طائفيون بربطات عنق/ مالك داغستاني

2025.03.27
“بعض الصراخ العلمانيّ في الحالة السورية، هو في العمق سُعارٌ طائفي”. كتب هذا الاقتباس صديقي نبيل ملحم (كاتب معارض وسجين سابق، وعلوي. الصفة الأخيرة اضطررت لذكرها رغم أنها لا تُلحظ في سيرته الشخصية).
كنت لأستهجن وأعلّق غاضباً من كتابته تلك، لو فعلها قبل أربعة شهور، أما اليوم فقد وجدتها، على قِصَرها، عبارة ذهبية تكثّف ببراعة وذكاء حال البعض.
في شباط/فبراير 2022، نشرت منظمة العفو الدولية “Amnesty” تقريراً عن أفعال إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بصفتها ممارسات “فصل عنصري”. وصف المسؤولون الإسرائيليون التقرير بأنه معادٍ للسامية ” Anti-Semitism”. رفضت أغنيس كالامارد الأمينة العامة لإمنيستي الردود، ووصفتها بأنها “هجمات لا أساس لها وأكاذيب مكشوفة”. لاحقاً جادل المدافعون عن حقوق الإنسان بأن الانتقاد الإسرائيلي للتقرير كان بمثابة “تسليح” لمعاداة السامية، أي جعل المصطلح المُحق سلاحاً وهراوة لخنق النقاش، والسماح للأكاذيب الإسرائيلية بالبقاء والرسوخ دون منازع.
كثير من المعارضين العلويين، وآسف مسبقاً أنني سأستخدم كثيراً مثل تلك التوصيفات في مادتي هذه، كانوا يكررون على الدوام أن اضطهادهم في عصر الأسدين كان مضاعفاً، وهذا كلام دقيق بالتأكيد. فهم عانوا من نظام الأسد إضافة إلى معاناتهم من بيئاتهم المؤيدة، وتعرضوا للنبذ من تلك البيئات، وفي بعض الحالات من عائلاتهم، بسبب مواقفهم. ليتحول بعضهم اليوم، بأعجوبة ” miracle” كأنها سماوية، ويروا تلك البيئات مثل كل المجتمع السوري تناسباً عددياً، بريئة من مساندة الأسد ودعمه!
طبعاً هذه ليست دعوة لمحاسبة تلك البيئات لموقفها السابق، فهو من آفات الأسد التي زرعها في المجتمع السوري، وبالتأكيد لن تنجو طائفة ولا إثنية سورية من تلك اللعنات التي يجب معالجتها وتفكيكها. فالسُنّة، على سبيل المثال، لم ينتصروا على العلويين، بحسب بعض الادّعاءات المبنية على الأحقاد اليوم، وإنما انتصر السوريون على الأسد، حتى لو أن بعضهم لا يشعر بذلك. ولكن أن نصل إلى درجة ألا نجرؤ على قول الحقائق، ومنها حقيقة أن ما فعله فلول الأسد بتخطيطٍ مسبق، هو ما أشعل الساحل، وهو ما استجلب الرد، وهو رد إجرامي في الكثير من مناحيه دون شك، ألّا نجرؤ على قول ذلك خوفاً من هراوة تهمة الطائفية، فهذا أمر مبتذل وتسليح للمصطلح، يشبه ما كان يفعله الأسد عند اتهامه معارضية بإثارة النعرات الطائفية حتى لو كانوا لا دينيين.
لدي حادثة خاصة جرت معي صبيحة يوم مجزرة كرم الزيتون عام 2012 في مدينة حمص. كنت قد كتبت عنها قبل سنوات، وفي ذكرى المجزرة من كل عام أعيد نشرها على صفحتي الشخصية. فعلت هذا العام، كما كل عام، فتلقيت رسائل خاصة وعامة، تستبطن لومي على نشرها في هذا التوقيت. رسائل بدت لي وكأنها اتهامّية بأنني إنما أفعل ذلك لتبرير مقتلة الساحل. لكن في عمقها قرأتها كمطلب من السوريين بوجوب عدم الحديث اليوم عن مجازر الأسد، كي لا يتم التشويش على المشهد الحالي، الذي يرضي مظلومية جديدة.
لدى الصهيونية، لا يكفي أن تعترف بالهولوكوست، بل يجب عليك الاعتراف بكامل تفاصيله، بحسب الرواية اليهودية تماماً، حتى لو انطوت على مبالغات، وإلا فأنت “لاسامي”. وفي حالتنا حول مجازر الساحل، سوف تظهر أمام وجهك بطاقة حمراء، تهدد بإعدامك معنوياً، لو أنكرت ولو تفصيلاً بسيطاً، أو أنك لم تصادق على الرواية كما هي، حتى لو وجدت أن بها بعض المبالغات. فأن تقول إن هذه الصور هي لقصف إسرائيلي على البقاع بلبنان وليست في الساحل، فأنت تشكك بالرواية كاملة وتحاول التقليل من حجم المجزرة!
لماذا نخاف الحديث الواضح؟ لنلاحظ أنه في سياقات التحليلات الغربية عن سوريا، لا يمكن لأي باحث أن يغفل المسألة الطائفية في تاريخ سلطة الأسد، وغالباً يتم التطرق لها بإسهاب، ويتم تفكيكها حتى إحصائياً. واليوم التحليلات الغربية تحيل إلى مجازر الأسد وسياقاتها الطائفية تجاه السُنّة، كواحدة من أهم الأسباب التي دفعت لارتكاب الفظاعات ضد المدنيين الأبرياء في قرى الساحل العلوية. الغربيون يتحدثون عن الطابع الطائفي في حكم سوريا اليوم وأمس، وفي كل بحث ترد الأرقام عن عدد الضباط العلويين الذين يسيطرون على المفاصل الحسّاسة في الجيش والأمن، وهو من بديهيات أبحاثهم، ولن يغيّر من هذا وجود مسؤولين متنفذين من طوائف أخرى.
هنا تجدر الإشارة إلى أننا لم نسمع أي موقف غربي مندّد أو حتى سلبي على توصيف أسعد الشيباني وزير خارجية سوريا، حين استخدم في مؤتمر بروكسل تعبير “حكم الأقلية”. فالغربيون يعرفون “البير وغطاه” ولا يُغطّون الشمس بغربال، بينما قامت الدنيا ولم تقعد لدى بعض يساريينا وعلمانيينا، على هذه الجريمة الذي ارتكبها الشيباني، لنؤكد بسذاجة أننا نتقن لعبة الاختباء خلف إصبعنا. مع ذلك فالشارع السوري بشقّيه العلوي والسني، بفطرته، يعتبر هذا الأمر بمثابة مسلّمة يجاهر بها دون ارتداء أقنعة. أما لدى النخب فإن النقاش سوف يرتدي ياقة بيضاء مُنشّاة، ليتم التحايل على تسمية الأشياء بمسمياتها.
الاعتقال والقتل تحت التعذيب والمجازر الطائفية كانت تحدث على مدار عقود في سوريا، وبشكل وحشي فاضح خلال العقد الأخير. في ليلة واحدة صيف عام 2013، تم قتل أكثر من 1500 مدني سوري، أغلبهم نساء وأطفال، فيما عُرِف بمجزرة الكيماوي في غوطة دمشق الشرقية. البعض ربما لم يصدقها، وفي بعض الحالات صدقها، وقبل بها باعتبارها دفاعاً عن النفس (الطائفة). أما اليوم عندما وصلت نفس تلك الانتهاكات إلى عتبات بيوت أهله ومعارفه (طائفته)، فقد آلمته وبدأ الحديث عنها والصراخ لوقفها، ومع ذلك، هو صراخ محق دون أدنى شك، رغم أنه انتقائي.
طبعاً، وبالتأكيد يجب وقف تلك المجزرة، ومحاسبة مجرميها أمام العدالة بلا تمييز، لكن دون اعتبارها سابقة إبادية في تاريخ سوريا المكتظ بجرائم الأسد المتراصفة. وبالتالي، هذا لا معنى لإدانة من يتحدث عن المجازر الأخرى التي حدثت للسوريين الآخرين، طبعاً ما لم يكن بقصد تبرير المجازر الحالية. فهذا سياق تاريخي يجب أخذه بمجمله، وليس بالقطعة. عموماً، إنكار المجازر، رغم أنه يبدو ظاهرياً حالة معاكسة للمبالغة بأرقام وأحداث المجازر، إلا أنهما يتشابهان من حيث المفاعيل، كلاهما يسهمان في تغييب الرواية الحقيقية، أو على الأقل يؤديان إلى التشكيك بصحتها، وهذا لمصلحة المرتكبين.
بهدف عدم الدخول في أية حالة تعميمية، لا يجب أن يفوتنا هنا التأكيد أن مواقف البعض، لا تنفي وجود من كان يتكلم عن كل الجرائم بضمير حيّ، طوال فترة الأربعة عشر عاماً الماضية، وحتى ما قبلها، وما زال يتحدث حتى اليوم، وهؤلاء عانوا الهجوم من بيئاتهم على طول الخط. ولا بأس أن نذكر، أنه حين يكون المنتقد للصهيونية يهودياً، ويصعب وصفه بأنه معادٍ للسامية، فإن هناك مصطلحاً تحقيرياً بديلاً هو اليهودي الكاره لذاتهِ “self-hating Jew”، وفي الحالة السورية يُتَّهم هؤلاء من ذوي الضمائر الحية بما يشبه ذلك، من مثل أنهم يتلذذون بجلد الذات، وهذا لا ينطبق على المعارضين العلويين وحسب، بل أيضاً على المعارضين السنّة ممن يرون فيما حدث في الساحل مجزرة ومقتلة طائفية.
أفهم جيداً، أن نتعاطف مع الضحية في العراق أو لبنان، على سبيل المثال، أكثر من تعاطفنا مع الضحية الأبعد في رواندا. وهذه تبدو لي فطرة إنسانية من طبيعة الاجتماع البشري. ولكن ما هو غير مفهوم، عدم التعاطف مع الضحية من القرية المجاورة بسبب الجذر الطائفي المختلف لسكان تلك القرية، بينما، على العكس تماماً، نتعاطف مع مدينة أبعد بسبب الجذر الطائفي المماثل، وهذا الأمر ينطبق على الطوائف والأعراق السورية عموماً، وليس من اختصاص طائفة بعينها. هنا يجدر التأكيد أن تهمة الطائفية لا يجب أن تستخدم كغطاء لا لإدانة الجريمة ولا لتسويغها، لأن ذلك سيؤدي إلى تقليص التأثير لدحض المفهوم البغيض “العداوة الطائفية”، في الوقت الذي يتطلب الأمر دفاعاً قوياً متماسكاً لتفكيكه.
في مادتي، الأسبوع الفائت، لامني صديق، يعرفني ويعرف سيرة حياتي، لاستخدامي تعبير “أحداث الساحل” متسائلاً حول ما الذي كان يحكمني حين استخدمته! وهو بطبيعة الحال سؤال استنكاري لعدم تسميتها مجازر الساحل. ساءني الأمر بدايةً، وعدت للمادة لأتأكد، فلم أجد بها التعبير المذكور مطلقاً، بل استخدمتُ فيها، تعبيري “مجازر الساحل، والقتل الطائفي”، وفي مادتي الأسبق كنت فصّلت في الأمر أكثر. رددتُ أن ملاحظته غير صحيحة، وزدت على ذلك بأن وصفتُ سؤاله عما يحكمني بأنه سيء. أعاد الرجل القراءة واعتذر. لكني توقفت أمام اضطراري لمراجعة المادة ومحاولة تبرئة نفسي من استخدام تعبير، ليس من الجريمة استخدامه في سياقٍ ما، ما لم يكن ينفي أنها مجازر.
تالياً، وليس من باب الخوف من المسِّ بطهرانيةٍ لا أدّعيها، حزنت. لم أحزن لنفسي بل حزنت على صديقي، حيث بدا لي وكأنه يرفع في وجهي هراوة، تشبه تهمة معاداة السامية، لكن على نحوٍ طائفي. بيني وبين نفسي، تساءلتُ: أن يفوتكَ خلال القراءة شيء ما، فهو أمر مفهوم، أما أن تضيف لما قرأتَ أمراً لم يرد أصلاً في النص، فكيف لمثل هذا أن يحدث؟ مع ذلك لم أستحسن أن أسأله: بماذا كنت محكوماً، وأنت تقرأ مادتي؟
تلفزيون سوريا