الناسسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

عن بياضٍ صارع العتمة/ هنادي زرقة

27/2/2025

حين بدأتُ بكتابة هذه المقالة، سألتُ وديع، السجين السياسي العتيق: كيف ترى مستقبل سوريا الآن؟ أجابني: “البلد عجينة، وعلينا أن نساهم في تشكيلها، لا أن نتركها كي تُشكّل وفق رغبة من تولّى السلطة”.

قبل أن ألتقيكَ

شاهدتُ طفلًا يحمل قفصًا

وفي داخل القفص

بدلَ العصفور

سكين

/

كتب عنكَ (عادل محمود) قصيدة

لا أذكرُ منها

سوى أنَّ وجهك في الزنزانة

صار خاليًا من حبّ الشباب.

/

سجّانو الوداعة

إذا أعادوا لك الشوارع

من الذي يُعيد لكَ

المواعيد.

بدل العصفور سكين/ منذر مصري

في طريقي إلى محطة القطار، لمحتُ، على الرصيف المقابل، شخصًا ستينيًا شائب الشعر، نحيلًا يرتدي سترة رمادية وسروال جينز يبدو قديمًا. يمشي مسرعًا ويخفض رأسه  نحو الأرض، كأنه يعدّ خطواته أو يفكر في أمر ما.

لثوانٍ قليلة نسيتُ أنني في برلين وكدتُ أصرخ كما اعتدتُ، على الدوام، في اللاذقية: وديــــــــــــــــــــــــــــــــــــع!

تعرّفتُ إلى وديع ابراهيم في أواخر عام 1996. كنت طالبة جامعية وكان يعمل في مكتبة قرب الجامعة.

حين دخلتُ أول مرة إلى المكتبة، رأيت رجلًا أشيب متوسط القامة يجلس على كرسيّ صغير وراء فيترين زجاجي. لا أعرف لم انتابني شعور بأن هذا الرجل وُلد في المكتبة وكبر فيها. ربما بسبب نحوله وقامته الصغيرة وبياض وجهه الصقيعي الذي يوحي بأنه لا يرى الشمس. هذا البياض الذي ذكرني به الرجل الألماني الذي لمحته في الشارع.

خلف هذا البياض يقبع عقل شديد الذكاء وقلب دافئ تلمسه ما إن تتوطد علاقتك به. قيل لي إن وديع أمضى 19 عامًا بين تخفٍّ واعتقال بتهمة الانتماء إلى “حزب البعث الديمقراطي”. هذا الحزب الذي يجهله كثير من ثوار اليوم ويخلطون بينه وبين حزب “البعث العربي الاشتراكي”، وقضى جلّ أعضائه حياتهم بعد توليّ حافظ الأسد السلطة بين الاعتقال والنفي لأعوام طويلة.

أمضى وديع ابراهيم أربعة أعوام متخفيًا بين عامي 1976 و1980 بين اللاذقية ودمشق. اعتُقل في دمشق٬ قرب سوق الحميدية من قِبل دورية مؤلفة من 12 مسلّحًا. رقم كبير بالنسبة لشخص أعزل لا يحمل سلاحًا سوى أفكاره المناهضة للديكتاتور. قال لي إنهم أمطروه بأسئلة متلاحقة كي لا يتيحون له المجال لترتيب أفكاره٬ بيد أنه أصرّ على جملة واحدة “لا أعرف شيئًا عمّا تسألون”.

اقتيد معصوب العينين إلى “فرع فلسطين” الذي تقبع زنازينه تحت الأرض٬ حيث تعرّض لتعذيب رهيب فقد على إثره الوعي. يؤلمني أن يكون اسم فلسطين مرافقًا لأشدّ فروع الأمن السوري رعبًا.

لم يكن دخول دورة المياه يسيرًا في تلك الزنازين. كان مسموحًا للسجين أن يذهب مرتين إليها خلال اليوم. لذا، فقد عمد وديع إلى تخفيف الأكل والشرب٬ ثم امتنع عنهما لأيام قبل نقله إلى سجن المزة حيث أمضى فيه ثماني سنوات لينتقل بعدها إلى سجن صيدنايا الذي قضى فيه سبع سنوات.

أمضى وديع شهرًا واحدًا في السجن الانفرادي٬ وتلك، كما قال لي٬ مدة قصيرة نسبيًا بالنسبة إلى السجناء. بيد أنَّ وصول دفعات كبيرة من المعتقلين حال دون بقائه مدة أطول.

يتحدّث وديع عن حفلات التعذيب الدائم التي تعرض لها السجناء٬ وتضحكني كلمة “حفلات”٬ إذ اعتدنا أن تكون الكلمة مرافقة للفرح. أما في سوريا فللكملة معانٍ أشدّ إيلامًا. تضيع الأيام وتضيع معها وجوه الأهل والأصدقاء والشوارع حتى إنه كتب نصًّا شعريًا يقول فيه “شوارع ذاكرتي خلت من المارة”.

كان السجان٬ في بعض الأيام٬ يترك الإنارة شغالة فيختلط الليل بالنهار. يقول وديع: “كنتُ أعرف أوقات اليوم من خلال طبيعة الطعام٬ فإذا كان ثلاث حبات زيتون سيئة فهو الصباح٬ وإذا كان برغلًا غير ناضج فهو العصر”. فقد اعتادوا أن تكون حصتهم وجبتي طعام في اليوم٬ بلا ملاعق. “كنتُ أتركُ كسرة خبز حتى تيبس وأستخدمها كملعقة”.

ثمة ممرٌّ لا يتجاوز عرضه مترين أمام الزنازين٬ كانوا يسمحون للسجناء بالمشي فيه من الساعة السابعة صباحًا حتى الرابعة بعد الظهر. ولأن أعداد السجناء كبيرة، فقد كان الممر يغصّ بهم. ربما٬ لهذا السبب٬ كانت طريقة مشي وديع مميزة٬ يمكنك التعرف إليه على بعد عشرات الأمتار. إذ يختار حيزًا ضيقًا مهما كان الشارع واسعًا وخاليًا من المارّة٬ يخفض رأسه ويُعد خطواته ويفكر٬ كأنه يمشي بين خطين متوازيين ويخاف أن يزاحم الهواء على حصّته في الشارع.

كان وديع شاعرًا وكاتب قصة٬ لكنه توقف عن الكتابة بعد خروجه من السجن. قال لي: ” كان مشروع الكتابة يعتمد على التصوير بالنسبة إلي. تبدو الكلمات صورًا متلاحقة كما لو كان الكاتب يحمل كاميرا ويلتقط صورًا متتالية من دون زخرفات ومجاز وتحليل”.

وحين تقرأ قصته المهولة “السيخ” التي كتبها في السجن ونشرها له ميشيل كيلو في جريدة “السفير”٬ سوف ترى كيف يصور وديع الشوارع والدكاكين والبيوت والجيران ويعيدها إلى ذاكرته٬ كأنه يحاول بقصته تلك أن يكتب ذاكرة ضد النسيان. وإذ تبدو القصة٬ التي سردها على لسان طفل٬ لطيفة في البداية إلا أنه ينهيها بمشهد رهيب وهو يصور كيف تغرز جدة الطفل السيخ في جسد فأر عالق في المصيدة. يعلق وديع ” كنا٬ كمعتقلين٬ مثل ذلك الفأر العالق في المصيدة٬ نرى اقتراب السيخ ونعرف أنه سوف ينغرز في أجسادنا ولا مهرب لنا”.

تغيرت اللاذقية كثيرًا بعد اعتقال وديع الطويل. فحين خرج من السجن٬ لم يستطع التعرف إلى الأمكنة.  فمشروع الزراعة حيث تسكن عائلته لم يكن موجودًا قبل اعتقاله. يتذكر تلك اللحظة: “شعرتُ بدوار٬ واختلط الواقع بالخيال٬ منذ ساعات كنتُ أصعد الدرج مكبّلًا ومعصوب العينين٬ من زنزانة تحت الأرض وها أنا الآن أصعد الدرج إلى بيتنا بيدين طليقتين وعينين مفتوحتين”.

لقي وديع في استقباله أشخاصًا كثيرين٬ لم يستطع التعرف إليهم. كبر الأطفال ومنهم من وُلد في غيابه. أكثر ما لفت انتباهه في البيوت الجديدة هو الثريات واللوحات المعلقة على الجدران٬ فقد كانت الجدران بالنسبة إلى السجناء مكانًا خاويًا يستندون إليها حين يتناوبون على النوم٬ فمهاجع السجن لا تتسع٬ في بعض الأحيان٬ لنوم جميع السجناء في وقت واحد.

أما اللمبة الوحيدة المثبتة على أحد الجدران٬ فكان تشغيلها وإطفاؤها بيد السجان لا بيدهم. هكذا٬ كان عليه أن يتعلم متى يطفئ الضوء ويشغله. أما الأمر الآخر الذي كان عليه أن يتعلمه فهو إغلاق الباب٬ فقد أمضى 15 عامًا وهم يغلقون الباب عليه ويفتحونه حسب مشيئتهم. يقول: ” بقي السجن مسرحًا لأحلامي ثلاثة أشهر ولم يخرج مني حتى الآن”.

حين كان يعمل وديع في المكتبة٬ صدرت٬ عام 1997، عملة معدنية من فئة الـ 25 ليرة٬ تحمل صورة الرئيس حافظ الأسد٬ فكان وديع كلما أعطاه زبونًا هذه العملة يأخذها ويضعها في مرطبان زجاجي ويغلقه٬ سألته: لم تفعل ذلك٬ فأجابني: أريد أن أسحب هذه العملة من السوق وأمنع تداولها. ضحكنا يومها وتمنينا لو أنه باستطاعتنا أن نحبس هذا الرئيس في مرطبان تحت الأرض.

سوف يترك وديع العمل في المكتبة في عام 1998، العام الذي تخرجتُ فيه من الجامعة٬ ويعمل مدرّسًا خصوصيًا لمادة الرياضيات٬ وسوف تندر لقاءاتنا٬ خلا تلك اللقاءات العابرة في الشارع٬ إذ يندر أن يكون لدى وديع وقت للاستراحة بين طالب وآخر.

حين قامت الثورة السورية عام 2011، كان وديع من أكثر المتحمسين لها٬ برغم عدم انخراطه بأي عمل سياسي. كان يكتفي بالمراقبة والتحليل٬ وبرغم المخاض العسير الذي رافق الثورة وتحولاتها٬ لم يفقد الأمل في سقوط النظام٬ وذلك ما حيّرني٬ من أين له هذا التفاؤل؟

سقط النظام في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، وكان وديع حاضرًا في ذاكرتي٬ لكنه لا يستخدم وسائل التواصل الاجتماعي. فكان لا بد لي أن أتصل بأخته حتى تحدّد لي موعد اتصال معه. قال لي يومها: “من المبكر الحكم على أي شيء الآن”.

حين بدأت كتابة هذه المقالة عدتُ وسألته: كيف ترى مستقبل سوريا الآن؟

أجابني: “إن الخراب الممنهج الذي سببه النظام على مدى 54 عامًا يلزمه وقتٌ طويلٌ كي نكنسه٬ ومن الصعب أن يكون البلد ديمقراطيًا في الأيام المقبلة. علينا أن نساهم جميعًا في بناء البلد٬ أمامنا عجينة وعلينا أن نساهم في تشكيلها٬ لا أن نتركها كي يتم تشكيلها بحسب رغبة من تولى السلطة. علينا ألا نقبل بعد الآن أن نكون متلقين٬ كما كنا في عهد الأسد٬ بل فاعلين في صنع المستقبل. ليست القضية نظامًا سياسيًا فحسب٬ بل ينسحب ذلك على جميع القضايا الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية٬ ما زلت متفائلًا٬ والطريق ما زال في أوله”.

أُنهي المكالمة معه ويمرّ في شريط ذاكرتي عشرات المعتقلين الذين غيّبهم حافظ الأسد في مدينتي٬ قضوا زهرة شبابهم في المعتقلات. هؤلاء الذين لا يعرفهم أحد٬ منهم من مات ومنهم من غدا عجوزًا.

هؤلاء الذين لم يستفيدوا يومًا من كونهم معارضة٬ ولم ينتظروا شهادة حسن سلوك من أحد. لم تنفصل عندهم قضية الديمقراطية عن قضايا التحرر الوطني. معتقلون من الطوائف كافة ناهضوا الديكتاتور بوصفه ديكتاتورًا فحسب٬ لا ابن طائفة معينة. هؤلاء الذين جعلوا من المستحيل ممكنًا ومهّدوا الطريق أمام الثوار في 2011.

لهم أهدي هذه المقالة.

ملاحظة: ما زال وديع يعمل، برغم تجاوزه السبعين من عمره، مدرّسًا لمادة الرياضيات، ينتقل راجلًا من بيت لآخر في شوارع اللاذقية، لا بيت يملكه ولا أسرة.

أوان

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى