أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

محنة الليبراليين السوريين/ رستم محمود

لا يبالي التحرريون السوريون راهنا بالتفصيل الأساسي في “مسألة الحرية”

26 مارس 2025

بينما يشيّد حكام سوريا الجدد مجموع المؤسسات والأجهزة والمواثيق والمسارات والاستراتيجيات التأسيسية لسوريا المستجدة، على كتلة من القيم المحافظة والسلوكيات الانضباطية والترتيبات العصبوية والتي غالبا ستشكل الهيكل الرئيس لما ستكون عليه البلاد خلال سنوات كثيرة قادمة، فإن طيف الشخصيات والأحزاب والطبقات السياسية السورية “الليبرالية” يبدو “أبكما” تماما في مواجهتها، رغم التناقض الجوهري بين نزعاتها الأيديولوجية وما عرف عنها من سلوك سياسي تقليدي، وبين هذا النوع من التأسيس.

ليس المقصود بـ”الليبرالية” في هذا المقام إجمالي التنظيمات والشخصيات التي تصرح بهويتها الليبرالية كنزعة سياسية/اجتماعية. فهؤلاء– على قلتهم في الفضاء السوري- يشكلون جزءا من الطيف المعني، الذي يضم كامل الشخصيات والأحزاب والطبقات التي واجهت استبداد الحقبة الأسدية، الفظ والمديد، بطلب مستدام للحريات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وأولا السياسية.

هؤلاء السوريون الذين كان يصح تسميتهم بـ”التحرريين”، ويضمون أحزابا سياسية تقليدية، مثل “حزب الشعب الديمقراطي” و”حزب الاتحاد الاشتراكي” و”رابطة العمل الشيوعي” و”حزب العمال الثوري” والأحزاب الكردية السورية، ومثلهم قادة منظمات المجتمع المدني والمثقفون السوريون، صامتون راهنا، سياسيا على الأقل. فخلال المئة يوم الأولى منذ التغيير، الأصعب والأكثر بنيوية في تاريخ سوريا المعاصر، منذ سقوط النظام السابق، وعلى الرغم مما تظهره القوة الحاكمة حديثا من نزوع شبيهٍ بسابقاتها، فإن هؤلاء التحرريين لم يشكلوا تيارا أو صوتا سياسيا واضحا، ناقدا قبل أن يكون رافضا ومعارضا لما يحدث.

لا يمكن إطلاق أحكام ناجزة عن سبب هذه “المساكتة” التي تعتري عالم التحرريين التقليديين السوريين، لتنوع مشاربهم الأيديولوجية وتعدد تنظيماتهم واختلاف أسباب سلوكهم العام هذا. لكن ملاحظات جادة يمكن طرحها في ذلك السياق.

فالتحرريون السوريون هؤلاء يعيشون راهنا هول وشروط “البلاد المحطمة”، حياتيا ونفسيا وعقليا، يحملون في ذواتهم ميولا أخلاقية وعقلية وروحية ترى أن تجاوز “البلاد الحطام” أولوية مطلقة، وإن كان شرط ذلك هو التغاضي أو عدم الاعتداد بما قد يمارسه الحكام الجدد من تجاوزات على شروط الحرية والديمقراطية، وحتى منظومة حقوق الإنسان.

ليس “الحطام” بالنسبة لهؤلاء مجرد مدنٍ وحواضر مدمرة، وهي كذلك تماما، بل تتجاوزها لأن تكون الدولة نفسها، عبر مؤسساتها وأجهزتها القومية. فإعادة بناء “الدولة القومية القوية”، ودائما حسب رأيهم الأعم، ذو أولوية قصوى، خصوصا أن النظام السابق كان متهما بكونه “نظاما خارجيا”، فتح أبواب سوريا لتكون مركز هيمنة لمختلف قوى ودول الهيمنة.

لا يبالي هؤلاء التحرريون السوريون بأن تكون “إعادة بناء الدولة القومية القوية” هذه مناهضة للقيم العليا للتحرر، التي نادوا بها مطولا، لأنهم في ذواتهم يعيشون “فقدا عميقا” لما يعتبرونه “بلادهم التي تبددت”. لذا يظهرون مدفوعين بهذا “اليتم العارم” إلى القبول بما هو دون “خطر الفقر السياسي” الذي بقوا لعقود يناضلون في سبيله، ودفعوا أثمانا باهظة في سبيله.

لا يبالي التحرريون السوريون راهنا بالتفصيل الأساسي في “مسألة الحرية”، والذي يقول إن الحريات العامة والحياة الديمقراطية ليستا مجرد ممارسات وقيم مقدسة لذاتهما، بل لوظيفتهما، فدونهما لا يمكن بناء أي شيء ذي قيمة واستدامة. فـ”الغل الأسدي” أفقد الكثير من الطبقات السورية “رفاهية الاختيار”، ودفعهم مجبرين للنزوع نحو خيار وحيد، وإن كان فقيرا للغاية، يرى في إسقاط الوحشية الأسدية أعلى وأنبل القيم، وبذا القبول بأي شيء غيرها.

إلى جانب كل ذلك، فإن التحرريين السوريين، مثل باقي الطبقات الاجتماعية السورية “الناعمة”، فقدت طاقتها وقدرتها على الاستدامة. فسنوات الحرب الوحشية أظهرت ورفعت الطبقات الأكثر “غلاظة” وقدرة على التحمل، ومن جميع المتصارعين. فمعارضو الأسدية من مثقفين وساسة وقادة مجتمع مدني، صاروا بالتقادم منذ عام 2011 مجرد هامش سياسي، يكاد لا يرى، دون دور وتأثير وفاعلية في المتن العام، قبالة صعود أبناء الهويات “الخرسانية” الصلبة، من زعماء العشائر وخطباء المجالس والمقاتلين الجهاديين وتجار الحروب. حيث من المتوقع أن تحتاج هذه “التحررية السورية” عقودا من المراكمة، حتى تعيد بناء ذاتها ودورها في الكل السوري.

أخيرا، لا ينفي كل ذلك “التلوث” الذي ربما أصاب قدرا وفيرا من هؤلاء الليبراليين السوريين. فمثل غيرهم من السوريين، وما إن تصاعدت الخطابات والمواجهات الطائفية والقومية والمناطقية ضمن الحرب السورية الكلية، نزع الكثير منهم قناع الحرية وخطابات الديمقراطية التي كانوا ينادون بها سابقا، وصاروا أكثر التصاقا بجماعاتهم الأهلية، يفضلون تحسين موقعها وشرط عيشها على الصالح العام.

المجلة

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى