُ الظالمْ.. والبعضُ كان ينتظرُ نيزكاً يضعُ حداً للعذابْ.
التحرير والظاهرة:
حتى اللحظة، يعجز كثيرٌ من السوريين عن وصفِ ماحدث. يتفقونَ على أنهم لم يستطيعوا النومَ، وأنهم بكَوا كثيراً، وأن ما حدثَ لا يصدقْ. ثم يعودونَ للجدلِ والخلافْ. لقد دفعوا أثماناً باهظةً كيلا يقبلوا بما فُرضَ عليهمْ.
في الداخلِ، كان الصمتُ فعلَ ترقبٍ وانتظارٍ، لأي شيءٍ قد يكونُ أفضلَ مما هم فيهْ.. قطعتهُ الصيحاتُ والزغاريدُ في صبيحةِ الثامنِ من كانونَ الأول. كانت قيامةً حقيقيةْ.. رصاصٌ وسلامٌ وزغاريدٌ، وإعجابٌ منقطعُ النظيرِ بالمحرِّرْ. وكأنهم يقولونَ لقد انتظرناكَ طويلاً.
دخلَ المنتصرُ المظفرُ مصحوباً برجالهِ الوسيمينَ الأشداءَ الملثمينْ.. فتدفقت أحاديثُ الناسِ بسيلِ الإعجابِ والمديحِ لشخصيةِ (أحمد الشرع) وساهمتْ لقاءاتُ المؤثرينِ ومقابلاتِ الصحافةِ في تقريبِ هذه الشخصيةِ من عقلِ الجمهورِ وقلبهْ. لكنَّ ردودَ الأفعالِ والآراءِ تطرفتْ إلى الإعجابِ والحبِ والغزلْ. ونشر الصور والفيديوهات بكثافة. ما شكلَّ ظاهرةً تستحقُ البحثَ والدراسةْ. لأنَّ عينَ المحبِ عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ، ولا بدَّ من آراءٍ تشرحُ وتحللُ وتحافظُ على توازنِ الرأي العامْ.
لماذا أعجبت النساء بالسيد أحمد الشرع؟
معظمُ الإجاباتِ عن هذا السؤالِ جاءت متشابهةً تقريباً، الكاريزما والحضورُ والهدوءُ والاتزانُ والذكاء وجمالُ الشكلِ وسماحةُ الملامحِ والتعابيرُ والصدقْ.. باختصار، وُضِعتْ كلُّ صفاتِ الرجولةِ مجتمعةً بأبهى صورةٍ في أجملِ إطارْ. تخوفتُ من أن يكونَ وقعُ حالةِ الانبهارِ الممزوجةِ بسعادةِ التحريرِ الغامرة هو السببُ في هذه الآراءْ.
الهالة الدينيّة:
السيدة (إيمان جانسيز) المتخصصةُ في صعوباتِ التعلمْ، لفتتْ نظري إلى أننا شعبٌ اعتادَ منذُ الصغرِ على التوجيهِ السياسي الذي انتهجَهُ النظامُ البائد. ولطالما أجبَرَنا على الاحتفالِ بالهزائِم على أنّها انتصاراتْ.. فمن الطبيعيِِّ جداً أن تختلطَ مشاعرُ فرحِنا بالاعجابِ، في أولِ انتصارٍ حقيقيٍ كليّ.
وأشارت السيدة إيمان إلى الهالةِ الدينية التي تَسِمُ تصرفاتِ الرئيسِ أحمد الشرع وقالت: على الصعيدِ الشخصيِ، أشعر بالتشاركيةِ والشبهِ بينهُ وبين بيئتِي ومجتمعي في حيّ بابا عمروْ، والمجتمعِ الذي أعيشُ وأعملُ فيهِ في دولةِ الكويتْ. كما أرى أن تاريخَهُ النضاليَ في العراقِ الذي يلتّبسُ على البعضْ، ماهوَ إلا فزعةَ الأخوةِ والعروبةِ والدينِ لشابٍ ينفّذُ ولا يكتفي بالقولْ. تجاوزَ الانتماءاتِ المحدودةْ. ضحّى بمستقبلِه كطبيبٍ في مجتمعِنا، واختارَ الكفاحِ المسلحْ، ما أعطاهُ ثقلاً كثائرٍ يتبعُ أحلامَه الكبرى حتى تتحققْ.
كاريزما المنتصر:
الصحفية السورية (سعاد جرّوس) عبّرت عن رأيها قائلة:
إنها كاريزما المنتصرْ، فللانتصارِ ألقٌ وجمالٌ يكلّلُ الشخصيةَ وكلامَها. وهذهِ الكاريزما لا تتعلقُ بالشخصِ بحدِ ذاتِه، فأيُ شخصٍ وُجدَ في هذا الموقعْ، وأنجزَ تحريرَ سوريا بالطريقةِ السريعةِ الدراماتيكيةِ ذاتِها كان سيحظى بذاتِ الشعبيةْ.
وأردفتْ جروس: الشرعُ مدرَّبٌ بشكلٍ ممتازْ، ودرسَ بدقةٍ ولفترةٍ طويلةٍ ما يتطلبُه منهُ التحريرْ، وكيفَ سيُجيبُ عن الأسئلةِ المحرجةِ التي تتعلقُ بماضيهِ الجهادي وتحولاتِ نضالِه.
ولو نظرنا إلى السيد أحمد الشرع سنرى أنهُ إنسانُ عاديٌّ، يجرُ وراءَه إرثاً غير عادي. ولفترةٍ طويلةٍ لم تعرفهُ الناسُ إلا باسمِ (أبو محمد الجولاني)، ولم يكونوا يعتقدونَ ولا في أحلامِهم أن هذا الشخصَ تحديداً، بكلِ ما اكتنفَ شخصيتَهُ وماضيهِ من غموضٍ، هو الذي سيكونُ قائداً لتحقيقِ هذهِ الأحلامْ. ولكن عندما تحدثَ الشرعُ بلغتِه المتسامحةِ وظهرتْ ثقافتُه الواسعةُ، ملأَ الرؤوسَ واستمالَ المنطقَ، وبالتالي حظيَ بالقَبولْ.
يشبهنا ولكن..:
السيدة سعاد علقتْ على ما يتردّدُ بينَ الناسِ بأنّ أحمد الشرعْ، والسيدةُ حرمُه يشبهوننا، فقالتْ: قد لا يشبهوننا كلنا، ولكنّ ظهورَهم في الساحةِ السوريةِ بعد أن لفظَ البلدُ الرئيسَ الهاربَ، الذي كانت سياستُه وإجرامُه هو وزوجتُه وأفرادُ عائلتِه بحقِ أبناءِ شعبنا أقربَ لسياسةِ عدو. ذاك الذي خسِرَ بأسلوبِهِ في الخطابِ آذانَ وأفئدةَ الشعبِ، وأصبحَ مثاراً للسخريةِ والتهكمْ.. فحتماً بالمقارنةِ تفوزُ كاريزما المنتصرِ، ويرى فيها الناسُ مرآةً لهم.
ولا نستطيعُ بسهولةِ إخراجَ شعبٍ، لم يعرفْ حكّاماً طيلةَ ما يزيدُ على خمسينَ عاماً غيرَ الأسدِ الأبِ والابنْ، من حالةِ المقارنةْ.
وللاستدلالِ بالبرهانِ على رأيِها قالتْ سعاد جرّوس:
راقبوا وسائلَ التواصلِ الاجتماعيْ، معظمُ الفيديوهاتِ المصممةِ لمديحِ الرئيسِ أحمد الشرع تضعُ في مقابِله الرئيسَ الهاربْ. الناسُ وبشكلٍ عفويٍ تعقدُ هذهِ المقارناتِ لتشرحَ إحساسَها بالتحولِ الكبيرْ.
وتضيفُ الصحفيةُ جروس مفارقةً من تجربتِها الشخصيةِ كمراسلةٍ لصحيفةِ الشرقِ الأوسطْ في لندن:
أعدتُ مشاهدةَ خطابِ الرئيسِ أحمد الشرع الموجهِ للشعبِ عدة مراتٍ وتساءلتْ، هل من المعقولِ أن الخطابَ المنتظرَ موجزٌ إلى هذا الحد! ووصلَ إلينا مستغرِقاً خمسَ دقائقَ فقط! نحنُ الذينَ تعودنا على الإطالةِ والفلسفةِ والتعريفاتِ والكلماتِ الملغومةِ والخيبةِ المستمرةْ؟!
لقد كانَ مطلوباً منا كصحفيينَ دوماً تلخيصَ خطاباتِ الرئيسِ المخلوعِ الذي كانَ يخطبُ ساعةْ، ثم يستغرقُ تلخيصُ خطابِه خمسَ ساعاتٍ، من دونِ أن نخرجَ من كلِ اللفِ والدورانِ بجملةٍ مفيدةْ.
مخافة الاتهام بالتطبيل:
وضعتِ الصحفية السوريةُ (س. ي) عدمَ ذكرِ إسمِها شرطاً للمشاركةِ في هذا التحقيقْ، مؤكدةً أنها تريدُ الكلامَ بحريةٍ عن هذا الموضوعْ من دونِ أن تُتهم ( بالتطبيل ) للرئيسِ الجديد.
وبدأت ( س. ي) كلامها بالقول:
أولُ ما يخطرُ لي ببساطةٍ أن أحمدَ الشرع شابٌ جميلْ. والرسائلُ التي أرسلَها في أحاديثهِ المتعددةِ منذُ بدءِ معركةِ (ردعِ العدوان) أدهشتْنا جميعاً، رجالاً ونساءً، وما أن وصلَ إلى دمشق، كانَ مريحاً أنه كانَ صادقاً، بخطابٍ لم نعتدْ عليه.
كما اقترنَ خطابُه للسوريينَ بالفعلْ، فحقنَ الدماءَ وانتهجَ المسامحةَ والرحمةْ، فلم نستوعبْ، كانَ أمراً أشبهُ بالخيالْ. ماجعلَ العديدَ من الأشخاصِ يتهمونَه بأنه يوجِهُ خطابَه المتسامح َالمنمقَ لاسترضاءِ الخارجِ، بينما وجدتُ أنه من اليومِ الأولِ كانَ يوجهُ رسائِله للداخل.
وعلى الرغمِ من أن رأيي يميلُ إلى عدمِ أسلمةِ المجتمعِ السوري المتنوعِ، وضرورةِ عدمِ طليهِ بصبغةٍ واحدةْ، لكنهُ عندما خرجَ بفيديو قصيرٍ جداً طالباً من الناسِ الاحتفالَ وعدمَ إطلاقِ النار، استمالَ حتى المعارضينَ له، المأخوذينَ بذكائِه. حتى الإعلاميينَ والسياسيينَ الأجانبْ، لم يُخفوا إعجابَهم ودهشتَهم.
وأنا لا أوافقُ سعاد، تقولُ (س. ي)، بأنَ أي شخصٍ في مكانِه كان ليتألقَ بكاريزما المنتصرْ. لكنَّ أحمد الشرعِ خدمتْه الظروفُ، فاستغلّها واستثمَرها بذكاءٍ متجاوزاً كلَّ التوقعات.
وتابعت (س. ي): لقد استلمَ بلداً بمصائبَ عمرها أربعةٌ وخمسونَ عاماً، وهو حِمل ثقيلٌ ومهمةٌ صعبةٌ جداً، فبدا متقدماً بالتفكيرِ، وقد حسبَ حسابَ كل شيء.. يظهرُ ذلك جلياً في أصعبِ المهماتِ وهي احتواؤُه للفصائِل العسكريةِ المتناحرةِ وللمختلفينَ معهُ الأكثرَ تشدداً في دائرتِه القريبة.
ثوار العالم:
وتؤكّد (س. ي) أنَّ أحمد الشرع شخصيةٌ تذكّرنا بثوار العالم. فقد وُصِمَ ياسر عرفات وتشي غيفارا بتهمةِ الإرهاب، ثم حصلَ ياسر عرفات على نوبل للسلام وأصبحَ تشي غيفارا رمزا لثوار الأرض. كما أن الشخصية المتطورة والمتغيرة بنهجِها وأقوالِها وأفعالِها مع التحولاتِ والمتغيرات تدلُّ على لاعبٍ سياسيٍّ ممتاز.
لم نكن نتوقع أن تتحررَ سوريا من عائلة الأسد بلا حمامِ دم. وكنّا نرتعُ في خيبةٍ وفراغٍ في أوساطِ المعارضة، فلم يقل لنا أحدٌ منهم ماذا بعد المطالبة بسقوط النظام. ومع أنني أشاركُ في جميع الوقفاتِ والتظاهراتِ لتوجيه أنظارِ الحكومةِ والشعب إلى نواقصَ معينة، إلا أنني أرى الفرصةَ كبيرةً لتحقيقِ كلِّ المطالبِ والوصول للغايات. فنحن الذين نصنعُ الأملَ وليس العكس.
تماهي الضعيف مع القوي:
وبالعودة لمسألة الإعجاب بشخص الرئيس ختمت (س. ي) بقولها: حالةُ التماهي مع القويّ ظاهرةٌ تستحقُّ الدراسةَ والتحليلَ من علم النفس. فلا شك بعد كل هذه السنوات من الديكتاتورية والحرب خرجنا كلنا ضعفاء، كما أنَّ كلَّ ذاتٍ جمعية لم تتحقق؛ تبحث عن قويٍّ للتماهي معه، إلى أن نتعافي جميعاً، ونستطيعَ النهوضَ بمفردنا.
الرئيسُ المؤقَّت الذي يتمتَّع بسويةٍ فكريةٍ هائلة يفهمُ هذه الحالة، خاصةً وأنَّه خرجَ من بيتٍ قِوامُهُ الثقافةَ والسياسة، رئيسٌ صرّح بأنه لا ينام، يجلس على كرسيِّ الرئاسةِ ويملؤه.
آراء الرجال، نموذج مختلف:
يتّهم الرجالُ النساءَ بالمبالغة، ويَبدون بدورِهم أكثر حيرةً في تحليلاتهم للشخصية. يكتنف آراءَهم بعضُ الحذر والانتظار لمراقبةِ الأداء. على أمل أن يكونَ مرورُ الوقت كاشفاً ومحدداً أكثر لبناءِ موقف.
استأذنت الدكتور (محمّد الزغول)، الباحث والمتابع للشؤون الإقليمية في أبوظبي، للاستعانةِ بمقتطفاتٍ مما كتبَه حولَ شخصيةِ الرئيس أحمد الشرع على فيسبوك.
الدكتور محمد محللٌ سياسي، راقبَ على مدى رُبعِ قرنٍ رجالَ السياسةِ في المنطقة، متابعاً مواقفَهم، وتصريحاتِهم، وزلاتِ ألسِنَتهم ولغةَ أجسادهم، وانتصاراتِهم، وإخفاقاتِهم.. بشكلٍ مستمرٍ ومنهجي.
هذه المراقبة جعلتهُ خبيراً في توقُّع مفرداتِهم وتخريجاتِهم، ويقول في منشوره:
(بالطبع هناك تصنيفات أو تنميطات معينة أضع فيها هذه الشخصيات القيادية، كل بحسب ما يغلب على سلوكه وخطابه، وذلك في محاولة لفهم رؤية القيادة لديه والتعرف إلى مجموعة العوامل النفسية والأيديولوجية والاجتماعية المؤثرة في صناعة القرار عنده، وتقييم حدود استجابته وردود أفعاله).
ويقول الدكتور في المنشور بتاريخ ٢٤-١٢-٢٠٢٤ :
خلال الأيام الماضية كغيري من الناس انهمكت بمتابعة، ومراقبة، وتحليل كل ما يتسرب من لقاءات وحوارات وتصريحات للسيد أحمد الشرع. ولم يكن الشرع غائباً عن اهتماماتي قبل ذلك، إنما كان المتاح عنه من بيانات نادراً وقليلاً.
واليوم، أستطيع القول، بكل ثقة، إن الشرع نموذج مختلف تماما عما عهدناه في المنطقة من القيادات والزعامات السياسية. ولا يعني هذا مدحاً أو ذماً، إنما هو حالة جديدة كلياً، لا يوجد لدي نمط أو قالب جاهز لاستيعابه.
ويختم الدكتور الزغول منشوره، سيتعين علي مراقبته طويلاً حتى أتمكن من تنميطه، وطبعا لا يمكن للمحلل السياسي أن يحلل بدقة من دون تنميط شخصية القياد).
لا يمكن لنا أن نعرف!
يحاولُ السّيد( محمود محمود)، وهو طبيبٌ من الجولانِ المحتل، في منشوره في ١٤-١-٢٠٢٥ طرحَ أسئلةٍ للتغلُّبِ على الحيرة، فيبدأ قائلاً بأنّه من الصعبِ تجاهلُ الجانبِ الصّادق الفطريِ في شخصيةِ أحمد الشرع، فالرجلُ يتمتع بعفوية غير متصنّعة تجعلُه قريباً من القلب بطريقةٍ لافتة. تعبيرُه عن أفكاره ومشاعرِه بلا جهدٍ أو تكلف، تشبهنا تماماً. بيد أن الأمورَ لا تقاس بذلك، ونخطئ إن بنينا موقفنا منه على هذا الأساس.
السيد محمود يرى أن المشهد شديد التعقيد لا يترك مجالاً لمحاكمة الأمور عاطفياً، وموقع الرجل السياسي يحتم كلاماً وترجمةً سياسيةً أولاً وأخيراً.
وبينما يشير الدكتور محمود إلى أنّ هذا الارتباك ما بين شخصيةِ السيد أحمد الشرع في الماضي والحاضر تجعلنا نتمهلُ لاتخاذِ موقفٍ كاملٍ ونهائي. ويضيف:
يمكنُ للشَّاب السوريِّ المندفع الذي خرج نُصرةً لمظلومي العراق ضدّ الغزاة المحتلّين أن يكون صادقاً وثورياً، أو أن يكون صنيعةً لأجهزةِ مخابرات محترفة. ولا يمكن بحال الوثوق بالاحتمال الأول تماماً، كما لا يمكن – في الوقت ذاته – إدانة الثاني وأبلسته تماماً. لا نعرف.. لا يمكن أن نعرف.. أقله الآن.
لا يوجدُ جهةٌ محلية أو اقليمية أو دولية إلا وتريد شيئاً من أحمد الشرع. أجندات الجميع تنتظر التنفيذ. ومصالح الجميع تتنافس لإحراز مبتغاها.
ويختم الدكتور محمود محمود مقالَهُ بطرحِ السؤالِ المُعضِلة:
كيف لهذا الشّاب السوريّ الأربعينيّ أن يسايرَ الجميعَ وأن يقاومَ الجميع؟ هل سيكون وطنياً؟ كيف سيصمد؟ أو كيف سيساوم؟ إن كان وطنياً فخلاصُه موجودٌ بالداخل السوري؛ أما إن كان غير ذلك فستكون ثورةً ضدّ الجولاني لا محالة.
حكايةٌ قبل النوم:
العقلُ الجمعيُّ لطالما وضعَ خطوطاً عريضةً للرجلِ النموذج، فارسِ الأحلام. على السواء، في الحكايات الشعبية العربية والعالمية، هناك أطرٌ متشابهة لمخلّص اللحظةِ الأخيرة، الأمير الوسيم، والبطل المغوار، والفارس القادم على حصان أبيض، والسوبرمان. إنه دوما ذلك البطل حلّال العُقَد، الذي ينقذ جميلة الحكاية من براثنِ السّاحرةِ الشريرة، ولعنةِ الجنية، والتنّين ذي الرؤوس. إنه صورةُ الخير في مواجهةِ قوى الشر.
ومن هذا المنطلق يفسّرُ البعضُ ردودَ الأفعالِ حولَ الحدثِ السوريّ الكبير، الذي ستتناقلُ خاتمتَه الأجيال ويدخل التاريخَ المكتوبَ والمروي.
الصحفية الفرنسية ( م. ر ) معجبةٌ أُخرى بشخصية أحمد الشرع، وهذا يتعارض برأيها مع الحياديّة التي تنتهجُها في عملها، لذا طلبت مني بالاكتفاءَ بحروفِ إسمها الأولى، وأعطتني جواباً مختصراً لإعجاب النساء والرجال قائلة:
الناس تحبُّ الأساطيرَ والحكاياتُِ والقصص، تسحرها وتجذبُ اهتمامها، ثم يتناقلونها ويضيفون إليها من مشاعرهم. هذا أمرٌ عالمي. والسوريون سبقَ وأن أسطروا السّاروت، حارس مرمى منتخب الشباب، ولقّبوه بحارسِ الكرامة. وهي قصةٌ أسطوريّةٌ بالفعل، كاملةُ المواصفات لبطلٍ تراجيدي.
كذلك تصلح حكاية السيد أحمد الشرع لتحكيها الأمهات لأبنائها قبلَ النوم. عناصرُها مجتمعةٌ ومؤثرة، غموضُ البدايات، نضالُه كمجاهد، ثم تحولاتُه وتطوراته بالتدريج، حتى ظهوره فاتحاً. ثم إنّه جاءَ بالفرج بعد يأسٍ عام ليتوَّج بطلاً للحكاية. وبعد صدمةِ الحرب، أصابت الناس صدمةُ التحريرِ السريعِ والمفاجئ والمرتبط بفرحةٍ عارمة، كل شيء حدثَ بسرعةٍ وغرابة مثل الأحلام، ويحتاجُ الناس بعضَ الوقت لهضمِ المرحلةِ واستعادةِ التوازن، عندها يمكن طرحُ السؤال من جديد.
الأرضُ والعرض:
في الختام، منذ يوم الثامن من كانون الأول وأنا أتابع كل ما يُكتب ويُقال عن السَّيد أحمد الشَّرع. ويوماً بعد يوم تعزّز لدي رأي جامعٌ يفسّرُ موجةِ الإعجابِ الكبيرة، يتعلق بطبيعةِ الثقافةِ العربيةِ ووجدانِ المجتمعِ العربي وأخلاقياتِه، ممتزجاً بما وَرد وزُرع في رؤوسنا من الأدبيّات الوطنيّة.
فلدينا ثنائية الأرض والعرض، متلازمةٌ ومتلاصقة. (القدسُ عروسُ عروبتكم) ، قالها الشاعر مظفّر النوّاب لتنتشرَ القصيدةُ كالنار ِفي الهشيم. وخاطبَ محمود درويش الأرضَ بسيدتي الأرض، وطفلتي الأرض. وقال:
( الأرضُ أم أنتِ عندي أم أنتما سيّان! )
في الدراما العربيّة والعالميّة يموتُ البطل غالباً لسببين، للدفاعِ عن أرضِه، أو عن حبيبته.
وفي ذاكرة الشعب السوري القريبة، رجلٌ حلبيٌ اسمه (محمد ضبه)، سحلَه رجال الحرس الجمهوري للنظام البائد بملابِسه الداخلية وعذّبوه، فطلب منهم أن يودّع أولاده، فهدّدوه باغتصابِ زوجتِه مقابل ذلك، فما كان منهُ إلا أن ردّ بشجاعةٍ: أعوذُ بالله، هي مرتي بنت عمي حرمتي، تاج راسي.
ربطَ الرجلُ العربيُ شرفَه بنساءِ بيتِه، ومن الطبيعيّ أن تشعُرَ السّورياتُ، بعد معاناةِ الحربِ الطويلةِ ومفرزاتها، بالتوحُّدِ مع الأرضِ الأم، وبأنّ مَن حرّرها حرّرهن. أليست الثورةُ أنثى، ولّادةُ التّمرُّد والحياة. والأرض المنبتُ والمآل، حيث يُوصي كلُّ العجائز أن يُدفنوا تحت حجرةٍ في فيءِ زيتونةٍ في البلاد؟
حَلُمنا جميعاً بساعةِ معجزة، تُفتح فيها أبوابُ السماء وتستجيبُ لدعاءِ الملايين. بعد أن كُدنا جميعاً نستسلم للمنافى ونحاولُ على استحياءٍ اعتبارَها أوطانا بديلة.
فكيف لا يؤخذُ المنتظرون، بظهورِ رجلٍ مفوّهٍ يمتلكُ ناصيةَ الكلامِ، وينصتُ للآراءِ ويستجيب.
وقال لنا: جئتُ بالسلام. وأجاب عن أسئلة أبو الهول الصعبة فاتحاً أسوارَ البلادِ وأبواب السجون، ليختمَ أطولَ فصولِ الملحمةِ السوريةِ ( المستمرّةِ ) بالأفراحِ والليالي الملاح.
———————————–
عقد اجتماعي ولامركزية وحكم محلي وعاصمة محايدة
Ahmad Nazir Atassi
الحق والاستحقاق مفهوم عجيب لا يملكه الا الانسان. انه الحالة المفاهيمية العقلية المقابلة لغريزة الاخذ. انا جائع وارى طعاما، انا آخذ الطعام. هذا فعل حيواني. اما الانسان فيقول في عقله، استحق هذا الطعام، ثم يأخذه. فهل هذا زيادة على الحيوانية، ام هو مجرد فضاء مستقل لا علاقة له بالحيوانية. الانسان يعتقد ان عقله القائم على مجموعة من المفاهيم المرافقة للحالات الحيوانية، والتي تمكنه من التفكير بهذه الحالات واستخدامها في حل المشاكل المرتبطة بالبقاء، جوهر الانسانية وقمتها. الحقيقة ان تعريف الحيوانية مرتبط تماما بالانسانية ولا يوجد دونها، مثل معظم الثنائيات المفاهيمية الموجودة في عقل الانسان. الحيوانية ليست حالة الحيوان، وانما حالة الانسانية نفسها حين تؤدي الى اذية وفق المعايير الانسانية، اي نفسية او جسدية بانسان.
اليوم اجد ان مفهوم الحق والاحقية يحكم كثيرا من افعالنا ان لم يكن كلها فانا عاجز عن الاحاطة الكاملة بافعال الانسان. انا اخذ الطعام واخذ الشجرة التي تنتج الطعام واحرسها وامنع الاخرين من الاقتراب منها. فانا اعتبر الشجرة وثمرها ملكي، وحقا لي، وبالتالي فانا استحقهما. وبما ان العقل احيانا كثيرة هو مجرد آلة للتبرير، فاني اقول، هي حق لي لاني احرسها، او لان وجدتها اولا، او لاني ارعاها، او لان اولادي يعتمدون عليها، او لان ربي اعطاني اياها، او لاني رأيتها في الحلم، او لان ابي كان يملكها ويحرسها، او لاني اقوى من اي انسان يحاول اخذها، او لاني انسان طيب، او لاني انسان ذكي، او لاني اعمل بجد، او لاني اعمل الخير، او لانها ملك مشاعي لجماعتي، او لان اجدادي ملكوها، او لانها من تراثنا، او لان اسمي مكتوب عليها، او لان اسمي مكتوب على صك يقول باني املكها، او لان الملك اعطاها لي هدية، او لاني اشتريتها، او لان الدولة وهبتها لي، او لاني سقيتها وقلمتها، او لاني اعطيتها دواءا انقذها، او لاني احتاج ثمارها. كثيرة هي التبريرات لان يعتبر الانسان ما هو موجود خارج جسده ملكا وحقا له دون بقية الناس والحيوانات، والى الابد. يمكنني ان ابيعها مقابل ثمن او اؤجرها او اخذ ثمارها او اهديها او ابيعها في السوق او ان اقطعها او ان امنع عنها من يموت جوعا ولا يستطيع الاستفادة منها. انها ملكي وحقي افعل بها ما اشاء بغض النظر عن وجودها المستقل عني.
باختصار كل الطبيعة موجودة لخدمة الانسان. لا بل نحمد الهنا ان سخرها لنا لنعبده. ان الانسانية اذن، كلغة ومفاهيم وفضاء تفكير، هي مجموعة حقوق واستحقاقات ومعاملات تبادل تستخدم هذه الحقوق والاستحقاقات. لا بل يمكننا ان نقتسم الكرة الارضية والمجرات والاشجار والانهار والحيوانات والارض ومنتجاتهما فيما بيننا كحقوق نتبادلها فيما بيننا. هذه ارضي وهذه شجرتي وهذه اداتي وهذه سيارتي. وكل شيء نربط تملكه كحق لنا بتبريرات لا نهاية لها. هذا القميص اي لان القطن لي. هذا القميص لي لاني صنعته. وهذا القميص لي لان الالة لي. ثم هناك حقوق عامة يملكها الجميع مثل سماء هذا البلد وبحر هذا البلد وانهاره واشجاره وثرواته الدفينة. ونفترض ان الدولة تديرها بالنيابة عنا. ونذهب الى حرب مع آخرين ويقتلوننا ونقتلهم لاننا نمتلك هذه الارض وهذه السماء وهذه الثروات. ثم هناك حقوق وملكية جماعية معنوية ليست مرتبطة بعقود، لكننا ندافع عنها وكأن لدينا عقد بها. هذه المدينة لي وهذا البلد لي وهذه القرية لي وهذه الحارة لي. ثم نعمم تلك الملكية على جماعاتنا التي لا توجد ايضا الا في عقولنا، هذه البئر لقبيلتي، وهذا النهر لامتي، وهذه الحارة لطائفتي.
هذا لي، هذا لاسرتي، هذا لجماعتي، هذا لطائفتي، و هذا لعشيرتي، وهذا لامتي، وهذا لدولتي. وهو لي بعقد او باستحقاق ايديولوجي دون عقد، لكنه بقوة العقد. الملكية الجماعية اخطر من الملكية الفردية. قد اقاتل واقتل دفاعا عن ملكيتي، ولا احد سييقوم معي، وقد اتعرض للعقاب اذا تسببت بأذية احد خلال هذه العملية. لكنني مستعد للذهاب الى حرب طاحنة تقتل الملايين مع عدد كبير من الناس للدفاع عن ملكية جماعية ودون اي عقاب او مساءلة. بالفعل لا توجد قوانين تحكم العنف المرافق للدفاع عن ملكيات جماعية. كل قوانينا موضوعة للحالات الفردية. لكن الفوضى تعم الحالات الجماعية. الحرب فوضى، لا تحكمها اية قواعد او قوانين. الحرب بالفعل مضادة للحضارة اذا اعتبرنا الحضارة مجال القواعد والقوانين. اننا نمضي عشرات السنين نضع القوانين ونطبقها ونحاكم الافراد وفقها ونلجأ الى المحاكم والارشيفات والدواوين لنثبت من هو الاحق بها وما هو الثمن ومن الجاني ومن يستحق العقاب. ثم نرسل كل هذه الانجازات الى الجحيم لندافع عن حقوق وملكيات جماعية غير واضحة المعالم.
ما يثير اهتمامي اليوم هو الحق في التهجم على الاخرين واخضاعهم ومعاقبتهم وفرض الافعال عليهم واللباس والتصرفات وحتى الافكار. من اين يأتي هذا الحق، هذه الملكية التي نمارسها على اجساد الاخرين وافعالهم وحتى لباسهم وافكارهم. بعضها نخترع تبريرا له اسمه الاخلاق ونزعم اننا لا نستطيع ان نعيش دونها والا فان الناس ستقتل بعضها وستفقد اهم شيء تملكه وهو العيش المشترك. هذا التشارك مهم جدا، لا بل هو اساس الحضارة، انه الحضارة نفسها. نعيش مع بعض حتى نتساعد في بناء بيت او سد او سور او بستان او آلة. معظم اشيائنا تحتاج الى تخصص وتكامل، اي الى عمل جماعي متناغم. كل وسائل عيشنا في الحقيقة هي نتاج التعايش والتلاحم الجماعي. لكن كيف ينشأ ذلك الحق في ان افرض عليك لباسا او عبادة او ذوقا او كلاما او دينا او شكلا او قاعدة او بروتوكولا للتصرف او فكرة؟ فلاسفة العقد الاجتماعي الليبرالي قالوا بأن العيش المشترك هو اتفاق بين اطراف متساوين وداخلين في العقد بمحض ارادتهم الحرة. لا تأتي عبقرية هذه الفكرة من انها اكتشاف لشيء طبيعي موجود خارج الانسان، فلا شيء خارج الانسان ومعاملاته الا الطبيعة التي يتسلط عليها كما رأينا. انها ليست علما فيزيائيا او كيميائيا او بيولوجيا. ابدا انها محض ايديولوجيا اخترعتها عقول هؤلاء الفلاسفة. وحتى التاريخ البشري لا يدعمها ولا يعطي اي دليل يمكن ان يثبتها. ان عبقريتها تنبع من قدرتها على رسم عالم انساني (اي فضاء المفاهيم والمعاملات، فضاء فكري واجتماعي) يقنون مفهوم الحق والاستحقاق بطريقة سلمية وطوعية وحرة تحترم كرامة الانسان باعتباره ندا مساويا للاخر يمتلك نفس الحقوق والاستحقاق.
هل يوجد مثل هذا العقل الاجتماعي في بلدنا ولماذا لا نخترعه؟ لا يوجد، ابدا لا يوجد. انه فعلا مخالف لثقافتنا. هل لاننا اقل فلسفة من الغرب الليبرالي، ابدا، نمتلك نفس العقل البشري ونحاجج ونبرر ونمتلك المنطق ونستخدمه بنفس الطريقة. انها مجرد مادة فكرية جديدة، نستطيع انتاجها لكننا لا نريد، لان ثقافتنا قائمة على فكرة الفرض، اننا نتعايش بالفرض وليس بالعقد. وكل شيء نعتقد به ونشاركه مع الاخرين فاننا نشاركه بالفرض. وهنا لا بلد من رسم خريطة الحقوق والاستحقاقات في مجتمعنا. فقط للاستنارة والفهم، حتى نفهم الاحتمالات والخيارات الاخرى المتاحة، او المناطق غير المستكشفة من الفضاء الانساني الفكري والتعاملي الاجتماعي.
انا كصاحب سلطة (السلاح او الدولة او اي نوع من الشوكة) اعتبر انه لي الحق ان افرض عليك دينا او فكرا لمجرد اني اعتقد انه الدين او الفكر المناسب للجميع. انا امتلك السلطة واريد مجتمعا اجبره. اذن باختصار، انا امتلك حق استعبادك. وقد ابرر هذه العبودية بأننا شعب واحد او امة واحدة وانا زعيم هذا الشعب. المنطق عجيب. انا ارسل جنودي الى اقصى مدى يصلون اليه. هذا المدى يحدد مدى العبودية التي هي حقي. الاسد كان يملك مثل هذه السلطة، واستعبدنا، ليس لانه غريب بل لانه من صميم مجتمع الفرض. لا بل اعطى الحق لجماعته ان تستعبدنا. سجلنا بعض حالات هذا الاستعباد ولم نسجل الكثير منها. والان تغيرت موازين القوى. وهناك دولة جديدة ارسلت جنودها الى اقصى مدى استطاعوا الوصول اليه، وهم يقولون انتم شعبنا والسلطة لنا اليوم ونستطيع ان نفعل ما نريد لانه حقنا، حقنا الذي اخذناه بثورة او بحرب او بالمظلومية او بالغلبة او بالثأر او بالتوازنات الدولية، كلها تبريرات. المهم ان الاستعباد هو من حقنا اليوم. والمناطق التي لا يصلها جنودنا فلا حق لنا عليها ولو سكنها اعداؤنا. على فكرة هذا منطق كل الدول وليس سوريا فقط، لكني احاول توضيحه كأيديولوجيا نخترعها ونبررها.
انا اخاف ان اعيش في مجتمع لا يشبهني، ولذلك اعتبر من حقي ان اجعلك تتصرف كما اتصرف وتفكر كما افكر. ولماذا اعطي نفسي هذا الحق؟ لان الهي قال ان هذا المجتمع كله ملك له، وهو يعطيه لي.
انا لست زعيما لاستعبد، انا مجرد فرد من هذا المجتمع، لكن اعطي نفسي حقوقا لا يملكها اخرون بدعوى اني اصيل في هذا المجتمع او لان الرب قال لي هذا مجتمعك وهو لك، او لان الدولة من جماعتي وتخضع لرغباتي، او لانه جاء دوري في لعبة الفرض فظيعة. المهم ان لي الحق ان افرض شيئا وها انا افرضه وامارس حقي بذلك.
انا رجل وامتلك هذه الاسرة ونساءها واطفالها. المجتمع قال، العادات قالت، الرب قال، انا اصرف، انا القوام، انا الاقوى، انا الزعيم، كلها تبريرات. المهم هذا حقي وانا استحقه وسأمارسه. سأفرض عليهم لباسهم وطعامهم ومن يأكل ومن يجوع ومن يحزن ومن يفرح ومن يمارس الجنس ومن يتكلم ومن يخرج من البيت. افظع تبرير رأيته في الزواج من اربعة رغم معارضة الزوجة هو “الشرع احل لي، اي اعطاني الحق”. ماذا لو رفضت المرأة هذا الشرع فعل ستتزوج؟ نعم لان ربي قال انا قوام عليها ولي عليها حقوق. انا امارس حقوقي وهي تمارس حقوقها، لكن يحصل ولسوء حظها ان حقوقي اكبر من حقوقها وتطغى عليها.
كلها امثلة على تبريرات لايديولوجيات تحدد من له الحق ومن لا حق له، وما هو هذا الحق. ولا يخطر على بالنا ولو للحظة ان كل هذا مجرد تخريفات في عقولنا. واننا ببساطة نستعبد الشخص الذي امامنا وننسى ان الحق هو تعاقد، او يمكن ان يكون تعاقدا بالرضا. متى ما اكتشف الشخص الذي نمارس عليه هذه الحقوق ان الحق يمكن ان يكون بالتعاقد وليس بالفرض فان لعبتنا الاجتماعية بالكامل ستسقط وتتلاشى. وان اية محاولة لاستعادتها ستؤدي الى صراعات لا تنتهي. من مارس الفرض قبل اربع عشرة سنة اكتشف ان الناس قد ترفض ذلك وتطالب بالعقد. والنتيجة انه كانت هنالك حرب طحنت الملايين. واليوم في الحقيقة لا نمتلك مثل هذه السلطة. كانت الدولة تحتكر هذه السلطة وتمتلك منها الاطنان، لكنها اليوم دولة اضعف بكثير ولا تمتلك منها ولا نصف طن، انها مجرد بارودة وبضعة طلقات. سيقول البعض لكني دفعت ثمن حريتي واريد ان آخذ بالثأر او اريد ان امارس حق الاستعباد كما مارسوه او لاني امتلك الدولة وسأفعل بها ما اشاء. نعم تستطيع او كانت الدولة على سابق عهدها محتكرة للعنف السديد ومتضخمة. الان هذه الدولة لا تساوي فرنك (وفرنك بالتسعيرة الجديدة). انك لا تستطيع ان تمارس هذه السلطة، وليس امامك الا التعاقد او الاقتتال.
كل هذه الاحتفالات والمؤتمرات والخطابات والمداهمات والاستعراضات والافعال الفردية ممكنة، نعم انها ممكنة، وانت تمارسها لانك تعتقد ان الدولة ملكك. لكنها ليست نفس الدولة. كل ما تفعله فارغ من محتواه السلطوي. هل تعرف لماذا؟ لان الناس قادرة اليوم على ممارسة خياراتها الاخرى، الخيارات التي لم تكن متاحة لك من قبل بسبب تضخم الدولة. لن تستطيع الانتشار الى ما لا نهاية، ولن تستطيع الثأر الى ما لا نهاية، ولن تستطيع احتكار الدولة وعنفها الى ما لا نهاية. كل هذه الاستعراضات موجودة لاقناعك بأنك تملك سلطة، لكنك لا تملك شيئا. الدولة السابقة وانت ايضا اخذتما قرار التهديم. لقد تهدمت كل العلاقات السابقة وكل الروابط السابقة الجيدة منها والسيئة ايضا.
الجولاني وجماعته يعرفون ذلك خير معرفة لانهم مارسوا الدولة في ادلب. انهم بدؤوا دولة ومن الصفر ويعرفون جيدا كيف لا تكون لديك سلطة. وعلى فكرة نحن ايضا وكل من عمل بالمجالس المحلية والفصائل وسخامها يعرف تماما زوال هذه السلطة. وكل ما يفعلونه في دولتهم الجديدة هو التظاهر بامتلاك هذه السلطة على مساحة اكبر لكنها ليست كل مساحة سوريا السابقة. انهم يمتلكون بضعة بنادق صدئة ويريدون اقناعنا بانهم يحتكرون العنف المطلق في كل مكان. يعني من ادلب الى دمشق وفقط. لا يملكون الجزيرة ولا الصحراء ولا السويداء ولا درعا ولا القنيطرة. شوية جنود ملثمين ببنادق فردية وعشرة امشاط. لا شيء، انهم لا شيء من ناحية السلطة. وحتى لو دربوا عشرين الف جندي في دورات عقائدية وصرخوا كل اليوم ان قائدهم الى الابد هو سيدهم محمد، فهم لا شيء. خمسمائة جندي كماندو مدعومين بالطائرات الهليكوبتر يستطيعون ابادتهم جميعا في يوم واحد. انهم يدعون ليل نهار لترتفع العقوبات حتى يشتروا طيارتين ومدفع لكل محافظة بحيث يستطيعون قمع اي انقلاب او تمرد. وهو يقنعونكم بانهم مسيطروون ويخططون ويعملون. انهم لا يعملون شيئا وليس عندهم الا مخطط واحد هو ان يتسلحوا قبل اي استحقاق صعب مثل الدستور او البرلمان. لكن الطامة الكبرى انهم ممن يؤمنون بحقهم واستحقاقهم بالاستعباد وفرض السلطة والافكار والتصرفات. انهم فقط يبحثون عن سلاح وعن اي شعب يعطيهم اياه المجتمع الدولي ليستعبدون، انها ثقافة الفرض بأوضح اشكالها. انهم مستعدون للتنازل عن اي شيء مقابل بقعة صغيرة يمارسون عليها حقهم بالاستعباد.
الشيء الوحيد المتاح اليوم، غير منهج الجولاني، هو العقد الاجتماعي. العقد الذي يدخله انداد متساوون يتفقون على حقوق كل فرد وجماعة. لا تقل لي قال الله، واقتلوه، وقاتلوا التي تبغي، وحكمهم ان تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف، وما تخالفتم عليه فمرده الى الله والرسول، واجلدوهما، واقطعوا ايديهما. ما لم تنتبهوا اليه هو ان هذا الكلام صحيح في مجتمع فيه سلطة واحدة وانت تملك هذه السلطة وتقرأ القرآن وكأن الله يتكلم معك. اما اليوم فأنت لا تملك شيئا، ولا سلطة لك على اي انسان لتقتله او تقطعه او تجلده. واذا حاولت فلن تستطيع لانه لا توجد دولة. لا يمكن ان تطبق دينك الا في مجتمع انت متسلط عليه. وليس لمجرد انه مجتمع مسلم فلك السلطة. لا ابدا، يجب ان تملك القوة. فان لم تكن تملكها فتراجع الى مجتمع اصغر تملك فيه تلك القوة او ادخل في عقد اجتماعي.
اليوم يتبجحون بوثيقة المدينة كأقدم مثال اسلامي على طاعة الرسول. انها وثيقة عشائرية بسيطة جدا. لكن اوضح واقوى ما فيها انها عقد. لا يستطيع فيها الرسول ان يفعل شيئا دون موافقة الاطراف كلهم. انها اقدم عقد يقوم على الندية وليس على السلطة. لا يوجد اي بند فيها فيه فرض. وكل اللغة القرآنية غائبة عنها. انها الواقع الحقيقي، واقع التحالف والتعاقد. والجولاني يريد ان يقنعكم بانه سيادة الرئيس. كفاية مظاهر خداعة وتشبيح على الناس. الجزيرة خرجت عن الطوق والسويداء ودرعا والصحراء الى تدمر وغدا الساحل برمته. ماذا سيبقى، حلب مثلا، انسوها، هذه حصة تركية، وشمال اللاذقية وقطعة من ادلب، هذه لهم. دمشق وحمص، دولة سنستان للانتقام. روح اعمل عقد مع الجميع ولا تضحك علينا بمؤتمر سخيف ومطبلين لرئيس (نبايعك قال) لا سلطة له يستجدي جماعة النظام ليعودوا ويعلموه الصنعة. انكم تحلمون. سوريا لم تعد كما كانت، انها شيء جديد جدا، استفيقوا على الواقع الجديد.
بالنسبة لي، اخي ضموا حمص الى طرابلس ومندخل بحصة السنة في لبنان. شو هالصرعة. مافي غير الشام كالعادة تنادي بسوريا. دمشق التي اقنعت الملك فيصل ليطلب من الفرنسيين دولة واحدة تضم حلب وحماة وحمص والساحل والجزيرة. وكما قال احدهم لا اذكر من هو ان سوريا هي دولة البقايا والفضلات. بقايا تشكيل العراق وتشكيل تركيا وتشكليا لبنان وتشكيل الاردن. نحن دولة بقايا. دمشق التي اجبرت الساحل على الانضمام واقنعت حلب المكسرة وفرضت المركزية المطلقة. هل تعتقدون ان المركزية جاءت من الاسد او العلويين. استفيقوا، المركزية جاءت من دمشق، المستفيد الوحيد من دولة البقايا حتى اليوم. دمشق هي التي حمت الاسد مع شوية جنود علويين معمي على قلبهم بسبب الطائفية. ودمشق ستبقى المستفيد الوحيد من اية دولة سورية غير تعاقدية ومركزية. دولة دمشق لا تستطيع الا ان تكون مركزية ومتسلطة. لكن اليوم فقدت سلطتها. ويأتي هذا المعتوه ليقول، لك الله يا شام لك الله، ليش اخي، المدينة الوحيدة في سوريا التي لم تتدمر ولم تفقد ابناءها. المدينة الوحيدة التي ضحت بضواحيها وقراها لتبقى وحدها متربعة على عرش المركزية. والمدينة الوحيدة التي تمتهن التشبيح لاي قائد جديد يتخذها عاصمة. لا هي عاصمة ابدية، ولا هي اقدم عاصمة، ولا حتى كانت مدينة مهمة حتى العهد المملوكي. وفي العهد العثماني كانت عاصمة ولاية دمشق فقط.
عقد اجتماعي ولامركزية وحكم محلي وعاصمة محايدة.
الفيس بوك
————————–
دكتاتورية الأسد السحرية/ أحمد عمر
27 فبراير 2025
“الواقعية السحرية”، وصف أسبغه النقاد على مذهب في الرواية، برز في أميركا اللاتينية، وشاع في العالم، وقال غير واحد منهم إنه متأثّر بألف ليلة وليلة، التي تعرف بالليالي العربية أيضاً، وفيها وقائع خيالية أجروها مجرى الواقع والمجريات. يقول أهل العلم إنَّ الخيال هو سقف الواقع، وإنّ الواقع أغرب من الخيال.
ما جرى لسورية في عهد الأسدَين لم يره أهل الشام من قبل، فقد هدما سقف الخيال وجعلاه أنقاضاً، فقد اعتقل في قماقمهما مئات الألوف من خيرة أهلها وأشرافها بشبهات خيالية، ليست أغرب من اتهام العفريت للتاجر، في حكاية التاجر والعفريت، بقتل ابنه بنواة تمر، مع سبق الإصرار والترصّد.
جاء في الأثر “ادرأوا الحدود بالشبهات”، وكان الأسدان وجنودهما يأخذون أهل الشام بالشبهة، والجار بالجار، والجماعة بالفرد، فزادوهم رهقاً. ونذكر أمثلة مشهورة مثل الحجر المهني على محمد الفارس، رائد الفضاء الوحيد، ليس في سورية وحسب، وإنّما في الوطن العربي، وقد نجا من عدّة محاولات قتل، لهتافه في الفضاء الله أكبر، ولم يكن لائقاً اعتقاله بعد اشتهاره، فأُبعِد وجُمّد وحُنّط حيّاً، وهو أمر مفهوم في الواقعية “السحقية”. أمّا الفارس الذهبي محمد عدنان قصّار، فقد اعتقل 22 سنة لسبقه ابن الرئيس في رياضة الفروسية، ولم يعرف تهمته إلا بعد عقدَين من الاعتقال، وقد تنقّل بين أشدّ المعتقلات تنكيلاً.
ثمّة شبهة ضعيفة لا تُرى بالعين المجرّدة أو بعين الحسد، مثل اعتقال الفنان زكي كورديللو بشبهة تشبه شبهة التاجر المذكور، وهي تهمة خياليّة، خرافية، أسطورية، وكوميدية، لعلّها التآمر مع الثنائي كراكوز وعيواظ، وهما دميتان خطيرتان على الأمن القومي، وتوهنان روح الأمة، وتصيبان قلبها بالخثرة، لكن أن يعتقل ابنه وصديق ابنه فهو أمر فوق حدود العقل، وعلو الطابق السابع من الخيال. وأن يعتقل إبراهيم سبيني، وهو تاجر أدوات نحاسية، لصناعته منقل شواء للسفارة التركية، بتهمة التجسّس ونقل الأخبار، أخبار الجمر والاحتراق للدولة التركية، الصديقة وقتها، أمر فوق حدود العقل وتخوم الخيال، بل إنّ جند الأسد الابن، خرّيج الجامعات البريطانية، اعتقلوا حماه أربع سنوات، أمر لم نعرفه حتى في حكايات ألف ليلة وليلة. وقد يجد قاضي “دقّوا الشماسي” في قذف نوى التمر بالفم في الصحراء تهديداً لسلامة الجنِّ وصحّتهم النفسية، وقد يجد قاضي البلاج صلة للتمر بالموز، فهما من العائلة الطلحية المعارضة التي يخشاها الجنّ وآل الأسد العفاريت، فقد كان حافظ الأسد وابنه يعاديان التمر، حسباناً به طعام “الأمويين” والبدو، وفاكهتهما الأولى.
سيجد المتتبّع لشهادات الناجين من الموت في تدمر وصيدنايا، وسواهما من المعتقلات، أسباباً عجيبة، مثل سجل قيد الولادة، كأن يكون المعتقل من إدلب، أو من حماة، أو داريا، أو “نوى”، وهي بلدات ثائرة لا تبالي بالجنّ، وفيها شبهة لا تُرى بالعين، لكن ماذا يقول المرء، محّباً للتمر أو الملوخية، عن اعتقال الفنان يوسف عبدلكي، ولم يكن يأكل تمراً ولا موزاً، ضارباً المثال للوحدة الوطنية، فهو مسيحي الديانة، سافر بصحبة صديقَين، أحدهما درزي، والثاني علوي، أغلب الظن أنّ وحدة وطنية مثل هذه جديرة بالأسدَين ماهر وبشّار وحدهما، العفريتان اللذان ضربا مثلاً لها في زواجهما بأنسيَّتَين هما أسماء الأخرس ومنال جدعان.
تقول أدبيات الجنّ ومرويات الشياطين، إنهم يحبون القماقم ويسكنون الخرائب، وقد جعل العفريتان المذكوران سورية خراباً، والجنّ يعشقون النار التي منها خلقوا، فحرقا سورية حرقاً. عثر مقتحمو بيت ماهر الأسد، المبني على طراز بيوت السنافر، على تعويذات وتمائم سحر أسود. تقول المرويات إن طعامَ الجنِّ العظامُ، وقد كانت المعتقلات مصانع لتحويل السوريين عظاماً. وثمّة قرائن على انتساب آل الأسد لجنس الجنِّ، فقد اختفى بشّار الأسد وأخوه ماهر في ظروف غامضة، كان ماهر يخشى النور ويُحبّ الظلام مثل أبناء الجنِّ، ومعه عشرات الآلاف من الجنّ العكاريت، وقيل إنَّ العفريت ماهر نزح (بالبيجامة أو كسوة العسكر) إلى كهوف جبال قنديل، حيث معقل أبناء الجنِّ.
العربي الجديد
———————-
معظم الطرق السورية تؤدي إلى واشنطن/ رامي الخليفة العلي
26 فبراير ,2025
تعيش سوريا أزمة إنسانية واقتصادية خانقة ألقت بظلالها على مختلف جوانب الحياة، حيث تشهد البلاد انهيارًا في البنية التحتية، وتراجعًا حادًا في توفر المقومات الأساسية للحياة. قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والزراعة والصناعة تعاني من شلل شبه كامل، مما يجعل التعافي أمرًا بالغ التعقيد في ظل استمرار التحديات السياسية والأمنية. رغم الجهود المبذولة لإرساء الاستقرار، لا تزال سوريا تعاني من فراغ أمني وعدم قدرة السلطة الحاكمة على فرض سيطرتها على كامل أراضي البلاد. فمن أقصى الشمال إلى الجنوب، ومن المدن الكبرى إلى القرى النائية، تتفجر المشكلات بشكل مستمر، مما يضع الإدارة الجديدة أمام اختبارات صعبة لم تكن مستعدة لها بشكل كافٍ. على مدار السنوات الماضية، وتحديدًا منذ عام 2019، شهدت الساحة السورية نوعًا من التوازن العسكري والأمني، ترعاه قوى إقليمية ودولية، إلا أن هذا التوازن لم يكن كفيلًا بإخراج سوريا من مأزقها العميق، بل جعلها أشبه بجزر متفرقة تحت نفوذ قوى متعددة. وفي ظل هذه التعقيدات، مثل سقوط نظام بشار الأسد نقطة تحول كبرى، ليس فقط داخل سوريا، بل في عموم المنطقة، حيث لا تزال تداعيات هذا الحدث تتوالى، مثيرةً ارتدادات سياسية وأمنية متلاحقة. تعيين السيد أحمد الشرع رئيسًا للمرحلة الانتقالية كان بمثابة الخطوة الأولى نحو تحقيق استقرار سياسي طال انتظاره. ومع ذلك، لا تزال التحديات جاثمة على صدر البلاد، وتحتاج إلى خطوات أكثر جرأة لحلحلة الأزمات المتراكمة. ومن بين هذه الخطوات، شهدت المدن السورية مؤخرًا ما يعرف بـ «جلسات الحوار الوطني»، التي رغم الانتقادات الموجهة لها، تظل ضرورية كمحطة على طريق الوصول إلى مؤتمر شامل للحوار الوطني، يُفضي إلى تشكيل حكومة تمثل كافة أطياف الشعب السوري، وصياغة إعلان دستوري يشرعن المرحلة الانتقالية، مع وضع جدول زمني واضح لتنفيذ العدالة الانتقالية وتحقيق المصالحة الوطنية. في خضم هذه التحديات، كان لتعليق الاتحاد الأوروبي بعض العقوبات المتعلقة بقطاعي الطاقة والنقل والمصارف، وقع إيجابي، إذ منح السوريين بصيص أمل في تحسّن الأوضاع الاقتصادية. إلا أن هذه الخطوة تبقى محدودة التأثير، نظرًا لأن العقوبات الأمريكية، وخصوصًا تلك المفروضة على البنك المركزي السوري، هي الأكثر إيلامًا، إذ تعزل الاقتصاد السوري عن النظام المصرفي العالمي (سويفت)، مما يحدّ من قدرة البلاد على استقطاب الاستثمارات أو تحقيق انتعاش اقتصادي حقيقي. اليوم، تبدو واشنطن اللاعب الأكثر تأثيرًا في مستقبل سوريا، إذ تتحكم في مسارات عدة، من بينها تخفيف العقوبات، ودعم الحكومة السورية سياسيًا، والتوصل إلى حلول بشأن الوضع في شمال البلاد. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الرئيس الأمريكي ترمب المرتقبة إلى المنطقة أهمية خاصة، حيث يأمل السوريون أن تتمكن إدارة السيد أحمد الشرع من تحقيق تفاهمات جوهرية مع الإدارة الأمريكية. على صعيد آخر، كان للمملكة العربية السعودية دور استثنائي في تسهيل قنوات التواصل بين الحكومة السورية الجديدة والقوى الدولية، مما عزز فرص الوصول إلى حلول مستدامة للأزمة السورية. ويبقى الأمل معقودًا على أن تتكلل هذه الجهود بالنجاح، وأن يشهد السوريون قريبًا بوادر انفراج حقيقي، يُنهي سنوات المعاناة ويعيد للبلاد عافيتها واستقرارها.
* نقلا عن “عكاظ”
—————————–
الحوار الوطني السوري… من داخل القصر الجمهوري/ سامي مبيض
الطريق إلى تجربة سورية ناجحة
26 فبراير 2025
عندما وضع المهندس الياباني كنزو تانغه تصاميم “قصر الشعب” سنة 1979، جعله على مساحة 31.500 متر مربع في القسم الجنوبي من جبل قاسيون، المطل على العاصمة السورية والمعروف بجبل عنتر. صممه من الرخام الكرارا، وجرى التعاقد مع الفنان اليهودي الدمشقي موريس نصيري لتصميم أبوابه الخارجية والداخلية، ولكن بناء القصر تأجل لأسباب مالية، ولم ينجز إلا في سنة 1991، بتمويل من المملكة العربية السعودية، وتنفيذ شركة المقاولات التي كان يملكها رئيس الوزراء اللبناني الراحل رفيق الحريري.
ضمت إلى مساحة القصر الهضبة المقابلة له، وجعلت إطلالة مكتب رئيس الجمهورية متعامدة مع مئذنة العروس– مئذنة الجامع الأموي- وسط مدينة دمشق القديمة. لم يكن التصميم غريبا على المهندس الياباني تانغه، وهو مصمم مقر المحكمة العليا في باكستان، والملعب الأوليمبي الشهير في طوكيو، ومن هذا المكان خرجت جنازة حافظ الأسد سنة 2000، ومنه حكم ابنه بشار لغاية سقوط نظامه وهروبه إلى موسكو في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي. أما اليوم، فقد شهد هذا القصر “مؤتمر الحوار الوطني” الذي انعقد في 25 فبراير/شباط، والذي افتتحه سيد القصر الجديد، رئيس الجمهورية أحمد الشرع.
لجنة التحضير
لفيف كبير من السوريين اجتمعوا في قاعات متقاربة لوضع رؤية مشتركة لمستقبل سوريا، وصل عددهم إلى قرابة 700 شخص. بعضهم جاء من الخارج، والكثير منهم من الداخل، يمثلون شرائح المجتمع السورية كافة بتنوعاته الثقافية والعرقية والدينية، بينهم عدد كبير من السيدات مثل السياسية السورية فرح الأتاسي، والفنانة منى واصف وغيرهما.
وقد مثل المسيحيين الدمشقيين في اللجنة التحضيرية للمؤتمر السياسية السورية الدكتورة هند قبوات من جامعة جورج ماسون والمحاضرة السابقة في جامعة هارفارد، ومعها عن المسلمات السيدة هدى الأتاسي من كبرى عائلات سوريا السياسية التي طحنها حزب “البعث”، والتي أنجبت قبل سنة 1963 أحد أبرز زعماء سوريا الوطنيين، الرئيس الأسبق هاشم بك الأتاسي. ومن المفارقات التاريخية أن يكون هاشم الأتاسي رئيسا للمؤتمر السوري الأول سنة 1920، وأن تكون واحدة من سلالته متحدثة في مؤتمر عام 2025. أما بقية أعضاء اللجنة التنظيمية، فكانوا من المحسوبين على رئيس الجمهورية أحمد الشرع، يتقدمهم رئيس اللجنة ماهر علوش، وكان ميسر الحوار هو الإعلامي السوري المعروف زيدون الزعبي.
بعضهم انتقد عدم دعوة الأحزاب الكردية للمشاركة، ولكن كل الأحزاب غابت عن المؤتمر ولم تدعَ، وليس الأكراد وحدهم، حتى الثورية منها والمعارضة سابقا للنظام، مثل “الائتلاف الوطني” و”الإخوان المسلمين”، والموالية للنظام البائد، مثل “الحزب الشيوعي”، و”الحزب السوري القومي الاجتماعي” بعد أن صدر قرار في نهاية شهر يناير/كانون الثاني الماضي بحلها جميعا. ولكن المؤتمرين أوصوا بإطلاق الحياة الحزبية والسياسية في سوريا، لتعود إلى ما كانت عليه قبل انقلاب “البعث” سنة 1963، ولكن ليس قبل انقضاء المرحلة الانتقالية.
جلسات الحوار
قسمت جلسات المؤتمر إلى المحاور الآتية: العدالة الانتقالية، البناء الدستوري، إصلاح المؤسسات الحكومية، الحريات السياسية والشخصية، منظمات المجتمع المدني، المبادئ الاقتصادية. ونظرا للسرعة التي دعي بها الأشخاص– قبل 24-48 ساعة من انعقاد المؤتمر- تغيّب الكثير من سوريي الخارج عن الحضور، ولكن اللجنة المنظمة أتاحت لهم فرصة المشاركة أونلاين وفتحت لهم منصة إلكترونية، زارها أكثر من 10 آلاف سوري ليدلوا بدلوهم.
ولتسهيل عملية الحوار، وزعوا الحاضرين على غرف مغلقة، بحيث يكون النقاش مركزا ومضبوطا على مدى ساعة و40 دقيقة، عكس اللقاء التشاوري الذي أقامه النظام سنة 2011، الذي جلس فيه أكثر من 200 شخص على طاولة مستديرة واحدة في مجمع صحارى، تحولت إلى سوق عكاظ. تبارى يومها الحاضرون في إلقاء الشعر، وقاطعت كل الأحزاب المعارضة جلسات الحوار التي أدارها نائب الرئيس فاروق الشرع، ولم يحضره إلا قلة قليلة جدا من الأفراد بصفتهم الشخصية، يتقدمهم المعارض الدكتور طيب التيزيني الذي منع التلفزيون السوري بث مداخلته لأنها حرّمت اللجوء إلى السلاح ضد المتظاهرين العزّل. أما اليوم، فكان المؤتمر متاحا للجميع، حتى لكثير من الشخصيات المصنفة بالرمادية تجاه النظام السابق.
كلمة رئيس الجمهورية
جلس رجال الكنائس في الصف الأول في مؤتمر عام 2025 إلى جانب علماء المسلمين، ودخل الرئيس الشرع للجلوس بينهم، يرافقه وزير الخارجية أسعد الشيباني. اللافت كانت الطريقة التي استقبل بها رئيس الجمهورية حيث وقف الحضور له احتراما، ولكنهم لم يبالغوا في التصفيق كما جرت العادة في عهد بشار الأسد، حتى إن الشرع أعطى إشارة بيده تواضعا لكي لا ينهض أحد من الناس، ولكنهم فعلوا. وبعد الانتهاء من خطابه، حاول ثلاثة من الحاضرين الهتاف له كما كانوا يهتفون لبشار، ولكنهم عادوا وجلسوا عندما لم يلق تصرفهم استحسان بقية الضيوف، حتى إن واحدا من الحاضرين صاح بأعلى صوته: “أما حان الوقت للإقلاع عن هذه الهتافات؟”.
اللافت أيضا في مؤتمر الحوار الوطني كان سهولة الوصول إلى “قصر الشعب” فلم يكن هناك تفتيش جسدي على الأبواب ولا مضايقات أمنية، علما أن اللجنة المنظمة طلبت في رسالة الدعوة النصية عدم اصطحاب السلاح أو أجهزة الهاتف المحمول. وفي الاستراحة، أعاد السوريون التعرف على بعضهم البعض، بعد أن فرقتهم المتاريس وخطوط التماس. تعانقوا دون خوف ودون رقيب أمني، وبكى بعضهم في أثناء الحديث عن تجاربهم. بعض الشباب جاءوا من مدينة إدلب، وفي جعبتهم قصص وحكايات عن سنوات الحرب والمخيمات والبراميل المتفجرة، وعن لقاء أهاليهم بعد طول غياب إبان نجاح عملية “ردع العدوان”.
وهنا كانت مفاجأة بالنسبة لكثير من السوريين القاطنين في مناطق سيطرة النظام سابقا، بأن ليس كل القادمين من إدلب “إدلبيين” فبينهم الحلبي والحمصي والدمشقي، بمشاربهم المختلفة والمتنوعة. للمرة الأولى منذ اندلاع الثورة، الكثير منهم عرّف عن نفسه باسمه الحقيقي، ليتفاجأ زملاؤهم ورفاقهم الذين كانوا ينادونهم بأسمائهم الحركية طيلة عشر سنوات ونيف، ويقولون”: “أأنت حقا فلان؟ كنت أناديك بأبو فلان ولا أعرف اسمك الحقيقي… أنت من حلب؟ نحن أقرباء… بارك الله بكم يا أخي ورحم الله شهداءكم وشهداءنا جميعا”.
مخرجات المؤتمر
نتج عن جلسات الحوار سلسلة من التوصيات أعلنت في مساء 25 فبراير/شباط، منها المضي قدما في تشكيل لجنة دستورية ومجلس تشريعي انتقالي، مع التركيز، في البند الثاني من التوصيات، على إدانة العدوان الإسرائيلي على الأراضي السورية، واستنكار كلام بنيامين نتنياهو عن حماية الموحدين الدروز من سكان جبل العرب. الجميع كان غاضبا من كلام رئيس الوزراء الإسرائيلي، في دلالة واضحة على أن كل السوريين لا يقبلون بالمشروع الصهيوني، حتى لو كان النظام البائد قد احتكر الوطنية بشخص رئيسه ومواليه وأجهزته الإعلامية. وطالب بعضهم بتحويل جزء من المؤتمر إلى مجلس تشريعي مؤقت، بينما دعا آخرون إلى جعل جلسات المؤتمر مفتوحة ومستمرة، على غرار “المؤتمر السوري الأول” الذي افتتح في صيف عام 1919، بعد أشهر من انهيار الحكم العثماني، وظلّ منعقدا لغاية 8 مارس 1920، وهو يوم الإعلان الرسمي عن استقلال سوريا الأول، ورفض الانتداب الفرنسي ووعد بلفور، مع تتويج الأمير فيصل بن الحسين ملكا على البلاد.
الفارق بين مؤتمر عام 1920 ومؤتمر 2025 كان أن الأول جاء بالانتخاب والثاني بالدعوة الشخصية، ومثل المؤتمر الأول كل مدن سوريا الكبرى ومنها القدس وغزة وطرابلس وبيروت وغيرها. أما التشابه، فكان بأن كليهما جاء بعد سنوات من الحرب الضروس، وعكست تطلعاتهما رغبة السوريين الجامعة في بناء وطنهم الممزق والمحطم.
في مؤتمر 1920 كانت هناك خطوط تماس واضحة، بين العلمانيين والمحافظين من جهة، وبين الثوريين القادمين من الصحراء العربية من رجالات ثورة الشريف حسين، ومن جهة ثانية من الشخصيات المحسوبة على الأتراك حتى آخر دقيقة من الحرب العالمية الأولى. في كلتا الحالتين، كان هناك تعالٍ على الجراح وقرار صارم بعدم التعرض إلا لمن تلطخت أيديهم بالدماء. أما التشابه الأخير فكان في ردة فعل العدو على المؤتمرين، ففي سنة 1920 اعترضت فرنسا– عدو سوريا آنذاك– على مخرجاته في تتويج فيصل الأول ملكا، وفي سنة 2025 جاء الرد من إسرائيل التي تدخلت عسكريا بعد ساعات من الجلسة الختامية، وتوغلت عسكريا في الجنوب السوري لإفشال تجربة السوريين الناجحة.
—————————-
رسائل من تحت الأرض: سيرة ترويها العبارات بين الساحات وأقبية المعتقلات/ شام السبسبي
25-02-2025
منذ سنواتٍ عدّة، بَدَت فكرة إسقاط النظام ضرباً من الخيال. وُلِدَت المعجزة السورية مع ذلك، بعد 14 عاماً. اتّسع الحلم فضاقَ على السلطة، كبر في صدور أبناء الثورة فضيّق على خوفهم، وتحقّق المستحيل مجسداً عبارة الغرافيتي الشهيرة «كن واقعياً، اطلب المستحيل» (Soyez réalistes, demandez l’impossible)، إحدى شعارات احتجاجات (أيار) مايو 1968 في باريس الطلابية والعمالية التي خُطّت على جدران الحيّ اللاتيني في باريس، وعلى جدران جامعة السوربون، وانتشر فيما بعد في مجمل المدن الفرنسية.
مثَّل هذا الشعار تعبيراً بصرياً عن مطالب الثوّار بإصلاحات سياسية واجتماعية، ومرآةً تعكس جوهر الحراك الذي سعى إلى تحطيم حدود الممكن، والتأكيد على أن التحوّلات الكبرى قد تبدأ من حلم مستحيل وعصيّ.
انطلقت الاحتجاجات يومها من الجامعات، ثم تحوّلت إلى إضرابات عمالية شارك فيها أكثر من 10 ملايين شخص في فرنسا، ومع أنها لم تؤدِ إلى ثورة سياسية مباشرة، لكنها غيّرت فرنسا ثقافياً واجتماعياً، وأثّرت بشعاراتها على العديد من الحركات الاحتجاجية الداعية إلى العدالة الاجتماعية والمساواة الاقتصادية حول العالم.
«كن واقعياً، اطلب المستحيل» هو أحد رسوم الغرافيتي المبكّرة التي عكست روح التمرّد ضدّ الأنظمة السياسية والاقتصادية، هذا الفنّ الذي سيرتبط بعد عدّة أعوام فقط بالثقافة التي انتشرت في نيويورك فترة السبعينيات، والتي اعتبرت الشارع وقضاياه مصدراً أساسياً لإلهامها، فيرتبط معها الغرافيتي بالتغييرات الاجتماعية والسياسية والحركات والتظاهرات المدنية بوصفه «فنّ احتجاج».
شغل الغرافيتي حيّزاً تعبيرياً مهمّاً مع انطلاق انتفاضات الربيع العربي في تونس ومصر وسوريا وليبيا، بوصفه أحد الأدوات السلمية في مواجهة الأنظمة الاستبدادية، فنطقت حينها جدران الساحات العربية بما لم تستطع وسائل الإعلام النطق به، ذلك بعد أن خُطّت عليها عبارات مباشرة تحمل مضامين العدالة والحرّية والكرامة، وتُسمّي اللصَّ لصّاً والقاتل قاتلاً. رُسمت جداريات تنتقد الأنظمة الحاكمة، وتدعو الجماهير للثورة والاحتجاج، وتُخلّد شهداء الثورات.
حضر الغرافيتي في تونس خلال الثورة، وبعد انتصارها وإسقاط نظام زين العابدين بن علي في كانون الثاني (يناير) 2011، فاستخدم الفنانون الجدران لتخليد شعارات الثورة مثل «الشعب يريد إسقاط النظام». بينما تحوّلت جدران القاهرة بعد سقوط نظام حسني مبارك إلى متحف مفتوح يروي تاريخ الثورة المصرية، ويخلّد وجوه شهدائها وعيون ثوّارها المصابين ممن فقدوا أبصارهم برصاص قوات الأمن.
في سوريا، حضر الغرافيتي كذلك منذ البدايات؛ في شعاراتٍ خُطَّت على الجدران في درعا وغيرها، وعبارات مثل «إجاك الدور يا دكتور» و«الشعب يريد إسقاط النظام». شغلت عباراتٌ كهذه مكانةً رمزية في سيرة الثورة السورية، وحملت جدران المدن السورية رسومات وعبارات تنطق بالغضب والأمل، شغلت لنفسها مكاناً في الذاكرة السورية وذاكرة المطّلعين على سيرة العقد الماضي في سوريا، وذلك رغم محاولات النظام السوري طمس هذه الجداريات وتخريبها، فمن رسم «البشت» المشهور لكأس العالم وإلى جانبه جملة «روسيا المجرمة»، مروراً بجداريات مُنشد الثورة عبد الباسط الساروت، وصولاً إلى لافتات وجداريات كفرنبل الشهيرة؛ كجدارية رائد الفارس «الثورة فكرة والفكرة لا تموت»، نجح السوريون في تحويل الغرافيتي لا إلى وسيلة احتجاجية فحسب، بل إلى أداة توثيقية عبر نشر جداريّاتهم رقمياً لتصل إلى العالم أجمع.
يتذكر معظم السوريين اليوم قصّة «الرجل البخّاخ»، لقبٌ أُطلق على عددٍ من الشبان بين مدن سورية مختلفة، اشتهر منهم بخاخ دمشق الذي كتب على جدران متاخمة للقصر الجمهوري والدوائر الرسمية في دمشق عبارات مطالبة بإسقاط النظام، قبل أن تنجح الأجهزة الأمنية في أن ترديه قتيلاً، ويشيَّع بمظاهرة حاشدة انطلقت من منطقة كفرسوسة في عام 2012. اللقب مستمدٌ من لوحة درامية في مسلسل بقعة ضوء كتبها عدنان زرّاعي، الذي غيّبه النظام منذ عام 2012.
ويمكن القول في الحالة السورية إن الغرافيتي ساهم في انتزاع «الفضاء العام» (الشارع) من السطوة البصرية للنظام الحاكم، تلك الممثّلة بصور وتماثيل الأسدين الأب والابن وشعارات التمجيد والتبجيل، واسترداده من الاستملاك الأسدي إلى الملك عام.
وعلى الرغم من تشابه الثورة السورية في بداياتها مع ثورات الربيع العربي، إلا أن جداريات تونس والقاهرة أصبحت بعد أعوام من الإطاحة بالنظامين الحاكمين بمثابة متحف حي لثورات الربيع، وجزءاً من الذاكرة الوطنية للشعبين، بينما كان القمع أكثر وحشية في الحالة السورية، فنجح النظام بطمس الكتابات على الجدران وإزالة آثارها في أماكن سيطرته.
لم تمض بضعة شهور على انطلاق الانتفاضة السورية حتى اكتظّت سجون النظام السابق بعشرات الآلاف من المعتقلين المعارضين لحكمه، فوَجَدت معهم ظاهرة الكتابة على الجدران طريقها إلى زنازين السجون والمعتقلات كرد فعل مقاوم للاعتقال والإخفاء القسري والتغييب.
بعبارةٍ أخرى، تحوّلت رسوم الغرافيتي الإبداعية إلى كتابات جدارية بسيطة من حيث الشكل، كما وتحوّلت مضامينها من وسيلة احتجاج جماعية حمّالة لمعاني المقاومة والحرّية ورفض الاستبداد، إلى شهادات فردية عن وحشية النظام واستحالة الحياة في غياهب معتقلاته، و«وثيقة حضور» في حال غياب وثيقة تكشف مصير المُختطف إذا ما قضى بالمعتقل.
كتب المعتقلون على جدران الأفرع الأمنية أسماءهم وأسماء عائلاتهم وتواريخَ اعتقالهم، وتوصياتهم للمحتجزين من بعدهم؛ كجملة «شدّ حيلك كرمال يلي بيحبّوك» و«ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل»، وعبارات دينية تشير إلى حتمية النصر مثل جملة «لا غالب إلّا الله»، و«دعا ربه إني مغلوب فانتصر».
وبينما طالبت رسوم الغرافيتي بإسقاط النظام داعيةً السوريين للانخراط في الثورة عليه، بقيت جدران المعتقلات شاهدة على ألم فردي لا يعرفه إلا صاحبه، وناقلة رسائل وداعية لمعتقلين مجهولي المصير في أقبية الأسد كجملة: «كنتُ هنا» وجملة «لن ننسى شهدائنا».
هذه الجدران كانت بمثابة الملاذ الأخير للسوريين المعتقلين في أقبية الأسد، فحفروا عليها آلامهم وآمالهم ووثّقوا لحظات مريرة من تجاربهم، ومع فرار بشار الأسد فإنه ما يزال مصير حوالي 120 ألف معتقلٍ مجهولاً، عشرات الآلاف قضوا في أقبيته وسجونه بينما بقيت كتاباتهم وأسماؤهم وثائق غير رسمية على جريمة استمرت مدة 53 عاماً.
أمّا الجدران التي نطقت طوال سنوات بشعارات الثورة فلم تعد اليوم مساحة لغرافيتي يتحدّى النظام الحاكم، ولا ألواحاً يخطّ عليها الثوّار آمالهم بغدٍ أفضل وفرج قريب، إنما تحوّلت إلى معارض صامتة للألم مُجسداً بصور مفقودين ومغيبين يكسوها الصمت، وجوه جامدة تحدق بعيون فارغة في المارة لتروي حكايات الغياب والانتظار والفقد.
أُنتج هذا المقال في إطار زمالة بداية المسار للصحفيات السوريات في دورتها الأولى.
موقع الجمهورية
———————————
عزيزتي ليلى: اقترب عيد الأم ونودّكِ بشّدة بيننا: نحن أيضاً بحاجتكِ
عبد الله الكفري
27-02-2025
الدكتورة العزيزة ليلى،
منذ أشهرٍ وأنا أشعر برغبةٍ كبيرة في الكتابة لكِ، هناك الكثير لنتحادث به، بلادنا بظاهرها وبواطنها المظلمة تعجُّ بالحياة وتعجُّ بالظلم، ومَن أفضل منكِ ليخبرنا عن ذلك؟ في الشهر الماضي كنتُ أعطي درساً في الجامعة ضمن مقرر الكتابة المسرحية، كنت أتناقش مع الطلاب حول مفهوم الصراع، وعندها حضرتِ أمامي، كنموذجٍ وحجة على قوة وهشاشة الحق في بلادٍ تتصارع مع الحاجة إلى العدالة والحرية، وكنموذجٍ بشري عن نضال الأم، وفداحة الحب والتضحية. فكرتُ كثيراً أن أخبر الطلاب بما عاجل ذهني لكنني عدلت عن الأمر، ليس لشكٍ مني في معرفتهم بكِ، لا بل على العكس أظن أن كثيراً منهم يتابعون مع منى وسناء تفاصيل صحتكِ، ولكن لأن هناك تعذرٌ في الإحاطة بكل ما تقومين به وفي إيفائه حقه. تحويل الألم الشخصي في أكثر أشكال تجريده: الجوع، إلى نضالٍ وسعي للعدالة، وكلما ازداد جسدكِ انكماشاً توسعت آفاق هذا النضال الهادئ والمثابر. وهنا يكمن التحدي: كيف لنا أن نخبر عن قصصٍ في طور الحدوث وأصحابها لا يرغبون أن يصيروا أمثولةً إنما يبحثون عن قليلٍ من العدل؟
لسنواتٍ طوال كانت زياراتكِ لعلاء التي نجحت والأخرى الكثيرة التي تعثرت سرداً مغايراً لبلدٍ وواقعٍ لا ترغب السلطات في الحديث عنه. افتراش الطوب والصبر والانتظار، أتاح لنا أن نشهد كيف تنتقل الأمومة من الفضاء الخاص إلى الفضاء العام، وكيف تستحيل هذه الأمومة من كونها وجبة دافئة في منزل العائلة، أو زيارة طويلة مع الأحفاد في يوم الجمعة، أو تناول بعض الحلوى والتندر حول قصةٍ ما، لتصير ساعات انتظار، وتراب يغطي الثياب عقب النوم في الشارع أمام سجن طرّه. إن هذا التحول بين فضاءٍ خاصٍ معتادٍ وآخر عامٍ مفتوح على الحياة والحريات هو ما يتيح للنضال السياسي والاجتماعي الحضور كنمط حياة في كل ما تفعلينه.
أصدقاؤكِ، وزملائكِ، والمقربّون منكِ يعرفون أن النزاهة والإصرار والعناد والثبات على الحق هي في صميم خيارتكِ وطبيعتكِ، لكنني أرغب أن أحيل الأمر أيضاً إلى علاقتكِ بدراسة وتعليم الرياضيات، وهو مجالٌ يعتمد المنطق والبراهين والاستدلال المنهجي، وهي للمفارقة المبادئ ذاتها التي ترتكز عليها أسس الدفاع عن حقوق الإنسان، والعدالة الاجتماعية والناشطية السلمية، وكلها مجالات اخترتِ وعائلتكِ تكريس وجودكم لها.
خلال السنوات الماضية كانت أحاديثكِ عن زياراتكِ لعلاء تتخفّف من المشاعر إلى أقصى الحدود، وتتحول إلى مجالٍ للبحث عن الحقيقة والإصرار عليها، أعيد مشاهدة أحد هذه الفيديوهات والذي أعلن فيه علاء إنهاء إضرابه عن الطعام. في هذه اللحظة التي تفيض بالأمل وتتضمن كل حمولة المشاعر الممكنة، تختارين التحدث عن الأمر بهدوء تامٍ وبلغة إخبارية ذات منطقٍ عقلي وتقولين، وهنا اقتبس: «كان شعوري الأول هو المفاجأة، ومن ثم شعرت بالراحة بالطبع، لأنه قال إنه أنهى إضرابه عن الطعام، وحقيقة أنه قال بوضوح إنه يود الاحتفال بعيد ميلاده معي في زيارتي القادمة هو مؤشرٌ على أنه يريد أن يطمئنني على أنه بخير». تختارين إذاً أن تقرأي الرسالة وتتشاركيها معنا من خلال برهان حقيقتها وعبر استخدام عدستي التفكير النقدي والتحليل الدقيق.
هل تعرفين يا عزيزتي ليلى أن قولكِ السابق هو أقصى أشكال مشاعر الأمومة الفياضة؟ أميل للتفكير أنكِ حتى في أكثر لحظات قلقكِ تفكرين بقلوب الأمهات وأهالي المفقودين من حولنا، ومن هنا تتجنبين أي وصفٍ أو مجازٍ أو استعارةٍ لغوية تفتح جراحهن، وتبحثي في فائض معارفكِ عن المنطق وتعتمدين التفكير الرياضي، والواقع أنه كلما كان حديثك من العقل وصلنا في القلب.
هي إذاً الرياضيات وقد صارت أساساً في النضال والأمومة، لا مجال للمجاملة أو الحلول الوسطى عندما يتعلق الأمر بالحقائق والبراهين. وما يقدم في الجامعة للطلاب هو المنطق ذاته في المواقف المبدئية والأخلاقية لمواجهة الظلم والقمع. لكن دراسة وتعليم هذه المادة يحتاج أيضاً إلى شجاعةٍ وجرأةٍ فكرية للتشكيك في المسلّمات وإعادة النظر في الفرضيات، وهو ما عرفناكِ عليه في مساءلة السلطة وتحدي الثبات عندما يكون باطلاً. يذكر من يعرفكِ واختبر زمالتكِ سمات الصبر فيكِ والتي يتسم بها علماء الرياضيات، وهي سماتٌ أعدتِ إنتاجها في نشاطكِ المدني والحقوقي للتأكيد على أسس العدل والكرامة الإنسانية.
عزيزتي ليلى،
سبق وذكرتُ لكِ أن هناك مئات البيوت التي تنتظر زيارتكِ في سوريا، وهناك كثرٌ أرغب أن أعرفكِ عليهم، ومن بين هؤلاء أودّ بشدّة أن أعرفكِ إلى السيدة فدوى محمود – أظن أنكِ تعرفينها- وهي ناشطةٌ سياسية ومدنية، أسست مع عددٍ من النساء السوريات حركة «عائلات من أجل الحرية»، ومنذ العام 2012 تبحث عن زوجها المغيّب والمناضل عبد العزيز الخير، وعن ابنها ماهر كجزءٍ من عمل وطني للبحث عن كل مغيبي سوريا. تخوض السيدة فدوى معركةً على كافة الجبهات للبحث دون مواربةٍ عن ابنها، وكلما شاهدتها وجدت نفسي أفكر فيكِ وأتخيلكما معاً، بصحبة علاء وماهر وكل الأحبّة الذين طال انتظارهم. سيكون هذا اللقاء فرصةٌ للفرح بقوة التغيير السلمي والاطمئنان إلى أن بلادنا فيها غد أفضل.
عزيزتي ليلى،
منذ أسبوعين وجّهت فدوى
رسالة لماهر احتفالاً بعيد ميلاده، كانت رسالتها لحظة نضالٍ وإصرارٍ على متابعة كل الجهود لإيجاده، ولحظة أملٍ مسترقةٍ من فائض الحزن. كانت رسالتها دافعاً لي ولكل من شاهدها للأمل بمعنى أفعالنا، وكانت لحظة فخر بنضالات فدوى ونضالكِ وكل أمهات هذه المنطقة اللواتي جعلن من حياتهن فرصة لتحسين واقعنا عندما يغمرنا التشكيك. وحينها أيضاً تذكرتكِ وتذكر رغبة علاء أن يحتفل بعيد ميلاده القادم معكِ، وأملت لعلاء أن يكون بحضنكِ وبصحبة عائلته كما هي أمنياتي للعزيزة فدوى، وهنا أود أن أخبركِ برغبتي وأملي وأمل الآلاف أن تكوني بيننا في 21 آذار (مارس) لنحتفل بعيد الأم معاً ونأمل أن يكون علاء وماهر معنا.
حتى يحين موعد اللقاء كوني بخير.
عبدالله
موقع الجمهورية
—————————
لماذا لا يجب أن نكتب مادة تحمل عنوان “لماذا أعجبت النساء بالرئيس أحمد الشرع؟”/ علي م. العجيل
27 فبراير 2025
الثورة في الحقيقة فعل مستمر نوعًا ما، والثورة في الشوارع والساحات وتحطيم التماثيل القديمة وتخريب الصور لا تكفي دائمًا، والأهم من الثورة نفسها: ماذا نفعل بعد إتمام الثورة؟ ما الخطوة أو الخطوات القادمة؟
والثورة أيضًا صحيفة يومية سياسية شاملة سورية تأسست عام 1963 في الجمهورية العربية السورية، وتصدر عن مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر، وتحب مغازلة الرئيس بين الحين والآخر.
والشعوب التي تعتقد أحيانًا أنها انتصرت وهزمت جلاديها، ربما تكتشف بعد مدة قصيرة أنها أطاحت بالحاكم فقط وغيرت الوجوه دون أن تغير النظام، وأن القادم أخطر.
والشعب السوري العظيم تحديدًا، ومن بين مجموعة أهداف عظيمة، ثار وقُتِل وتهجّر وفقد بيته الصغير ونصف أفراد عائلته وصوته وأصابعه من أجلها، ثار لهذه النقطة: “ما في للأبد”.
وتعني أننا لا نريد أن نراك في كل شيء، أو نرى اسمك وصورتك وضحكتك السخيفة على كل شيء، وفي كل مكان ندخل إليه أو نخرج بالقوة أو بإرادتنا منه.
هل لاحظتم ذلك؟ كمية الساحات والجسور والمراكز الفنية والثقافية والطرقات والمدن والمستشفيات والبيوت والأولاد والمطاعم والفنادق وسلل المهملات، التي صارت مجهولة الهوية بسببه، وبلا اسم يدل عليها؟
لا نريد أن تتعب حناجرنا من الهتاف وأيادينا من التصفيق وألسنتنا من المدح. إن الحاكم خادم لشعبه، لا متسلط جبار، وهذه في الحقيقة من الجمل التي قالها الرئيس الشرع وأعجبتنا.
عمومًا، تعجب النساء بالآباء والأبناء والأهل والأصدقاء وبحبيب يشبه ما تريد وتستحق، وبممثل ما أو فنان أو كاتب أو رياضي. هذا على المستوى الشخصي، وهو أمر يعنيها وقلبها فقط. وهذا عن النساء بشكل عام.
من جهتها، تعجب المرأة السورية، المرأة التي لعبت دورًا مهمًا في الحراك السياسي السوري، وحملت السلاح وفقدت وتعبت ودافعت عن الثورة وساهمت في انتصارها، بالرئيس الذي يأتي باختيارنا ويذهب باختيارنا ويسعى، ما دام رئيسًا، إلى ما هو خير لهذا البلاد ولنا.
كلنا، كلنا نعجب به إذا ما فعل هذا.
لا بالكاريزما أو الحضور أو الهدوء أو الاتزان أو جمال الشكل والإعجاب تبنى البلاد وتخرج من نفقها المظلم هذا، بل بالعمل واتخاذ القرارات التي تصب في المصلحة العامة والاستماع والتحمل والصبر والخوف من زاوية ما.
ماذا نفعل إذن؟ ماذا نفعل بكل هذا الحب الثقيل والإعجاب والشغف والتعلّق والهيام والوله وأشياء داخلية كثيرة أخرى، ما الطريقة المثالية للتفريغ؟
الجواب بسيط وسهل: من الممكن بدلًا من هذا، أن نكتب مادة عنوانها “لماذا أعجبت ليا خير الله بالرئيس أحمد الشرع؟”. ودون أن تشعر ليا أو الرئيس الشرع أو القارئ، ندّس بين السطور مشاعرنا وما نريد أن نقول.. ولكن، لماذا صحيح؟
في النهاية، لسنا بصدد تحويل نقاش هذه المرحلة الحساسة إلى حديث عن اللايكات والمجاملات التي تُكال بلا حساب. ما يهم حقًا ليس صورة الرئيس ولا حضوره الإعلامي، بل قراراته التي تصنع فارقًا في حياة الناس، وإدارته التي تضع المصلحة السورية فوق كل اعتبار، وشجاعته السياسية في أخذنا إلى مسار من الحرية، بعيدًا عن كل أشكال التبعية.
وإن كان الرئيس يستحق إعجابنا، نساءً ورجالًا، فليكن ذلك لأنه أدى أمانته كما يجب، لا لأننا اعتدنا أن نُعجب بالحكّام. أما عن سؤال “لماذا أُعجبت النساء بالرئيس أحمد الشرع؟”، فالأجدر أن يُترك للنجوم ومؤثري السوشيال ميديا، فليس في سوريا الجريحة الحالية متّسع لمثل هذه البلاهات.
————————-
قصص لا يرويها الكبار.. الإصغاء لليافعين في عملية العدالة الانتقالية/ رهادة عبدوش
27 فبراير 2025
بدأت الحكاية في سوريا، عام 2011، بعبارات دونها الأطفال على جدران في درعا (حسب معظم الروايات)، وكان تعذيب هؤلاء الأطفال من قبل الأمن السوري هو الذي أطلق الثورة التي استمرت 13 عامًا قبل أن تتوّج بإسقاط النظام.
وبين هذين التاريخين كبر أطفالنا وعاشوا وانتهكت حقوقهم، منهم من مات جوعًا أو بسبب البرد القارس أو غرقًا في البحار، ومنهم من تشرد واعتقل، أو قتل بالقذائف أو البراميل أو غاز السارين، ومنهم من تيتم بموت والده على إحدى الجبهات.
مَن ولِد في 2011 أصبح عمره اليوم خمسة عشر عامًا، ومن كان طفلًا في الخامسة عشر أصبح اليوم في الثلاثين، بين هذين العمرين 15-30 سردياتٌ كثيرة يحكيها أطفالنا، وبطريقتهم، ويمكنها إخبارنا بأمور، لا ندركها نحن البالغين، حول هذه الحرب.
الاعتراف بانتهاك حقوق الأطفال
الحديث هنا يدور حول انتهاك حقوق الأطفال في سوريا، ولا بد أولًا من التأكيد على أن الأطفال من جميع المناطق والطوائف لا تعنيهم السياسة ولا الثورة ولا الانتصارات.. هم يريدون الأمان، العلم، اللعب، الصحة.
وهذا ما نصّت عليه الاتفاقيات الدولية وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل التي جعلت مبادئها الأساسية هي البقاء والنماء، المشاركة، عدم التمييز، المصلحة الفضلى.. وانتهاك أي حق من هذه الحقوق هو انتهاك لجميع حقوقهم.
وفي مناسبة يوم الطفل العالمي، شدد المركز الدولي للعدالة الانتقالية على أهمية الدور الفعال الذي يؤديه الأطفال والشباب في عمليات العدالة الانتقالية، مثل البحث عن الحقيقة والمحاسبة الجنائية وبرامج جبر الضرر، اعتمادًا على المبدأ التوجيهي لاتفاقية حقوق الطفل حول المشاركة التي تنص عليها المادة 12 : “تكفل الدول الأطراف للطفل القادر على تكوين آرائه الخاصة حق التعبير عن تلك الآراء بحرية في جميع المسائل التي تمس الطفل، وتولى آراء الطفل الاعتبار الواجب وفقاً لسن الطفل ونضجه”.
أرقام تحكي الانتهاكات بحق الأطفال
بحسب تقرير لـ”اليونيسف” عام 2024، فإن ما يقرب من 7.5 مليون طفل سوري بحاجة إلى المساعدة الإنسانية لأن الدورات المتكررة من العنف والنزوح، والأزمة الاقتصادية الطاحنة والحرمان الشديد، وتفشي الأمراض والزلازل المدمرة، تركت مئات الآلاف من الأطفال عرضة لآثار جسدية ونفسية – اجتماعية طويلة المدى.
يعاني أكثر من 650 ألف طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية المزمن، بزيادة قدرها حوالي 150 ألف طفل خلال السنوات الأربع منذ عام 2019. ويتسبب سوء التغذية المزمن، أو التقزم، في أضرار لا يمكن علاجها بالنسبة للنمو البدني والمعرفي للأطفال، مما يؤثر على قدرتهم على التعلم والإنتاج وما يمكن أن يكسبوه من أجور لاحقا في مرحلة البلوغ.
نزح أكثر من 13 مليون سوري – أي ما يقرب من نصف عدد السكان قبل الصراع – داخل سوريا أو خارجها ولم يكن بوسعهم العودة إلى ديارهم. وما يقرب من نصف الأطفال في سن الدراسة – 5.5 مليون طفل – خارج أسوار المدارس.
ووفقًا لـ”اليونيسف” أيضًا، فمنذ عام 2011 حتى 2021 تم التحقق من مقتل أو إصابة ما يقرب من 12 ألف طفل في سوريا: “أي طفل واحد كل ثماني ساعات على مدار السنوات العشر الماضية”. هؤلاء تمكنت الأمم المتحدة من التحقق من أنهم قتلوا أو أصيبوا، ومن المرجح أن تكون الأرقام الفعلية أعلى من ذلك بكثير.
ووفقًا للبيانات التي تم التحقق منها، بين عامي 2011 و2020، تم تجنيد أكثر من 5,700 طفل في القتال، بعضهم لا تزيد أعمارهم عن 7 سنوات. وفي الفترة نفسها (2011-2020) تعرضت أكثر من 1,300 منشأة تعليمية وطبية للهجوم، بما في ذلك الأشخاص الذي يعملون هناك.
وأعلنت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” عن وفاة 167 مدنيًا سوريًا بينهم 77 طفلًا و18 امرأة، بسبب البرد في شمال سوريا منذ آذار/مارس 2011 وحتى 31 كانون الثاني/يناير 2020.
وتم اعتقال أطفال وإيداعهم في دور أيتام، ويقدر عدد هؤلاء بنحو 4 آلاف طفل منذ اندلاع الثورة عام 2011، إذ اختفى بعضهم تمامًا، وآخرون أُودعوا سرًا في دور للأيتام، ضمن ما يسمى ملف الإيداعات الأمنية لأطفال المعتقلين. وهذا ما أوضحته وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في الإدارة الجديدة كاشفة عن هذا الملف، الذي دُفنت فيه قصص مئات الأطفال ممن اعتقلوا مع أمهاتهم وأبعدوا عنهن إلى مكان مجهول.
مشاركة اليافعين في العدالة الانتقالية
تجارب في بلدان كثيرة تم فيها إشراك اليافعين/ات في عمليات العدالة الانتقالية، وذلك عبر طرق شتى منها اللقاءات الحوارية والأفلام الوثائقية، والمكاشفة والمصارحة.
ففي النيبال، تم عام 2012 تنظيم سلسلة من الدورات التدريبية والبرامج الإذاعية حول العدالة الانتقالية للشباب/ات، وأثمرت عن حلول هامة وآراء مختلفة لم تكن بالحسبان. وكذلك في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث قام شابان من بين المشاركين في الحدث الوطني الخاص بلجنة الحقيقة والمصالحة في بلدة (إينوفيك)، في حزيران/يونيو 2011، بابتكار فيلم وثائقي عن تصورات أقرانهم حول إرث المدارس الداخلية الهندية..
في تونس، وبالتعاون مع المكاتب القطرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والـ”يونيسف”، نظم المركز الدولي للعدالة الانتقالية في تشرين الأول/أكتوبر 2012 طاولة مستديرة حول الطفولة والشباب في عملية العدالة الانتقالية في تونس. وجمعت ورشة العمل جهات فاعلة من مجالات حماية الطفل والعدالة الانتقالية والشباب بهدف إطلاق المناقشة الأولى في البلاد حول مشاركة الأطفال والشباب في عمليات العدالة الانتقالية.
وبالمثل، يجب إقامة جلسات حوارية بين اليافعين/ات في مناطق مختلفة من سوريا، لتبدأ لقاءات ونقاشات داخل كل منطقة ومن ثم بينها وبين المناطق الأخرى، على شكل حل النزاعات، لتخرج ورشات العمل في كل مرة بتوصيات بعد عدة جلسات حيث يمكن البدء بتفريغ نفسي بوجود أخصائيين نفسيين والبوح بالتخوفات الحقيقية التي يخشاها من عاش الحرب طفلًا وكيف كان يرى كل ما يحدث، بعيدًا عن التسييس.
إصغاء، تفريغ، حوار، ومواجهة بين الفرق المختلفة.. ليتحدثوا ويخرجوا بطريقة تصالحية مع شركائهم في الوطن كي لا يبقى الآخر مجهولًا، وبالتالي عدوًا، فكل الأطفال ضحايا، بشكل أو بآخر، ويجب الاستماع للجميع.
الترا سوريا
———————–
الأدب السوري والهوية: الانتماء والتحولات الكبرى/ مرح الحصني
27 فبراير 2025
عندما نتحدث عن الأدب والهوية في سوريا، نواجه أسئلة معقدة تتعلق بدور الأدب في تشكيل الوعي الجمعي والانتماء الوطني. هل كان الأدب السوري محركًا رئيسيًا لهذه الهوية، أم أن وسائل أخرى مثل الإعلام والدراما والمناهج التعليمية كان لها التأثير الأبرز؟
الكاتب السوري يعرب العيسى يشكك في فكرة أن الأدب السوري لعب دورًا محوريًا في تشكيل الهوية الوطنية، ويرى أن تأثيره كان محدودًا مقارنةً بالدراما والموسيقى ووسائل الإعلام الأخرى، إذ لم يعرف المجتمع السوري ظاهرة “الأديب النجم” الذي يُقرأ على نطاق واسع ويؤثر في الوعي العام. ومع ذلك، بقي الأدب مساحة أساسية للتأمل العميق في قضايا الهوية والانتماء، حتى لو لم يكن بالضرورة الأكثر حضورًا في المشهد الثقافي العام.
لكن العيسى يؤكد، في الوقت ذاته، أن الهوية السورية موجودة بقوة في كتاباته، حتى لو لم يكن الأدب هو القوة الرئيسية في تكوينها. ويقول العيسى في حديث لـ”الترا سوريا”: “الهوية السورية، بلا شك، حاضرة بشكل طبيعي في الكتابة. أنا شخص مهتم بسوريا، وهذا، من منظور أدبي، قد لا يكون أمرًا جيدًا، لأن الأدب في جوهره يجب أن يكون إنسانيًا، أي غير منغلق على محليته. ومع ذلك، في كتاباتي، أجد نفسي منشغلًا بسوريا وتفاصيلها، سواء كنت أكتب في الصحافة أو الأدب أو أي مجال آخر. الهوية السورية موجودة بقوة في كتاباتي، وهي تؤثر بي بشكل واضح”.
أما الكاتب الشاب أحمد السح، فيرى أن الرواية السورية كانت دائمًا انعكاسًا للتحولات الاجتماعية، حتى عندما لجأ الكتّاب إلى الرمزية أو الإسقاطات السياسية غير المباشرة. ومع ذلك، يشير إلى أن الرواية السورية لم تتحرر بعد من القيود التي كبلتها لعقود. وكما قال السح في حديثه لـ “الترا سوريا”: “إذا أردنا الحديث عن الأدب السوري من زاويته السياسية، نجد أن الرواية السورية في القرن العشرين تميّزت بالتنوع. نحن نعيش اليوم ما يُسمى بعصر الرواية، ولكن هل يعني ذلك أن الرواية باتت أكثر تحررًا؟ لا أعتقد ذلك، لأننا ما زلنا نعاني من الرقابة الذاتية، ذلك القيد الذي فرضه القمع السياسي على مدى عقود، وجعل الكتّاب غير قادرين على التعبير عن رؤيتهم الكاملة بحرية تامة”.
بين رؤى العيسى والسح، يظل السؤال مطروحًا: هل الأدب السوري يصنع الهوية أم أنه مجرد مرآة تعكس تحولات المجتمع؟ وهل يمكن أن يصبح الأدب في المنفى أو عبر الفضاء الرقمي مساحة جديدة لإعادة تعريف الانتماء؟
بين التقليد والتجديد
مع نشوء الدولة السورية الحديثة في القرن العشرين، بدأ الأدب يعكس تحولات الهوية الوطنية الناشئة، متأثرًا بالأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى مثل الاستقلال عن الانتداب الفرنسي عام 1946، والانقلابات العسكرية، وصعود الفكر القومي، ثم لاحقًا الأزمات الداخلية والحروب. لم يكن الأدب مجرد انعكاس لهذه التحولات، بل كان أيضًا مساحة لصياغة تصورات جديدة عن الهوية والانتماء، ومحاولة للإجابة عن أسئلة معقدة تتعلق بالماضي والمستقبل، بالجذور والتغيير، بالذات والآخر.
في البدايات، كانت الهوية الأدبية السورية تتشكل ضمن الإطار العربي العام، حيث تأثر الكتّاب السوريون بالحركات الفكرية والثقافية التي اجتاحت العالم العربي، من النهضة الأدبية في أواخر القرن التاسع عشر إلى الفكر القومي في منتصف القرن العشرين. كان للأدب، وخاصة الرواية، دور في تكريس مفاهيم العروبة والنضال ضد الاستعمار، لكن مع مرور الوقت، بدأت الهوية الأدبية تتخذ مسارات أكثر تعقيدًا، حيث ظهرت تيارات متعددة تسائل هذه المفاهيم من زوايا مختلفة.
خلال الخمسينيات والستينيات، ومع تنامي الفكر القومي والاشتراكي، تحول الأدب إلى أداة لتكريس الهوية الوطنية، لكنه في كثير من الأحيان وقع في فخ الأيديولوجيا، حيث باتت الرواية والشعر انعكاسًا لمواقف سياسية مباشرة. في هذه المرحلة، ظهرت أعمال حاولت كسر هذا القالب، مستكشفةً الهويات الفردية والهويات المتعددة داخل المجتمع السوري، بعيدًا عن الخطاب السياسي الأحادي.
في العقود اللاحقة، خصوصًا مع ازدياد الهجرة والانفتاح على العالم، بدأ الأدب السوري يعكس تنوعًا أكبر في فهم الهوية، حيث لم تعد الهوية السورية محصورة في بعدها القومي أو السياسي، بل أصبحت أكثر تعقيدًا، متشابكةً مع الهويات الدينية، الثقافية، والطبقية. ظهر في هذه المرحلة أدب المنفى، الذي عكس تجربة الشتات السوري، والتوتر بين الانتماء للوطن والاندماج في ثقافات جديدة.
أما في السنوات الأخيرة، فقد شهد الأدب السوري تحولات عميقة نتيجة للأزمة التي عصفت بالبلاد، حيث أصبحت الهوية الأدبية مرتبطة بأسئلة الاغتراب، النزوح، فقدان المكان، وإعادة تعريف الوطن. لم تعد الهوية السورية في الأدب مسألة مستقرة أو محسومة، بل باتت تعكس هشاشة الواقع الذي يعيشه السوريون داخل البلاد وخارجها، وأصبحت الكتابة ذاتها فعل مقاومة ضد النسيان والتشظي.
في ظل هذه التحولات، يبقى السؤال مفتوحًا حول مستقبل الأدب السوري: هل سيظل وسيلة للحفاظ على الهوية الوطنية في ظل التغيرات الجذرية التي تشهدها سوريا، أم أنه سيتحول إلى فضاء لتشكيل هويات جديدة، تتجاوز المفاهيم التقليدية للانتماء؟
الأدب والهوية في ظل الأزمات السياسية
شهدت سوريا تحولات سياسية كبرى خلال العقود الماضية، وكان لهذه التحولات تأثير مباشر على الأدب. يمكن تقسيم هذا التأثير إلى مرحلتين رئيسيتين:
• ما قبل 2011: حيث كانت الرواية السورية تميل إلى تناول القضايا الاجتماعية بشكل غير مباشر، مستخدمة الرمزية والإسقاطات للتعبير عن الواقع.
• ما بعد 2011: تغيّر المشهد الأدبي مع تصاعد الأزمة السورية، وبدأ الأدب يعكس واقع الانقسام والنزوح والمنفى والبحث عن معنى جديد للهوية والانتماء.
وبحسب يعرب العيسى، فإن الكتابة عن الهوية السورية قد تكون أمرًا حتميًا بالنسبة لبعض الكتّاب، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن الأدب هو الذي يصنع الهوية. يقول: “هذا طموح كبير جدًا، وأتمنى أن يُمنح لي، أو لأي كاتب سوري آخر، الفرصة لترك بصمة حقيقية في هذه الهوية.”
المنفى وإعادة تشكيل الهوية الأدبية
مع تزايد موجات الهجرة، وجد العديد من الكتّاب السوريين أنفسهم في المهجر، مما خلق ديناميكية جديدة في الأدب السوري. لم يعد الأدب مجرد وسيلة للتعبير عن الانتماء، بل أصبح مساحة لإعادة تشكيله بالكامل.
في أعمال كتاب، مثل سمر يزبك وإبراهيم الجبين، نجد أن المنفى لم يكن مجرد تجربة جغرافية، بل تحوّل إلى صراع بين الانتماء إلى الجذور والتأقلم مع الواقع الجديد. أصبح الأدب السوري في المهجر يبحث عن سوريا في الذاكرة أكثر مما يبحث عنها في الواقع.
الأدب الرقمي ووسائل التواصل: جيل جديد بأساليب مختلفة
مع انتشار الإنترنت، تغيرت طبيعة الأدب والتعبير عن الهوية السورية. لم يعد الأدب محصورًا في الكتب والصحف، بل انتقل إلى المدونات، مواقع التواصل الاجتماعي، والمنصات الرقمية، حيث ظهر جيل جديد من الكتّاب يعبر عن الهوية بأساليب أكثر تفاعلًا.
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي مساحة لظهور أدب أكثر جرأة وتنوعًا، بعيدًا عن الرقابة التقليدية. في هذا السياق، يمكن القول إن الأدب الرقمي منح الكتاب السوريين فرصة لإعادة تعريف الهوية السورية بعيدًا عن القيود القديمة، وهو ما يتماشى مع رؤية أحمد السح حول ضرورة تحرر الأدب السوري من الأدلجة والرقابة الذاتية.
هل الأدب صانع الهوية أم مرآتها؟
عند الحديث عن العلاقة بين الأدب والهوية في سوريا، لا يمكن تقديم إجابة قاطعة. الأدب السوري، مع مرور الوقت، لم يكن مجرد صانع للهوية، بل كان أيضًا مرآة تعكس تطورات المجتمع وتغيراته.
في النهاية، يظل الأدب السوري في حالة بحث دائم عن هويته، سواء داخل الوطن أو في المنفى، سواء عبر الرواية التقليدية أو من خلال المنصات الرقمية. ومع استمرار التحولات السياسية والاجتماعية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن للأدب أن يكون أكثر من مجرد انعكاس للهوية، ليصبح قوة فاعلة في تشكيلها؟
الترا سوريا
——————————-
======================