التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدةتشكيل الحكومة السورية الجديدةسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوعسياسة

سوريا حرة إلى الأبد: مقالات وتحليلات 31 أذار 2025

حرية إلى الأبد: كل المقالات والتحليلات والحوارات التي تناولت انتصار الثورة السورية اعتبارا من 08 كانون الأول 2024، ملاحقة يومية دون توقف تجدها في الرابط التالي:

سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

————————————

بين العبث القانوني وتأسيس الاستبداد/ عبسي سميسم

30 مارس 2025

أعطى القرار رقم 53 الذي صدر يوم الخميس الماضي عن وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد الشيباني، القاضي بتشكيل الأمانة العامة للشؤون السياسية، مؤشراً سلبياً على الطريقة التي ستدير بها الإدارة الجديدة في سورية المرحلة الانتقالية، سواء لناحية عدم الالتزام بالإعلان الدستوري والقوانين التي وضعتها الإدارة نفسها، أو لناحية التأسيس لمنظومة استبداد جديدة تستنسخ في جزء منها منظومة استبداد آل الأسد السابقة. فالقرار 53 الذي قضى باستحداث الأمانة العامة للشؤون السياسية، حدد أولى مهام هذه الهيئة بتولي الإشراف على إدارة النشاطات والفعاليات السياسية داخل سورية، وتنظيمها وفقاً للوائح والقوانين الناظمة، إضافة إلى المشاركة في صياغة ورسم السياسات والخطط العامة المتعلقة بالشأن السياسي. وهذه المهمة تتماهى إلى حد بعيد مع الدور الذي كان يقوم به حزب البعث لناحية التحكّم والإشراف على الحركة السياسية في سورية، خصوصاً إذا ما صحت معلومة تفيد بأن الهيئة السياسية نفسها بصدد إنشاء حزب سياسي يمثّل السلطة الحالية ويجمع النواة الصلبة لهيئة تحرير الشام التي حُلّت.

كما أن المصيبة الكبرى تكمن في البند الثاني في القرار الذي أوكل إلى الهيئة “أو الحزب المزمع إنشاؤه” مهمة العمل على إعادة توظيف أصول حزب البعث العربي الاشتراكي، وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية وما يتبع لها من منظمات ولجان منحلة، بما يخدم المهام والمسؤوليات السياسية والوطنية. الأمر الذي يعني أن المنظمات والنقابات التي كانت تتبع لحزب البعث وأحزاب الجبهة والتي كان ينتظر السوريون تحررها من سلطة الحكومة وأن تكون مهمتها نشر ثقافة العمل المدني والدفاع عن حقوق منتسبيها أمام الحكومة، ستعود مجدداً لتكون تحت عباءة السلطة الجديدة، لأن الموضوع هنا لا يقتصر على إعادة توظيف الأصول المادية لتلك المنظمات، إذ تم فعلياً إنشاء مكتب خاص بالرقابة على المنظمات والنقابات ضمن الهيئة السياسية هو من يقرر من سيقود تلك المنظمات وكيف.

واللافت في قرار وزير الخارجية أنه خارج صلاحياته المنصوص عنها بالقانون السوري، والتي أقرها الإعلان الدستوري، والذي يحدد صلاحيات وزير الخارجية بالإشراف على الشؤون الخارجية، ولم يعتمد على أي سند قانوني يمنحه صلاحية الإشراف على النشاطات السياسية داخل البلاد، أو إدارة أي أصول مادية تابعة لجهات أخرى، الأمر الذي يشي بأن موضوع تجاوز القوانين والعبث بها قد يكون إحدى سنن المرحلة المقبلة.

العربي الجديد

—————————

في استنساخ آليات الضبط والإخضاع/ غزوان قرنفل

تحديث 31 أذار 2025

أصدر وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، في 27 من آذار 2025، القرار رقم “53”، الذي أنشأ بموجبه ضمن هيكلية وزارته ما يسمى “الأمانة العامة للشؤون السياسية”، وأنيط بها مهمة “الإشراف على إدارة النشاطات والفعاليات السياسية داخل سوريا وتنظيمها وفقًا للوائح والقوانين النافذة”، وكذلك مهمة “المشاركة في صياغة ورسم السياسات والخطط العامة المتعلقة بالشأن السياسي”.

ما المعنى المستبطن من هذا القرار؟ بكل بساطة هو إعلان لاحتكار السلطة للفضاء السياسي العام ومنحها الحق الكامل للإشراف على أي نشاط سيمارس، أو فعالية سياسية ستنظم داخل البلاد، وتقرير إباحتها أو منعها في ضوء اللوائح التي تقررها السلطة نفسها.

كما منحت هذه “الأمانة” الحق في رسم السياسات والخطط العامة المتعلقة بالشأن السياسي السوري، أي أنها تملك وحدها حقًا احتكاريًا في رسم السياسات العامة للبلاد وتقرير كل ما يتعلق بالشأن السياسي. ولأجل تحقيق تلك الأهداف، منحت تلك الهيئة الحق في استثمار وتوظيف جميع الأصول التي كانت في ملكية أو تحت تصرف حزب “البعث” المنحل، وكل أحزاب “الجبهة الوطنية التقدمية”، والمنظمات التابعة لهما، لتكون في خدمة واستثمار تلك “الأمانة”.

وهل كان حزب “البعث” أكثر من ذلك؟ وهل كانت المادة “8” من دستور الأسد الأب عام 1973 في مضمونها ومراميها غير ما ورد في قرار وزير الخارجية؟!

إنها حقًا عملية استنساخ أولية خجولة لعملية احتكار الفضاء السياسي لمصلحة السلطة الجديدة، التي سبق أن حضّرت أدوات أخرى عبر إعلانها الدستوري، حين هيأت بموجبه آليات مختلفة لبناء مؤسسات السلطة سواء على المستوى التشريعي أو القضائي، وكذلك المدة الطويلة لحكم السلطة الانتقالية، كل ذلك ليس أكثر من مسار يهدف للإمساك بخناق المجتمع وإعادة تدجينه وإخضاعه، ولا يمكن قراءة الأمور خلاف ذلك، خصوصًا أن السلطة الجديدة احتكرت الفضاء السياسي العام عندما قررت تعطيل عمل الأحزاب السياسية الموجودة الآن بانتظار إصدار قانون جديد للأحزاب ربما لا يصدر لسنوات، بينما كان يتعين عليها عدم فعل ذلك، ثم عندما تصدر قانونًا يمكنها الطلب من الأحزاب القائمة تكييف أوضاعها القانونية مع القانون الجديد.

دعونا لا ننسى أن السلطة الحالية أحكمت، منذ تشكيلتها الحكومية الأولى، قبضتها على النقابات العلمية وفرضت مجالس معيّنة بقرار منها عليها، ولم تتح لها، وأعتقد أنها لن تسمح لوقت طويل، أن تعقد هيئاتها العامة وتنتخب مجالسها. وأظن أنها ستعمل قريبًا على فرض سيطرتها على فضاء العمل المدني، ووضع العراقيل أمام أعماله، إن لم يمتثل لشروط ومواصفات وآليات عمل سيتم فرضها على منظمات المجتمع المدني، تحت طائلة عدم ترخيصها أو إلغاء ترخيص المرخص منها.

إن نمط السلطة الحالية لا يسمح بالتشاركية أبدًا، ولا يؤمن بها أصلًا، فلقد هتك قبلًا مفهوم الشراكة الوطنية عندما أقام “سيركًا” حواريًا مع أنصاره وأزلامه، وكذلك فعل مجددًا عندما فصل إعلانًا دستوريًا على مقاس حذاء الرئيس. بل أكثر من ذلك، سأسمح لنفسي بالقول وبشكل مسبق وقبل الإعلان عن التشكيلة الحكومية الجديدة حيث أكتب هذا المقال، إن أي تنوع في هذه الحكومة لا يعني مشاركة حقيقية فيها، بل هو تنوع شكلاني يراد منه القول إن الإسلاميين لا يستأثرون بالسلطة، وإنهم منفتحون على مشاركة مختلف أطياف المجتمع، وهي رسالة استجابة لاشتراطات القوى الغربية ومطالبها قبل تقديم الدعم وتخفيف العقوبات عنها، وهي جزئية جيدة لنا على أي حال، ولكن هل من الطبيعي أن نسعى دائمًا للوذ بالدول الغربية لنتحصل على حق المشاركة في دولتنا ومؤسساتها؟ أليس الطبيعي أكثر أن نتحصل عليها من خلال آليات دستورية وقوانين تضمن لنا تلك الحقوق؟

ما أقوله غالبًا سيثير جنون الكثيرين من أنصار السلطة الجديدة بطبيعة الحال، فمن المألوف اتهامنا بالعمالة أو بالتنظير عن بعد، وأننا نضع العراقيل التي تعوق عمل تلك السلطة وإنجازاتها. ولست بحاجة للقول إن كل ذلك لن يحول بيننا وبين حقنا في تعرية السلطة وانتقاد سلوكها أو قراراتها طالما أننا نجد أو نقرأ في تلك القرارات أو السياسات ما يمكن أن يعيدنا إلى حظيرة الاستبداد مجددًا.

مرة أخرى، ولا أجزم أنها الأخيرة، أهمس في أذن هذه السلطة وأقول أيها السادة، أرجوكم لا تستنسخوا عن “البعث” والأسد آلياتهم التي اتبعوها لتحقيق الضبط والإخضاع، فالسوريون اليوم ليسوا هم نفس السوريين الذين كانوا قبل 15 عامًا، فلا تغامروا في أخذ البلد لهاوية جديدة. ومن يطالب اليوم من السوريين بالشراكة الوطنية الحقة، سينفض عنكم إذا ما ظلّ يواجه تجاهلًا وصدًا ومسعى محمومًا للسيطرة والاستئثار.

عنب بلدي

————————————

السوريون يغادرون مزرعة أسدستان/ رغيد عقلة

31 مارس 2025

غير مرّة، أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع أن السلطة ليست غاية له بحد ذاتها. قد لا يأخذ بعض السوريين هذا الإعلان من الشرع على محمل الجد. ولكن لا يمكن لأحد على الإطلاق إنكار حقيقة أن هناك فريقاً سورياً عريضاً يؤمن فعلاً بجدّيته وصدقه، ويختار كاتب السطور، ومعه سوريون آخرون، أن ينحازوا لهذا الرأي، ولكن لأسباب قد تكون مختلفة، فهم يرون في سيرة الشرع سنواتٍ طويلة التزاماً ثابتاً بالفكر الذي يؤمن به ويمثله، ويحملون هواجس حقيقية في أن اهتمامه بتعزيز هذا الفكر في الدولة والمجتمع السوري يتجاوز بمراحل اهتمامه في قضية السلطة بحدّ ذاتها، عزّزت هذه الهواجس قرارات وتعيينات كثيرة وبعض فقرات الإعلان الدستوري الذي جاء أقرب إلى أن يكون دستوراً منه إعلاناً، مع فارق وحيد، أنه لم يخضع لأي تصويت.

ليس لدى أغلب السوريين من كل المشارب الاجتماعية والسياسية والدينية أية حساسية تجاه الالتزام الديني والعقائدي والفكري للرئيس الشرع والدائرة المقرّبة منه، خاصةً أنه ليس خافياً، ويظهر في تصرّفاتهم وتعاملاتهم مع الناس من كل الأطياف، سوريين أو أجانب، مواطنين أو ضيوفاً، بل يمكن بسهولة الزعم أن أغلب السوريين ينظرون بعين التقدير والاحترام لهذا الالتزام، ظهر ذلك بوضوح في تفاعلهم على وسائل التواصل الاجتماعي مع وقائع متعدّدة، رفض فيها الشرع مثلاً مصافحة النساء، أو أن يتصوّر مع فتاة سافرة طلبت هي الصورة معه في الشارع. يصل هذا التقدير والاحترام إلى غايته عندما ينعكس هذا الالتزام الديني على أخلاقيات الرئيس الشرع وفريقه المقرّب منه، والمستويات الأدنى نزولاً إلى عناصر الأمن العام في الطرقات، وتعاملهم المهذّب والبشوش مع السوريين الذين ارتبطت صورة السلطة في مخيّلاتهم عقوداً طويلة بكل ما هو سلبي وغير إنساني في الحالات العادية، ودموي وإجرامي في الحالات التي تجرّأ فيها بعضهم وطالبوا بأدنى حقوقهم الإنسانية قبل السياسية، على أن هؤلاء السوريين أنفسهم يرفضون أيضاً، وبشكل قاطع، قد لا يصرّحون به علناً اليوم، وإن كانوا يفعلون في دوائرهم الضيقة، أن يتغيّر الشكل العام للسلطة المتمثلة في الدولة، إلى درجةٍ تسمح لها بالتدخّل، ولو بشكل غير مباشر، في طريقة حياتهم وسلوكهم الاجتماعي، والأهم من ذلك الديني، بل يكون الأمر أكثر حساسيةً عند السوريين الملتزمين دينياً، فليس سرّاً على الإطلاق أن الشرع وفريقه يتبعان منهجاً دينياً سلفياً، يتناقض بالمطلق مع “الإسلام الشامي” الأشعري ذي النزعة الصوفية المتجذِّرة حتى في طرائق العمران على امتداد سورية عموماً، وفي المدن الكبرى خصوصاً، وما تزخر به من تكايا وزوايا ومراقد وأضرحة.

تُثبت عودة سريعة إلى التاريخ القريب مدى حساسية السوريين للون الواحد والفكر الواحد، فالسوريون عروبيون بالفطرة، قبل حزب البعث وجمال عبد الناصر، وكانت الوحدة العربية دوماً حلماً أصيلاً في نفوسهم، ربما يفسر هذا حنينُهم المتوارث لحقيقة أن عاصمتهم كانت عقوداً تسعة عاصمة الدولة الأكثر عروبةً في التاريخ، دولة بني أمية، التي سيكون مهمّاً جداً تذكر أنها حافظت دوماً على التنوع والثراء الفكري والعرقي في كل نواحي الحياة، بل إن أغلب طبقة “التكنوقراط” فيها كانت من غير العرب وغير المسلمين، هؤلاء السورين نفسهم الذين طالبوا الرئيس عبد الناصر بإلحاح بالوحدة في 1958، وقف كثير منهم مع الانفصال بعد ثلاث سنوات، ليس لأنهم صاروا أقلّ إيماناً بالوحدة، ولكن لأنهم شعروا أن دولتها افتأتت على تنوّعهم السياسي والفكري لصالح فكرٍ واحدٍ ولونٍ واحد، رغم اقتناعهم الصادق بِهِ.

مع “البعث” الذي قفز إلى السلطة في سورية في مارس/ آذار 1963، كانت التجربة أكثر تعقيداً، فبعد أن تمكّن التيار الراديكالي فيه من إزاحة التيار التقليدي في فبراير/ شباط 1966، انحصرت السلطة بين التيار الذي يؤمن بالحزب ومسؤوليته في تغيير المجتمع، ممثلاً في صلاح جديد، وتيّار يمثله حافظ الأسد وحده تقريباً، يؤمن بالسلطة ولا شيء دونها أو سواها، متمترساً بالجيش ومفاصله الدقيقة من خلال ضباط من كل الطوائف، اختارهم بعناية شديدة ليكونوا على قياس المزرعة التي يحلم بها له ولعائلته من بعده.

بخبثٍ شديدٍ، ترك حافظ الأسد منافسه البعثي القوي صلاح جديد يغرق في “شطحاته الثورية”، وخطؤه الاستراتيجي في أنه أراد سورية من لون واحد لم يشفع له ولفريقه عند السوريين أنهم كانوا الأنظف كفاً والأكثر وفاءً لفلسطين، القضية الأكثر أصالةً في الوجدان السوري، فسورية لا تحتمل اللون الواحد مهما كان جَذَّاباً أو برّاقاً، وكان لافتاً خروج تجار سوق الحميدية مهللين لانقلاب الأسد على رفاقه، حاملين رايات كتب عليها “طلبنا من الله المدد فأرسل لنا حافظ الأسد”. وأدرك الأخير، بمنتهى الدهاء، أن دمشق (ومثلها حلب) تقوم على علاقة دقيقة بين السنّية الدمشقية والبازار المتمثل في شارع الحريقة، فقرَّب إليه طرفي المعادلة المتمثلين بالمفتي العام أحمد كفتارو وشهبندر التجار بدر الدين الشلاح، وحتى الزعامات الدينية (الدمشقية والحلبية) التي لم تخضع بالمطلق لسلطان الأسد الأب، وحافظت على مسافةٍ منه، بل ناكفته بصلابة في دستور 1973، فقد عرف، مع الوقت، ومن خلال ضباط أمنه الثقاة مثل محمد ناصيف وهشام اختيار، كيف يجترح معهم “اتفاقية جنتلمان” غير معلنه ولا مكتوبة، التزموا فيها بعدم الخروج عليه، والتزم هو بعدم التدخّل في عباداتهم وطرقهم وفكرهم الديني. كان حافظ الأسد يؤسّس لحكم المزرعة الذي استمر ثلاثة عقود، وكان مخطّطاً له أن يستمر فترة أطول مع وريثه لو أنه أدرك أبسط مقوّمات إدارة المزارع.

لا يمكن لأحدٍ أن ينكر أن شريحة واسعة من السوريين، ولعلها الأوسع اليوم، ترى في أحمد الشرع محرّراً ومخلصاً وضمانةً لمرحلة انتقالية لسورية ما بعد الأسد، ولكن ذلك كله لن يغير في حقيقة أن هناك تياراً سورياً عريضاً ومتصاعداً لا يريد لسورية أن تتحوّل معه إلى نظام حكم ثيوقراطي ذي لون واحد، أقرب إلى الطابع الديني منه إلى المدني، خصوصاً أنه يتبنى مدرسة دينية متفردة، تجاوزتها حتى الدول التي كانت مهداً لها، وكانت أسس حكمها تقوم على فكرها، مع ملاحظة أن من حق الرئيس الشرع وغيره أن يتبعوا المدرسة الدينية والفكرية التي يشاؤون، ما دام ذلك لا يتداخل مع بنية الدولة ولا يتدخّل في تركيبة المجتمع السوري.

العربي الجديد

—————————–

الأم أغنيس والمفتي حسّون… مسارات السياسة والدين والعلمنة/ حسان الأسود

30 مارس 2025

تعتقد شرائح واسعة من السوريين أنّ نظام البعث، ومن ضمنه نظام الأسد، كان عَلمانيّاً، وقد بُني هذا الاعتقاد على جزئيات ظاهرة مقتطعة من سياقها العام، لكنّ النظام وخصومه على السواء وظّفوها لتصبح مسلّماتٍ أو بديهيّات لا يسعى المتلقي إلى التفكير فيها أو لنقضها. من ذلك منع بعض المظاهر الدينية في مؤسّسات الجيش والأمن، لا وبل محاربتها وقمع من يمارسها حتى على صعيد فردي، وليس فقط بشكل جماعي منظّم. دخل في هذا الإطار التدقيق في المظهر الشخصي للأفراد من حيث الملبس وإطلاق اللحى، وعلى التصرّفات الشخصية، مثل المواظبة على صلاة الفجر في المساجد أو قراءة كتب دينية. في الاتجاه المعاكس، كان ثمّة غضّ نظرٍ واضحٍ عن شرب الكحول في المجتمع عموماً، والتشجيع عليه في تينك المؤسستين، بل واعتباره من طقوس الرقيّ والتحضّر. يمكن سوقُ أمثلةٍ كثيرةٍ بسيطة جرى تضخيمها لتصبح عنواناً لعلمانية النظام، رغم أنّها ليست سوى جزء من مساحة الحريات الشخصية التي يُفترض أن تُترك للأفراد من دون مساس أو تقييد. أراد النظام منع التجمّعات بمنعه الصلاة الجماعية في الجيش والمؤسسات الأمنية والمدارس والجامعات، وكل مكان يمكن أن يجتمع فيه الناس خارج دور العبادة، ومنع الأفراد من هذه الممارسة البسيطة، حتى لا تنتقل العدوى إلى غيرهم. لم يكن هذا السلوك لأنّ “البعث” أو نظام الأسد يحارب الدين، فكثيرون من أعضاء الحزب كانوا من المواظبين على فروض الإسلام في منازلهم أو في المناسبات العامة التي سمح بها النظام. جاء هذا نتيجة خشيته من التجمّع بحد ذاته، وما ينجم عنه من تشجيع الناس بعضهم بعضاً للتفكير بصوتٍ مسموع أو للتداول بالشأن العام. لقد كانت السياسة محصورة بفئة محدودة جدًا في ظل البعث، وبدأت تضمحلّ حتى انحصرت بيد الأسد وابنه الذي ورث الحكم بعده، فلم تكن قيادات الحزب ولا الوزراء ولا كبار الموظفين ولا قادة أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية يمارسون السياسة بما هي مشاركة في القرار، بل كانوا ينفذون تعليمات القائد الأوحد.

على الضفّة الأخرى من مستنقع الحياة في سورية البعث والأسد، كانت المعارضة ذات الخلفيات الإسلامية بالأغلب الأعمّ تعزز هذه السردية لأسبابها الخاصة، فإغلاق مؤسسات الدولة بوجه الناس وحصر المشاركة بتنفيذ التوجيهات بالتبع المرضي عنهم، جعل المجتمع التقليدي ساحة المنافسة الوحيدة بين السلطة والمعارضة، فتوجّهت الأخيرة بحكم ثقل حضورها التاريخي إلى جمهورها من خلال تبنّي سردية النظام نفسها وأدواته نفسها لقطب عروتها وتوثيقها إلى جانبها أكثر فأكثر. صارت العلمانية سبّة عند الجمهور لارتباطها بممارسات تقترب من ساحة الاختيار الفردي اللصيق بضمائر البشر. كيف لنا أن نتصوّر قبول الناس تحديد خياراتهم بقوالب معيّنة تحت وطأة الملاحقة والمحاسبة دون ردّة فعل انتقامية من العنوان الذي أتت تحته هذه الإجراءات القمعية؟ إنّه ردّ فعل طبيعي لمقاومة البشر الإكراه، لكنّه يتقعّر إلى داخل الفكر والنفس من دون أن يتمظهر خارجهما بسلوك عقلاني. كانت النتيجة حمولات سلبية فائضة، ألقيت على كاهل ليس فقط العلمانية، بل وكثيراً من الحقوق والحرّيات الفردية التي أدرجت في خانة الخطر المحدق بكينونة المجتمع أو الأسرة، لمجرّد أن هذا الفريق أو ذاك استخدمها في الصراع على السلطة أو الفضاء المجتمعي.

لم يكن نظام الحكم في سورية علمانيّاً، بل هو أكثر من استغلّ المؤسسات الدينية بغرض تركيز السلطة واغتيال السياسة وقمع الضمير. ولم يكن ذلك مقتصراً على المؤسّسات الدينية الإسلامية، بل شمل المؤسّسات المسيحية أيضاً على اختلاف طوائفها ومذاهبها. تعمّق ذلك الاستثمار ليصبح من أدوات الحرب على المجتمع الثائر بعد 18 مارس/ آذار 2011. خروج التظاهرة الأولى من مسجد الحمزة والعبّاس في درعا البلد، وانتقالها إلى المسجد العمري الذي يحمل رمزية كبيرة عند أهالي درعا، ثمّ مواظبة السوريين على هذا النهج باعتباره الساحة الوحيدة المتاحة أمامهم للتجمّع، رفعت منسوب الخطر عند النظام، ورفع كذلك مستوى التحدي عند الناس، فكان أن لجأ النظام إلى أزلامه من المشايخ ورجال الدين الذين أعدّهم عقوداً ليفتّ بهم عضد الثوار ولينزع الشرعية عنهم بما يشبه الحُرم الديني، رغم أنّ هذه الآلية ليست مستعملة بهذه التسمية عند المسلمين، لكنّ جوهرها هو التكفير الذي مارسه مفتي النظام حسين حسّون، الذي بات الثوار يسمّونه مفتي البراميل. كذلك استثمر النظام في قيادات المؤسّسات الكنسية التي سارعت لتأييده بوجه “الرعاع الظلاميين القادمين لتعكير الصفو المجتمعي ولاستباحة الأديان”، فكانت الأم أغنيس مريم الصليب رائدة مدرسة المواجهة في الجبهة المسيحية.

لا حاجة بنا للاستشهاد بمواقف الأم أغنيس والشيخ حسوّن في دعم النظام، فهي أكثر من أن تُعدّ وتُحصى وتمتلئ بها بطون الصحف والمجلات ومنصات التواصل. إنما الحاجة للتركيز على نقطة واحدة في مسار تعامل العهد الجديد بعد سقوط نظام الأسد مع هاتين الظاهرتين المختلفتين شكلاً المتماثلتين مضموناً ودوراً. لماذا جرى اعتقال حسّون وإطلاق العنان للأم تسرح وتمرح ليس في الداخل فحسب، بل وفي الخارج مع ممثلي دول بعضها مصنّفٌ حتى اللحظة في خانة الأعداء؟ قد لا نستطيع الإحاطة بكل أسباب هذا التمييز من الإدارة الجديدة في التعامل بين الشريكين الرئيسيين لنظام الأسد في حربه على السوريين، لكننا قد نفتح الباب لوضع مؤشّرات على ذلك.

يرى كاتب هذه السطور أنّ السياسة تقتضي حالياً التهدئة مع المجتمع الدولي الذي يرفع شعار حقوق الأقليات، والمسيحيين منهم بالأخص باعتبارهم خارج النسق الكلي لمرجعية نظام الحكم الجديد. إضافة إلى أن الكنائس في سورية ذات تشابك واسع النطاق في مرجعياتها التنظيمية المتوارثة عبر مئات السنين، وهذه تعبر الحدود لتصل إلى روما وموسكو وكثير من بقاع المعمورة. تجد السلطة الجديدة نفسها، كما كان نظام البعث والأسدين أيضاً، أمام معضلة التدخّل في تلك التركيبة المعقّدة، فتحاول الالتفاف على تلك التشابكات باستمالتها بدل عدائها. على العكس من الحالة الواضحة في الجهة الإسلامية. البديل موجود وممكن، وهو من داخل المنظومة نفسها. من هنا، تمكن قراءة تعيين الرئيس احمد الشرع مجلساً أعلى للإفتاء في سورية، وتعيين رئيسٍ له الشيخ أسامة الرفاعي مفتياً عامّاً للجمهورية، بعد أن كان الرئيس المخلوع قد ألغاه عام 2021. ويمكن قراءة الرسائل المهمّة جدًا التي أراد الشرع إيصالها في كلمته التي ألقاها في حفل التعيين، ومنها الموجّهة إلى عموم المسلمين في سورية والعالم، ولتيار الجهاد السلفي الذي جاء منه الشرع نفسه عندما حدّد مهمة المجلس بالقول: “إصدار الفتاوى في المستجدات والنوازل والمسائل العامة، وبيان الحكم الشرعي في القضايا التي تحال إليه، وتعيين المفتين ولجان الإفتاء في المحافظات وتحديد اختصاصهم، والإشراف على دور الإفتاء وتقديم الدعم والمشورة”. ثم عندما حدّد توجّه المجلس ونهجه بالقول: “مجلس الإفتاء سيسعى إلى ضبط الخطاب الديني المعتدل، الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، مع الحفاظ على الهوية ويحسم الخلاف المفضي إلى الفرقة، ويقطع باب الشر والاختلاف”. ثم رسائله إلى العالم كلّه بأنّ لا فصل للدين عن الدولة ولا عن السياسة عندما قال: “ينبغي أن تتحوّل الفتوى إلى مسؤولية جماعية من خلال تشكيل مجلس أعلى للإفتاء، تصدر الفتوى من خلاله، بعد بذل الوسع في البحث والتحري، إذ الفتوى أمانة عظيمة وتوقيع عن الله عزّ وجل”. لا تفوتنا هنا أيضاً الإشارة إلى رسائل التطمين للمجتمعين، التجاريين، الدمشقي والحلبي، اللذيْن كانا، على الدوام، في علاقة غزل وتبادل منافع ومصالح مع “الإسلام السياسي”، هذه العلاقة التي أنتجت ما بات يُعرف بمصطلح “الإسلام الشامي الوسطي”.

هكذا نجد الإدارة الجديدة في سورية تهرول بين مسارات السياسة والدين والعَلمنة، مراهنةً على قدرتها على المناورة مع الواقع بكل تعقيداته وتحدّياته الهائلة في الداخل والخارج، فهل تنجح في ذلك من دون أن تثير حفيظة السوريين والسوريات أو فئات منهم هنا وهناك، أو من دون أن تتجاوز على حقوقهم وحرّياتهم؟ ننتظر ونرى.

العربي الجديد

————————

دفعة أميركية لصالح تركيا/ فاطمة ياسين

30 مارس 2025

أثرت إشادة دونالد ترامب بنظيره أردوغان في استقرار السوق التركي، بعد ارتباك سبّبه اعتقال رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو، وقد أعقب الاعتقال ذعر للمستثمرين جعل السوق تصاب باضطراب، وانخفضت قيمة الليرة التركية بوضوح. قال ترامب، لدى استقباله وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، إن تركيا مكان جيد، ورئيسها جيد. ولهذا التصريح مضامين عديدة، وتعني أن تركيا ستكون بعيدةً عن الضغوط الجمركية التي ينثرها ترامب يميناً ويساراً، وهذا يمنح تطمينات كبيرة للمستثمرين هناك الذين هدؤوا بالفعل، وبدأت الأمور تعود إلى ما كانت عليه من الناحية الاقتصادية، ولكن الرئيس الأميركي الذي اعتاد أن يعمل وفق قانون العرض والطلب ينتظر من تركيا أن تقدّم له شيئاً في المقابل، ومؤكّد أنه يعتمد عليها لتبقى المنطقة متوازنة، خاصة أنّه قد أصبح لها يد طولى في سورية، وانقطع تموين حزب الله، المتوقع أن يزداد الحصار عليه ليبقى بأقل قوة ممكنة. ومن دون تركيا، قد لا يكون هذا الخيار متاحاً، ومن المنتظر أن تنفذ تركيا بمهام أخرى على مستوى الإقليم كله، خاصة أن التهديد الإيراني ما زال قائماً، وتعمل الولايات المتحدة، ومعها إسرائيل، على تنفيذ خطوة جديدة في خطتهما طويلة الأمد التي بدأت في أعقاب هجوم 7 أكتوبر (2023).

المهمة الأخرى التي ترغب الولايات المتحدة من تركيا في الاضطلاع بها من موقعها في سورية تأكيد عدم انفلات عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، وهذه إشارة مهمّة إلى أن مشكلة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في طريقها إلى الحل، وقد لا تنتظر مدة السنة التي تضمنها اتفاق أحمد الشرع مظلوم عبدي الذي وقّع أخيراً في العاصمة، فمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أو محاصرة من تبقوا من أفراده، تتطلب وجوداً قوياً في المنطقة. وتبدو أميركا معوّلة على تركيا في هذا الملف، وغير مكتفية بـ”قسد”، فسجون المنطقة الشرقية تعج بمقاتلين سابقين مع عائلاتهم، وهي مشكلة لم تجد حلّاً بعد، وإيجاد حل حقيقي يتجاوز بكثير إمكانات “قسد” وحدها، وهناك بؤر من عناصر التنظيم نائمة على جانبي الفرات في الصحراء السورية، يمكن أن يكون العامل التركي حاسماً في القضاء عليها. ومرّة أخرى، يتطلب هذا الحسم تفاهماً سورياً ما بين دمشق والقامشلي، وبوابة هذا التفاهم واشنطن التي كان وزير الخارجية التركي ضيفاً مرحّباً به فيها.

ومن موقعها على حافة أزمة أخرى من أخطر أزمات أوروبا، يرجّح أن تلعب تركيا دوراً في خطة السلام القادمة بين أوكرانيا وروسيا، وهي أزمة طالت كثيراً، وقد تعهد ترامب بحلها، ولاقت تصريحاته صدىً إيجابياً عند بوتين. ومعروف أن هذه الخطّة أميركية بالأساس، من هندسة إدارة ترامب التي قسمت المسألة على اثنين، واحتفظت لنفسها بغنيمة جيدة باتفاق المعادن، وتحتاج الولايات المتحدة إلى موقف تركي قوي يؤمّن لها تنفيذ الخطة والالتزام بها على المدى الطويل. وتحتفظ تركيا بعلاقات مع طرفي الصراع، وهذا يمكّنها من لعب دور إيجابي لإيصال اتفاق السلام الموعود إلى طاولات التوقيع النهائي، وإسكات مصادر النيران التي استنزفت أوروبا طويلاً.

عاد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، من واشنطن بملفات ناجحة على أكثر من مستوى في الداخل والخارج، وبقي الملف الإيراني مفتوحاً، ومن المنتظر أن يتفاعل في الفترة المقبلة، بعد مهلة الشهرين التي أعطاها ترامب لحكام إيران. وفي هذا الملف أيضاً، تركيا أساسية، خضعت إيران لمطالب ترامب ورضيت أن تحجّم نفسها، أو اختارت الطريق الصعب. في الحالتين، تجد تركيا نفسها في الصف الأول للمواجهة. يمكن أن تنجح زيارة فيدان في إطفاء الشوارع بالمدن التركية، أو التخفيف من حدّة ضغطها بعد تلقي القيادة دعماً كبيراً من دولة بحجم أميركا، وتجدّد الثقة بأردوغان نفسه قائداً للمرحلة المقبلة، والمتوقع أن يبقى الرجل الأول في الدولة، سواء بانتخابات مبكرة أو بطرق سياسية أخرى.

العربي الجديد

—————————–

الكنز المنسي.. هل تصبح الصناعة السورية قاطرة التنمية المنشودة؟/ عبد العظيم المغربل

2025.03.30

تُعدّ الصناعة أحد أهم الركائز الاقتصادية التي تعتمد عليها الدول لتحقيق النمو والتنمية المستدامة، وفي الحالة السورية، يكتسب هذا القطاع أهمية استثنائية في ضوء الظروف الراهنة التي تمرّ بها البلاد، والاحتياج المُلح لإعادة الإعمار وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني. وبالرغم من ما تعرضت له الصناعة السورية من تحديات جسيمة ودمار هائل خلال السنوات الماضية، بدءاً من فقدان البنى التحتية، مروراً بتضرر المصانع والمنشآت، ووصولاً إلى تراجع كبير في حجم الإنتاج الصناعي، فإنها لا تزال تمتلك من المقومات ما يؤهلها لأن تلعب دوراً محورياً في نهضة سوريا الاقتصادية من جديد.

وعليه، فإن البحث في واقع هذه الصناعة، وتشخيص تحدياتها، وتحديد فرص تطويرها، بات ضرورة حتمية لوضع استراتيجية فعّالة تجعل من الصناعة السورية قاطرةً حقيقيةً لعملية التنمية الشاملة في البلاد، وأساساً متيناً للانتعاش الاقتصادي في المستقبل القريب.

تحديات الصناعة السورية في المرحلة الراهنة

تواجه الصناعة السورية في الوقت الحالي واقعاً صعباً ومليئاً بالتحديات التي تعيق نموها وتعافيها بشكل واضح؛ حيث تُشكّل العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا من قبل عدة دول إحدى أبرز هذه التحديات وأشدها تأثيراً، إذ تسببت هذه العقوبات في تقييد حركة التجارة الخارجية، وعرقلة استيراد المعدات الصناعية اللازمة للإنتاج، كما حدّت من قدرة المصانع السورية على تسويق منتجاتها في الأسواق الخارجية. ويُضاف إلى ذلك ضعف كبير في البنية التحتية الصناعية، خاصةً في قطاعات الطاقة والكهرباء والنقل، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع تنافسية المنتج السوري محلياً وخارجياً.

في هذا الإطار، يقول الباحث في العلاقات الدولية حسن الشاغل في مقابلة حصرية مع تلفزيون سوريا: “إن من أبرز التحديات أمام القطاع الصناعي هو عدم وجود بنية تحتية قادرة على استيعاب قيام الصناعات الجديدة أو جذب الصناعيين القدماء المهاجرين في دول الجوار من الوطن من أجل إعادة تفعيل مصانعهم”.

كذلك، يعاني القطاع الصناعي من أزمة حادة في التمويل وصعوبة واضحة في الوصول إلى مصادر الاستثمار المحلية أو الأجنبية، بسبب عدم استقرار الوضع الاقتصادي وغياب الدعم الحكومي المباشر للقطاع الصناعي.

وفي هذا الإطار، يقول الشاغل: “إن أحد التحديات المهمة هو أن الإجراءات القانونية لعمليات الاستيراد والتصدير ما تزال غير واضحة؛ حيث تعمل الحكومة على إعادة تشكيل هذه الإجراءات حالياً حتى تسير عملية الصناعة”.

كما تُشكّل ظاهرة هجرة الكفاءات والعمالة الماهرة تحدياً إضافياً بالغ الخطورة، حيث خسرت الصناعة السورية عدداً كبيراً من المهندسين والفنيين والحرفيين المؤهلين الذين يمثلون العنصر البشري الأساسي للإنتاج الصناعي، ما أثّر بشكل مباشر على القدرة التشغيلية للمنشآت الصناعية وأضعف إمكانيات الابتكار والتطوير، وزاد من صعوبة إعادة تأهيل هذا القطاع المهم على المدى المنظور.

ومن التحديات البارزة، وفقاً للشاغل، هو “التحدي الأمني المرتبط بشكل كبير بالاقتصاد؛ حيث إن التنمية الصناعية تحتاج إلى استقرار أمني في البلاد، بجانب استمرار حالة عدم الاستفادة من الموارد الطبيعية الموجودة في مناطق قسد، خصوصاً النفط والغاز والقمح والقطن، والتي تحتاج إلى وقت للاستفادة منها في خدمة الصناعة السورية”.

مقومات الصناعة السورية وفرص التطوير

تتمتع الصناعة السورية بمقومات حقيقية يمكن البناء عليها لتحقيق تطور ملموس وانتعاش اقتصادي واضح، حيث تمتلك سوريا موارد طبيعية غنية ومتنوعة توفر المواد الأولية اللازمة للكثير من الصناعات، وعلى رأسها المنتجات الزراعية مثل القمح، والزيتون، والحمضيات، والخُضر، والقطن، وهي منتجات تتيح المجال واسعاً أمام إقامة صناعات غذائية ونسيجية وتصديرية منافسة.

ويقول حسن الشاغل: “إن مقومات الصناعة السورية مرتبطة بقطاعين، الأول هو الزراعة وما يرتبط بها، والثاني هو الصناعة النسيجية وما يرتبط بها”.

إلى جانب الوفرة الزراعية، تزخر الأراضي السورية بثروات ومعادن مهمة مثل الفوسفات الذي يدخل في صناعات الأسمدة والمخصّبات، إضافةً إلى المواد الأولية التي تدخل في صناعات البناء كالرخام والبازلت والإسمنت.

كما يتميز الموقع الجغرافي لسوريا بكونه نقطة تقاطع استراتيجية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا، ما يؤهل البلاد لأن تكون مركزاً لوجستياً وتجارياً قادراً على استقطاب الاستثمارات والمشاريع الصناعية والتجارية الكبرى.

يقول حسن الشاغل لتلفزيون سوريا: “تمتلك سوريا موقعاً جغرافياً مهماً يساعد الصناعة السورية؛ حيث تتوسط سوريا موقعاً بين الدول المستهلكة، خصوصاً الدول العربية، والدول المنتجة”.

إضافةً إلى ذلك، تملك سوريا إرثاً صناعياً تاريخياً يتمثل بخبرات تراكمية طويلة في مجالات الصناعات التقليدية المتميزة مثل النسيج، وصناعة السجاد، والألبسة الجاهزة، والمنتجات اليدوية التراثية، فضلاً عن الصناعات الغذائية الشهيرة كالحلويات، وزيت الزيتون، والأجبان، وهي صناعات تمتاز بجودتها وشهرتها الإقليمية والدولية.

ما المجالات الصناعية الواعدة للنهوض الاقتصادي؟

تمتلك الصناعة السورية العديد من القطاعات الواعدة التي يمكن الاعتماد عليها لتصبح ركيزة أساسية لتحقيق الانتعاش الاقتصادي المنشود، ومن أبرز هذه القطاعات يأتي قطاع الصناعات الغذائية والزراعية، والذي يشكّل القاعدة الأولى للنهوض بالاقتصاد الوطني، نظراً لما تملكه سوريا من وفرة زراعية مميزة وتنوّع كبير في المنتجات والمحاصيل؛ حيث إن التوسع في صناعات تعتمد على تحويل المحاصيل الزراعية الأساسية كالقمح، والذرة، والبقوليات، إلى منتجات غذائية ذات قيمة مضافة عالية مثل المعكرونة، والخبز، والبسكويت، ومنتجات الكونسروة المختلفة كالمربيات، ورب البندورة، والخُضر المعلّبة، يمكن أن يحقّق الاكتفاء الذاتي ويقلّل من الاعتماد على الاستيراد، فضلاً عن فتح آفاق واسعة للتصدير إلى الأسواق الإقليمية والدولية.

كذلك تتمتع سوريا بتنافسية واضحة في قطاع الصناعات النسيجية، وهو القطاع الذي عُرفت به تاريخياً، خاصةً في صناعة الأقمشة، والسجاد، والملابس الجاهزة، والمنسوجات التراثية التقليدية التي تحمل الهوية السورية. ولعل إعادة إحياء هذا القطاع الحيوي من خلال إدخال تكنولوجيا حديثة، وتوفير تسهيلات حكومية وتشجيعات استثمارية، سيساهم في زيادة فرص العمل وإعادة فتح الأسواق التي كانت في السابق تفضّل المنتج السوري بسبب جودته العالية وأسعاره المنافسة.

إضافةً إلى ذلك، تتميز سوريا بوجود قاعدة متينة في مجال الصناعات الدوائية التي أثبتت خلال العقود الماضية قدرتها على توفير منتجات دوائية ذات جودة عالمية بأسعار تنافسية؛ حيث إنّ تطوير هذا القطاع المهم عبر تعزيز البحث العلمي، وزيادة الاستثمار في التقنيات الدوائية الحديثة، والتوسع في تصنيع الأدوية والمستلزمات الطبية، سيجعل سوريا قادرةً على تأمين احتياجات السوق المحلية وتقليل فاتورة الاستيراد، بل وتوفير فائض كبير للتصدير إلى الأسواق الخارجية، لا سيما في الدول المجاورة التي تُشكّل سوقاً استهلاكية كبيرة.

تَبرز الصناعات التحويلية والتكنولوجية الحديثة كقطاع استراتيجي وواعد يمكن أن يكون رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي، خاصةً في ظل التطورات المتسارعة للاقتصاد الرقمي عالمياً؛ حيث إنّ بناء قاعدة صناعية حديثة تعتمد على التكنولوجيا، كالصناعات الإلكترونية المتقدمة، وتطوير البرمجيات، وصناعة التطبيقات التقنية، والتصنيع الذكي المعتمد على الذكاء الاصطناعي، من شأنه أن يفتح المجال واسعاً أمام سوريا لمواكبة التحولات الاقتصادية الدولية. وفي الحقيقة، إنّ الاستثمار في هذه المجالات الحديثة سيمكّن الشباب السوري من اكتساب مهارات متقدمة وفرص عمل نوعية، ما يؤدي إلى تحفيز بيئة الابتكار والإبداع، وتحقيق مردود اقتصادي طويل الأمد.

ما السياسات الاقتصادية المطلوبة لتعزيز الصناعة السورية؟

لتمكين القطاع الصناعي السوري من استعادة دوره كقاطرةٍ أساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، يتطلب الأمر صياغة وتطبيق حزمة متكاملة من السياسات الاقتصادية الفعّالة والمدروسة من قبل الحكومة السورية والمختصين. وتتمثل أولى هذه السياسات في تأمين التمويل الكافي وتسهيل الوصول إلى مصادر رأس المال عبر إنشاء صناديق ائتمانية وتنموية حكومية متخصصة، تكون مهمتها الأساسية تقديم القروض الصناعية الميسّرة للمشروعات الإنتاجية ذات الجدوى الاقتصادية، مع التركيز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة، لما تمتاز به من قدرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية وخلق فرص عمل حقيقية ومستدامة.

كما ينبغي أن تترافق هذه الخطوة مع حزمة من الحوافز الضريبية والتسهيلات الجمركية الواضحة، كخفض أو إعفاء الرسوم الجمركية على مستلزمات الإنتاج الصناعي والآلات والتجهيزات المستوردة، إلى جانب تبسيط الإجراءات الإدارية والقانونية الخاصة بتأسيس وترخيص المنشآت الصناعية الجديدة، بهدف تشجيع رؤوس الأموال الوطنية وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى القطاع الصناعي.

وفي جانب آخر لا يقل أهمية، تَبرز ضرورة تطوير وإعادة تأهيل البنية التحتية الصناعية بشكل شامل، وبالأخص ما يتعلق بشبكات النقل والمواصلات، وتحديث منظومة الموانئ والمرافق اللوجستية، وتوفير مصادر مستدامة وآمنة للطاقة الكهربائية من خلال الاستثمار في مشروعات الطاقة المتجددة والطاقة البديلة، أو خصخصة المحطات الكهربائية. فهذا يسهم في تخفيض تكاليف الإنتاج وزيادة تنافسية المنتج الوطني على المستوى الإقليمي والدولي.

الأهم من ذلك هو الاستثمار في رأس المال البشري، من خلال وضع استراتيجيات واضحة للتعليم الفني والتدريب المهني تتماشى مع احتياجات سوق العمل الصناعي، وإقامة شراكات متينة بين المؤسسات التعليمية والتدريبية والقطاع الصناعي الخاص، بهدف تأهيل الكوادر الفنية والهندسية والتقنية، وتوفير مهارات تتوافق مع التطورات الصناعية والتكنولوجية المعاصرة، ما يؤدي إلى سد الفجوة الحاصلة بسبب هجرة الكفاءات والعمالة الماهرة.

استفادة الصناعة السورية من تجارب صناعية دولية ناجحة

إنّ النهوض بالصناعة السورية يتطلب أيضاً الاستفادة من تجارب دولية ناجحة في المجال الصناعي، عبر دراسة نماذج عالمية تمكّنت من تحويل قطاعاتها الصناعية إلى محركات حقيقية للتنمية الاقتصادية، بما يتوافق مع البيئة السورية وظروفها الحالية. في هذا الإطار، تبرز تجربة ماليزيا التي اعتمدت على إنشاء مناطق صناعية متخصصة، وتركيز الدعم الحكومي على الصناعات التكنولوجية والتحويلية، وتقديم حوافز كبيرة للاستثمار الأجنبي المباشر، ما أسهم في خلق نقلة اقتصادية نوعية خلال فترة قصيرة.

كما تُعدّ التجربة التركية في تطوير الصناعات الغذائية والنسيجية نموذجاً يمكن الاقتداء به، إذ ركزت تركيا على زيادة جودة منتجاتها وتحقيق تنافسية عالية في الأسواق العالمية من خلال دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، واعتماد برامج تدريب وتأهيل متقدمة للعمالة الصناعية.

وتُقدّم التجربة الكورية الجنوبية مثالاً آخر في تطوير الصناعات التكنولوجية والرقمية الحديثة، حيث قامت كوريا الجنوبية بالاستثمار في التعليم الفني والتقني، وتشجيع الابتكار الصناعي عبر مراكز بحث وتطوير متخصصة، ما مكّنها من احتلال مكانة رائدة عالمياً في صناعات الإلكترونيات والتقنيات الذكية.

وبناءً على هذه التجارب، يمكن لسوريا أن تتبنى رؤية صناعية واضحة ومستدامة من خلال إقامة مناطق صناعية متخصصة، وتقديم الدعم الكامل للصناعات التي تملك فيها سوريا ميزة نسبية، والاستثمار في التعليم التقني والتدريب المهني، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير لتشجيع الابتكار والتميّز الصناعي؛ حيث إنّ القدرة على تكييف هذه النماذج الناجحة مع الواقع السوري، بما يراعي خصوصية الظروف الاقتصادية والاجتماعية المحلية، ستكون عاملاً رئيسياً في إنجاح الجهود الرامية إلى إعادة إحياء الصناعة السورية وتحويلها إلى قوة اقتصادية حقيقية قادرة على قيادة التنمية الشاملة في المستقبل.

تؤكد جميع المعطيات الحالية أن الصناعة السورية تمثل المفتاح الأساسي لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإعادة إحياء الاقتصاد الوطني من جديد. فرغم التحديات الكبيرة التي تواجهها هذه الصناعة اليوم، فإنّ الفرص والمقومات المتاحة أمامها تظلّ واعدة، إذا ما تم استثمارها وتوظيفها بشكل علمي ومدروس. ولذلك، فإنّ صياغة رؤية اقتصادية وطنية متكاملة تقوم على معالجة العقبات الهيكلية، وتوفير التمويل والدعم الحكومي، وتطوير البنى التحتية، والاستفادة من الموارد المحلية، والاهتمام بالكفاءات والابتكار، هي ضرورة عاجلة ينبغي العمل عليها من دون تأخير.

كما أن دراسة التجارب الدولية الناجحة وتكييفها مع الواقع السوري، يمكن أن تسرّع من وتيرة التعافي، وتضع القطاع الصناعي السوري على الطريق الصحيح نحو استعادة مكانته التنافسية. يبقى نجاح هذه الجهود مرهوناً بإرادة وطنية مشتركة بين القطاعين العام والخاص، وتعاون كل الجهات المعنية، لتحقيق الهدف الأهم المتمثل في جعل الصناعة السورية قاطرة حقيقية للاقتصاد السوري، وبوابةً لاستعادة سوريا دورها الاقتصادي الرائد في المنطقة.

 تلفزيون سوريا

———————————

من دمشق إلى إدلب.. حضن الثورة ومنبع الحرية/ مصعب الحمادي

2025.03.30

هذا نشيد ديني طرق مسمعي مراتٍ كثيرة وأنا في دمشق الأسبوع الماضي؛ نشيد يصدح من المحالّ والبسطات للفت أنظار الزبائن في رمضان وهو نفس النشيد الذي ما برحت دمشق تطرب عليه منذ عشرين سنة. كلمات النشيد لا تنطوي على أغلاطٍ تمس العقيدة الدينية فحسب (حيث تضع الكلمات النبي محمد -وليس الله عزّ وجلّ- بمنزلة مقرر مصير البشر وتصوّر ابنته فاطمة بمثابة شفيعة للمسلمين عند النبي!!!) بل إن النشيد فيه الكثير من معاني الخنوع والمذلة التي لا تليق بالمواطنين حتى وإن كانوا مؤمنين. فالنشيد يطلب من “الحنونة” أن “توصّي” النبي بنا كما ل

“يا أم الحسن يا حنونة، وصّي أبو الزهرا فينا”.

هذا نشيد ديني طرق مسمعي مراتٍ كثيرة وأنا في دمشق الأسبوع الماضي؛ نشيد يصدح من المحالّ والبسطات للفت أنظار الزبائن في رمضان وهو نفس النشيد الذي ما برحت دمشق تطرب عليه منذ عشرين سنة. كلمات النشيد لا تنطوي على أغلاطٍ تمس العقيدة الدينية فحسب (حيث تضع الكلمات النبي محمد -وليس الله عزّ وجلّ- بمنزلة مقرر مصير البشر وتصوّر ابنته فاطمة بمنزلة شفيعة للمسلمين عند النبي!!!) بل إن النشيد فيه كثير من معاني الخنوع والمذلة التي لا تليق بالمواطنين حتى وإن كانوا مؤمنين. فالنشيد يطلب من “الحنونة” أن “توصّي” النبي بنا كما لو أن الموضوع يحتاج إلى “واسطة.” أنا كمسلم أعوذ بالله من هكذا معانٍ منحرفة لكني متيقن أن نظام الأسد ومخابراته كانوا سعداء بانتشار هكذا نشيد وأمثاله لأنه يسهم ببساطة في بناء “سيكولوجية المواطن المؤيّد” الغارق في اللطميّات وجلد الذات والاستجداء الفارغ.

ليس عجباً إذاً أنني ضقت ذرعاً بدمشق بعد أسبوعٍ من العودة للبلاد وشجعتني دعوات أقاربي في الشمال لمغادرة العاصمة والانطلاق إلى إدلب. كانت الحواجز كثيرة وكذلك الملثمون كثر، والمشاهد المسلحة. لكن المظاهر خادعة، ففي إدلب وما حولها وصولاً إلى الحدود التركية يجد الزائر نفسه في عالمٍ آخر، إنه “عالم جديد شجاع” ما عليك إلا أن تضع التحوّط الزائد جانباً وتستمتع بالفرجة على المولات الكبيرة والسيارات الفارهة وتقصد المقاهي والمطاعم التي لا تحصى ولا تعدّ وتفرّج عن نفسك بالأحاديث المباشرة مع أشخاصٍ قد لا تعرفهم لكن تستطيع في ثوانٍ أن تجعلهم يتكلمون في أكثر المسائل الإشكالية مما يهاب الناس في دمشق طرحها، ففي إدلب أنت ببساطة في حاضنة الثورة ونبع الحريّة الذي انفجر عيوناً وأنهاراً غطّت سوريا بأكملها.

عندما غادرت سوريا من معبر باب الهوى أواخر عام 2013 كانت المنطقة الحدودية عبارة عن جبالٍ جرداء وعرة تتلطّى عند مفارقها حواجز داعش الإرهابية ويقصفها النظام بالطيران بلا رحمة، وعندما عدت عام 2025 وجدت مدناً صناعية وبناياتٍ عالية وأسواقاً مزدهرة ومجتمع ينضح بالطاقة والحيوية فيه أفراد من كل المناطق السورية من درعا حتى حلب. وكلمة السرّ في هذا الانقلاب هي بلا شكّ الحرية التي أطلقت مقدرات السوريين في هذا الجزء من البلاد وجعلتهم يصنعون ما يحلو لي أن أسميه “معجزة إدلب.” وبين مناطق النظام البائد وإدلب وجدت في سوريا طرازين متابينين تماماً من ناحية المزاج والحالة النفسية وبإمكاني أن أتحمل المسؤولية فأصنّف الطراز الأول على أنه: السوريون الذين كانوا بانتظار الحرية؛ والطراز الثاني على أنه: السوريون الذين جلبوا الحرية. وكلي أمل أن يحصل الامتزاج بينهما في أسرع وقت.

هناك حالة من فوضى السير في جميع المناطق السورية وللأسف لا تنجو منها مناطق إدلب لكن المختلف في إدلب هو محبّة الناس لشرطيّ المرور والثقة الكبيرة به ومحاولة بعض المواطنين مساعدته في عمله. والأمر نفسه ينطبق على عناصر الشرطة والأمن العام. لا أعتقد أن هذه الثقة موجودة في دمشق بعد فالخارجون من قبضة القمع الأسدي يصعب عليهم تصور رجل شرطة أو عنصر أمن غير مرتشي وغير خطر وشرير. كما أن “وباء الأركيلة” المنتشر في دمشق متفشٍّ في إدلب أيضاً حتى أن كاتب هذه الكلمات تورّط فيه في المكانين معاً. هذا موضوع ليس قليل الخطر على الأجيال الرائعة التي تكبر في هذا الزمن الجميل من الحرية ولا بد للحكومة السورية من الالتفات لمعالجته عندما تحين الفرصة.

من الأمور التي جعلتني مرتاحاً في إدلب وما حولها (سرمدا- الأتارب- الدانا- أطمة- كفرلوسين) أن الناس لا ينكرون عليك عودتك من فرنسا كي تعيش في بلدك، بل يجدون ذاك قراراً صائباً وسليماً ولا يحتاج إلى نقاش. لكن الناس في دمشق وفي حماة مثلاً (الذين كانوا تحت سيطرة النظام البائد) لاموني بشدّة لعودتي؛ بعضهم نظر إليّ شزراً كما لو أني كنت مجنوناً. ذكرتني آراء الناس ببداية الثورة عام 2011 و2012 عندما التجئنا كثوار إلى جبل الزاوية وكانت إدلب حصناً لنا وقلعة حمتنا وذادت عنا رغم ما تلقته من غاراتٍ وقذائف زرعت الموت والخراب فيها. في ذلك العهد من عمر الثورة لم تحمنا صخور إدلب فقط بل أهلها هم من حمونا بالدرجة الأولى. وها هم السوريون في هذا الجزء من البلاد على عهد الثورة والوطنية والمروءة؛ سعداء بالجوائز التي حصلوا عليها، وفخورون أنهم ساعدوا أبناء الوطن كي ينالوا بدورهم أعظم ما هو موجود في إدلب: الحرية والكرامة ثم التطلع للمستقبل بثقةٍ وتفاؤل.

تلفزيون سوريا

————————–

المصطلحات السياسية في سوريا وتحديات بناء الدولة الجديدة/ حمدان العكله

2025.03.30

لطالما شكَّلت المصطلحات السياسية أدوات مركزية في صياغة الخطاب السياسي وتوجيه الإدراك الجمعي نحو مفاهيم الحكم والإدارة، إذ تمتلك هذه المصطلحات قوة مزدوجة؛ فهي قادرة إمَّا على تحفيز الحراك السياسي الواعي أو على تكريس الاستبداد تحت غطاء لغوي خادع.

وفي السياق السوري، تكتسب هذه الإشكالية بُعداً أكثر تعقيداً، نظراً لإرث طويل من الاستخدام الدعائي لهذه المفاهيم، حيث لم تكن الديمقراطية، والإصلاح، والشفافية سوى شعارات ترفعها السلطة بقدر ما تحتاجها لتثبيت شرعيتها. لقد أدَّى هذا الاستهلاك المتكرر إلى تفريغ المصطلحات من مضمونها، فتحوَّلت إلى أدوات جوفاء، منفصلة عن أيِّ تجربة ملموسة، مما ولَّد حالة من الشك العميق لدى المجتمع تجاه الخطاب السياسي برمَّته، وإنَّ إعادة الاعتبار لهذه المصطلحات يعني استعادتها، وتفكيك دلالاتها السابقة وإعادة بنائها بما يتناسب مع التجربة السياسية الجديدة.

تفريغ المصطلحات السياسية من مضمونها

على مدار العقود الماضية، شكَّلت المصطلحات السياسية في سوريا جزءاً من المشهد الخطابي الرسمي، حيث تكررت مفاهيم مثل “الديمقراطية”، “الحرية”، “الاشتراكية”، و”الوحدة الوطنية”، ليس بوصفها مبادئ موجِّهة للحياة السياسية، بل بوصفها أدوات لتجميل واقع سلطوي يتناقض معها في جوهره، لقد أفرغ الاستخدام الدعائي لهذه المفاهيم من مضمونها، فلم تكن “الديمقراطية” سوى غطاء لحكم فردي، ولم تكن “الحرية” سوى قيد بوجه آخر، ولم تكن “الوحدة الوطنية” إلا أداة لإخماد التعدد والتنوع السياسي، هذا التناقض المستمر ولَّد لدى السوريين وعياً مأزوماً تجاه الخطاب السياسي، قوامه الريبة والتوجس، حيث باتت هذه المفاهيم تُستقبَل بوصفها علامات تحذيرية على محاولات أخرى لتسويق الاستبداد في قوالب جديدة. وحين اندلعت الثورة السورية وانطلقت معها محاولات التغيير السياسي، وجد المجتمع نفسه أمام معضلة وجودية في التعامل مع هذه المصطلحات؛ فمن جهة، كان لا بدَّ من استعادتها وتفعيلها كضمانات أساسية لبناء الدولة الجديدة، لكن من جهة أخرى، كانت ذاكرة القمع والاستغلال السياسي حاضرة بقوة، ما جعل المطالبة بهذه المبادئ مشوبة بشكوك عميقة حول مصداقيتها وجدواها، فالخطاب الذي طالما استخدم هذه المفاهيم على أنَّها زخارف سياسية جعل من الصعب على السوريين تصديق أنَّ إعادة إحيائها قد يكون أكثر من مجرد إعادة إنتاج لأدوات التلاعب القديمة، فقد حوَّل النظام السابق الدستور إلى عقد اجتماعي مفرَّغ من الالتزام، وتحولت

مصطلحات مثل “التعددية السياسية”، “حقوق الإنسان”، “حرية التعبير” إلى قشرة لغوية تخفي بنية سلطوية لا تعترف إلا بمنطق الهيمنة والسيطرة.

التحديات التي تواجه بناء الدولة الجديدة

مع انطلاق مساعي إعادة بناء سوريا، تواجه النخب السياسية تحدياً جوهرياً لا يقتصر فقط على إعادة تأسيس مؤسسات الدولة، بل يمتد إلى إعادة تعريف العلاقة بين الخطاب السياسي والواقع المعيش، فالمعضلة لا تكمن فقط في الأوضاع الاقتصادية أو الأمنية، بل في أزمة الثقة العميقة التي ترسخت نتيجة للاستخدام الممنهج للمصطلحات السياسية كأدوات تزيينية لسلطة استبدادية، وفي هذا السياق، تبرز عدة إشكاليات رئيسة ينبغي التعامل معها بحساسية ودقة سياسية وفلسفية:

1. استعادة الثقة السياسية: لا يمكن لأيِّ خطاب سياسي أن يكون مؤثِّراً إذا لم يُترجم إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، فالثقة السياسية لا تُستعاد بالوعود، بل بالممارسات التي تثبت أنَّ الديمقراطية ليست مجرد شعار، وأنَّ الشفافية ليست مجرد مصطلح يُستدعى عند الحاجة، فالنخب السياسية الجديدة مطالبة بإحداث قطيعة مع الماضي من خلال بناء تجربة سياسية تجعل من التمثيل الشعبي والمساءلة جوهر الحكم، لا مجرد شعارات للاستهلاك الإعلامي.

2. إعادة تعريف المصطلحات السياسية: بمعنى تفكيك المفاهيم وإعادة بنائها؛ لأنَّ استعادة المصطلحات السياسية لا تعني مجرد إعادة استخدامها، بل تستلزم إعادة تعريفها وفق تجربة جديدة، بحيث تنبثق الديمقراطية من سياقاتها المحلية لا من نسخ مستوردة، وتتحول مفاهيم الحرية والعدالة إلى قيم ممارَسة يومياً بدلاً من أن تبقى كلمات مُعلَّقة في فضاء الخطاب الرسمي، فالمصطلحات السياسية ليست معطيات جاهزة، بل نتاج تراكم فكري وتجربة تاريخية، ومن دون إعادة صوغها بما يتناسب مع الواقع السوري الجديد، ستظل أسيرة إرثها المشوَّه.

3. تحقيق التوازن بين المطالب والمخاوف: بين المطالب الشعبية بإرساء الديمقراطية والحريات، والمخاوف المتولدة من تجارب القمع والتلاعب السياسي السابق، يقف المجتمع السوري أمام معادلة معقدة تتعلق بكيفية دفع عجلة التغيير من دون السقوط في وهم خطاب ديمقراطي جديد قد يُستخدم هو الآخر كأداة للهيمنة؟ هنا تبرز الحاجة إلى استراتيجيات تضمن أن يكون التغيير متجذِّراً في واقع ملموس، لا مجرد ردِّ فعل على الماضي، مع إدراك أنَّ بناء الثقة عملية تراكمية تتطلب الصبر والشفافية في آنٍ واحد.

4. الشفافية والمحاسبة: وهي آليات لتفكيك إرث التلاعب السياسي، فحتى لا تتكرر أخطاء الماضي، لا بدَّ من وضع آليات صارمة لمراقبة الخطاب السياسي، ليس فقط من خلال ضمان حرية التعبير، بل عبر إنشاء مؤسسات قادرة على محاسبة أيِّ جهة تحاول إعادة إنتاج التلاعب بالمصطلحات لأغراض سلطوية، فاللغة السياسية ليست مجرد أداة للتواصل، بل يمكن أن تتحول إلى آلية للهيمنة حين تُستخدم للفصل بين القول والفعل، وهو ما يجعل الشفافية والمساءلة عنصراً لا غنى عنه في إعادة بناء المعجم السياسي للدولة الجديدة.

5. إشراك المجتمع في صياغة المستقبل: لا يمكن لمشروع بناء الدولة أن ينجح إذا ظلَّ المجتمع مجرد متلقٍ للقرارات والنصوص السياسية، إنَّ إعادة صياغة المفاهيم السياسية يجب أن تكون عملية تشاركية، حيث يكون للمجتمع دور أساسي في تحديد معنى الديمقراطية وفق تجربته، وفي رسم ملامح الحرية بما يعكس حاجاته وتطلعاته، لا وفق قوالب جاهزة قد لا تلائم خصوصيته التاريخية والاجتماعية، فالشرعية السياسية لا تُمنح من فوق، بل تُبنى من خلال حوار حقيقي يجعل من الشعب شريكاً أصيلاً في وضع معايير الخطاب السياسي ومضامينه.

في الختام: لابدَّ من قطيعة حقيقية مع الإرث السياسي الملتبس، فعلى الرغم من عمق هذه التحديات، فإن الفرصة ما تزال سانحة لإعادة بناء المعجم السياسي السوري على أسس جديدة، حيث لا يكون الخطاب السياسي مجرد انعكاس لنوايا السلطة، بل تجسيداً لرؤية شعبية تتجاوز الإرث السابق من التلاعب والمراوغة اللغوية. إنَّ تجاوز الأزمة لا يتحقق بمجرد تغيير مفردات الخطاب، بل يستلزم إعادة تشكيل بنية المؤسسات بحيث تكون قادرة على ضمان أن المصطلحات المستخدمة تعبّر عن سياسات ملموسة لا عن شعارات جوفاء، فالتحول الديمقراطي الحقيقي لا يبدأ من الكلمات، بل من الأفعال التي تُثبت أن اللغة السياسية قد استعادت معناها، وأنها لم تعد أداة للخداع، بل جسراً نحو واقع أكثر صدقاً وعدالة.

تلفزيون سوريا

——————————

مجلس أعلى للإفتاء في سورية… إعادة تموضع للمؤسسة الدينية/ محمد أمين

30 مارس 2025

عيّن الرئيس السوري أحمد الشرع مفتياً عاماً للبلاد، يرأس مجلس إفتاء يضم العديد من العلماء في سورية هدفه “ضبط الخطاب الديني المعتدل، الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، مع الحفاظ على الهوية”، في خطوة من المتوقع أن يكون لها بعيد الأثر على المؤسسة الدينية في البلاد التي لطالما استخدمها النظام المخلوع لتثبيت أركانه التي تداعت في الثامن من ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي. وأعلن الشرع أمس الأول الجمعة تعيين الشيخ أسامة الرفاعي مفتياً للبلاد، ورئاسة المجلس الأعلى للإفتاء “كي تتحول الفتوى إلى مسؤولية جماعية”، وفق كلمة للشرع، خلال مؤتمر تشكيل مجلس الإفتاء الأعلى، أشار فيها إلى أن المجلس “سيسعى  لضبط الخطاب الديني المعتدل، الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة، مع الحفاظ على الهوية ويحسم الخلاف المفضي إلى الفرقة، ويقطع باب الشر والاختلاف”. ويعد الرفاعي المولود في العاصمة دمشق عام 1944، من أبرز العلماء في سورية الذين انحازوا إلى الثورة التي خرجت ضد النظام المخلوع في عام 2011. وإلى جانب الرفاعي، ضم المجلس العديد من العلماء الذين كان لهم دور بارز أثناء الثورة، هم: عبد الفتاح البزم، راتب النابلسي، وهبي سليمان، مظهر الويس، عبد الرحيم عطون، إبراهيم الحسون، سهيل جنيد، محمد شكري، أنس عيروط، إبراهيم شاشو، نعيم العرقسوسي.

الأسد وتطويع المؤسسة الدينية

وكان النظام المخلوع، سواء في عهد حافظ الأسد أو بشار الأسد، قد طوّع المؤسسة الدينية في البلاد، وشدد قبضته الأمنية على مفاصلها طوال أكثر من نصف قرن لتثبيت أركانه، وخدمة مصالحه. وسمح النظام للتيارات الدينية المؤيدة والمساندة له بالعمل المعلن، معتمداً على رجال دين عُرفوا بـ”التأييد” المطلق له مقابل الحصول على امتيازات. واستعان النظام بهؤلاء، وأبرزهم الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي الذي لقي حتفه في عام 2013 في تفجير غامض في أحد مساجد دمشق، من أجل الطعن بالثورة، في محاولة لم تنجح لإجهاضها. وتعرضت المؤسسة الدينية السورية لانقسامات كبيرة في الأشهر الأولى من الثورة، حيث برز تيار مؤيد بقوة لها قاده الشيخان أسامة الرفاعي وكريّم راجح، وعلماء آخرون، في مقابل تيار مثله رجال دين مرتبطون بالنظام ارتباطاً وثيقاً يقوده المفتي السابق أحمد حسون ووزير الأوقاف لدى النظام المخلوع، محمد عبد الستار السيد. وكان بشار الأسد قد ألغى في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 منصب المفتي العام في البلاد، وعزز صلاحيات “المجلس العلمي الفقهي” في وزارة الأوقاف، الذي كان يضم رجال دين من المذاهب الإسلامية كافة، إضافة إلى ممثلين من طوائف مسيحية.

ورأى الباحث السياسي عبد الرحمن الحاج، في حديث مع “العربي الجديد”، أن مجلس الإفتاء “يعكس توازنات بين الوسط الديني، وأغلبه صوفي، وتوجهات سلفية في قيادة هيئة تحرير الشام”، مشيراً إلى أن تشكيلة المجلس “تؤكد أن مرونة الهيئة على المستوى الأيديولوجي حقيقية”. وأضاف أن “التشكيلة يغلب عليها التوجه الديني العام وليس التوجه السلفي، ما يعني استرضاء الوسط الديني وتوسيع قاعدة الحكم الحالي، ولا سيما بعد ظهور مشاكل تعكس الصدام بين التوجه السلفي والصوفي التقليدي في المدن السورية”. واعتبر الحاج تعيين الرفاعي “يظهر كتصحيح للخطأ الذي ارتكبه نظام الأسد استرضاءً لإيران”، مضيفاً: “عودة منصب المفتي إلغاء لمفاعيل التأثير الإيراني في مؤسسات الدولة”. ورجّح الحاج ألا يلعب المجلس أدواراً سياسية في الوقت الحالي، مضيفاً: “لكنه مرشح لهذا الدور في الأزمات”.

إعادة تموضع لدار الإفتاء في سورية

وتعليقاً على تعيين الرفاعي مفتياً في سورية وتشكيل مجلس للإفتاء، اعتبر محمد خير موسى، وهو كاتب متخصص في قضايا التيارات والمدارس الفكرية الإسلامية، في حديث مع “العربي الجديد”، أن “إعادة منصب وموقع المفتي العام للجمهورية بعد إلغائه من النظام البائد تصحيح للمشهد وإعادة لتموضع مقام الإفتاء في بنية الدولة السورية”. واعتبر اختيار الرفاعي “موفقاً”. وحول التنوع في المشارب الفكرية والمدارس الشرعية لأعضاء المجلس الأعلى للإفتاء، رأى موسى أنه “تجسير الهوة وردم الفجوات وتوحيد الرؤى المشتركة” مضيفاً: “في المجلس تجتمع السلفية العلمية والسلفية الجهادية والسلفية الحركية والصوفية العلمية والصوفية الطرقية، والتخصص الأكاديمي، كما أنّ فيه تمثيل مدارس دمشق الفكرية المختلفة”.

العربي الجديد

———————————

الفسيفساء السورية/ فايز سارة

30 مارس 2025 م

تصاعدت على نحو واضح في الأشهر القليلة الماضية التصريحات والأحاديث والكتابات عن أقليات سوريا وأكثريتها. ولم يقتصر الأمر في تناوله على السوريين بما يمثلونه من رؤى واختلافات وخلافات؛ بل امتد إلى المحيطين الإقليمي والدولي، وأخذ أبعاداً سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية وعسكرية وأمنية؛ حيث قارب التحول إلى واحدة من القضايا التي لا تشغل بال السوريين فقط؛ بل والعالم، أو جزء كبير منه، لدرجة يمكن القول معها إنه سيكون واحداً من موضوعات ينشغل بها العالم، إذا سارت الأمور وفق السياق الحالي، وهو أمر يمكن ملاحظة مقدماته فيما شهدناه مؤخراً من اجتماعات وتصريحات لمسؤولي دول كبرى، بينهم الأميركيون والروس والأوروبيون وغيرهم.

ظاهرة الأقليات والأكثرية ليست ظاهرة سورية؛ إنما هي ظاهرة حاضرة في معظم دول العالم، إن لم نقل كلها. ففي كل واحدة من الدول ثمة أكثرية ما، ومقارنةً بها، فإن أقليات ما تشاركها في الفضاء السياسي والجغرافي؛ بل إن الأكثرية التي يشاع أنها تعبير عن أكثرية عددية ذات هوية دينية أو طائفية، تتشارك محيطها مع أقليات دينية وطائفية أخرى، وقد يذهب الأمر إلى أن الأكثرية في مشاركتها أقليات دينية وطائفية، قد تضيف إليها مشاركة أقليات قومية وعرقية.

ويعدُّ واقع الدول الكبرى -مثل الولايات المتحدة وروسيا وبريطانيا وفرنسا- نموذجاً لواقع التعدد القومي والعرقي، الديني والطائفي وغيرهما، وفي كل واحدة منها أكثرية قومية دينية، وإلى جانبها أقليات قومية عرقية ودينية طائفية أخرى، يكاد يكون من الصعب حصرها.

سوريا في أكثريتها وأقلياتها مثل غيرها من البلدان، رغم أنها أقل تنوعاً من واقع حال البلدان التي قدمناها، الأمر الذي يطرح السؤال عن سبب إثارة موضوع الأكثرية والأقليات في سوريا، وعدم تناوله في أمثلة البلدان الأخرى، التي وإن اختلفت طبيعة النظم الديمقراطية في الغربية منها، فإن طبيعة النظام الروسي تتضمن مشتركات عدة مع نظام الأسد المخلوع، والأمثلة حاضرة، وبين أبرزها التحالف الوثيق بين الطرفين في الحرب الدموية ضد السوريين، وخصوصاً في الفترة ما بين 2015 و2024 التي بلغ فيها التدخل الروسي العنيف أوجه.

السبب الجوهري في إثارة الموضوع سبب سياسي، يضم أطرافاً مختلفة، تمتد من إيران إلى خصومها، مثل تركيا وإسرائيل والبلدان الغربية، كما هي الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا. والأخيرتان -كما هو معروف- رسمتا حدود الكيان السوري الحالي بأكثريته وأقلياته في مباحثات أنتجت اتفاقية «سايكس بيكو» عام 1916، بين المملكة المتحدة وفرنسا بموافقة من روسيا وإيطاليا، تتصل بتقسيم الإمبراطورية العثمانية. وطوال قرن مضى من تاريخ سوريا، لم يتم تناول الأكثرية والأقليات في سوريا على نحو ما يحصل حالياً.

إن إثارة الموضوع لا تنطلق من منطلقات ومبادئ إنسانية؛ لأن الدول وسياساتها تقوم على مصالحها، ولا تقوم أساساً على المبادئ والمواقف الإنسانية، وإن كانت تتوافق معها في بعض الأحيان وفي بعض البلدان.

وظهرت مشكلة الأكثرية والأقليات مع وصول «البعث» إلى السلطة عام 1963، في إطار تحالف ضباط أقلَّويين، وتصاعدت وسط صراعات على السلطة، فاز فيها حافظ الأسد عام 1970؛ حيث أسس نظاماً أقلَّويّاً، تشدد فيه ابنه ووريثه بشار طوال نحو 14 عاماً مضت، خاض فيها حلفاؤه حرباً مدمرة على السوريين، أوقعت خسائر على كل مكونات الجماعة الوطنية.

وإذا كانت الخسائر أكثر في صفوف الأكثرية فهذا أمر طبيعي، لأسباب بينها العدد والانتشار، واعتمادها هدفاً مباشراً للنظام لتغذية الصراع الطائفي. فمدينة مثل حمص جرى تدمير القسم الأكبر منها بما فيه من تنوع أساسه مسلمون سنة ومسيحيون روم، باستثناء من عدَّهم النظام حاضنته، الموصوفة بـ«الأقلية العلوية». وفي التدخلات العسكرية التركية شمال سوريا، جرى تدمير قرى ومناطق كردية/ عربية قاسمها المشترك أنها إسلامية سُنية.

لقد سكتت أغلب الدول التي تثير موضوع الأكثرية والأقليات عن فصول المقتلة السورية، وتجاهلتها، وبدل السعي الجدي لوقف الحرب، فإنها نامت على فكرة أن نظام الأسد يحمي «الأقليات»، مما فاقم فاتورة الحرب في كل المستويات الإنسانية والمادية.

إن التعامل مع الموضوع استند إلى مصالح سياسية، هدفها تعزيز موقف وموقع كل طرف محلي أو خارجي في ثنايا الواقع السوري، وفي احتمالات تطوره، كما في مثال نظام الأسدين. وإذا كان لنا أن نتوقف عند نماذج من السياسات الخارجية، فإن الأخطر موقف إسرائيل الذي لا يستطيع أحد زعم أنها حريصة على أي أقليات سورية، وبالتالي فإن ما يطلقه المسؤولون فيها حول الأقليات هدفه السعي إلى ربطها بالسياسة الإسرائيلية، سواء ما يتعلق بعملية تصعيب خروج سوريا من ظروفها الراهنة، ومنع تطورها في ظروف طبيعية، أو بما يتصل بمستقبل الصراع العربي الإسرائيلي؛ خصوصاً أن ثمة أفكاراً وخططاً إسرائيلية حول تقسيم المنطقة ودولها، بما في ذلك سوريا، أبرزها خطة «عوديد ينون» التي طرحت بداية ثمانينات القرن الماضي.

وبين الأمثلة موقف تركيا التي ترى سوريا ومستقبلها القريب ينطلق بوصفها دولة محكومة بالإسلام السُّني، وهي تعارض بصورة طبيعية الاتجاه الراديكالي الذي تتبناه نخب سورية واسعة، جزء منها النخبة الكردية. وهي تعارض أي وجود قومي وسياسي كردي على الجانب السوري من الحدود المشتركة. ولئن انشغلت إيران بالموضوع، فإنها تتوقف عند الاهتمام بالمذهب، ليس لأسباب عقائدية؛ بل لأنه رأس سهم لعودة إيران إلى سوريا، أو ضغط لـ«تحسين» مكانة إيران في سوريا.

في خلاصة موضوع الأكثرية والأقليات وفق تجربة أكثر من خمسين عاماً، يمكن القول: إن سوريا منقسمة فعلاً إلى أكثرية يمثلها السوريون، وأقلية تشكل حلقة النظام البائد، تضم وجوهاً سلطوية من كل مكونات الجماعة الوطنية. وما الصراع والأصوات العالية التي تشهدها البلاد حالياً، إلا تعبيرات غير جوهرية، ولا مستقبل لها في قريب عاجل.

الشرق الأوسط

—————————–

«السلام الإسرائيلي» ليس الحل السحري لبلاد الشام/ إياد أبو شقرا

30 مارس 2025 م

بالأمس وقّع وزيرا الدفاع السوري واللبناني مرهف أبو قصرة وميشال منسّى، في جدة، اتفاقاً واعداً على طريق إنهاء الإشكالات الحدودية المزمنة بين لبنان وسوريا. والحقيقة، أنْ لا الحكم السوري الجديد ولا السلطة اللبنانية الحالية ساهم في تلك الإشكاليات الموروثة من ولادة الكيانين الحاليين السوري واللبناني إبان فترة الانتداب الفرنسي على أنقاض ولايات ومتصرّفيات عثمانية سابقة.

بعدها، حملت العقود توترات وتفاهمات بين حكام دمشق وبيروت، إلى أنْ نجح الأسد «الأب» – بموافقتين إقليمية ودولية – في فرض «هيمنة» دمشق على القرار اللبناني. وبالفعل، تحكّم جهاز الأمن السوري في لبنان منذ أواخر عقد السبعينات من القرن الماضي حتى خروج القوات السورية عام 2005، في أعقاب تصفية رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري.

اغتيال الحريري خلق حقائق جديدة على الأرض، منها قبول الأسد «الابن» بأن تتبادل دمشق السفراء مع بيروت، معترفةً باستقلال لبنان. غير أنَّ المسألة الحدودية ظلت معقدة وشائكة، شمالاً ووسطاً وجنوباً. ثم، ازدادت أهمية إبقاء الملف «معقّداً وشائكاً» مع تولّي إيران عبر «حزب الله» وراثة الهيمنة السورية على لبنان. فجنوباً، تحوّلت هويّة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا إلى «ذريعة» تبرّر احتفاظ «حزب الله» بالسلاح بصفته «مقاومة». وشمالاً، صارت بعض القرى الحدودية داخل محافظة حمص السورية مبرّراً أولياً لمشاركة «حزب الله» في قمع الانتفاضة السورية عام 2011.

اليوم، نجد أنَّ الكيانين السوري واللبناني، اللذين تشاركا في الماضي بتحديات وجودية مماثلة، يتشاركان حاضراً ومستقبلاً أخطاراً وجودية مماثلة. وفي عصر الهيمنة الإسرائيلية على ملفات الشرق الأوسط داخل عواصم القرار الدولي، تلوح حقاً نُذُر «سلام إسرائيلي» كارثي على كيانات «منطقة شرق المتوسط».

«السلام الإسرائيلي» هذا يبدو لكثيرين إعصاراً عاتياً، من السذاجة مواجهته، ولا سيما أن الإدارة الأميركية الحالية تعيش «تماهياً مطلقاً» مع حكومة بنيامين نتنياهو وغلاة اليمين الإسرائيلي.

لقد نجح هذا اليمين في توريط إيران بحرب أكبر منها، وهو الآن يحصد ثمار ما أنجزه في «ردّه» على عملية 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وهو بعدما «قزّم» إيران بدعم أميركي غير مسبوق، نراه يسرّع فرض هيمنته – المباشرة أو غير المباشرة – على «منطقة شرق المتوسط»، بكياناتها العربية الأربعة.

العناوين العريضة هنا «الترانسفير» الفلسطيني، وتحقيق المخطّط القديم بتقسيم المنطقة وتفتيتها دينياً وطائفياً وعرقياً في الكيانات الأخرى.

الاختراق الإسرائيلي حاصل منذ فترة في عدد من المكوّنات، لكنه الآن صار شبه معلن. ولقد نجح ضرب «حزب الله» في «تحرير» الأصوات المتخفّية والمزدوجة التبعية، داخل سوريا ولبنان، لتطالب بـ«حلّ إسرائيلي» لإشكاليات التعايش بين الغالبية والأقليات.

في سوريا، يمكننا تذكّر كلام رامي مخلوف عندما نبّه إسرائيل – مع بدايات الانتفاضة – إلى أن سقوط نظام دمشق لن يكون لصالحها. وكانت بعض الأحداث المؤلمة بحقّ مدنيين إبّان مطاردة فلول النظام السابق في الساحل قد خدمت من حاولوا صبّ الزيت على النار.

وأيضاً لا بد من الإشارة إلى كلام غير مسؤول صدر عن بعض القيادات الكردية الانفصالية، وسرعان ما صرفت النظر عن تكراره، قبل أن يبادر قائد «قسد» مظلوم عبدي إلى توقيع تفاهم مع الحكم السوري الجديد.

أما في الجنوب السوري، فإنَّ الاختراق يتخذ الآن أبعاداً خطيرة مع تعمّد استثمار إسرائيل بالموحّدين الدروز عبر التسليح والتمويل واجتذاب البعض داخل المؤسسة الدينية. وبالتوازي، تُخاض راهناً عبر مواقع التواصل والمنصات الإعلامية حربٌ ضارية ضد كل توجّه درزي يعارض «استنساخ» تجربة إسرائيل وتعميمها لجهة إعادتها تعريف الهويتين القومية والدينية لسكانها من الموحّدين الدروز.

الوضع في لبنان لا يختلف كثيراً. وكثير من الكلام الجذاب، الذي كان يتزيا تارة بـ«التغيير»، وطوراً بـ«الفيدرالية» – من دون أن ننسى «محاربة الفساد» – خلع عنه ثوب الحيطة، وظهر بكل نيّاته التقسيمية والتبعية المشبوهة.

لقد كانت منطقة شرق المتوسط، منذ زمن بعيد، جزءاً مما عُرف بـ«المسألة الشرقية»، والفوالق الزلزالية بين الأديان والطوائف والأعراق والدويلات. هذه حقيقة، ولكن الثابت الوحيد للتعامل الإيجابي معها… كان يقوم على إنقاذ الأقليات من الخوف، وإزالة الشعور بالغبن عند الغالبية.

وحتماً طالما استمر هاجسا الخوف والغبن، ضمن كيانات فئوية «قزمة»، قرارها خارجي، لن ترتاح المنطقة، بل ستنتقل بين استغلال وآخر وفتنة وأخرى.

في دول العالم المتحضّرة، توصّل أهل السياسة إلى صيَغ عدة تراعي مقتضى الحال، تتراوح بين «الفيدرالية» و«اللامركزية الإدارية».

البعض في بلداننا يرفضون «الفيدرالية» بحجة أنها ستفضي إلى التقسيم.

ربما!

قد يكون هذا صحيحاً في بعض المجتمعات العشائرية، لكنها نجحت في معظم دول العالم التي اعتمدتها من سويسرا وبلجيكا… إلى الهند والبرازيل.

لكن ماذا عن «اللامركزية الإدارية»؟

بالنسبة لشرق المتوسط، «اللامركزية الإدارية» هي النموذج الذي نصّ عليه «اتفاق الطائف» (1989) في لبنان… لكن هيمنة نظام دمشق رفضت تطبيقه، ربما خوفاً من نجاحه!

في اعتقادي، لا حلَّ سياسياً لمشكلات أيّ من كيانات شرق المتوسط إلا بـ«اللامركزية الإدارية» ضمن دولة واحدة سيدة ومستقلة، يتمتع أبناؤها – كل أبنائها – بالحقوق والواجبات وأسُس المواطنة ذاتها.

عندما يشعر المواطن بالعدالة والأمان، سيتعزّز عنده الولاء، ولن ينتهي كابوسا القهر والقهر المضاد أبداً عبر الاستقواء بالخارج.

—————————–

لماذا لا «نتضامن» مع «الآخر»؟/ حازم صاغية

30 مارس 2025 م

كتبت سيّدة تركيّة على حسابها الفيسبوكيّ مُعاتبةً «أصدقاءها السوريّين» لأنّها لم تتلقّ منهم «رسالة تضامن واحدة» في ظلّ الأوضاع المضطربة التي تمرّ بها تركيّا. وهي أنهت فقرتها بالقول إنّ «التضامن ليس عيباً»، بل «خيار أخلاقيّ وسياسيّ».

والسيّدة المذكورة يحقّ لها أن تعاتب. فهي قضت شطراً من حياتها معنيّة بنضال الشعب السوريّ ضدّ سلطة الأسد، ومشاركة في الدفاع عنه والسعي لتأمين ظروف أفضل لحياة اللاجئين السوريّين في بلدها.

وهذا الامتناع عن التضامن مع الآخر، الذي قد يكون صديقاً أو حليفاً، لا ينحصر في السوريّين. فهو ما قد يمارسه لبنانيّون أو عراقيّون أو مصريّون أو سواهم من الخاضعين لثقافة سياسيّة لا يحتلّ فيها التضامن مع الآخر موقعاً ملحوظاً. فنحن، بموجب الثقافة هذه، نُدعَم ويُتضامَن معنا لكنّنا نادراً ما نَدعم ونَتضامن.

والراهن أنّ النكبة الأخيرة منذ «طوفان الأقصى» تضاغف الإلحاح على دفع نقدنا الذاتيّ إلى محطّات أشدّ راديكاليّة، محطّاتٍ تتعدّى السطح السياسيّ إلى الصُلب الثقافيّ والاجتماعيّ الذي تقيم فيه أخلاقنا العميقة. ولا يؤتى بجديد حين يقال إنّ «الآخر» (الذي نُدعى إلى التضامن معه) قليل الحضور، إن لم يكن عديمه، في الصُلب هذا.

ففي ثقافتنا المعاصرة نفتقر إلى مَن يماثل بعض أكثر المثقّفين الأوروبيّين رهافةً ممّن انشغلوا بمسألة «الآخر» وبتفكيرها. يكفي التذكير بأسماء قليلة علّها تلخّص وجهة عريضة يستحيل إحصاء رموزها.

فإيمانويل لِفيناس مثلاً بنى انشغاله بـ»الآخر» على ما اعتبره انطلاق فلاسفةٍ ومفكّرين غربيّين من «الذات» لفهم العالم. فهذا، بحسبه، ما قاد إلى معاملة الآخرين كما لو أنّهم مجرّد انعكاس لتلك الذات، ما يفضي إلى حروب وإبادات واستعباد. وذهبت هنه أرنت إلى وجود علاقة حميمة بين التوتاليتاريّة والعيش في الوحدة (loneliness)، إذ التفكير يستدعي استحضار العالم فيه بينما يرادف الشرُّ عدم التفكير مع الآخرين، وبالآخرين. أمّا «العمليّة التمدينيّة»، عند نوربرت ألَياس، فنتاج تداخُل (interdependence) يسيطر بموجبه الأفراد والجماعات على دوافعهم المتطرّفة وردود فعلهم. وهذا ما نشأ مع حياة البَلاطات المَلَكيّة ومَرْكزة الدول واحتكارها العنف، قبل أن يتطلّبه اقتصاد متشعّب ومعقّد يتشارك الجميع فيه، فينتقلون من المونولوغ الاجتماعيّ إلى الديالوغ.

ولئن كان الثلاثة المذكورون وسواهم قد تأثّروا عميقاً بالمحرقة النازيّة والمظلوميّة التي انجرّت عنها، فقد توصّلوا، كلٌّ بطريقته، إلى نتائج تخالف الخلاصات القوميّة التي طوّرتها الصهيونيّة. فالأخيرة راهنت على رفع المحرقة إلى مصاف الديانة والتعويض عنها بالمطالبة بالأكثر، فيما الثلاثة، وهم يهود، انطلقوا منها إلى تعميم مواقف أخلاقيّة جامعة، وإلى تطوير روايات للتاريخ الإنسانيّ تساهم في محاصرة العنف والجريمة.

فالانهماك بالآخر ينطوي تعريفاً على الإقرار بوجوده ممّا يسبق التضامن معه. وغالباً ما يُذكر، تبريراً لعدم الانهماك والإقرار والتضامن، نفيُ مظلوميّة الآخر، ونفيه هو نفسه أحياناً، وتالياً احتكار المظلوميّة الذي يختبىء فيه احتكار الحضور المرئيّ. والحال أنّ احتكاراً كهذا ذو طبيعة تنكمش تصاعديّاً: فمن يبدأ بأنّه وحده المظلوم بين الأمم ينتهي إلى أنّه الوحيد المظلوم بين طوائف أمّته، ومن ينطلق من أنّه وحده المظلوم بين الأديان ينتهي إلى أنّه وحده المظلوم بين طوائف دينه.

بيد أنّ التنويه بالاحتكار لا ينوب عن ذكر بعض المحطّات الصانعة له، بل يؤكّد الحاجة إليه.

فهناك الرواية القوميّة التأسيسيّة التي نسبت إلى الأتراك والمسلمين غير العرب الظلم و»الانحطاط». ولئن ارتكبت قوميّات كثيرة تنميطاً مشابهاً، ووصمت أعداءها بعيوب جوهريّة، فإنّ روايتنا القوميّة للتاريخ سادت الزمن كلّه واستمرّت تسوده عبر الرواية الإسلاميّة الأصوليّة للذات والعالم. هكذا غُيّرت الأسماء والعناوين وأوصاف الذات بدون أن يتغيّر المضمون الضدّيّ للعلاقة بالآخر. وبالمعنى هذا قُدّمنا بوصفنا محاطين بالأعداء، الآن وفي كلّ أوان، بينما وفّرت لنا إسرائيل فرصة التلذّذ بأنّ أبرز هؤلاء الأعداء كيان «مزعوم».

وتولّت الإيديولوجيّات النضاليّة التي تعاقبت على المنطقة تثبيت الآخر على هيئة عدوّ قد يكون بورجوازيّاً أو إمبرياليّاً أو صهيونيّاً، أو مالكاً لكلّ تلك الصفات الرديئة. وكان لانتصاب هذه العيوب كلّها في مواجهتنا أن عزّز فينا الميل إلى المساجلات التشهيريّة التي لا تكتفي بتوكيد العداوة بل تقطع كلّ طريق مستقبليّ على الصداقة.

وكان ما واكب الميل هذا أنّ النساء، بوصفهنّ «الآخرَ» للذكور، عوملن كملحقات بالذكور، تماماً كما أنّ الآخر الدينيّ والطائفيّ والإثنيّ امتداد لا يُعتدّ به لمركزيّة الرجل العربيّ، بينما النُخب الثقافيّة حرس حدود للشعب والأمّة.

فنحن، بالتالي، نعيش في وحدة، بالمعنى الأرنتيّ، وحدةٍ يترادف فيها الانفصال عن الآخر والانفصال عن العالم. فالأخير، حولنا، قد يتغيّر بينما نحتفظ بسياسات وشعارات لا تعبأ بتغيّره. هكذا مثلاً، وكما نرى في الحرب الراهنة، يتّسع التخلّف التقنيّ نوعيّاً، ويتّضح أنّ الشعوب العربيّة لن تحارب، ويتكشّف أنّ من يحارب ليس له داعم قويّ في العالم، لكنّ الدعوة إلى القتال… تتواصل.

الشرق الأوسط

—————————–

هل حسم ترامب أمره تجاه الإدارة السورية الجديدة؟/ عمر كوش

31/3/2025

يبدو أنّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تحسم بعدُ موقفها من التغيير الحاصل في سوريا بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأوّل الماضي، حيث لم تواصل سياسة الانفتاح على الإدارة الجديدة في سوريا، التي بدأتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن، وجسدتها في خطوات عديدة.

حيث كان لافتًا مسارعة الولايات المتحدة إلى التعبير عن ارتياحها لسقوط نظام الأسد البائد، ثم رحب الرئيس الأميركي – في وقتها – جو بايدن بسقوط هذا النظام، وأصدر بعده وزير الخارجية الأميركي السابق بيانًا أعاد فيه تأكيد الولايات المتحدة على دعمها الكامل لعملية انتقال السلطة السياسية بقيادة سورية جديدة.

وأورد شروطًا تحدد طريقة تعامل بلاده مع الإدارة السورية الجديدة، والتي لخصها في احترام حقوق الأقليات، وتسهيل تدفُّق المساعدات الإنسانية إلى كافة المحتاجين، ومنع استخدام سوريا قاعدة للإرهاب أو محطّ تهديد لجيرانها، وضمان تأمين كافة مخزونات الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وتدميرها بشكل آمن.

وفي سياق دعم التغيير الحاصل في سوريا، طلبت الخارجية الأميركية من كافة الدول الامتناع عن التدخل الخارجي في شؤون سوريا، وأبدت استعداد واشنطن “لتوفير كامل الدعم المناسب لكافة المجتمعات والدوائر الانتخابية السورية المختلفة”.

ثم أوفدت إدارة بايدن مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، باربرا ليف، والتقت مع أحمد الشرع في 20 ديسمبر/ كانون الأول 2024، وتزامن ذلك مع إلغاء واشنطن مكافأة القبض على الشرع، التي كانت تقدر بعشرة ملايين دولار، بعد تأكيدها أنه بدا في صورة “رجل عملي”.

ثم اتخذت واشنطن مجموعة من الإجراءات والاستثناءات حول العقوبات المفروضة على سوريا، كان أولها وأبرزها قرار وزارة الخزانة الأميركية في السادس من يناير/ كانون الثاني الماضي، القاضي برفع جزئيّ عن العقوبات المفروضة على سوريا لمدة ستة أشهر، وذلك “للمساعدة في ضمان عدم عرقلة العقوبات للخدمات الأساسية واستمرارية وظائف الحكم في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك توفير الكهرباء والطاقة والمياه والصرف الصحي”.

لم تتخذ الإدارة الأميركية السابقة جملة هذه المواقف جزافًا، بل لأن سقوط نظام الأسد البائد حقق لها رغبة كانت تسعى إليها جاهدة، وهي تحجيم نفوذ النظام الإيراني في سوريا، حيث إن إسقاط الأسد، قضى على النفوذ الإيراني كليًا في سوريا، وقطع شريان التواصل ما بين طهران والضاحية الجنوبية في بيروت، ولم تعد سوريا ممرًا للأسلحة الإيرانية إلى حزب الله الإيراني، لذلك من الطبيعي أن تنفتح الولايات المتحدة على الإدارة السورية الجديدة.

بالمقابل، ظهرت مؤشرات متضاربة حول موقف الإدارة الأميركية من الإدارة الجديدة في سوريا، فهناك شخصيات قيادية في الكونغرس الأميركي، ومن الحزبين؛ الجمهوري والديمقراطي، تطالب بتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، لا سيما العقوبات القطاعية.

فيما أظهر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو موقفًا متشددًا، حين تحدث عن أن “السلطة أصبحت متركّزة بيد شخص واحد، وهذا غير صحي”، وأكد أن الولايات المتحدة تراقب الوضع في سوريا، ولن تعمل على رفع العقوبات قريبًا.

ثم أعلن في بيان أصدره عن تنديد “الولايات المتحدة بإرهابيين إسلاميين متطرفين، من بينهم متشددون أجانب، قتلوا أشخاصًا في غرب سوريا”، وطالب السلطات المؤقتة في سوريا بمحاسبة مرتكبي المجازر ضد المجتمعات الأقلية في سوريا.

وفي نفس السياق، ذهبت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية تامي بروس، إلى أن واشنطن ما تزال تراقب تصرفات السلطات الجديدة، والخطوات التي تتخذها، وأنها ستحدد سياستها المستقبلية بناء على ما ستقوم به السلطات المؤقتة من خطوات في عدد من القضايا، وتُواصل في نفس الوقت دعوتها إلى حكومة شاملة بقيادة مدنية في سوريا.

أما مبعوث الرئيس ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، فقد ربط الموقف الأميركي مع التطبيع الإسرائيلي مع كل لبنان وسوريا. وهو ربط لافت وخطير، كونه يعبر عن كنه السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، التي تأخذ أولًا وقبل أي شيء مصالح إسرائيل وأمن إسرائيل، كما يشي بأن هاجس أمن إسرائيل يشكل أولوية بالنسبة إلى إدارة ترامب، وأنه من الممكن لهذه الإدارة أن تساوم السلطات السورية المؤقتة في مقايضة، تقوم على التطبيع مع إسرائيل، وعقد اتفاقية سلام مذلة معها، مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة على سوريا.

لذلك ليس صدفة أن يتحدث ويتكوف عن ضرورة ضمان أمن إسرائيل، لأنه يعكس ما تريده بالفعل الولايات المتحدة من السلطات السورية الجديدة بعيدًا عن الشروط المعلنة، والادعاءات المستخدمة لتغطية أهدافها الحقيقية، فالأمر يتعلق بتقديم ضمانات لأمن إسرائيل أولًا وقبل كل شيء، وبما يفضي إلى تجريد سوريا من ممكنات تحوّلها إلى قوة عسكرية مستقبلًا، وهو ما تقوم به إسرائيل عبر عملياتها العسكرية العدوانية، التي لم تتوقف منذ سقوط نظام الأسد البائد، سواء عبر عمليات قصف المواقع والأصول العسكرية للجيش السوري السابق، أو عبر التوغلات المستمرّة واحتلال المنطقة العازلة.

اللافت هو أنَّ الاتفاق الذي وقع مؤخرًا بين الرئيس أحمد الشرع ورئيس قوات سوريا الديمقراطية (قسَد) مظلوم عبدي، تمّ بوساطة أميركية شبه علنية، حيث لعب قادة عسكريون أميركيون دورًا هامًا في دفع عبدي للقبول بإدماج كافة المؤسسات العسكرية والمدنية في مناطق شرقي الفرات ضمن الجسد السوري، بما فيها المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز.

وهو الأمر الذي يعكس وجود تيار في الإدارة الأميركية يدفع باتجاه وحدة الأرض السورية وسيادة الدولة السورية الجديدة على كامل أراضيها، وبما يدعم وحدتها واستقرارها، ويمنح الولايات المتحدة دورًا في تشكيل مستقبلها، في ظل تواتر الحديث عن استعدادات الإدارة الأميركية لسحب قوات بلادها من سوريا.

وبالتالي ترى هذه الإدارة أن أي لعب باستقرار سوريا الجديدة في الوقت الراهن يحمل معه إمكانية عودة النفوذ الإيراني بشكل أو بآخر، وهو ما يعمل على تجنّبه صنّاع القرار في واشنطن، الذين باتوا يتبنون سياسة تدعم ذلك، مقرونة بشروط عديدة لتوجيه عملية الانتقال في سوريا، بشكل يفترق عن سلوك النظام البائد، القائم على القمع ومركزة السلطة، وتسهم في إشراك مختلف المكوّنات الاجتماعية السورية في العملية السياسية الانتقالية.

السؤال الأكبر بالنسبة إلى السوريين، هو استمرار العقوبات الأميركية على سوريا، التي تعيق كلّ الجهود الرامية إلى تحسين الأوضاع المعيشية للشعب السوري، وتعيق جهود التعافي المبكّر، فضلًا عن إعاقتها تدفق الاستثمارات اللازمة من أجل الشروع في إعادة إعمار ما هدمه نظام الأسد البائد.

ويبدو أنّ البيت الأبيض قد يمضي نحو انفتاح أوسع في العلاقة مع السلطات السورية الانتقالية، ويُفترض أن يشمل ذلك تخفيفًا تدريجيًا للعقوبات الأميركية، لكن الشروط الأميركية المعلنة لرفع العقوبات تشمل تدمير أي مخزونات متبقية من الأسلحة الكيماوية، والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وعدم تعيين مقاتلين أجانب في مواقع عسكرية قيادية، وذلك في ضوء تعيينات سابقة أثارت قلقًا دوليًا، وشملت مقاتلين إيغورًا وأردنيين وأتراكًا في وزارة الدفاع السورية، إضافة إلى تعيين جهة اتصال سورية لمساعدة الولايات المتحدة في جهودها للعثور على الصحفي الأميركي أوستن تايس، المفقود في سوريا منذ أكثر من عقد من الزمن.

المشكلة ليست في الشروط الأميركية المعلنة، وحتى الأوروبية، بل في ممكنات استخدامها كوسيلة ابتزاز للسلطة الجديدة، وليس للتأثير فقط على سير العملية الانتقالية.

وبالتالي فإن ذلك يزيد حجم التحديات التي تواجهها، خاصة أن الإدارة السورية الجديدة، بالرغم من أنها أرسلت العديد من الإشارات الإيجابية، المطمئنة للداخل السوري وللخارج أيضًا، وقدمت صورة تبتعد عن نماذج الحكم الإسلامية المتشددة، فإن ثمة أخطاء ترتكب، حيث ما تزال أغلب مؤسسات الدولة الناشئة تمتلئ إداراتها بلون واحد، وأسهمت أحداث الساحل والانتهاكات في زيادة الارتباك، وفقدان الثقة بين مختلف المكونات الدينية والمذهبية السورية.

كما أن الإعلان الدستوري منح صلاحيات مطلقة للرئيس، وقوبل ذلك بانتقادات داخلية وخارجية واسعة، وبالتالي، فإن المطلوب سوريًا هو تحصين الوضع الداخلي.

لا شك في أن المواقف الأميركية حيال سوريا الجديدة تتصل بالمواقف الإقليمية والدولية، وخاصة المواقف الأوروبية والتفاهمات الأميركية الروسية، خاصة أن سوريا حاضرة بقوة في الاتصالات الأميركية الروسية، التي جرت مؤخرًا.

ولعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعرّف على النهج الذي من المتوقع أن تبلوره إدارة الرئيس ترامب قريبًا بخصوص سوريا، وربما بناء عليه بعث برسالته إلى الرئيس السوري أحمد الشرع في 20 مارس/ آذار الجاري، وأبدى فيها استعداده لانفتاح أكبر على السلطات السورية الجديدة، بما يتوافق مع الرؤية الأميركية الروسية المشتركة.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

كاتب وباحث سوري

الجزيرة

—————————

الرسائل السورية المطلوبة عربيا/ نبيل فهمي

الاستقرار وإعادة الإعمار وعدم التدخل في شؤون الغير

الاثنين 31 مارس 2025

أتفق مع رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع في أن الأوضاع والتحديات في سوريا متعددة ومتشعبة وتتطلب عملاً دؤوباً ومعالجة جوهرية تحقيقاً لمسارات تجمع السوريين بدلاً من أن تفرق بينهم، كما أقر بغياب الحلول السهلة أو السريعة في ضوء طبيعة الخريطة السياسية والاجتماعية السورية والإرث الثقيل من الممارسات القاسية وغير المشروعة.

في مقال سابق حذرت من خطايا المشهد السوري، مشدداً على أهمية التفاف الطوائف السورية تحت راية المواطنة، على رغم الحساسيات والمشكلات والشجون المتراكمة، وداعياً إلى تواصل عربي مع سوريا من منطلق الهوية المشتركة، مع تقدير كامل لجدية التساؤلات حول التوجهات السياسية للقيادات السورية الجديدة، وأهمية وجود مصارحة كاملة لمصلحة الجميع.

وشهدت الفترة الأخيرة بالفعل تواصلاً كبيراً مع الساحة السورية من عديد من الأطراف الغربية، من ضمنها زيارات لوزيري خارجية فرنسا وألمانيا إلى دمشق، فضلاً عن تواصل عربي متعدد ومتنوع بين مسؤولين سوريين ونظرائهم العرب في السعودية والإمارات والعراق والأردن ومصر، وحضور اجتماعات مع مسؤولي دول الجوار، فضلاً عن حضور الرئيس الشرع القمة العربية الاستثنائية بالقاهرة، ولكل تواصل من حيث الشكل والمضمون المعلن دلالاته، وعلى رغم ضرورة معرفة المضمون غير المعلن للاتصالات قبل التقييم الدقيق للأوضاع لعله من الصواب التقدير أنها تعكس تطلعاً عاماً للاطمئنان على سوريا، وعلى التوجهات المستقبلية للبلاد وانعكاس ذلك على الآخرين.

ويلاحظ أن تصريحات وأحاديث الشرع منذ البداية عكست اهتماماً كبيراً بمخاطبة العالم الغربي، إذ أكد رغبته في التواصل مع العالم، وأن الأوضاع في سوريا وتحدياتها الجسيمة تحظى بأولوية على أي صراعات إقليمية، والمقصود هنا أن التصادم مع إسرائيل ليس على أجندته.

سوريا دولة عربية عريقة ومتعددة الطوائف الممتدة عبر حدودها، والأحداث والأوضاع فيها لها انعكاسات مباشرة إيجابية وسلبية على الدول المجاورة لها، عربية وغير عربية، وعلى سبيل المثال وليس الحصر وضع الأكراد في سوريا والحساسيات التركية، ويؤثر ذلك أيضاً في الأمن القومي العربي بمفهومه الإقليمي، وإذا انحازت سوريا نحو أطراف غير عربية يخل ذلك بالتوازن الإقليمي لغير صالح العرب، وبعد سوريا أول الخاسرين هنا الشعب الفلسطيني اللاجئ والباسل تحت الاحتلال الإسرائيلي، ومن بعدهما الأردن ولبنان المجاوران.

وإذا ظلت سوريا مضطربة متنازعة بين طوائفها امتد ذلك إلى عديد من دول الجوار، بخاصة العراق، ومنه ومن غيره إلى الخليج، وإذا تفتت الهوية السورية وانقسمت إلى هويات طائفية مع بزوغ تشكيل المشرق والخليج ينتفي المفهوم السياسي للعالم العربي، بكل تداعيات ذلك من وسط آسيا عبر شمال أفريقيا.

أردنا أو أبينا الوضع السوري يجب أن يحسمه السوريون أساساً بما يتماشى مع تطلعاتهم وتصوراتهم، والمسألة ليست في تفضيل نظام الأسد أو بديل “هيئة تحرير الشام” وأعوانها، وإنما في الاستجابة لمتطلبات الشعب السوري في بناء سوريا الأفضل لكل السوريين، مع يقين وتقدير أن خطورة وحساسية الموقف تفرضان علينا عربياً المصارحة الكاملة في مناقشاتنا حواراتنا مع السلطات السورية.

ومع احترامي والتزامي الكامل بحق كل دولة بتحديد نظامها وتوجهاتها السياسية، من دون تدخل من أحد، ما دام لا يمس ذلك الأمن القومي للآخرين، هناك عديد من النقاط التفصيلية والأسئلة المهمة واجبة البحث والتدقيق في هذا السياق، من أجل خلق زخم سياسي عربي سوري مشترك، وعلاقات سوريا الإقليمية، وبخاصة العربية، هي الأهم والأخطر عن علاقاتها بدول العالم الغربي أو غيره.

وتفرض علينا المصارحة الصادقة مطالبة النظام السوري بمخاطبة العالم العربي وتوضيح المواقف من جوانب مختلفة، يمكن إيجازها ووضعها تحت عناوين محددة ومباشرة، ألا وهي:

هل النظام السوري يؤمن بالدولة الوطنية المستقلة عموداً للنظام الإقليمي العربي؟ أم ينطلق من أن الهوية الطائفية ومفهوم الأمة تجب اعتبارات السيادة والحدود؟

وهو سؤال جاد ومفصلي لعديد من الدول العربية في المنطقة، بخاصة أن غالب القيادات السياسية السورية الجديدة لها رصيد سياسي محدد، ويتجاوز الأراضي السورية، وخطوة أولى ومبدئية في هذا السبيل قد تكون مخاطبة جامعة الدول العربية لتأكيد التزامها.

وهل يلتزم النظام السوري الجديد عدم التدخل في الشؤون الداخلية لجيرانه، وعلى رأسهم العرب، بصرف النظر عن التركيبة الطائفية، ويراعي عدم المساس بمصالح تلك الدول وإثارة حساسيتها؟ ومن أسباب هذا السؤال لقاءات وقرارات تمت مع عدد من الشخصيات المحكوم عليها جنائياً، فضلاً عن تجنيس الأجانب وتوليهم مناصب حساسة.

وهنا قد يكون مفيداً أن يبادر النظام السوري بتوجيه رسائل إلى الدول المجاورة له وغيرها يؤكد فيها عدم التدخل في شؤون الغير واحترام وحدة أراضيه، مع الاتفاق على ترتيبات حدودية توفر الأمن والأمان.

وهل لا يزال التوجه السياسي للقيادات الجديدة هو الفيصل الحاسم في معالجتهم السياسية؟ أم هم جادون وقادرون على لمِّ الشمل سياسياً توافقياً، بخاصة أن معظمهم انتسب مسبقاً لتيارات سياسية استخدمت العنف ولها توجهات سياسية محددة؟

وشهدت سوريا أخيراً صدامات حادة مع طوائف وأقليات غير مرتبطة بالقيادات الجديدة وضحايا تردد أنهم تجاوزوا الألف، وهي أمور يجب أن تنتهي سريعاً ويتجنب تكرارها، وعلى رغم بوادر التقدم الأولية المتصلة بترتيبات الحوار الوطني، لعله من المفيد إصدار إعلان من القيادات السورية بأن عملية إعادة بناء المؤسسات السورية ووضع دستورها وقوانينها ستتم مع التزام كامل بالقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ولعل استكمال آليات ومناقشات المؤتمر الجامع لأطياف سوريا قريباً ومن بعده تشكيل وزارة انتقالية موقتة خلال الربيع ستوفر فرصاً مُواتية للرد ولو جزئياً على هذا السؤال المهم، علماً أن المطلوب هنا ليس مجرد وجود تمثيل شكلي للطوائف المختلفة في مناصب فنية، وإنما تأمين دور أو صوت سياسي لهم، ومما يتحقق جزئياً بتوليهم مناصب عُليا في الوزارات السيادية والأجهزة الأمنية، وكذلك في هيئة مكتب المؤتمر الجامع وأي لجنة تشكل لإعداد الدستور.

وأتفق مع رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع في أن الأوضاع والتحديات في سوريا متعددة ومتشعبة وتتطلب عملاً دؤوباً ومعالجة جوهرية تحقيقاً لمسارات تجمع السوريين بدلاً من أن تفرق بينهم، كما أقر بغياب الحلول السهلة أو السريعة في ضوء طبيعة الخريطة السياسية والاجتماعية السورية والإرث الثقيل من الممارسات القاسية وغير المشروعة، وإنما أرى أن عليه إعطاء مزيد من الاهتمام برسالته العربية واتخاذ بعض الخطوات الأولية والعاجلة التي تعكس الجدية والتوجه الوسطي الوطني داخلياً وإقليمياً.

وأتذكر لقاءً طيباً لي أخيراً مع شخصية عراقية طيبة، سماحة السيد عمار الحكيم، والذي نوَّه إلى تحديات الاستقرار وتباين بعض الأولويات حتى فيما بين التجمع الذي أقال الأسد، والذي من واقع التجربة العراقية شدد على أفضلية استيعاب التوجهات الوطنية المتعددة مع مختلف توجهاتها أو الأولويات مع استبعاد استخدام العنف كلما أمكن تجنباً للاستقطاب ليطمئن الشعب السوري على إعادة بناء سوريا العربية لكل السوريين، ولتطمئن دول الجوار على مصالحها وأمنها.

 وزير الخارجية المصري السابق

 اندبندت عربية

————————–

حرية التعبير في سوريا الجديدة/ حسام جزماتي

2025.03.31

من البديهي أن قطاعاً واسعاً من السوريين عمل على إسقاط نظام الأسد لتتاح له، من ضمن أشياء أخرى، حرية التعبير العام بعد عقود من القمع. وقد حملت الأشهر المنصرمة منذ حدوث ذلك معالم وفرصاً للقول لا تقارن بما سبقها بطبيعة الحال، وإن كان من الهام السؤال هنا إن كان ذلك قد حصل بسبب اضطراب الأحوال نتيجة الانهيار المفاجئ للنظام أم أنه أتى ضمن رؤية تحترم الحريات العامة وتتيح لها مجالات التعبير عن نفسها بأشكال مختلفة.

تواتر عن السلطة الجديدة عدم ارتياحها للجماعات السياسية ورغبتها في استقبال الناس بوصفهم وفوداً تمثل مناطق أو مجموعات أهلية. ورؤيتها أن تشكيل الأحزاب، أو إحياءها، أمر سابق لأوانه. وهو من جملة الأمور المؤجلة إلى بعد استقرار الوضع الأمني والخدمي والحوكمي والاقتصادي. ومن جهتهم لا يبدو عموم السكان متبرمين من هذه الترسيمة؛ فذكرياتهم عن الأحزاب صنعتها رؤيتهم للدور الوظيفي الذي لعبه البعث، وسواه من أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، في إسناد السلطة وتقديم الغطاء السياسي والأيديولوجي لتغولها على البلاد. أما الأحزاب المعارضة فقد ظلت، في أذهان أكثرية ساحقة من السكان، مجرد أشباح تراوح بين دخول السجن وبين عمل سري مبهم. وحتى عندما أتيحت لهذه الكتل إمكانية محتملة للتأثير بعد اندلاع الثورة باضطلاعها بدور تأسيس المؤسسات المعارضة في الخارج، لم يكن الانطباع النهائي الإجمالي الذي تركته هذه التيارات إيجابياً، حتى في حالة جماعة كان يُنظر إليها على أنها الأكبر عدداً والأفضل تنظيماً والأكثر قابلية للتمدد في شارع ظُن أنه محجوز سلفاً، ونعني الإخوان المسلمين.

غير أنه لا يشترط أن تمر حرية التعبير السياسي بالأحزاب فوراً في مجتمعات تعاني هذا التأخر في التسييس. ففي الوقت نفسه الذي ينظر فيه معظم السوريين بتشكك إلى التجربة الحزبية فإنهم يبدون شديدي الاعتداد بالتعبير الفردي عن آرائهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما الفيسبوك الذي أصابه فرط في النشاط في الآونة الأخيرة وصار، بحق، مدونة المجال العام.

لكن هذه الساحة تشهد، كما هو ملحوظ للجميع، عيوباً أساسية كبرى. فإذا كانت خيارات العمل المشترك بعيدة عن الواقع فبالتأكيد لا يبدو أن التذرر بديل صحي. إذ تنتشر الصفحات الفردية، للمؤثرين وسواهم، ويتراجع دور المجموعات. وحتى في حال إنشاء هذه الأخيرة، خاصة على تطبيقات أخرى مثل الواتساب، فإن دورها لا يزيد على كونها منصة لتعارض الفرديات وتوالي الخلافات والانشقاقات والانسحابات والترضيات والعودة.

ومن جهة أخرى فإن أنصار السلطة الحالية، وهم الأكثر عدداً بوجه عام، لا يبدون ميلاً إلى الدخول في نقاش مع الآخرين بقدر ما يمارسون سلسلة متشابهة من السلوك الذي يتراوح بين الدعاية وإسكات صوت المخالف باستخدام كليشيهات ساخرة سهلة صارت معروفة.

وعلى الرغم من ذلك فإن لهذه الصدامات، المسلحة بعنف لفظي، فائدة الانفتاح وانفجار القيح الذي كانت تختزنه كثير من الجراح والبثور، ويحول دون اندلاعه انقسام البلاد، في السابق، إلى مناطق سيطرة جغرافية يحلّق فوق كل منها جوه الافتراضي الخاص. فقد نسي كثير من سكان الشمال السوري، أي المناطق المحررة السابقة، وجود غيرهم في البلاد. ولم يعودوا يرون الآخر إلا عبر أخبار متناثرة بعيدة، أو من خلال الطيار الذي يرمي والضابط الذي يأمر بالقصف. ومن المفيد الآن أن يتعرضوا لصدمة إيجابية تتمثل في وجود ملايين من المختلفين عنهم ومعهم، لن ينفع حصرهم في أوصاف الأقليات أو المكوّعين أو الرماديين أو مفضّلي السلامة. ففي النهاية لا يمكن إغفال هؤلاء، جميعاً، عند نقاش مستقبل البلاد، مهما بلغت السطوة الحالية المؤقتة لعبارة «من يحرر يقرر» الشهيرة.

وبالتأكيد من الضروري للخارجين من مستنقع مناطق سيطرة بشار الأسد، الذين سقط فضاؤه السياسي والرمزي والأمني والإعلامي عنهم على حين غرّة، أن يعرفوا أن إخوانهم القادمين من الشمال أبناء مآسي كبرى كان يجري التغافل عنها وتجاهل ما كانت تُراكمه في النفوس من قهر يجد تفريغه الآن في هذه التعبيرات عن السطوة والاستئثار والهيمنة.

لا تنشأ الديمقراطية بقرار، كما هو معروف، بل ببساطة وقسوة من شعور الأفراد والجماعات بأنهم لن يستطيعوا إبادة المختلف ولا تهميشه طويلاً، وأنهم مضطرون إلى سماع وجهة نظره المدعومة بقوى بشرية كبيرة وبعين دولية تؤكد يومياً على شرط حصول الضحايا السابقين على العدالة والامتناع عن إيقاع ضحايا جدد من كل الأطراف.

ومن هنا يمكن استخلاص قدر من التفاؤل من السجالات الراهنة، بأمل أن حجج الخصم، أياً كان، ستتسرب مرة بعد مرة إلى المجادِل مهما بدا مصمتاً وعنيداً. وأن عدوانيته اللفظي العنيف ستقوده، طالما أنها لم تتحول إلى دم، إلى خيار إلزامي من التعايش السلمي حتى مع من يكرههم بشدة.

هذه ليست حالة مثلى بالطبع، لكنها مقدمة تبدو معقولة لنزولنا عن ذروة خطاب الكراهية الذي وصلنا إليه خلال السنوات الماضية، مبنياً على ضغائن عتيقة، طائفية وقومية ومناطقية، وكانت تتنامى منذ وصول البعث إلى السلطة، ثم تمكن آل الأسد منها، فالثورة عليهم.

وأثناء انبناء هذا المسار الديمقراطي الإلزامي سيجد الأفراد في أنفسهم الحاجة إلى الاجتماع على توافقات تشكّل الأحزاب، بعد أن تتبين وظيفتها السياسية التي دفعت الإنسان الحديث إلى إيجادها أصلاً، بعد زمن بدت فيه هذه البنى، لمجتمعات شديدة التقليدية، شعارات وهياكل دولتية لا تختلف كثيراً عن شعبة الأمن السياسي أو الرابطة الفلاحية!

تلفزيون سوريا

————————–

المواطنة المتساوية”.. الركيزة الأهم لقيام الدولة الحديثة/ بسام يوسف

2025.03.31

لا يمكنك عندما تتحدث عن المعايير الأساسية للدولة أن تنظر بعين الموالاة أو المعارضة، أو أن تخضع الأمر لتصنيف ما من تصنيفات المجتمع، فالدولة بتعريف مبسط ومكثف هي مجموعة مؤسسات تقوم بتنظيم أشكال الحياة في المجتمع من خلال نواظم عامة، وقوانين وضوابط، توضع لتصون وتطور الحياة الاجتماعية والاقتصادية والحالة المعيشية للمواطنين كلهم، وعندما يختل ميزان المواطنة المتساوية في أي دولة تفقد شرعيتها، ويسقط عنها مفهوم الدولة.

لماذا يتم اعتبار المواطنة المتساوية شرطاً لازماً للدولة الحديثة، رغم أن هناك دول كثيرة تفتقر لهذا المعيار، مردّ هذا التناقض خصوصاً في المجتمعات المحكومة بالاستبداد (مهما تكن مرجعيته) إلى اختزال الدولة بالسلطة، أو ما يمكن تسميته بالدولة التسلطية، التي تزيح غالباً الولاء لفكرة الوطنية الجامعة لصالح ولاءات فرعية، الأمر الذي يمنع بناء الدولة بوصفها نظاماً سياسياً، ويحولها إلى أداة لتكريس السلطة، ومن المنطقي في هذه الحالة أن تعيق الدولة التسلطية عملية الاندماج الوطني، وأن تعلي هويات ما قبل الدولة على حساب الهوية الوطنية الجامعة، وهنا أيضاً سيكون من المنطقي أن تشهد الدولة الاستبدادية التي تقوم على كيانات ما قبل الدولة أزمات مستمرة تأتي بوتائر متسارعة، فتتفكك، وتصبح بؤرة لانطلاق موجات لجوء متتالية.

غالباً ما يتم الاستشهاد “بالدولة العربية الإسلامية” واعتبارها نموذجاً يمكن اعتماده للدولة المشتهاة لدى شريحة واسعة، لكن التحليل المتعمق لهذه الدولة منذ المرحلة الأموية وحتى المرحلة العثمانية سيقودنا إلى أن تاريخ هذه الفترة الزمنية لم يكن تاريخ دولة، بل كان تاريخ الجماعات السياسية التي أحكمت سيطرتها على السلطة والثروة، وهذا ما أعاق إلى حد كبير تطور الفكر الداعي للتأسيس لفكرة الدولة بمعناها العصري، هذا التوجه الذي ساد في مناطق أخرى من العالم، ودفع مجتمعات تلك المناطق إلى إنجاز صيغة الدولة الحديثة التي نحاول اليوم في مجتمعاتنا القياس عليها، والحذو حذوها.

لم تصل المجتمعات إلى الدولة بمعناها الحديث المرتكز على مفهوم المواطنة عبر الثقافة والحوار فقط، بل وصلت أساساً عبر صراع طويل متعدد الأوجه، وإن كان محركه الأساسي هو الاقتصاد، وتطور العلوم والتكنولوجيا. ولعل الصراع الأهم في تلك المجتمعات هو ما قام بين الملك بوصفه حاكماً يستمد سلطته من المقدس، وبين فكرة الدولة بوصفها نظاماً متكاملاً من الحقوق والواجبات المقرة والمصانة بدساتير وقوانين، ففي أوروبا مثلاً لم يكن ممكنا الحديث عن “الدولة” قبل القرن السادس عشر، فالدولة حينها كانت مجسدة بالسلطة، وكان التمييز بين الحكام والمحكومين هو السائد، أي أنه كان تعبيراً عن السلطة وليس تعبيراً عن الدولة.

لا يمكن للسلطة الفردية أن تتفق مع جوهر معنى الدولة، مهما توافقت أعمال صاحب السلطة مع حاجات الشعب، فالسلطة في الدولة هي أساساً صيغة لحاجات ووعي جمعي، تنتج عن انتماء أفراد وتشاركهم التام والمسؤول في الدولة، وفي هذه العلاقة التفاعلية بين المواطن والسلطة (علاقة المواطنة)، والمحددة بالقوانين والدساتير، تنشأ الدولة، ولهذا يقترن مفهوم المواطنة بنشوء الدولة.

السمة الأهم للدولة التسلطية هي ممارسة السلطة من الأعلى إلى الأسفل، وارتكاز العلاقة بين السلطة والشعب على مبدأ “الرعوية” أي اعتبار الفرد “رعيّة” وليس مواطناً، ولأن مبدأ “الرعوية” هو أساس العلاقة التي عرفتها مجتمعاتنا، فإن القول بأننا لم نتعرف بعد على معنى الدولة يصبح قولاً مقبولاً، سيما وأن طرق انتقال السلطة من حاكم لآخر في مجتمعاتنا لا تتم عبر إرادة الأفراد، بل تتم غالباً بالعنف أو بالموت، وهذا غالباً ما يترافق مع تدمير لقوى مجتمعية، تتفاوت قوته بطول فترة حكم السلطة المستبدة، وقد يصل إلى انهيار شامل يحتم على المجتمع دورة جديدة شاقة للنهوض من جديد، والأخطر أنه غالباً ما يكون مناسباً لولادة مستبد جديد.

ليس ترفاً أو هبة أو تنظيراً أن تكون المواطنة جوهر الدولة الحديثة، فالشرط الأهم لمنع نشوء الاستبداد هو المواطنة، هذا الشرط يحمي الدولة، ويمنع انهيارها في حال الانتقال من حاكم إلى آخر، ويمكننا قراءة ذلك بوضوح في رسوخ الدول القائمة على المواطنة حتى لو كانت ضعيفة، وفي انهيار الدول التي تغيب عنها المواطنة حتى لو كانت قوية، وفي تجربة المجتمعات التي حكمتها الدولة المتسلطة مثل دول الاتحاد السوفيتي السابق وتلك التي دارت في فلكه مثالاً قريباً، إذ انهارت هذه الدول وتفكك بعضها، ولا يزال هذا الخطر ماثلاً فيما تبقى منها والتي لا تزال “المواطنة المتساوية” غائبة عنها.

بالعودة لما نشهده في منطقتنا اليوم، والتي تدفع غالياً ثمن افتقارها إلى المواطنة، فلم يعد الانهيار في مجتمعاتنا هو الثمن الوحيد، إذا يمتد ليصل إلى إعادة صياغة المنطقة بكاملها، وتغيير تركيبتها الديمغرافية، وتفتيتها، والخطر الأكبر يأتي من أن هذه الصياغة لا تتم بدلالة حاجة شعوبها، أو بدلالة وعيها لحاجاتها، بل يأتي وفق ما تريده أطراف خارجية تريد ترسيخ معادلة قوتها ونفوذها.

قد يتيح التاريخ لبعض المجتمعات فرصة نادرة لإعادة تأسيس دولتها على نحو يلبي حاجات أفرادها، ويفتح الطريق لتطورها، وربما يمكن القول إن هذا ينطبق إلى حد كبير على سوريا، فهذه الفرصة التي أتاحها التاريخ للسوريين قد تكون الفرصة الأخيرة لقيام دولة سورية حديثة، لكنها قد تضيع وإلى الأبد إذا لم يتمكن السوريون من تكريس مبدأ المواطنة المتساوية كركيزة أساسية لبناء وطنهم.

من النافل القول إن كل العصبيات التي تنفلت بلا ضابط في المجتمع السوري هي النقيض للمواطنة، ومن النافل أيضاً التذكير أن تسعير الانقسامات المجتمعية على اختلافها: الطائفية والقومية والإثنية والمناطقية وقد تكون الطلقة الأخيرة التي سوف تقضي على الوطن السوري بصيغته الراهنة.

تلفزيون سوريا

———————-

هل يعبر مجلس الإفتاء الأعلى الجديد عن واقع سوريا الديني؟/ أحمد جاسم الحسين

2025.03.31

من الطبيعي وفقاً للقراءة التاريخية أن يكون المذهب السلفي هو الأكثر حضوراً في المشهد السوري في الفضاء العام والرسمي حالياً وفي الفترة المقبلة، إذ إنه تقليدياً، غالباًَ ما يفرض المنتصر اتجاهه الديني، لكن مفهوم الدولة حالياً والانتصارات بات يقتضي كثيراً من الحكمة وعدم الاقتراب من التدين الشائع في بلد ما. كي لا تثار المزيد من المشكلات في وجه السلطة التي يهمها السلم المجتمعي كمدخل للحكم. وإن كان من الصعب التنبؤ حالياً في توجهات السلطة مستقبلياً. وهل ما تقوم به استراتيجية دائمة أم أنه حل مرحلي؟

وعلى الرغم من أن النظام المخلوع حاول مرات عدة أن يترك بصمته في التدين في سوريا إلا أنها بقيت ضعيفة واتسمت محاولات التشيع مثلاً بأنها خجولة نظراً لخوفه منها هو ذاته، ولعدم وجود قبول مجتمعي رغم المغريات الإيرانية الكبيرة.

عقد النظام المخلوع ما يشبه التفاهم المبطن ((هناك من يسميه صفقة) مع رجال الدين في سوريا، عماده: موقف حاد مشترك من الإسلام السياسي متمثلاً في الإخوان المسلمين، ومن السلفية، كون الأرضية الفكرية للسلفية وفتاوى أعلامها تقوض وجود النظام السياسي السابق وخلفيته الطائفية. مقابل إطلاق يد الأشاعرة والمتصوفين في الفضاء العام الديني في سوريا. ومع ذلك حدثت اختراقات كثيرة من خلال حزب التحرير ودعوات سلفية وظفها النظام حين احتاج إليها بخاصة في الجهادبة العالمية.

بعد انتشار السلفية في أجزاء كبيرة من الريف السوري تجاوز أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، قادمة من مركز السلفية النجدية كما يقال عنها، من خلال العاملين في الخليج العربي ووجود مراكز تصدير للسلفية ودعم مالي، وكذلك فضاء البث التلفزوني أولاً والإنترنت لاحقاً. ومما ساعد على انتشارها كذلك عدد من الأحداث السياسية في أفغانستان إضافة إلى احتلال العراق وتبعاته.

جاء تشكيل المجلس الأعلى السوري للإفتاء عبر رئاسة الجمهورية العربية السورية كخطوة رمزية بعد إنهاء عمله قبل أكثر من ثلاث سنوات في سوريا من قبل رئيس النظام المخلوع نتيجة لصراعات أجنحة بين دائرة الإفتاء العام في سوريا ووزير الأوقاف، حيث قام المجلس الإسلامي السوري في إسطنبول كخطوة رمزية بتعيين مفتٍ عام للجمهورية (في المنفى أو في القسم المحرر آنئذ ولم يكن بينه القسم الذي كانت تحكمه هيئة تحرير الشام) هو الشيخ أسامة الرفاعي.

السؤال اليوم: كيف سيتجاور ممثلو السلفية السورية التي تدخل لأول مرة مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا مع ممثلي الأشعرية والصوفية؟

احتاجت السلفية ليتم الاعتراف بها على المستوى الفقهي الرسمي في سوريا انتصاراً عسكرياً، مما يذكرنا بتجارب دول عربية أخرى. لكنها تعاملت بذكاء حين لم تقص منهج البلاد الأكثر شيوعاً (الأشعري والصوفي أو ما يحلو لبعضهم تسميته بالتدين الشامي)، بل تركت الأكثرية في مجلس الإفتاء للأشعريين والمتصوفة في حين غاب الإسلام السياسي متمثلاً بالإخوان المسلمين وهو الذي احتكر التمثيل السياسي السني فترة طويلة من الزمان من دون أن يحقق انتصارات توصله إلى مركز القرار.

صاحبُ القرار الذي وضع في مجلس واحد علماء بانتماءات فكرية مختلفة، قد يكون له هدف رئيس متمثلاً بأن يتعلم كل طرف من الآخر، وأن يتخلى كل طرف عن الجانب الحاد في رؤاه ليميل إلى الوسطية التي تلائم دولة متنوعة متعددة كحالة سوريا.

هناك مشهد درامي سوري جديد، قبل ثلاثة أشهر ونصف لا يكاد يخطر ببال شخص أن الهيئة الشرعية في تحرير الشام والمجلس الإسلامي السورى وعدداً من مشايخ النظام المخلوع يمكن أن يجلسوا في مجلس واحد هو مجلس الإفتاء السوري الأعلى، لأن العيون والخلفيات متباينة، لكن حكمة من يدير المرحلة هي من جعلت غير الممكن ممكناً.

يرى متابعون لمجلس الإفتاء الأعلى أنه يغلب عليه الدعاة، ذوو الأسماء الراسخة، أكثر من غلبة الفقهاء، ويفرقون بين قدرات الفقية الأكاديمي والداعية، متناسين الجانب الرمزي في الإفتاء، ومدى قدرة المفتي على التأثير في الجماهير.

وكذلك هناك من يتساءل عن تغييب المذهب الجعفري عن مجلس الإفتاء الأعلى خاصة أن هناك عدداً كبيراً من المسائل يعد المذهب الجعفري حجة فيها وأن وجود أحد علمائه هو جزء من بناء المواطنة والدولة الجديدة.

من جهة أخرى يمكن قراءة التشكيل الجديد لمجلس الإفتاء الأعلى بأنه عودة إلى الحضور الكبير للشوام فيه حيث إنهم يشكلون الأكثرية، بل إن صاحب القرار تغاضى عن عضوين فيه يعدان من “المكوعين”، على صعوبة البقاء في سوريا من دون إشادة بالرئيس المخلوع.

حين زار الرئيس أحمد الشرع الشيخ أسامة الرفاعي قبل فترة معزياً بوفاة شقيقه، وقبَّل رأسه، ربطها عديدون برمزية زيارة بشار الأسد للرفاعي أول تسلمه الحكم، لكن الموضوع مختلف مع الرئيس أحمد الشرع فهو وإن كان داهية سياسياً، وفقاً لإشارات متعددة، وهو ما تحتاجه البلاد إلا أنه صادق مع نفسه وشعبه فيما يبدو، ولعلها سابقة أن يقبل رئيس سوري رأس شيخ دين.

أسئلة كثيرة يثيرها التشكيل الجديد من مثل: كيف يتم التوفيق بين شيخ ابن قتال وجهاد مع شيخ ابن سلم ونعيم وسلطة، ولم يجرب القتال، وكذلك هناك من له فتوى حادة تجاه السوري الآخر، وكذلك كيف نوفق بين من هاجر ولجأ وبين من بقي في بيته آمناً؟ وكيف نوفق بين من له سلطة رمزية على الملايين من المدنيين ومن أثره على العسكر فقط؟

لا يمكن أن نغض النظر عن أنه لأول مرة في تاريخ سوريا يدخل الريف السوري بقوة في مجلس الإفتاء الأعلى ممثلين للسلفية الجهادية كحالة الشيخ عيروط والويس، وها هو المنهج الذي نظروا له ودافعوا عنه يمسك بتقاليد الحكم اليوم.

يمكن من جهة أخرى أن ننظر إلى تشكيلة المجلس الأعلى للإفتاء من جهة أن التدين الشامي الأشعري كان له حوامل اقتصادية وشبكات اجتماعية راسخة منذ عقود ساعدت على بقائه وتقديم خدمات يومية لمتبعيه، فما هو الحل عن السلفية بعد الانتصار وهي القادمة من اقتصاد زراعي غير مستقر، وهل استلام السلطة السياسية وما ينتظر منها للمؤمنين بها، يكون مقابلاً لتلك الشبكات الاجتماعية الأشعرية والصوفية الراسخة؟

المتابع للترند السوري يجد أن ردود الأفعال على المجلس الأعلى للإفتاء تناولت المفتي العام للجمهورية أكثر مما تناولت المجلس وهي:

    النسويات اللاتي ذكرن بخطبة للشيخ الرفاعي حول قيم المجتعم السوري وقد أثيرت ضجة كبيرة آنئذ.

    السلفيون الذين شنوا حملة كبيرة بخاصة من خلال صفحة الشيخ المحيسني الذي بارك للشيخ ثم اضطر إلى وضع منشور إضافي يسوغ فيه لجمهوره الفروقات بين دور الرئيس وقائد الثورة، مدافعاً عن خيارات الرئيس الشرع.

    الحلبيون الذين يرون أن تمثيلهم في المجلس كان ضعيفاً وأقل مما تستحق المحافظة ودورها الرمزي.

    ترحيب من عدد كبير من أبناء الأرياف لأنها وجدت نفسها لأول مرة ممثلة بمجلس الإفتاء الأعلى.

    التذكير بفتاوى سابقة لعدد من أعضائه تجاه النظام أو تجاه شريحة سورية ما خلال مرحلة الحرب.

من المهم الإشارة إلى أن الفتوى تدخل في باب التخيير، وأنها ذات جذور دينية، لا سلطة تنفيذية لديها إلا سلطة الضمير الديني، وهي تختلف عن القضاء المتكئ على القوانين ولديه أداة تنفيذية هي الضابطة العدلية بالاستعانة بالشرطة.

 إلا أن الحالة الرمزية للإفتاء والمفتي مهمة جداً في حالة مثل المشهد السوري، مع أنه منصب استرشادي خياري.

الواقع السوري اليوم في الجوامع والفضاء العام وسواهما يشير بوضوح إلى استقطاب بين السلفي المنتصر عسكرياً، والأشعري والصوفي الذي يعبر عن حال التدين السوري، فكيف سيكون الحل خاصة أننا وجدنا عدداًُ من الجوامع وأمكنة الفضاء العام تشير إلى ذلك بل إن أستاذاً سابقاً في كلية الشريعة بجامعة دمشق يعترض على انتشار السلفية من مقر عمله في تركيا. وكذلك الصراع في أحد جوامع حماة والصراع على الفضاء العام من خلال الدعوات والملصقات.

المشهد السوري اليوم يعج بالمتناقضات ولا يمكنك أن تقاربه أو تفهمه إلا إن فهمت الجانب الديني السني متمثلاً في مجلس الإفتاء الأعلى أو الفضاء العام ومرجعياته واللحظة السنية الراهنة التي تشهد ارتفاعاً في منسوب الشعور بالهوية وتعزيزها بمظلوميات تاريخية عدة.

أخيراً؛  بتبسيط شديد: يمكن القول إن الفروق بين الأشاعرة والمتصوفة والسلفية ليست في الثوابت بل في طرائق المحاكمة والتفكير، فالسلفيون يركزون على الفهم الحرفي للنص من خلال فكر السلف ورفض البدع، كما هو واضح من التسمية “السلفية”،  أما الأشاعرة فيعطون للنقل والمحاكمة العقلية دورهما، فالنصوص لها أهميتها وكذلك التفكير العقلاني، في حين أن المتصوفة يركزون على الجانب الروحاني والتجربة الشخصية، فهل يمكن أن يجتمعوا تحت سقف واحد؟ نعم هذا مافعله الرئيس أحمد الشرع.. ولعل كثيراً من المسلمين السوريين يجدون أنفسهم ينتمون إلى المفاهيم والاتجاهات الثلاثة تبعاً للموقف والرؤيا والسياق.

ما ينتظره السوريون اليوم من مجلس الإفتاء الأعلى كثير، ولعل أوله فتوى ضد خطاب الكراهية وتحريم الدم السوري والتحريض على القتل ومواجهة التطرف.

تلفزيون سوريا

————————————

المصطلحات السياسية في سوريا وتحديات بناء الدولة الجديدة/ حمدان العكله

2025.03.30

لطالما شكَّلت المصطلحات السياسية أدوات مركزية في صياغة الخطاب السياسي وتوجيه الإدراك الجمعي نحو مفاهيم الحكم والإدارة، إذ تمتلك هذه المصطلحات قوة مزدوجة؛ فهي قادرة إمَّا على تحفيز الحراك السياسي الواعي أو على تكريس الاستبداد تحت غطاء لغوي خادع.

وفي السياق السوري، تكتسب هذه الإشكالية بُعداً أكثر تعقيداً، نظراً لإرث طويل من الاستخدام الدعائي لهذه المفاهيم، حيث لم تكن الديمقراطية، والإصلاح، والشفافية سوى شعارات ترفعها السلطة بقدر ما تحتاجها لتثبيت شرعيتها. لقد أدَّى هذا الاستهلاك المتكرر إلى تفريغ المصطلحات من مضمونها، فتحوَّلت إلى أدوات جوفاء، منفصلة عن أيِّ تجربة ملموسة، مما ولَّد حالة من الشك العميق لدى المجتمع تجاه الخطاب السياسي برمَّته، وإنَّ إعادة الاعتبار لهذه المصطلحات يعني استعادتها، وتفكيك دلالاتها السابقة وإعادة بنائها بما يتناسب مع التجربة السياسية الجديدة.

تفريغ المصطلحات السياسية من مضمونها

على مدار العقود الماضية، شكَّلت المصطلحات السياسية في سوريا جزءاً من المشهد الخطابي الرسمي، حيث تكررت مفاهيم مثل “الديمقراطية”، “الحرية”، “الاشتراكية”، و”الوحدة الوطنية”، ليس بوصفها مبادئ موجِّهة للحياة السياسية، بل بوصفها أدوات لتجميل واقع سلطوي يتناقض معها في جوهره، لقد أفرغ الاستخدام الدعائي لهذه المفاهيم من مضمونها، فلم تكن “الديمقراطية” سوى غطاء لحكم فردي، ولم تكن “الحرية” سوى قيد بوجه آخر، ولم تكن “الوحدة الوطنية” إلا أداة لإخماد التعدد والتنوع السياسي، هذا التناقض المستمر ولَّد لدى السوريين وعياً مأزوماً تجاه الخطاب السياسي، قوامه الريبة والتوجس، حيث باتت هذه المفاهيم تُستقبَل بوصفها علامات تحذيرية على محاولات أخرى لتسويق الاستبداد في قوالب جديدة. وحين اندلعت الثورة السورية وانطلقت معها محاولات التغيير السياسي، وجد المجتمع نفسه أمام معضلة وجودية في التعامل مع هذه المصطلحات؛ فمن جهة، كان لا بدَّ من استعادتها وتفعيلها كضمانات أساسية لبناء الدولة الجديدة، لكن من جهة أخرى، كانت ذاكرة القمع والاستغلال السياسي حاضرة بقوة، ما جعل المطالبة بهذه المبادئ مشوبة بشكوك عميقة حول مصداقيتها وجدواها، فالخطاب الذي طالما استخدم هذه المفاهيم على أنَّها زخارف سياسية جعل من الصعب على السوريين تصديق أنَّ إعادة إحيائها قد يكون أكثر من مجرد إعادة إنتاج لأدوات التلاعب القديمة، فقد حوَّل النظام السابق الدستور إلى عقد اجتماعي مفرَّغ من الالتزام، وتحولت

مصطلحات مثل “التعددية السياسية”، “حقوق الإنسان”، “حرية التعبير” إلى قشرة لغوية تخفي بنية سلطوية لا تعترف إلا بمنطق الهيمنة والسيطرة.

التحديات التي تواجه بناء الدولة الجديدة

مع انطلاق مساعي إعادة بناء سوريا، تواجه النخب السياسية تحدياً جوهرياً لا يقتصر فقط على إعادة تأسيس مؤسسات الدولة، بل يمتد إلى إعادة تعريف العلاقة بين الخطاب السياسي والواقع المعيش، فالمعضلة لا تكمن فقط في الأوضاع الاقتصادية أو الأمنية، بل في أزمة الثقة العميقة التي ترسخت نتيجة للاستخدام الممنهج للمصطلحات السياسية كأدوات تزيينية لسلطة استبدادية، وفي هذا السياق، تبرز عدة إشكاليات رئيسة ينبغي التعامل معها بحساسية ودقة سياسية وفلسفية:

1. استعادة الثقة السياسية: لا يمكن لأيِّ خطاب سياسي أن يكون مؤثِّراً إذا لم يُترجم إلى سياسات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية، فالثقة السياسية لا تُستعاد بالوعود، بل بالممارسات التي تثبت أنَّ الديمقراطية ليست مجرد شعار، وأنَّ الشفافية ليست مجرد مصطلح يُستدعى عند الحاجة، فالنخب السياسية الجديدة مطالبة بإحداث قطيعة مع الماضي من خلال بناء تجربة سياسية تجعل من التمثيل الشعبي والمساءلة جوهر الحكم، لا مجرد شعارات للاستهلاك الإعلامي.

2. إعادة تعريف المصطلحات السياسية: بمعنى تفكيك المفاهيم وإعادة بنائها؛ لأنَّ استعادة المصطلحات السياسية لا تعني مجرد إعادة استخدامها، بل تستلزم إعادة تعريفها وفق تجربة جديدة، بحيث تنبثق الديمقراطية من سياقاتها المحلية لا من نسخ مستوردة، وتتحول مفاهيم الحرية والعدالة إلى قيم ممارَسة يومياً بدلاً من أن تبقى كلمات مُعلَّقة في فضاء الخطاب الرسمي، فالمصطلحات السياسية ليست معطيات جاهزة، بل نتاج تراكم فكري وتجربة تاريخية، ومن دون إعادة صوغها بما يتناسب مع الواقع السوري الجديد، ستظل أسيرة إرثها المشوَّه.

3. تحقيق التوازن بين المطالب والمخاوف: بين المطالب الشعبية بإرساء الديمقراطية والحريات، والمخاوف المتولدة من تجارب القمع والتلاعب السياسي السابق، يقف المجتمع السوري أمام معادلة معقدة تتعلق بكيفية دفع عجلة التغيير من دون السقوط في وهم خطاب ديمقراطي جديد قد يُستخدم هو الآخر كأداة للهيمنة؟ هنا تبرز الحاجة إلى استراتيجيات تضمن أن يكون التغيير متجذِّراً في واقع ملموس، لا مجرد ردِّ فعل على الماضي، مع إدراك أنَّ بناء الثقة عملية تراكمية تتطلب الصبر والشفافية في آنٍ واحد.

4. الشفافية والمحاسبة: وهي آليات لتفكيك إرث التلاعب السياسي، فحتى لا تتكرر أخطاء الماضي، لا بدَّ من وضع آليات صارمة لمراقبة الخطاب السياسي، ليس فقط من خلال ضمان حرية التعبير، بل عبر إنشاء مؤسسات قادرة على محاسبة أيِّ جهة تحاول إعادة إنتاج التلاعب بالمصطلحات لأغراض سلطوية، فاللغة السياسية ليست مجرد أداة للتواصل، بل يمكن أن تتحول إلى آلية للهيمنة حين تُستخدم للفصل بين القول والفعل، وهو ما يجعل الشفافية والمساءلة عنصراً لا غنى عنه في إعادة بناء المعجم السياسي للدولة الجديدة.

5. إشراك المجتمع في صياغة المستقبل: لا يمكن لمشروع بناء الدولة أن ينجح إذا ظلَّ المجتمع مجرد متلقٍ للقرارات والنصوص السياسية، إنَّ إعادة صياغة المفاهيم السياسية يجب أن تكون عملية تشاركية، حيث يكون للمجتمع دور أساسي في تحديد معنى الديمقراطية وفق تجربته، وفي رسم ملامح الحرية بما يعكس حاجاته وتطلعاته، لا وفق قوالب جاهزة قد لا تلائم خصوصيته التاريخية والاجتماعية، فالشرعية السياسية لا تُمنح من فوق، بل تُبنى من خلال حوار حقيقي يجعل من الشعب شريكاً أصيلاً في وضع معايير الخطاب السياسي ومضامينه.

في الختام: لابدَّ من قطيعة حقيقية مع الإرث السياسي الملتبس، فعلى الرغم من عمق هذه التحديات، فإن الفرصة ما تزال سانحة لإعادة بناء المعجم السياسي السوري على أسس جديدة، حيث لا يكون الخطاب السياسي مجرد انعكاس لنوايا السلطة، بل تجسيداً لرؤية شعبية تتجاوز الإرث السابق من التلاعب والمراوغة اللغوية. إنَّ تجاوز الأزمة لا يتحقق بمجرد تغيير مفردات الخطاب، بل يستلزم إعادة تشكيل بنية المؤسسات بحيث تكون قادرة على ضمان أن المصطلحات المستخدمة تعبّر عن سياسات ملموسة لا عن شعارات جوفاء، فالتحول الديمقراطي الحقيقي لا يبدأ من الكلمات، بل من الأفعال التي تُثبت أن اللغة السياسية قد استعادت معناها، وأنها لم تعد أداة للخداع، بل جسراً نحو واقع أكثر صدقاً وعدالة.

تلفزيون سوريا

————————–

ما وراء البرود السياسي الإماراتي حيال سوريا/ أمير حقوق

تحديث 31 أذار 2025

تشهد الساحة السورية تحولات سياسية بارزة منذ سقوط نظام الأسد، ويرافق هذه التحولات عودة العلاقات السياسية مع بعض الدول العربية والغربية، والتي عانت خلال فترة الثورة السورية من القطيعة مع النظام.

وبرز الدور الخليجي بشكل ملحوظ في محاولة لاحتواء سوريا، وللمساهمة في عودتها إلى العباءة العربية، فكانت قطر والسعودية من أوائل دول الخليج العربي التي رحبت بالإدارة الجديدة، وسارعت لإرسال الوفود والبعثات والمساعدات.

وفي خطوة غير اعتيادية، زار أمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، سوريا في 30 من كانون الثاني الماضي، وأيضًا اتجه الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إلى المملكة العربية السعودية في 2 من شباط الماضي، في أول زيارة رسمية خارجية له بعد توليه منصب الرئاسة.

تمهل إماراتي

مقارنة بالموقفين القطري والسعودي، يلاحظ أن المشهد الإماراتي تجاه الإدارة الجديدة في سوريا ما زال متمهلًا، فرغم التواصل الرسمي بين الجانبين، لم يزر مسؤولون إماراتيون سوريا.

عند سقوط النظام السابق، أكدت الإمارات حرصها على وحدة وسلامة سوريا وضمان الأمن والاستقرار للشعب السوري الشقيق، وعدم الانزلاق نحو الفوضى وعدم الاستقرار.

وفي 23 من كانون الأول 2024، بحث وزير الخارجية الإماراتي، عبدالله بن زايد آل نهيان، خلال اتصال هاتفي مع وزير الخارجية في الحكومة السورية الانتقالية، أسعد الشيباني، آخر التطورات في سوريا، كأول تواصل بين البلدين بعد سقوط الأسد.

وبعد تنصيبه الرئاسة، هنأ رئيس دولة الإمارات، محمد بن زايد آل نهيان، رئيس سوريا في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع.

الباحث في العلاقات الدولية، محمود علوش، قال في حديث لعنب بلدي إن النهج الإماراتي تجاه رئيس سوريا في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، حذر لحد كبير، لمجموعة من الاعتبارات.

وعلى رأس هذه الاعتبارات، بحسب رأيه، أن الإمارات لديها هاجس من الإسلاميين في السلطة، ومن الخلفية الجهادية السابقة للرئيس الشرع، فضلًا عن أن التحول السوري أربك الحسابات الإماراتية، فقبيل التحول كانت الإمارات تسري باتجاه تعزيز علاقاتها مع نظام الأسد، وتعمل على إعادة تعويمه إقليميًا ودوليًا.

واعتبر أنه في نهاية المطاف، فإن الدول تشكل سياساتها تجاه سوريا وفق مصالحها، معتقدًا أن الإمارات صارت على قناعة متزايدة بشكل مستمر، بأن الانفتاح على الإدارة السورية الجديدة يساعدها في تبديد هواجسها من التحول في سوريا، خصوصًا فيما يتعلق من الإسلاميين.

وأشار علوش إلى أن الإمارات اليوم بدأت تميل بشكل أكبر إلى تبني سياسة واقعية تجاه التحول السوري.

ضبابية تجاه المشهد السوري

تسعى الإمارات من خلال سياساتها إلى تعزيز مكانتها الدولية وتوسيع نفوذها في الساحة العالمية، مع المحافظة على استقرارها الداخلي وتطوير اقتصادها.

وتتبنى الإمارات سياسات قائمة على الدبلوماسية والابتكار، وتسعى لتعزيز علاقاتها مع الدول في الشرق الأوسط وخارجه، إذ تعتمد سياسة تنموية تعتمد على الاستثمار في الدول الأخرى، مما يسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي، فالإمارات تُعتبر واحدة من أكبر المستثمرين في العديد من الدول الناشئة.

الخبير في الشؤون السياسية العربية، طلعت طه، أوضح لعنب بلدي أن الإمارات دولة كبيرة اقتصاديًا ومهمة، ولها أن تستثمر في سوريا، وهي لم تقطع علاقاتها بسوريا قبل التحرير أو بعده، ولكن لا يمكن أن تقوم الإمارات بالاستثمار بسوريا مادام عدم استقرار سياسي وجيوسياسي وأمني.

وبرأيه، تحولت سوريا بعد 8 كانون الأول الماضي، لشكل جديد مختلف تمامًا، خاصة بعد هروب بشار الأسد، ولكن المشهد السوري مازال متوترًا للغاية، خاصة بعد أحداث الساحل السوري ومقتل مدنيين، والجميع اليوم بانتظار نتائج لجنة تقصي الحقائق التي تشكلت، بالإضافة لنزوح سوريين للبنان، ودخول الاحتلال الإسرائيلي لمزيد من الأراضي السورية، وتسريح الجيش السوري واستبداله بجيش آخر كليًا، وهناك نوع من الضبابية تجاه المشهد السوري المرتبك، الأمر الذي يفسر البرود والتمهل حيال سوريا.

الإمارات العربية كانت من أوائل الدول الخليجية التي أعادت علاقاتها مع نظام الأسد السابق، ففي عام 2018، قررت الإمارات إعادة فتح سفارتها في العاصمة السورية دمشق، وفي عام 2022، زار الأسد دولة الإمارات في أول زيارة رسمية له لدولة عربية منذ بداية الثورة السورية.

زيارات الشيباني تكسر الجليد

في سياق الجولة الإقليمية التي قام بها في بداية كانون الثاني الماضي، زار وزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية، أسعد الشيباني، الإمارات العربية المتحدة، في 6 من كانون الثاني الماضي، وبحث مع نظيره الإماراتي سبل تعزيز العلاقات بين البلدين. هذه الزيارة أول تواصل بين الإدارة السورية الجديدة والإمارات.

وعلى هامش أعمال القمة العالمية للحكومات، في 11 من شباط الحالي، في دبي، التقى وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان، نظيره الشيباني، وتطرقت مباحثات الجانبين إلى الأوضاع في سوريا، بالإضافة إلى التطورات الإقليمية الراهنة، والتقى بعدها الشيباني عددًا من رجال الأعمال السوريين في الإمارات العربية المتحدة، للبحث بالاستثمارات في سوريا.

ونقلت وكالة الأنباء الإماراتية (وام)، أن اللقاء تناول مختلف المجالات الاقتصادية في سوريا، والأولويات التنموية والتوجه المقبل إليها.

الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش، يعتقد أن زيارات الشيباني للإمارات هي محاولات لبناء علاقة ثقة بين دمشق وأبو ظبي، وبحسب تقديره، فإن كلا الطرفين يبديان رغبة بعلاقات عمل جيدة بين البلدين، إذا استطاعت حكومة الشرع أن تبدد هواجس الإمارات، والطريق سيصبح سالكًا بشكل أفضل لقيام علاقة قوية بين دمشق وأبو ظبي.

زيارة المرتقبة للشرع

وتداولت وسائل الإعلام تصريحات للشيباني خلال مشاركته في “القمة العالمية للحكومات” في إمارة دبي بالإمارات، أن “الرئيس الشرع يعتزم زيارة الإمارات في وقت قريب”، دون أن يذكر أي تفاصيل أخرى عن موعد الزيارة.

الزيارة المرتقبة لرئيس سوريا في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، إلى الإمارات ستعكس بدء مرحلة جديدة بين البلدين.

واعتبر علوش أن أي زيارة للرئيس الشرع إلى الإمارات ستنقل العلاقات بين دمشق وأبو ظبي لمرحلة جديدة، وستكون مؤشرًا على أن الإمارات اليوم بدأت تميل للتعامل والتعاون ولدعم الإدارة الجديدة في سوريا.

وقال، “ولكن هذا التعاون مرهون بدرجة أساسية بما إذا كانت الهواجس الإماراتية إزاء التحول السوري ستتبدد، وفق خطوات الرئيس الشرع وطبيعة إدارته في السياسة الداخلية والخارجية”.

تشابه في الموقف الإماراتي- المصري

يتشابه الموقفان الإماراتي والسوري حيال سوريا، فليست الإمارات فقط هي التي نأت عن الانخراط بشكل فعال مع الإدارة السورية الجديدة، بل أيضًا مصر تأخرت في التواصل مع الإدارة السورية الجديدة بعد الإطاحة بنظام الأسد، ولم ترسل أي وفد إلى دمشق.

وتواصلت مصر مع حكومة دمشق المؤقتة لأول مرة بشكل رسمي، من خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، ونظيره السوري، أسعد الشيباني، في 31 من كانون الأول 2024.

وفسر الباحث في العلاقات الدولية، محمود علوش، تشابه الموقفين بأن “كلا البلدين لديهما هاجس من الإسلاميين في السلطة، ومن الخلفية الإسلامية للرئيس أحمد الشرع، ولديهما خشية من أن التحول السوري يؤدي لإعطاء زخم جديد لتيارات الإسلام السياسي في المنطقة”.

وعلل أن هذه التيارات ضعفت بحد كبير بعد الإطاحة بحكم الرئيس الراحل محمد مرسي في مصر، وإضعاف حركة الإخوان في تونس وفي الدول العربية الأخرى.

أما الخبير في الشؤون السياسية العربية، طلعت طه، يرى أن مصر في حالة ترقب كامل لكل ما يحدث في سوريا، لحين استقرار أوضاعها، وأكد أنه لن تبنى علاقات بين سوريا والدول العربية إن لم يكن تعاونًا للاستقرار الكامل في الأراضي السورية.

وتبقى التطلعات بعودة سوريا لموقعها عربيًا، وبما فيها عودة علاقاتها السياسية، خاصة بعد الانفتاح السياسي الذي تشهده بعد سقوط الأسد، بالتهافت الملحوظ من قبل البعثات الدبلوماسية العربية والأجنبية، في محاولة لاحتوائها ورغبة هذه الدول بإيجاد حلول للأزمة السورية وتحقيق الاستقرار في المنطقة.

عنب بلدي

——————-

الغرب ينظر إلى سوريا من نافذة “الجهاديين” الأجانب/ خالد الجرعتلي

تحديث 31 أذار 2025

ألقت قضية “الجهاديين الأجانب” بظلالها على السياسات الخارجية للغرب نحو سوريا بعد مدة قصيرة من سقوط النظام السوري، لكنها لم تظهر كشرط أساسي في تعامل الغرب مع دمشق حتى مطلع آذار الحالي، عندما اندلعت مواجهات بين مسلحين موالين للنظام المخلوع، وقوى “الأمن العام” التابعة لوزارة الداخلية السورية الجديدة.

المواجهات تخللتها عمليات انتقامية جرت على أساس طائفي، وفق تقارير لمنظمات متخصصة، مثل “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” و”هيومن رايتس ووتش” وغيرهما، واتُّهم مقاتلون أجانب بالانخراط فيها، ما وجه الأنظار مجددًا نحو هذه القضية.

وفي أحدث ربط بين نظرة الغرب إلى سوريا من عدة نوافذ، منها “الجهاديون الأجانب”، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، كريستوف لوموان، حول رسالة أوروبية وُجهت لدمشق، “إن الانتهاكات التي وقعت في الأيام الأخيرة (في إشارة لأحداث الساحل) لا يمكن التسامح معها حقًا، ويجب تحديد المسؤولين عنها وإدانتهم”.

وقال ثلاثة مبعوثين أوروبيين، إنهم أكدوا توجه بلدانهم، خلال اجتماع مع وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، بدمشق، في أن القضاء على “المقاتلين الجهاديين” هو أولويتهم القصوى، وأن الدعم الدولي للإدارة الناشئة قد يتبخر ما لم تتخذ إجراءات حاسمة في هذا الملف.

ونقلت وكالة “رويترز” عن المبعوثين الأوروبيين الثلاثة، في 26 من آذار، بالإضافة إلى أربعة مسؤولين إقليميين (لم تسمهم)، خلال زيارة إلى دمشق، تأكيدهم على ضرورة سيطرة السلطات على الوضع الأمني ​​في جميع أنحاء البلاد ومنع تكرار عمليات القتل.

قال مبعوث أوروبي، كان ضمن مجموعة المسؤولين الذين نقلوا رسالة إلى دمشق، “طالبنا بالمحاسبة. يجب أن يعاقب مرتكبو المجازر. يجب تطهير قوات الأمن”.

وتضم “هيئة تحرير الشام” المهيمنة على صنع القرار في دمشق، و”الجماعات الجهادية” المتحالفة معها، العديد من المقاتلين الأجانب في صفوفها، ممن قدموا إلى سوريا بعد اندلاع الثورة السورية قبل 14 عامًا.

ملف “خطر”

لتحقيق ما يصبو إليه الغرب من الإدارة السورية الجديدة، يتعين على الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، أن يتعامل مع مجموعة من المقاتلين الأجانب في صفوفه، إلى جانب دول تحاول تحويل سوريا مجددًا إلى رقعة شطرنج.

ووفق ما نقلته “رويترز” عن دبلوماسيين ومحللين، يعتبر أي إجراء ضد “الجهاديين” الذين نفذوا عمليات قتل في الساحل تهديدًا بإشعال صراعات داخلية بين الفصائل، وعمليات تطهير، وصراعات على السلطة، ما يترك الحكومة الجديدة عالقة في مفارقة.

وارتبطت أحداث الساحل السوري من وجهة نظر غربية بالمقاتلين الأجانب في صفوف الجيش السوري، رغم عدم وجود دليل واضح على ذلك، وينتشر “الجهاديون الأجانب” في سوريا منذ سنوات بهدف دعم فصائل المعارضة سابقًا في حربها ضد النظام، قبل أن يسقط النظام وينخرط هؤلاء المقاتلون بوزارة الدفاع السورية.

مؤخرًا، استجابت الحكومة السورية الجديدة لأحداث الساحل السوري، وشكلت لجانًا لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ومنحت اللجان سلطات واسعة، إذ باشرت نشاطها فورًا ولا تزال مستمرة حتى اليوم.

وفي 25 من آذار الحالي، كشفت لجنة التحقيق في أحداث الساحل مجريات سير تحقيقاتها بعد مضي حوالي 20 يومًا على اندلاع المواجهات في المنطقة، لكنها أعلنت عن أنها لا تزال تحتاج إلى المزيد من الوقت للوصول إلى نتائج.

رفض غربي وإصرار سوري

في 10 من كانون الثاني الماضي، حذر مبعوثون أمريكيون وفرنسيون وألمان الإدارة الجديدة في سوريا من أن تعيينها لـ”جهاديين أجانب” في مناصب عسكرية عليا يمثل “مصدر قلق أمنيًا وسيئًا لصورتها”، في الوقت الذي تحاول فيه إقامة علاقات مع دول أجنبية.

ونقلت وكالة “رويترز” عن مسؤول أمريكي قوله، إن التحذير الذي وجهته الولايات المتحدة، يأتي في إطار الجهود الغربية لدفع الزعماء السوريين الجدد إلى إعادة النظر في هذه الخطوة.

وأضاف المصدر أن التحذير صدر خلال اجتماع بين المبعوث الأمريكي، دانييل روبنشتاين، والرئيس السوري للمرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، في 8 من كانون الثاني، بدمشق.

ونقلت “رويترز” حينها عن مسؤولين في الإدارة السورية الجديدة (لم تسمّهم) أن المقاتلين الأجانب “قدموا تضحيات” للمساعدة في الإطاحة بالأسد وسيكون لهم مكان في سوريا، وأضافوا أنه “يمكن منحهم الجنسية”.

وفي 31 من كانون الأول 2024، قال مصدران سوريان لـ”رويترز“، إن الإدارة الجديدة ضمت بعض المقاتلين الأجانب بينهم إيغور وأردني وتركي إلى القوات المسلحة، في الوقت الذي تحاول فيه دمشق تشكيل جيش محترف من خليط من جماعات المعارضة.

ما خيارات دمشق

قلل الخبير في شؤون الجماعات الجهادية، عرابي عرابي، من أهمية وجود العناصر الأجانب في صفوف الجيش السوري، معتبرًا أن هؤلاء المقاتلين الأجانب لن يشكلوا كتلة داخل المؤسسات السورية.

وقال لعنب بلدي، إن الإدارة السورية الجديدة تعمل على تفريق الأجانب في قطاعات واسعة من الجيش، أي أنهم لن يكونوا محصورين في مكان أو قطاع معيّن.

وأضاف أنه لن يكون هناك وجود لـ”الأجانب” في الإدارات المدنية للدولة، ولن يسمع السوريون يومًا بوجود مقاتل شيشاني بمنصب وزاري أو إداري، لكن من الممكن أن يكون هؤلاء العناصر في قطاع الأمن والقطاعات اللوجستية مثلًا في الجيش أو قطاعات التدريب.

ولفت إلى أن “الجهاديين الأجانب” هم في الغالب سيكونون ضمن قطاعات التدريب في الجيش وموزعين في كل المحافظات.

عرابي قال أيضًا، إن من الممكن الاستفادة من خبرات المقاتلين الأجانب في الجيش السوري، خصوصًا أن معظمهم تزوج في سوريا واندمج بالمجتمع السوري.

وأضاف أن هذه المسألة ليست إشكالية كبيرة، فمن الممكن إقصاء القيادات المشكوك في ولائها لسوريا، أو من يحملون فكرًا جهاديًا متطرفًا، عبر إبعادهم عن المشهد أو حتى إخراجهم من سوريا، في حال كانوا يشكلون تهديدًا للأمن الداخلي قبل أن يكونوا تهديدًا للأمن الخارجي.

وفي عام 2014، ومع بداية ظهور المقاتلين الأجانب في سوريا إعلاميًا، قالت “المفوضية السامية لحقوق الإنسان“، إن ازدياد أعداد المقاتلين الأجانب في سوريا سواء لدعم النظام أو المعارضة يشعل ما وصفته بـ”العنف الطائفي”، محذرة من أن مشاركتهم في الصراع قد يزعزع استقرار المنطقة بأسرها.

وأشارت المفوضية آنذاك في بيان صحفي، إلى المقاتلين الأجانب الذين يقاتلون إلى جانب النظام السوري من إيرانيين ولبنانيين وأفغان، بالإضافة إلى المقاتلين “الجهاديين” الذين يقاتلون إلى جانب المعارضة.

عنب بلدي،

———————

صراع خفي يظهر للعلن.. وثيقة مسربة تكشف خيانة الأسد لإيران قبيل سقوطه/ ضياء قدور

2025.03.28

بعد استثمارات طهران الكبيرة التي تجاوزت عشرات المليارات من الدولارات لدعم نظام الأسد والحيلولة دون سقوطه، كان من المتوقع أن تؤول سوريا بسهولة إلى فلك النفوذ الإيراني. ومع ذلك، وعلى الرغم من بعض الامتيازات التي حصلت عليها إيران، تشير المعلومات المؤكدة إلى أن سوريا تحولت في الواقع، خلال العامين الأخيرين من حكم الأسد، إلى مستنقع أمني وعسكري لخامنئي وللحرس الثوري الإيراني.

ويبدو أن العديد من التقارير الإيرانية شبه الرسمية التي تحدثت عن خيانة الأسد لإيران كانت تحمل قدراً كبيراً من الحقيقة، حيث تكشف الأحداث والوقائع اللاحقة عن تحولات في العلاقة بين الطرفين أثرت بشكل ملحوظ على مجريات الأحداث في سوريا.

وبعد أكثر من شهرين مما وصف برد الفعل اليائس للمرشد الإيراني علي خامنئي على سقوط بشار الأسد وتهديداته ضد الحكومة السورية الجديدة، ظهرت أبعاد جديدة لأنشطة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، لتكشفت عن خيانة بشار الأسد لهذه المجموعة في سوريا.

كشفت وثيقة مسرّبة حصل عليها موقع “تلفزيون سوريا” عن اعتقال جواد حشمتي، أحد قادة فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، وزوجته، على يد مخابرات النظام السابق، بتهمة تهريب أسلحة إلى الأراضي الفلسطينية، وذلك قبل نحو أربعين يوماً من سقوط الأسد.

وتظهر المعلومات الواردة في هذه الوثيقة السرية للغاية، المرسلة من شعبة المخابرات السورية (الفرع 227)، حجم التوتر الكبير الذي بلغته العلاقة “الاستراتيجية” بين النظام البائد وطهران قبل أيام قليلة من سقوط بشار الأسد.

من هو جواد حشمتي؟ وما مصيره؟

تُظهر الوثيقة المسربة، الموجهة إلى مسؤول استخباراتي سوري رفيع، أن جواد حشمتي قُدّم بصفته أحد قادة الوحدة 18840 التابعة للحرس الثوري الإيراني، وهي الوحدة التي كان يقودها سابقاً “هدايت حسيني فر”. وتشير مصادر مفتوحة إلى أن “حسيني فر” نُقل في أواخر عام 2020 إلى القاعدة 840 في سوريا، حيث بدأ بالإقامة هناك مع زوجته وأطفاله الثلاثة.

وتعمل الوحدة 18840 تحت قيادة الوحدة 840 في فيلق القدس، وهي وحدة عمليات سرية تابعة للحرس الثوري الإيراني، متخصصة في تنفيذ عمليات اغتيال ضد أهداف إسرائيلية وغربية. وقد كان لهذه الوحدة سجل طويل في تنفيذ عمليات اغتيال دقيقة لأشخاص مستهدفين في سياق الصراع الإقليمي والدولي.

وفي كانون الثاني 2021، نشر موقع إسرائيلي فيديو أظهر عملية سرية نفذها جهاز استخبارات غربي في دمشق، مؤكداً أنها استهدفت مقر “الوحدة 840″ التابعة لـ”فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني. ووفقاً لتقرير نشره موقع “إنتلي تايمز” الإسرائيلي، جرت العملية في شقة داخل مبنى سكني بحي كفر سوسة في دمشق، الذي يقع على مسافة 500 متر فقط من السفارة الإيرانية، وحوالي 3 كيلومترات من القصر الرئاسي.

وكانت مصادر إيرانية قد كشفت قبل سنوات عن تأسيس الوحدة 840، وقالت إن “مهمة هذه الوحدة التي يرأسها يزدان مير المعروف باسم سردار باقري، هي تخطيط وتنفيذ هجمات إرهابية خارج إيران وضد أهداف غربية وأعضاء المعارضة الإيرانية”.

وبحسب الوثيقة المسربة، يتعاون محمد رضا أنصاري في عملية تهريب الأسلحة مع جواد حشمتي. وكان أنصاري، أحد قادة الحرس الثوري الإيراني في سوريا، هو الرئيس السابق للوحدة 840، والذي سبق أن فرضت عليه الولايات المتحدة وبريطانيا عقوبات لاتهامه بمحاولة اغتيال جون بولتون، مستشار الأمن القومي لإدارة ترامب، في الفترة الأولى من رئاسته.

ووفقاً للوثيقة أيضاً، تبين أن المعتقل جواد حشمتي تعاون بشكل مباشر مع العميد جواد غفاري، رئيس الوحدة 4000 والنائب الخاص لجهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني، في إرسال أسلحة إلى قطاع غزة. يُعد غفاري من أبرز الشخصيات في فيلق القدس، وكان يُعرف بلقب “جزار حلب” بسبب الجرائم التي ارتكبها ضد الشعب السوري خلال سنوات الثورة السورية. وفقاً لمصادر إيرانية، كان غفاري أيضاً يشارك في عمليات تهريب البنزين من إيران إلى سوريا عبر العراق، وهو نشاط استمر لسنوات عديدة، بهدف تحقيق مكاسب شخصية.

وأشارت تقارير إيرانية، إلى أن جميع وحدات فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني ركزت خلال العام ونصف العام الماضيين جهودها بشكل مكثف على نقل الأسلحة إلى لبنان وغزة وحتى الضفة الغربية. وتعد هذه العمليات جزءًا من استراتيجية إيران المستمرة لتعزيز نفوذها العسكري والسياسي في المنطقة، مما يعكس التزام طهران بتوسيع دائرة نفوذها في الشرق الأوسط بشكل يتجاوز حدود سوريا.

وفي العام الماضي، استهدفت إسرائيل تقريباً جميع الأعضاء الرئيسيين في هذه الشبكة، ولم ينج منهم سوى قلة قليلة، بما في ذلك العميد جواد غفاري، الذي تواردت إشاعات عن عودته إلى سوريا بهدف إنقاذ نظام الأسد في أعقاب تحرير مدينة حلب. لكن اعتقال جواد حشمتي قبل شهر ونصف من سقوط الأسد يؤكد خيانة الأخير لخامنئي والحرس الثوري الإيراني بشكل أكبر مما كان يُعتقد أو ينشر حتى.

لا تزال المعلومات حول مصير جواد حشمتي غير مؤكدة، إلا أن القناة 12 الإسرائيلية بثّت قبل أسبوعين مقطع فيديو يتضمن اعترافات لعنصر سابق في فيلق القدس يُدعى جواد. ووفقاً للوثائق المسرّبة، فقد كشف حشمتي خلال جلسات الاستجواب عن أسماء أعضاء آخرين في شبكة تهريب الأسلحة.

غرق إيران في مستنقع التعقيدات داخل الساحة السورية

ويكشف هذا الحادث عن تحول سوريا إلى مستنقع لإيران، حيث وجدت طهران نفسها تتصارع في ساحتها مع العديد من التحديات الداخلية والخارجية، بدءاً من الضربات الإسرائيلية المتواصلة، وصولاً إلى الاختراقات الاستخباراتية التي تسلط الضوء على عمق التوتر بين نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين.

وأعاد العميد بهروز إثباتي، وهو آخر ضابط إيراني غادر سوريا، تسليط الضوء على بعض خيانات بشار الأسد تجاه طهران، كاشفاً في مقابلة مع موقع “تابناك” الإيراني قبل أشهر، أن الأسد استجاب لمطالب المحور الإماراتي السعودي بتقليص النفوذ الإيراني مقابل الحصول على دعم مالي.

وقال إثباتي إن الإيرانيين واجهوا ضغوطاً شديدة من نظام الأسد في الفترة الأخيرة، تمثلت في طرد أكثر من 80 في المئة من العائلات الإيرانية من منازلها. وكشف أيضاً أن أحد قادة الحرس الثوري عقد اجتماعاً سرياً مع الأسد، ليصفه لاحقاً بأنه “شخص مسخ” بعد ما دار في تلك اللقاءات.

تورط حزب الله في التصعيد الحدودي مع سوريا

استناداً إلى المعلومات التي أدلى بها جواد حشمتي خلال التحقيق، ألقت المخابرات الجوية التابعة لقوات الأسد القبض على المدعو رواد عبد الخالق، وهو يعمل مع المهربين، لدى عودته من الإمارات إلى سوريا. وخلال استجوابه، أقرّ عبد الخالق بتعاونه مع شبكة تهريب يقودها خليل حرب، وأكد انخراطه في العمل لصالح وحدة النقل 4400 التابعة لحزب الله، بقيادة الحاج فادي.

وكان برنامج مكافآت من أجل العدالة قد رصد مكافأة تصل إلى 5 ملايين دولار أميركي مقابل الإدلاء بمعلومات عن خليل يوسف حرب، المعروف أيضا باسم سيد أحمد وأبو مصطفى، وهو مستشار مقرب لحسن نصرالله وقيادي جماعة حزب الله، ويرجح أنه يرأس أركان حرب حزب الله الآن.

ووفقاً للمعلومات التي نشرت في الأسابيع الماضية، فإن هجمات حزب الله الأخيرة على الحدود السورية اللبنانية، بما في ذلك اعتداءات واختطاف عدد من الجنود السوريين، كانت تدار بشكل مباشر من قبل الحاج خليل حرب، القائد الكبير في حزب الله والمسؤول عن خط البقاع. ويشغل حرب حالياً دوراً مهماً نيابة عن الحرس الثوري الإيراني ويتولى مسؤولية تهريب الأسلحة في تلك المنطقة.

وكان المرشد الإيراني على خامنئي قد وصف انتصار الثورة السورية وسقوط الأسد بالفوضى، ووعد باستعادة سوريا إلى دائرة نفوذه، وهدد قائلاً: “إن الذين تعدوا على سوريا، سيضطرون يوماً ما إلى التراجع أمام قوة الشباب السوري الغيور”.

وأشارت التقارير التي نشرها “تلفزيون سوريا” الشهر الماضي إلى أن إيران تعمل على توسيع نفوذها في سوريا من خلال التواصل مع بعض العناصر من النظام المخلوع، بالإضافة إلى دعم أطراف من الطائفة العلوية والكردية بهدف إضعاف الحكومة الجديدة والحفاظ على تأثيرها في المنطقة بعد الانكسارات التي تعرضت لها. ومع ذلك، تمكنت حكومة دمشق من اتخاذ تدابير أمنية وعسكرية فورية لمواجهة هذه التحركات، ما أسهم في إخماد التمرد الناشئ ومنع تدهور الوضع الداخلي نحو الفوضى.

وقبل أيام، أعلن جهاز الأمن العام السوري عن اعتقال العميد عبد الكريم أحمد الحمادة في دير الزور، وهو من الشخصيات المقربة من ماهر الأسد، المسؤول السابق عن تنسيق العمليات العسكرية لجيش النظام مع قادة الحرس الثوري الإيراني. وكذلك اعتقال مؤيد عبد الصمد الدويهي، المعروف بلقب “الحاج جواد”، قائد لواء السيدة زينب التابع للحرس الثوري في الميادين.

ويُعد هذا التحرك خطوةً نحو تقويض النفوذ الإيراني في سوريا من خلال ملاحقة كبار عملائه الرئيسيين هناك، في إطار جهود حكومية حثيثة لضبط الاستقرار والأمن، وملاحقة المجرمين المتورطين في الانتهاكات الخطيرة التي طالت الشعب السوري.

تلفزيون سوريا

—————————————–

تماثيل الطغاة: في السقوط الكبير/ سمر شمة

29 مارس 2025

حاربت الأنظمة الديكتاتورية عبر العصور الفنون بأشكالها كافة، وبموازاة ذلك سعت أيضًا لأن تحولها إلى سلعة تتناسب مع سياسات الحاكم وسطوته وتعكس رؤيته في مختلف مجالات الحياة، وقد حكمت هذه الأنظمة عددًا من الدول العربية والأجنبية لعقود ونشر طغاتها صورًا لهم وأقاموا التماثيل والنُصب التذكارية في أنحاء البلاد لتكريس مفهوم تقديس الزعماء وتعزيز الهيمنة على المجتمع.

وفي سورية البلد الذي شهد سيطرة حكم شمولي عسكري أمني لأكثر من خمسة عقود كانت التماثيل والصور فيه للأسدين الأب والابن وللعائلة الحاكمة، تطارد المواطن السوري أينما ذهب، في الشوارع والساحات والمدارس والجامعات والمشافي والمؤسسات إضافة إلى المحال التجارية ودور السينما والمسرح متسللة إلى بعض المنازل وكل ركن من أركان المدن والبلدات السورية.

ولكن بعد سقوط النظام مباشرة وفرار المخلوع بشار الأسد إلى روسيا تحطمت التماثيل نهائيًا ومُزقت وأُحرقت الصور واللوحات الجدارية المنتشرة في كل مكان وأصبحت من الماضي، بعد أن قام السوريون وبجهود جماعية لا تتوقف بإزالتها وإزالة كل ما يُذكر بهذه العائلة المستبدة وهذا النظام الذي حكم البلاد بالحديد والنار ونهب ثرواتها واقتصادها وحوّل مدنها وقراها إلى ركام ومدن للأشباح بعد قيام الثورة السورية 2011 واستخدام الأسد للحل الأمني العسكري بوحشية لا نظير لها، وتدمير سورية على رؤوس ساكنيها وثوارها متجاوزًا كل القوانين والشرائع واتفاقيات حقوق الإنسان.

اليوم اختفت هذه التماثيل من أرجاء سورية بعد أن قام الشعب السوري بتحطيمها وكأنه يمحي عقودًا طويلة من الظلم والقهر والقتل والذل والاعتقالات التعسفية واستباحة البلاد والعباد، بعد أن كانت لتأليه حافظ الأسد ومن بعده الرئيس المخلوع وبعض أفراد العائلة: باسل وماهر الأسد ومن ثم أسماء الأخرس، ولنشر ثقافة العبودية وتقديس الحاكم وسيطرته المطلقة والرعب والخوف، وكانت أيضًا أداة لإلغاء الرموز الوطنية والتاريخية الحقيقية.

سقط ذلك كله مع بداية الثورة السورية ومن ثم سقوط النظام في الثامن من كانون الأول/ ديسمبر العام الماضي وفي الساعات الأولى من دخول المعارضة السورية إلى دمشق والمدن السورية.

فقد تم تدمير التماثيل التي تجاوزت الآلاف وتمزيق الصور واللوحات الجدارية للعائلة الحاكمة وكان ذلك في مدينة طرطوس الساحلية وفي بلدة دير عطية الواقعة على بُعد 88 كيلومترًا شمال دمشق وذلك بإسقاط تمثال حافظ الأسد عند أحد التلال وهو الأكبر حجمًا بين الكثير من تماثيله التي أقامها النظام على مدى عقود. وفي جرمانا الواقعة في ريف دمشق تم إسقاط تمثال الأسد الأب وجرّه وتمزيق الصور العائدة له وللأسد الابن. وكذلك في ساحة مدينة حماة التي تعرضت لمذابح ومجازر دامية في الثمانينيات وفي دمشق أيضًا تم إسقاط التماثيل في جامعة دمشق وتمّ إحراق وتدمير ضريح حافظ الأسد في مسقط رأسه بمدينة القرداحة باللاذقية، وقام أهالي دمشق بساحة عرنوس بتمزيق الصور وأسقطوا التماثيل وداسوا عليها ومزقوا كل الملصقات الخاصة بالعائلة الحاكمة وحزب البعث بالشوارع والمباني الحكومية وفي الفروع الأمنية وحطموا كل ما يرمز للعنف والقتل والتعذيب وجرى ذلك في القامشلي وحمص ودرعا وحلب وباقي المدن والبلدات قاطبة.

حطم الشعب السوري الاستبداد البصري الذي فرضته الطغمة الحاكمة في سورية وشاركه بذلك الشعب اللبناني الذي عانى لسنوات طويلة من الوصاية السورية ومن قيام النظام السوري بالتدخل في شؤونه الداخلية والتنكيل به واغتيال كبار سياسييه ومناضليه ومثقفيه واعتقال خيرة شبابه والسيطرة المطبقة على الدولة والمجتمع بواسطة المخابرات السورية التي زرعت الرعب في هذا البلد الذي كان رمزًا لحرية التعبير والصحافة والتطور والحضارة قبل دخول قوات الأسد الأب إليه.

فبعد سقوط النظام مباشرة قام اللبنانيون بتحطيم تمثال باسل الأسد الملقب بـ”الفارس الذهبي” في بلدة شتورا والذي دّشنه وزير الداخلية ميشال المر في احتفال حاشد عام 1995 وبلغت تكلفته آنذاك 300.000 دولار أميركي تم جمعها من المؤسسات الاقتصادية في هذه المنطقة ومحيطها بعد أن فرض النظام السوري عليهم دفع الخاوات والولاء بالقوة.

وهناك تماثيل أخرى للأسد الأب في لبنان ومنها تمثاله في بعلبك والذي رُفعت الستارة عنه في أيار/ مايو 2000 بعد أن أنجزته هيئة إنماء المدينة على نفقتها الخاصة بالتعاون مع أحزاب وتنظيمات وطنية وإسلامية وهو الأول له من البرونز في لبنان. والتمثال الذي شُيّد في تشرين الأول/ أكتوبر من العام نفسه في حلبا وسط كلمات زعيم المردة سليمان فرنجية والملياردير عصام فارس وغيرهما، وقد وضعت عبوة ناسفة تحته في العام نفسه. وفي عام 2005 وبعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري تم إزالة واقتلاع النُصب التذكارية لحافظ وباسل الأسد وتمزيق صور بشار الأسد في ساحات ومدن الجنوب كما في صور وفي شتورا أيضًا وكافة المدن اللبنانية.

تعامل النظام السوري مع هذه التماثيل والصور كرموز لسيطرته وكما تتعامل أعتى الأنظمة الديكتاتورية الحديثة التي يتحول فيها الرئيس أو الزعيم إلى مركز عبادة سياسية، واحتلت المشهد العام السوري وحوّلت البلاد إلى معرض متنقل ودائم لتمجيدها وتقديم الولاء المتكرر والمتواصل لها.

تميزت تماثيل الأسد الأب بحجمها الكبير لتدل على السلطة المطلقة، وكانت تُظهره واقفًا أو جالسًا أو مفكرًا للإشارة إلى حكمته وعبقريته وعبقرية وريثه للحكم فيما بعد، بينما أظهرت الصور واللوحات الضخمة بشار الأسد كحاكم شاب يمارس عمله وحياته في مختلف المجالات، وركزّت على مقولاته ومقاطع من خطاباته وأحاديثه للصحافة والإعلام.

يُقدر عدد التماثيل للأسد الأب بأكثر من 3000 تمثال، موزعين في كافة أرجاء البلاد، وأكبر تمثال له نحته الفنان التشكيلي محمود شاهين الذي أصبح عميدًا لكلية الفنون الجميلة بعد إنجازه هذا، وصاحب فكرة هذا التمثال هو محمد دعبول “أبو سليم” مرافقه الشخصي ومدير مكتبه ومكتب الابن من بعده لسنوات طوال وكان يُلقب بـ”كاتم أسرار سورية”. وهناك تمثال ضخم أيضًا في حي عكرمة بحمص- 2018- وهو للنحات إياد بلال، وأول تمثال له نُصب عام 1984 في “المكتبة الوطنية السورية” بدمشق. الجدير ذكره أن بشار الأسد لم ينصب لنفسه تماثيل طوال سنوات حكمه بل بقيت تماثيل والده موزعة في مختلف مدن البلاد كتذكير رمزي بأن سلطته تأتي من والده الذي حكم سورية بيد من حديد طوال ثلاثة عقود وبقيت تماثيل شقيقه باسل أيضًا، ولكن له تمثال في ريف حمص الغربي أُقيم بمبادرة من عدة أشخاص وليس من السلطة نفسها عام 2023، وتكفل به أحد الشبيحة المجرمين آنذاك شجاع العلي، وهو قائد ميليشيا موالية للنظام ويعمل في تجارة المخدرات والأعضاء، وله علاقات وثيقة بحزب الله اللبناني وأمن النظام العسكري ومتهم بجرائم حرب.

ولكن الرئيس المخلوع جعل صوره واللوحات والجداريات التي تجسده وتجسد أقواله تطارد السوريين في كل مكان، وتغزو حياتهم اليومية وتسجل حضورًا طاغيًا في الفضاء الرمزي السوري من خلالها ومن خلال طبع وجهه على العملة السورية والساعات الفاخرة وغيرها.

في سورية قلّما تجد تمثالًا أو صرحًا لشخصيات عامة لها فضل كبير على التاريخ والثقافة سوى تمثال مؤسس الدولة الأيوبية القائد صلاح الدين الأيوبي الذي تم تشييده على مدخل قلعة دمشق وتمثال البطل يوسف العظمة في قلب العاصمة السورية، والتمثال النصفي لابن رشد في كلية الآداب بجامعة دمشق وتماثيل قليلة أخرى في بعض المحافظات السورية.

ويُقال بأن علاقة بشار الأسد بالنحاتين والفنانين التشكيليين كانت أفضل من علاقة أبيه بهم الذي لم يدعم إلا نحاتًا واحدًا هو سعيد مخلوف، قريب زوجته.

لا نستطيع أن نغفل أبدًا أن هذه الرموز الاستبدادية بدأت بالانهيار بعد قيام الثورة السورية عندما قام السوريون بتحطيمها وحرقها معلنين إصرارهم على التغيير وقرب نهاية حقبة دامية في سورية. ففي الخامس والعشرين من الشهر الثالث 2011 تمّ إسقاط أول تمثال لحافظ الأسد في درعا مهد الثورة في إشارة واضحة إلى سقوط النظام في هذه المحافظة، وبعد ذلك انتقل هذا التحدي إلى باقي المدن والأرياف وتمّ إسقاط تماثيل وإحراق صور لا تُعد ولا تُحصى في حمص وحماة وإدلب وحلب وجسر الشغور وريف دمشق الثائر بأكمله والرقة والقامشلي. رغم أن قوات الأمن قامت بإزالة بعض التماثيل في بعض الأماكن بهدف حمايتها كما حدث في دير الزور في ساحة السبع بحرات حيث أزيل تمثال كبير للأسد الأب والذي أعادته قوات النظام إلى مكانه بعد سيطرتها على زمام الأمور في نهاية 2018. وأعاد النظام أيضًا وبعد تمكنه من السيطرة العسكرية على بعض المدن تمثالًا للأسد الأب أيضًا في ساحة العاصي بمدينة حماة عام 2017 تزامنًا مع ذكرى المجازر التي تعرضت لها المدينة في الثمانينيات على يد النظام من الجيش والحرس الجمهوري وسرايا الدفاع التي كان يقودها رفعت الأسد والتي أسفرت عن تدمير المدينة بالكامل واستشهاد عشرات الآلاف من النساء والرجال والأطفال. وقام النظام أيضًا بتشييد تماثيل جديدة لحافظ الأسد في المناطق المنكوبة وسط الدمار والركام وكأنها تشير إلى هوية القَتلة، وكان ذلك من أولويات إعادة الإعمار لدى النظام المجرم.

وعمومًا فإن إعادة نصب التماثيل في سورية عادت للحياة بعد التدخل الروسي عام 2015 لحماية النظام من السقوط، في رسالة إلى الشعب السوري مفادها: أن النظام باقٍ وقادر على الاستمرار.

وهناك أمثلة كثيرة على هدم تماثيل الديكتاتوريين والطغاة، ففي عام 2003 أسقط العراقيون تمثالًا ضخمًا لصدام حسين إعلانًا عن سقوط النظام. وفي بداية ثورات الربيع العربي في كانون الثاني/ يناير 2011 مزّق المصريون صورًا لحسني مبارك وأولاده، وبعد أسابيع استقال من منصبه كرئيس لمصر. وفي آب/ أغسطس أيضًا في العام نفسه اجتاح متظاهرون ليبيون مجمع العقيد معمر القذافي في طرابلس وأسقطوا تمثالًا بارزًا بقبضة ذهبية له، وقُتل بعد شهرين من ذلك.

وخلال الثورة الفرنسية شهدت مدن عديدة في القرن الثامن عشر أحداثًا مشابهة عندما هاجم الثوار تماثيل النظام الملكي والإقطاعي الذي أرادوا الإطاحة به، وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي تم إسقاط تماثيل لينين وستالين في روسيا وبولندا وأوكرانيا وألمانيا الشرقية وغيرها.

حاصرت تماثيل وصور العائلة الحاكمة في سورية جميع السوريين الحالمين بالحرية والكرامة بعد أكثر من نصف قرن من القتل تحت التعذيب وتدمير المدن والقرى واستباحة سورية وشعبها ولكنها تهاوت الآن تحت أقدام السوريين التوّاقين إلى سورية جديدة ديمقراطية يحكمها العدل والقانون، سورية التي تنشد دائمًا ما قاله الشاعر السوري بدوي الجبل: “يسومنا الصنم الطاغي عبادته. لن تعبد الشام إلا الواحد الأحد”.

ضفة ثالثة

————————————-

======================

=======================

عن التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة، ملف تناول “شهية إسرائيلية لتفتيت سوريا” – تحديث 31 أذار 2025

تحديث 31 أذار 2025

————————————-

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي

التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة

———————————-

4 مسارات رئيسية يتخذها الشرع لوقف عدوانية إسرائيل/ محمود علوش

30/3/2025

يسود افتراض بأن أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع الرئيس السوري أحمد الشرع إلى تجنّب الدخول في مواجهة عسكرية مع إسرائيل لردعها عن تحركاتها العدوانية ضد سوريا هو أن سوريا، الخارجة للتو من صراع مُدمر وتُحاول بناء دولة جديدة ومؤسسة عسكرية والخروج من عزلتها الدولية، غير قادرة على خوض حرب مباشرة مع إسرائيل؛ لأنها ستُدمر ببساطة التجربة السورية الجديدة.

ويبدو هذا الافتراض واقعيًا إلى حد كبير. فمثل هذه الصراعات عادة ما تكون مُكلفة للغاية على دول قائمة بحد ذاتها، فكيف سيكون الحال بالنسبة لبلد مُدمر كسوريا؟ مع ذلك، فإن مقاربة الشرع للتعامل مع التحدي الإسرائيلي تتجاوز في الواقع هذا السبب رغم أهميته وواقعيته.

بصفته رئيسًا يقود سوريا في مرحلة انتقالية حساسة، بعد أن كان في وقت غير بعيد قائدًا لإحدى الجماعات ذات الخلفية الإسلامية، فإن هذا التحوّل قد يبدو غير مألوف للبعض. لكنه يُجسّد إلى حد بعيد الملامح الجديدة لشخصية أحمد الشرع كرجل دولة، يسعى إلى تحقيق أهداف كبرى تتمثل في بناء دولة حديثة، والحفاظ على وحدة سوريا، ومنع انزلاقها إلى فوضى داخلية، وسط تحديات متزايدة على رأسها التحركات الإسرائيلية العدوانية في الإقليم.

كما تُظهر إدراكًا لمخاطر أخرى مُحيطة بعملية التحول في ظل حقيقة أن الاندفاعة الإسرائيلية في سوريا جزء من مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي يُريده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وأحد إرهاصات الاشتباك الجيوسياسي الكبير بين تركيا وإسرائيل على الأراضي السورية. وهذا يُشير إلى أن “الأقلمة” تُهيمن على التحدي الإسرائيلي لسوريا بقدر أكبر من العوامل الأخرى.

ويبدو أن الرئيس أحمد الشرع يُحاول الاستفادة من تجربة النظام المخلوع في التعامل ببراغماتية مع إسرائيل. على الرغم من أن بشار الأسد سار حتى عام 2011 على خطى والده الراحل حافظ الأسد في الحفاظ على الوضع الهادئ على الجبهة مع إسرائيل؛ لضمان استمرار حكمه كل تلك الفترة، فإن سماحه لإيران باستخدام سوريا كمنصة في صراع الظل مع إسرائيل بعد اندلاع الثورة، جلب له متاعب إضافية.

لقد تعهد الشرع منذ أن أصبح رئيسًا بمنع تحويل سوريا إلى تهديد لدول الجوار. وكان تعهده رسالة صريحة إلى دول الجوار، ومن ضمنها إسرائيل. مع ذلك، لا يعكس هاجس إسرائيل من المخاطر الأمنية المزعومة التي يجلبها وصول إسلامي إلى السلطة، الدوافع الفعلية أو الأكثر أهمية لتحركاتها.

فهذه التحركات تنطلق أولًا من منظور الفرص التي يرى نتنياهو أن التحول السوري جلبها لفرض واقع أمني جديد في جنوب سوريا، وثانيًا لتقويض قدرة الدولة السورية الجديدة على النهوض من خلال استهداف ما تبقى من أصول عسكرية لها، ومحاولة إحداث شقاق بينها وبين المكون الدرزي في الجنوب، وثالثًا لتعزيز دور إسرائيل كفاعل مُهيمن في الجغرافيا السياسية الإقليمية.

إن حقيقة النهج التوسعي الإقليمي الذي يُحرك السياسة الإسرائيلية في المنطقة منذ حرب السابع من أكتوبر/ تشرين الأول، والاشتباك الجيوسياسي التركي الإسرائيلي في سوريا، ووجود إدارة أميركية في البيت الأبيض أكثر انسجامًا مع النهج التوسعي الإسرائيلي، وتقاطع أهداف إسرائيل وإيران في تقويض عملية التحول السوري، وإفشال جهود الشرع لبناء دولة جديدة، كلّها عوامل ساهمت في صقل نهج واقعي للشرع في مقاربة التحدّي الإسرائيلي. ويرتكز هذا النهج على أربعة مسارات رئيسية:

    أولًا، تجنب الانزلاق إلى صدام عسكري مباشر مع إسرائيل تبدو نتائجه محسومة وعواقبه كبيرة على سوريا، وعملية التحول فيها، وعلى حكم الرئيس الشرع.

    ثانيًا، تقويض الهوامش المتاحة أمام إسرائيل من خلال تفكيكها عبر إبرام اتفاق لدمج قوات سوريا الديمقراطية في الدولة الجديدة، والتعامل بحزم مع محاولة إسقاط الدولة الجديدة بعد أحداث الساحل الأخيرة، والانفتاح على الحوار مع المكون الدرزي في الجنوب لإبعاده عن إسرائيل.

    ثالثًا، إظهار التزام الدولة السورية الجديدة بالدبلوماسية وقواعد القانون الدولي في التعامل مع التحدي الإسرائيلي، على اعتبار أن هذا الالتزام يتقاطع مع المواقف الإقليمية والدولية منه.

    رابعًا، الرهان على الدبلوماسية الإقليمية، وعلى الانفتاح على الدول الغربية للضغط على إسرائيل لثنيها عن مواصلة تحركاتها العدوانية في سوريا.

إن أولويةَ الشرع المتمثلة في تعزيز الانفتاح على الغرب، لا سيما الولايات المتحدة، والتخلص من مُعضلة العقوبات، وإدراكه التأثير الأميركي على السياسة الإسرائيلية في سوريا، تُفسر جانبًا آخر من نهج الحذر. فهو يعتقد أن تجنب تصعيد الصراع مع إسرائيل يُساعده أولًا في دفع إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى ممارسة ضغط على نتنياهو للتراجع عن نهجه العدواني، وثانيًا في إظهار أهمية استقرار الإدارة الحالية لتجنب تصعيد خطير في الصراع.

على صعيد آخر، يَظهر تعميق الشراكة الإستراتيجية الجديدة مع تركيا وتطويرها في المجالات الدفاعية، خصوصًا كأحد الخيارات التي يحتفظ بها الشرع للتعامل مع المُشكلة الإسرائيلية. لكنّها تجلب أيضًا مخاطر؛ لأنها ستجعل سوريا أكثر عُرضة للاشتباك الجيوسياسي التركي الإسرائيلي، وهذا ما يُفسر تريث الشرع حتى الآن في إبرام اتفاقية دفاع مشترك مع أنقرة. لكنّها قد تُصبح خيارًا لا مفر منه إذا تطور النهج الإسرائيلي إلى تهديد أكثر خطورة لسوريا واستقرار سلطتها الحالية.

قد لا تُحقق هذه الرهانات أهدافها المرجوة في المستقبل المنظور، لكنّها من وجهة نظر الشرع تحدّ من مضاعفة المخاطر التي يجلبها التحدي الإسرائيلي لسوريا الجديدة. كما أنها توسع من الهوامش المتاحة أمام الشرع للتحرك في السياسة الخارجية للحصول على مزيد من الدعم الإقليمي والدولي في مواجهة التحركات الإسرائيلية.

إن دبلوماسية القنوات الخلفية التي يقوم بها أكبر داعمين إقليميين للشرع  يُمكن أن تلعب دورًا فاعلًا في التأثير على سياسة الرئيس دونالد ترامب تجاه الدور الإسرائيلي في سوريا.

كما أن إظهار التزامٍ بإدارة عملية التحول السياسي في الداخل بما ينسجم مع التصورات الغربية يُمكن أن يُعزز من نظرة الشرع في الغرب كرئيس قادر على تحقيق الاستقرار الداخلي في سوريا، وإدارة مُنخفضة المخاطر للصراع مع إسرائيل.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

باحث في العلاقات الدولية

الجزيرة

—————————

«السلام الإسرائيلي» ليس الحل السحري لبلاد الشام/ إياد أبو شقرا

30 مارس 2025 م

بالأمس وقّع وزيرا الدفاع السوري واللبناني مرهف أبو قصرة وميشال منسّى، في جدة، اتفاقاً واعداً على طريق إنهاء الإشكالات الحدودية المزمنة بين لبنان وسوريا. والحقيقة، أنْ لا الحكم السوري الجديد ولا السلطة اللبنانية الحالية ساهم في تلك الإشكاليات الموروثة من ولادة الكيانين الحاليين السوري واللبناني إبان فترة الانتداب الفرنسي على أنقاض ولايات ومتصرّفيات عثمانية سابقة.

بعدها، حملت العقود توترات وتفاهمات بين حكام دمشق وبيروت، إلى أنْ نجح الأسد «الأب» – بموافقتين إقليمية ودولية – في فرض «هيمنة» دمشق على القرار اللبناني. وبالفعل، تحكّم جهاز الأمن السوري في لبنان منذ أواخر عقد السبعينات من القرن الماضي حتى خروج القوات السورية عام 2005، في أعقاب تصفية رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري.

اغتيال الحريري خلق حقائق جديدة على الأرض، منها قبول الأسد «الابن» بأن تتبادل دمشق السفراء مع بيروت، معترفةً باستقلال لبنان. غير أنَّ المسألة الحدودية ظلت معقدة وشائكة، شمالاً ووسطاً وجنوباً. ثم، ازدادت أهمية إبقاء الملف «معقّداً وشائكاً» مع تولّي إيران عبر «حزب الله» وراثة الهيمنة السورية على لبنان. فجنوباً، تحوّلت هويّة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا إلى «ذريعة» تبرّر احتفاظ «حزب الله» بالسلاح بصفته «مقاومة». وشمالاً، صارت بعض القرى الحدودية داخل محافظة حمص السورية مبرّراً أولياً لمشاركة «حزب الله» في قمع الانتفاضة السورية عام 2011.

اليوم، نجد أنَّ الكيانين السوري واللبناني، اللذين تشاركا في الماضي بتحديات وجودية مماثلة، يتشاركان حاضراً ومستقبلاً أخطاراً وجودية مماثلة. وفي عصر الهيمنة الإسرائيلية على ملفات الشرق الأوسط داخل عواصم القرار الدولي، تلوح حقاً نُذُر «سلام إسرائيلي» كارثي على كيانات «منطقة شرق المتوسط».

«السلام الإسرائيلي» هذا يبدو لكثيرين إعصاراً عاتياً، من السذاجة مواجهته، ولا سيما أن الإدارة الأميركية الحالية تعيش «تماهياً مطلقاً» مع حكومة بنيامين نتنياهو وغلاة اليمين الإسرائيلي.

لقد نجح هذا اليمين في توريط إيران بحرب أكبر منها، وهو الآن يحصد ثمار ما أنجزه في «ردّه» على عملية 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وهو بعدما «قزّم» إيران بدعم أميركي غير مسبوق، نراه يسرّع فرض هيمنته – المباشرة أو غير المباشرة – على «منطقة شرق المتوسط»، بكياناتها العربية الأربعة.

العناوين العريضة هنا «الترانسفير» الفلسطيني، وتحقيق المخطّط القديم بتقسيم المنطقة وتفتيتها دينياً وطائفياً وعرقياً في الكيانات الأخرى.

الاختراق الإسرائيلي حاصل منذ فترة في عدد من المكوّنات، لكنه الآن صار شبه معلن. ولقد نجح ضرب «حزب الله» في «تحرير» الأصوات المتخفّية والمزدوجة التبعية، داخل سوريا ولبنان، لتطالب بـ«حلّ إسرائيلي» لإشكاليات التعايش بين الغالبية والأقليات.

في سوريا، يمكننا تذكّر كلام رامي مخلوف عندما نبّه إسرائيل – مع بدايات الانتفاضة – إلى أن سقوط نظام دمشق لن يكون لصالحها. وكانت بعض الأحداث المؤلمة بحقّ مدنيين إبّان مطاردة فلول النظام السابق في الساحل قد خدمت من حاولوا صبّ الزيت على النار.

وأيضاً لا بد من الإشارة إلى كلام غير مسؤول صدر عن بعض القيادات الكردية الانفصالية، وسرعان ما صرفت النظر عن تكراره، قبل أن يبادر قائد «قسد» مظلوم عبدي إلى توقيع تفاهم مع الحكم السوري الجديد.

أما في الجنوب السوري، فإنَّ الاختراق يتخذ الآن أبعاداً خطيرة مع تعمّد استثمار إسرائيل بالموحّدين الدروز عبر التسليح والتمويل واجتذاب البعض داخل المؤسسة الدينية. وبالتوازي، تُخاض راهناً عبر مواقع التواصل والمنصات الإعلامية حربٌ ضارية ضد كل توجّه درزي يعارض «استنساخ» تجربة إسرائيل وتعميمها لجهة إعادتها تعريف الهويتين القومية والدينية لسكانها من الموحّدين الدروز.

الوضع في لبنان لا يختلف كثيراً. وكثير من الكلام الجذاب، الذي كان يتزيا تارة بـ«التغيير»، وطوراً بـ«الفيدرالية» – من دون أن ننسى «محاربة الفساد» – خلع عنه ثوب الحيطة، وظهر بكل نيّاته التقسيمية والتبعية المشبوهة.

لقد كانت منطقة شرق المتوسط، منذ زمن بعيد، جزءاً مما عُرف بـ«المسألة الشرقية»، والفوالق الزلزالية بين الأديان والطوائف والأعراق والدويلات. هذه حقيقة، ولكن الثابت الوحيد للتعامل الإيجابي معها… كان يقوم على إنقاذ الأقليات من الخوف، وإزالة الشعور بالغبن عند الغالبية.

وحتماً طالما استمر هاجسا الخوف والغبن، ضمن كيانات فئوية «قزمة»، قرارها خارجي، لن ترتاح المنطقة، بل ستنتقل بين استغلال وآخر وفتنة وأخرى.

في دول العالم المتحضّرة، توصّل أهل السياسة إلى صيَغ عدة تراعي مقتضى الحال، تتراوح بين «الفيدرالية» و«اللامركزية الإدارية».

البعض في بلداننا يرفضون «الفيدرالية» بحجة أنها ستفضي إلى التقسيم.

ربما!

قد يكون هذا صحيحاً في بعض المجتمعات العشائرية، لكنها نجحت في معظم دول العالم التي اعتمدتها من سويسرا وبلجيكا… إلى الهند والبرازيل.

لكن ماذا عن «اللامركزية الإدارية»؟

بالنسبة لشرق المتوسط، «اللامركزية الإدارية» هي النموذج الذي نصّ عليه «اتفاق الطائف» (1989) في لبنان… لكن هيمنة نظام دمشق رفضت تطبيقه، ربما خوفاً من نجاحه!

في اعتقادي، لا حلَّ سياسياً لمشكلات أيّ من كيانات شرق المتوسط إلا بـ«اللامركزية الإدارية» ضمن دولة واحدة سيدة ومستقلة، يتمتع أبناؤها – كل أبنائها – بالحقوق والواجبات وأسُس المواطنة ذاتها.

عندما يشعر المواطن بالعدالة والأمان، سيتعزّز عنده الولاء، ولن ينتهي كابوسا القهر والقهر المضاد أبداً عبر الاستقواء بالخارج.

—————————–

التصعيد الإسرائيلي في الجنوب السوري/ لمى قنوت

تحديث 31 أذار 2025

تحت ذريعة درء الخطر من سيطرة الإدارة الجديدة على مقاليد الحكم في سوريا وحماية مستوطناته في الجولان السوري المحتل بعد هروب بشار الأسد وكبار مساعديه وضباطه، اتبع الاحتلال الإسرائيلي نهجًا منسجمًا مع مخططاته التوسعية وحروبه اللانهائية، فأوقف العمل باتفاق فك الاشتباك لعام 1974، ودمر الترسانة والمواقع العسكرية السورية، وقُدّرت الضربات الجوية الأولى في 8 من كانون الأول 2024 بـ480 غارة.

وسيطر على مرتفعات جبل الشيخ وتوغل في قرى وبلدات في ريفي محافظتي القنيطرة ودرعا، ومؤخرًا قام بترهيب سكان قرية كويا بمنطقة حوض اليرموك في ريف درعا الغربي، بعد أن قاوم مزارعوها، رجالًا ونساء، توغل قوات الاحتلال في بساتين البلدة، مستخدمين بنادق مخصصة لحماية أنفسهم من الحيوانات المفترسة، وأجبروها على الانسحاب، فصبت قوات الاحتلال حممها على الأحياء المدنية والمزارع، في قصف مدفعي وجوي أدى إلى استشهاد ستة أشخاص وإصابة آخرين.

ولم تكتفِ قوات الاحتلال بالقتل، بل قامت باعتقال ثلاثة مزارعين يعملون في أرضهم الزراعية في 28 من آذار الحالي، وبعد أن استجوبتهم، أطلقت سراحهم وحمّلتهم رسائل لأهالي البلدة، تتضمن منع المزارعين من النزول إلى الوادي والعمل في الأراضي الزراعية، التي حولتها إلى منطقة عسكرية محظورة، وهددت من سيخالف تعليماتها بالقتل.

يرفض أهالي قرية كويا المفقرة كل المناورات الإسرائيلية الترغيبية والترهيبية، بين إغرائهم بمساعدات إغاثية وطبية، وإرغامهم على تسليم السلاح لقواتهم المحتلة. قرية كويا ذات الأراضي الخصبة، والواقعة عند مثلث الحدود ما بين سوريا والجولان السوري المحتل والأردن، والمعتمدة على الزراعة وتربية المواشي، هي واحدة من قرى وبلدات واقعة في حوض اليرموك والتي شهدت توغلًا إسرائيليًا.

حوض اليرموك والأمن المائي

تبعد قرية كويا عن لواء بني كنانة في محافظة إربد في الأردن مسافة كيلومتر واحد، ويُشكل حوض اليرموك وسد اليرموك أحد أهم المنشآت المائية على النهر، ومصدرًا مائيًا حيويًا مشتركًا لسوريا والأردن، وتخضع موارده لاتفاقية مشتركة بين البلدين، وتعد مياه الحوض مصدرًا مائيًا مهمًا يغذي الجنوب السوري، أما أردنيًا، فهو مصدر أساسي للمياه السطحية التي تسهم بـ 27% من مجموع كميات المياه المستهلكة سنويًا، ويصنف الأردن كإحدى أفقر الدول مائيًا، إذ تبلغ حصة الفرد من المياه 61 مترًا مكعبًا، أي أقل من 88% من خط الفقر المائي المقدّر بـ500 متر مكعب سنويًا، أما في سوريا، فتبلغ حصة الفرد680  مترًا مكعبًا، كما صرح وزير الموارد المائية، أسامة أبو زيد، وتحتاج سوريا إلى استثمارات تتراوح بين 500 و700 مليون دولار لإعادة تأهيل شبكات توزيع المياه، ومن 100 إلى  150مليون دولار لتفعيل أنظمة العدادات الذكية، بالإضافة إلى مليون دولار لإدخال منظومة الطاقة المتجددة لمحطات المياه.

وبالتالي، فإن المطامع التوسعية للاحتلال الإسرائيلي في زيادة مساحة الأراضي السورية التي يحتلها ومحاصرة حوض اليرموك والسيطرة على جبل الشيخ أعلى المناطق في سوريا، والمطل على أجزاء من لبنان، لا تستهدف التحكم بالمياه السطحية والجوفية ومنع استقرار سوريا وتفتيتها فحسب، بل تشكل ضغطًا جيوسياسيًا على الأردن، وهي سياسات مرتبطة بخطط نتنياهو القديمة المتجددة بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول في تحقيق “شرق أوسط جديد” ومخططات الهيمنة والاستخراجية للإدارات الأمريكية المتعاقبة في المنطقة، التي أخرها مشروع “ريڤيرا” ترامب لتطهير غزة عرقيًا من سكانها الأصليين الفلسطينيين عبر استمرار حرب الإبادة الجماعية على القطاع وليّ ذراع الأردن ومصر وسوريا وصوماليا والسودان لاستقبالهم كلاجئين ولاجئات، وعبر استحداث “دائرة (الهجرة الطوعية) من قطاع غزة” في وزارة الدفاع الإسرائيلية بعد تصديق الكنيست عليها، وذلك لإتمام إجراءات الترحيل القسري لمن قد ينجو من فلسطينيي القطاع إلى “دولة ثالثة” شرط ألا يعودوا إلى أراضيهم أبدًا.

ولا يكتمل المشهد دون التعريج على ما يحصل في لبنان والضفة الغربية، حيث يستمر وجود قوات الاحتلال في عدة بلدات بالجنوب اللبناني، ويواصل خروقاته لاتفاقية وقف إطلاق النار التي يفترض أنها دخلت حيز التنفيذ في 27 من تشرين الثاني 2024 ولم يلتزم بها، إذ قُدّرت مجمل الخروقات في 23 من يناير/كانون الثاني 2025 بـ632 خرقًا، وتوعد نتنياهو بمزيد من التصعيد عقب غارات استهدفت العاصمة بيروت في 28 من آذار 2025، أما في الضفة، فالعدوان الإسرائيلي المكثف والمستمر منذ أكثر من شهرين هجّر قسرًا أكثر من 21 ألف شخص بعد أن دمر أكثر من 600 منزل وجرف 100% من شوارعها حتى أعلنت بلديتها عدم أهلية المنطقة للعيش، وبنفس المنهجية هجّر الاحتلال 4 آلاف عائلة من مخيّمي طولكرم ونور شمس.

ووفق هذه المعطيات، فإن المنطقة تعيش في مخاض عسير يتطلب وعيًا وإرادة جمعية قادرة على مواجهة التحديات ومقاومتها.

عنب بلدي

————————

======================

الحكومة السورية الانتقالية: المهام، السير الذاتية للوزراء، مقالات وتحليلات

=======================

تشكيل الحكومة السورية الجديدة

تحديث 31 أذار 2025

—————————

الشرع يعلن تشكيلة الحكومة السورية الجديدة

قال الرئيس السوري أحمد الشرع إن الإعلان عن تشكيلة الحكومة السورية الجديدة هو إعلان لإرادتنا المشتركة في بناء دولة جديدة.

وأضاف الشرع -في كلمة خلال مراسم الإعلان عن الحكومة الجديدة في قصر الشعب بدمشق- مساء اليوم السبت أن سوريا تواجه تحديات كبيرة تتطلب التلاحم والوحدة.

وأكد الرئيس السوري أن أولوية الحكومة الجديدة هي محاربة الفساد، وقال “لن نسمح للفساد بالتسلل إلى مؤسساتنا”.

وأضاف أن هذه الحكومة ستسعى لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس المساءلة والشفافية، كما أنها ستسعى إلى فتح آفاق جديدة في التعليم والصحة.

ولفت إلى أن “خطتنا للمستقبل ستعتمد على محاور من بينها الحفاظ على الموارد البشرية وتنميتها”، وأكد أنه سيتم السعي لاستقطاب الموارد البشرية السورية من بلاد المهجر لتسريع التنمية.

كما أكد أن الحكومة الجديدة ستسعى لتأهيل الصناعة والعمل على حماية المنتج الوطني، وكذلك لإنشاء بيئة مشجعة للاستثمار في كل القطاعات.

وأشار إلى أن الحكومة المقبلة تسعى لإصلاح حالة النقد وتقوية العملة السورية ومنع التلاعب بها، وأيضا التركيز على حماية المواطنين وتعزيز الاستقرار.

ولفت الشرع إلى أنه تم إنشاء وزارة مختصة بالرياضة والشباب إيمانا بأهمية دور الشباب، كما تم إنشاء وزارة الطوارئ والكوارث لمواجهة أي تحديات وضمان الاستجابة لأي حادث.

وأكد الرئيس السوري على أولوية الحكومة بالعمل على بناء جيش وطني يحافظ على أمن سوريا.

تشكيلة الحكومة

وبعد كلمة الشرع تناوب أعضاء الحكومة الجديدة على إلقاء الكلمات وأداء القسم أمام رئيس الجمهورية وهم التالية أسماؤهم.

1- أسعد الشيباني وزيرا للخارجية

2- مرهف أبو قصرة وزيرا للدفاع

3- أنس خطاب وزيرا للداخلية

4-مظهر الويس وزيرا للعدل

5- محمد أبو الخير شكري وزيرا للأوقاف

6- مروان الحلبي وزيرا للتعليم العالي

7- هند قبوات وزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل

8- محمد البشير وزيرا للطاقة

9- محمد يسر برنية وزيرا للمالية

10- نضال الشعار وزيرا للاقتصاد

11- مصعب نزال العلي وزيرا للصحة

12- محمد عنجراني وزيرا للإدارة المحلية

13- رائد الصالح وزيرا للطوارئ والكوارث

14- عبد السلام هيكل وزيرا للاتصالات وتقنية المعلومات

15- أمجد بدر وزيرا للزراعة

16- محمد عبد الرحمن تركو وزيرا للتربية والتعليم

17- مصطفى عبد الرزاق وزيرا للأشغال العامة والإسكان

18- محمد صالح وزيرا للثقافة

19- محمد سامح حامض وزيرا للرياضة والشباب

20- مازن الصالحاني وزيرا للسياحة

21- محمد اسكاف وزير للتنمية الإدارية

22- يعرب بدر وزيرا للنقل

23- حمزة مصطفى وزيرا للإعلام

المصدر : الجزيرة + وكالات

—————————–

كلمة رئيس الجمهورية العربية السورية أحمد الشرع خلال مراسم الإعلان عن تشكيل الحكومة السورية

ألقى الرئيس السوري أحمد الشرع، السبت، كلمة الإعلان عن تشكيلة الحكومة السورية الجديدة في قصر الشعب بدمشق.

أعلن الرئيس الشرع، تشكيل حكومة جديدة أكد أنها لن تسمح للفساد بالتسلل إليها وقال: “في لحظة فارقة من تاريخ أمتنا تتطلب مننا التلاحم والوحدة أقف أمامكم اليوم متوجها إلى كل فرد منكم حاملا آمال كل واحد منكم ونحن نشهد ميلاد مرحلة جديدة”.

وأضاف: “نشهد ميلاد مرحلة جديدة في مسيرتنا الوطنية، وتشكيل حكومة جديدة اليوم هو إعلان لإرادتنا المشتركة في بناء دولة جديدة”.

وتابع: “هذه الحكومة ستسعى إلى فتح آفاق جديدة في التعليم والصحة، ولن نسمح للفساد بالتسلل إلى مؤسساتنا”.

ومضى قائلا: “أعدكم أن أكون معكم خطوة بخطوة لبناء المستقبل، وسنسعى جاهدين لبناء مؤسسات الدولة على أساس من الشفافية والمساءلة”.

ولفت إلى أن الخطة لمستقبل البلاد “ستعتمد على محاور، من بينها الحفاظ على الموارد البشرية وتنميتها، واستقطاب الموارد البشرية السورية من بلاد المهجر”.

وأضاف: “سنصلح قطاع الطاقة للحفاظ على الاستدامة وتوفير الكهرباء على مدار الساعة، وسنعمل على رعاية المزارعين بما يؤمن الإنتاج للحفاظ على الأمن الغذائي”.

وأردف: “سنسعى لتأهيل الصناعة، وسنعمل على حماية المنتج الوطني، وإنشاء بيئة مشجعة للاستثمار في كل القطاعات، وإصلاح حالة النقد وتقوية العملة السورية ومنع التلاعب بها”.

وكشف الشرع عن إنشاء وزارة مختصة بالرياضة والشباب، لافتا إلى أن ذلك يأتي “إيماناً منّا بأهمية دور الشباب”.

وأكد أنه “خلال هذه المرحلة العصيبة، ستكون الجهود مضاعفة لمواجهة كل حدث يتعرض له شعبنا”.

واستدرك: “لذلك أنشأنا وزارة الطوارئ والكوارث لمواجهة أي تحديات أو كوارث قد تواجه الوطن، وسنعمل على بناء نظام استجابة سريع وفعال لأي حالة طارئة، سواء كانت طبيعية أو إنسانية، لضمان حماية المواطنين وتوفير الإغاثة الفورية”.

وزاد: “سنولي اهتماما كبيرا لمواكبة التطور التكنولوجي وبرامج الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، وسنبدأ ببناء البنية التحتية اللازمة لذلك من تأهيل الكوادر واستقطاب الخبرات، ومراكز البحث والسوق المشجع لتحقيق هذا الهدف”.

كما أكد العمل لـ”بناء جيش وطني مهني، يضحي بالغالي والنفيس لأجل سيادة سوريا وسلامتها”.

كذلك، لفت إلى أن الحكومة الجديدة ستعمل على “الحفاظ على استقرار العلاقات الخارجية مما يؤمن المصالح المستدامة لسوريا وأصدقائها”.

ووصف الحكومة الجديدة بأنها “حكومة التغيير والبناء”، مشددا على أنها “تحمل على عاتقها تطلعات الشعب وآماله في مستقبل مشرق ومستدام”.

وفيما يأتي أبرز النقاط التي تطرق إليها الرئيس الشرع:

    الرئيس السوري أحمد الشرع: نحن أمام مرحلة جديدة تتطلب منا الوحدة والإرادة القوية

    الرئيس السوري أحمد الشرع: تشكيل حكومة جديدة اليوم هو إعلان لإرادتنا المشتركة في بناء دولة جديدة

    الرئيس السوري أحمد الشرع: هذه الحكومة ستسعى لإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس المساءلة والشفافية

    الرئيس السوري أحمد الشرع: هذه الحكومة ستسعى إلى فتح آفاق جديدة في التعليم والصحة

    الرئيس السوري أحمد الشرع: لن نسمح للفساد بالتسلل إلى مؤسساتنا

    الرئيس السوري أحمد الشرع: خطتنا للمستقبل ستعتمد على محاور من بينها الحفاظ على الموارد البشرية وتنميتها

    الرئيس السوري أحمد الشرع: سنسعى لاستقطاب الموارد البشرية السورية من بلاد المهجر لتسريع التنمية

    الرئيس السوري أحمد الشرع: سنسعى لتأهيل الصناعة وسنعمل على حماية المنتج الوطني

    الرئيس السوري أحمد الشرع: سنسعى لإنشاء بيئة مشجعة للاستثمار في كل القطاعات

    الرئيس السوري أحمد الشرع: سنسعى لإصلاح حالة النقد وتقوية العملة السورية ومنع التلاعب بها

    الرئيس السوري أحمد الشرع: سنركز على حماية المواطنين وتعزيز الاستقرار

    الرئيس السوري أحمد الشرع: أنشأنا وزارة مختصة بالرياضة والشباب إيمانا منا بأهمية دور الشباب

    الرئيس السوري أحمد الشرع: أنشأنا وزارة الطوارئ والكوارث لمواجهة أي تحديات وضمان الاستجابة لأي حادث

    الرئيس السوري أحمد الشرع: نعمل على بناء جيش وطني يحافظ على أمننا

    الرئيس السوري أحمد الشرع: بدأنا مسيرتنا في مرحلة صعبة لكن لدينا الإرادة لتجاوز كل العقبات

——————————–

تعرّف إلى السير الذاتية لوزراء أول حكومة سورية بعد سقوط نظام الأسد

2025.03.30

في لحظة مفصلية من تاريخ سوريا الحديث، أُعلنت تشكيلة الحكومة السورية الجديدة، وسط آمال بقدرتها على قيادة البلاد نحو مرحلة أكثر استقراراً وفاعلية. وقد جاءت التشكيلة الجديدة متنوّعة من حيث الخلفيات العلمية والمهنية، وضمّت شخصيات بارزة من مشارب سياسية وأكاديمية ومجتمعية مختلفة.

يتكوّن الفريق الوزاري الجديد من وزراء يحملون شهادات عليا من جامعات محلية وعالمية، وخبرات متراكمة في قطاعات حيوية. ويستعرض هذا التقرير السير الذاتية لأعضاء الحكومة الجديدة، كاشفاً عن خلفياتهم العلمية، وتجاربهم العملية، والمسارات التي أوصلتهم إلى تولي مناصبهم الوزارية.

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني

وُلد أسعد حسن الشيباني في محافظة الحسكة عام 1987. أقام مع عائلته في دمشق، حيث أكمل دراسته الجامعية، وتخرّج في جامعة دمشق عام 2009 من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، قسم اللغة الإنجليزية وآدابها.

حصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة صباح الدين زعيم في تركيا عام 2022، ثم على درجة الدكتوراه في التخصص ذاته عام 2024. ويدرس حالياً المرحلة الأخيرة من ماجستير إدارة الأعمال (MBA).

وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة

وُلد عام 1984 في مدينة حلفايا بريف حماة. حاصل على درجة البكالوريوس في الهندسة الزراعية من جامعة دمشق. بعد اندلاع الثورة السورية، استخدم خبراته الهندسية لدعم فصائل المعارضة، مما أسهم في بروزه كقائد عسكري بارز.

لعب دوراً قيادياً في عملية “ردع العدوان” التي أسفرت عن سقوط نظام الأسد، وفي 21 كانون الأول 2024، تم تعيينه وزيراً للدفاع في الحكومة السورية.

وزير الداخلية السوري أنس خطاب

من مواليد 1987، ينحدر من بلدة جيرود في القلمون الشرقي، وكان يدرس الهندسة المعمارية في جامعة دمشق.

يُعرف عن خطاب أنه على درجة عالية من الثقافة ويتحدّث لغتين أجنبيتين، كما أنه درس الهندسة المعمارية في جامعة إدلب خلال فترة إقامته في المنطقة.

وفي 26 كانون الأول الماضي، جرى تعيينه رئيساً لجهاز الاستخبارات في سوريا، ليكون أول شخص يشغل هذا المنصب بعد سقوط نظام الأسد.

وزير العدل مظهر الويس

من مواليد عام 1980، ينحدر من بلدة العشارة بريف دير الزور، درس الطب البشري في جامعة دمشق، ثم التحق بمعهد “الفتح الإسلامي” في قسم الفقه المقارن.

تعرّض للاعتقال عام 2008 في فرع فلسطين، ثم نُقل إلى سجن صيدنايا وبقي فيه عدة سنوات، وكان من المشاركين في الاستعصاءات الثلاثة التي نفذها الإسلاميون في السجن.

خرج من السجن في نيسان عام 2013، والتحق بـ”جبهة النصرة”، وأصبح لاحقاً أحد الشرعيين البارزين في “هيئة تحرير الشام”، كما شغل مناصب ضمن وزارة العدل التابعة لحكومة الإنقاذ، منها رئيس المجلس الأعلى للقضاء.

وزير المالية محمد يسر برنية

من مواليد عام 1967، يحمل إجازة من كلية الاقتصاد في جامعة دمشق عام 1990. تابع دراساته العليا في الاقتصاد بجامعة ولاية كنساس الأميركية وجامعة ولاية أوكلاهوما خلال الفترة ما بين 1990 و1994، وتدرّب في البنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي في نيويورك عام 1996.

انضم برنية إلى صندوق النقد العربي كاقتصادي في عام 1996، وخلال الفترة ما بين 2004 و2007 أسهم في إنشاء هيئة الأوراق والأسواق المالية السورية وسوق دمشق للأوراق المالية.

شغل برنية عدة مناصب في صندوق النقد العربي خلال الفترة من 2009 وحتى 2024، منها مدير دائرة السياسات الاقتصادية.

وزير الإدارة المحلية والبيئة محمد عنجراني

من مواليد عام 1992، يحمل إجازة من كلية الهندسة الميكانيكية. شارك في الثورة السورية منذ بداياتها، واعتُقل على يد النظام أواخر عام 2011. شغل منصب الأمين العام في وزارة الأوقاف في حكومة الإنقاذ، ورئيس الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش فيها.

تولى عنجراني منصب وزير الإدارة المحلية في حكومة الإنقاذ في آخر دورتين، كما كُلّف بتسيير أعمال وزارة الإدارة المحلية والبيئة عقب سقوط نظام الأسد.

وزير الصحة السوري مصعب نزال العلي

الدكتور مصعب نزال العلي، استشاري في جراحة الأعصاب، من مواليد عام 1985 في قرية الطيانة بريف دير الزور. يحمل الجنسية الألمانية، ويعمل في المشافي الألمانية منذ عام 2014.

تخرّج العلي في كلية الطب بجامعة حمص عام 2009، وبدأ اختصاصه في جراحة الأعصاب بجامعة حلب، قبل أن يُجبر على التوقف إثر اعتقاله داخل مشفى الجامعة عام 2011، مع بدايات الثورة السورية.

بعد خروجه من سوريا، تابع العلي دراسته في ألمانيا، حيث أكمل تخصصه في جراحة الدماغ والأعصاب، ونال لاحقاً لقب “استشاري”.

إلى جانب مسيرته الطبية، أسهم الدكتور العلي في تأسيس “التجمع السوري في ألمانيا”، إلى جانب نخبة من الأطباء والأكاديميين السوريين من مختلف التخصصات، بهدف تنفيذ مشاريع تنموية داخل سوريا، ونقل الخبرات الطبية والعلمية لدعم أبناء بلده.

وزير الطوارئ والكوارث رائد الصالح

رائد الصالح، المدير السابق لمنظمة الدفاع المدني السوري المعروفة بـ”الخوذ البيضاء”، ينحدر من مدينة جسر الشغور بريف إدلب. وُلد عام 1983.

قبل اندلاع الثورة السورية، كان يعمل في مجال التجارة، وشارك في تأسيس الدفاع المدني في إدلب عام 2013، حيث عُيّن مديراً للمنظمة في المحافظة، ثم انتُخب لاحقاً مديراً للدفاع المدني في سوريا.

يحمل بكالوريوس في إدارة الأعمال من جامعة ماردين آرتوكلو التركية، بعدما نال شهادة مماثلة عام 2017 من الأكاديمية العربية في الدنمارك. وتم اختياره ضمن قائمة أكثر 100 شخصية مؤثرة في العالم لعام 2017، الصادرة عن مجلة “تايم”.

وزير الإعلام حمزة المصطفى

من مواليد عام 1985، حاصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة دمشق عام 2007، ودرس الماجستير في تخصص العلاقات الدولية بجامعة دمشق قبل فصله منها عام 2012 بسبب مواقفه المؤيدة للثورة السورية. كما أنه حاصل على درجة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، في تخصص السياسات المقارنة، من معهد الدوحة للدراسات العليا عام 2017، وحاصل على درجة الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة إكستر في المملكة المتحدة.

عمل باحثاً في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في الدوحة، متخصصاً في الدراسات السورية، وسكرتيراً للتحرير في مجلة “سياسات عربية” بين عامي 2011 و2018.

كما عمل مشرفاً للتحرير في التلفزيون العربي في لندن بين عامي 2019 و2020، وشغل منصب المدير العام لشبكة تلفزيون سوريا من منتصف عام 2020 وحتى آذار 2025.

وزير الأوقاف محمد أبو الخير شكري

عُيّن محمد أبو الخير شكري وزيراً للأوقاف، وهو من الشخصيات الدينية والقانونية البارزة في سوريا، يجمع بين الدراسة الشرعية والأكاديمية القانونية، وله سجل علمي طويل يمتد لعقود.

وُلد شكري في 30 نيسان عام 1961 في مدينة دمشق، وينحدر من أسرة دمشقية عريقة تقطن في حي سوق ساروجة قرب جامع الورد. بدأ دراسته الشرعية في كلية الدعوة الإسلامية – فرع دمشق، وتخرج فيها عام 1987، ثم تابع دراسته الأكاديمية في كلية الحقوق بجامعة دمشق، ونال إجازته فيها عام 1991.

كما التحق بكلية الآداب في الجامعة اللبنانية ودرس فيها ثلاث سنوات، إلا أنه لم يُكمل تعليمه فيها. وفي عام 1994، حصل على لقب “أستاذ في المحاماة” من نقابة المحامين فرع دمشق، وكانت رسالته بعنوان: “النفقة في قانون الأحوال الشخصية السوري مقارنة بالفقه الإسلامي”.

واصل شكري دراسته العليا، فحصل على شهادة الماجستير في الدراسات الإسلامية من جامعة منهاج القرآن الإسلامية في لاهور – باكستان، وقدم رسالة بعنوان: “الإثبات بالشهادة بين الفقه والقانون”.

كما نال شهادة الدكتوراه في الدراسات الإسلامية، شعبة الفقه وأصوله، من معهد الدعوة الجامعي للدراسات الإسلامية في بيروت – لبنان عام 2010، وقد تناولت رسالته موضوع “حقوق الطفولة بين الشريعة الإسلامية والتشريعات الدولية – دراسة مقارنة”.

وزير الثقافة محمد ياسين الصالح

من مواليد عام 1985، يحمل بكالوريوس في اللسانيات من جامعة لندن متروبوليتان البريطانية، وماجستير في الترجمة من جامعة ويستمنستر البريطانية.

عمل في الصحافة في قناة الجزيرة في قطر، وحاز المركز الأول في مسابقة “فصيح العرب” في دولة قطر عام 2016.

وزير التنمية الإدارية محمد حسان سكاف

من مواليد عام 1990، يحمل ماجستيراً مهنياً في الإدارة من جامعة إدلب بتقدير امتياز، وبكالوريوس في الرياضيات التطبيقية من جامعة إدلب.

شغل عدة مناصب في حكومة الإنقاذ، منها: عضو لجنة المتابعة الإدارية في الإدارة العامة، ورئيس لجنة الموازنات المالية العامة، ومدير إدارة الأصول الثابتة، والمدير العام للإدارة العامة للموارد البشرية، ورئيس لجنة الهياكل التنظيمية.

وزير السياحة مازن الصالحاني

من مواليد عام 1979، يحمل دبلوم الدراسات العليا في إدارة الأعمال من كلية البحيرات العظمى للعلوم والتكنولوجيا، أونتاريو – كندا، وماجستير علوم في إدارة المشاريع من جامعة ويست كليف – كاليفورنيا، الولايات المتحدة الأميركية.

شغل منصب رئيس مجلس الإدارة، وشارك في تأسيس مجموعة من الشركات في قطر والسعودية وتركيا والجزائر وسوريا. ومن بين المشاريع الكبرى التي أدارها: منتجع سلوى، مول قطر، فندق بنتلي الفاخر، جزيرة جيوان، منتجع أنانتارا، فندق هيلتون، فندق ماريوت، فندق شيراتون، فندق ذا نيد، فندق النجادة، مستشفى ذا فيو، فندق الريان (فنادق ومنتجعات LXR)، ومترو قطر.

ومن المشاريع الدولية التي شارك فيها: فندق والدورف أستوريا في المالديف، مدينة القدية المائية في السعودية، ومجمع وفندق بالم فيليدج في سوريا.

وزير الأشغال العامة والإسكان مصطفى عبد الرزاق

من مواليد عام 1989، يحمل درجة البكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة حلب عام 2011، ودبلوماً تخصصياً في الإدارة العامة، وإدارة المشاريع والتطوير المؤسساتي.

عمل مديراً عاماً في المديرية العامة للأشغال والطرق في حكومة الإنقاذ بين عامي 2024 و2025، كما عمل في قسم المشاريع الهندسية في معبر باب الهوى بين عامي 2017 و2019، وأشرف على تنفيذ عشرات المشاريع في شمال غربي سوريا.

وزير الزراعة أمجد بدر

من مواليد السويداء عام 1969، تخرج في كلية الهندسة الزراعية، قسم الاقتصاد الزراعي، بجامعة دمشق عام 1993. حصل على شهادتي الماجستير والدكتوراه في الاقتصاد الزراعي من جامعة حلب والمركز الدولي للبحوث العلمية الزراعية في المناطق الجافة (ICARDA).

عمل بدر في الهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية، في مركز بحوث السويداء، وشارك في إنجاز العديد من البحوث الاقتصادية والاجتماعية في المجال الزراعي، وفي عدد من المشاريع الدولية والإقليمية.

وزير الاقتصاد محمد نضال الشعار

من مواليد حلب عام 1956، هو اقتصادي وسياسي بارز شغل منصب وزير الاقتصاد والتجارة في سوريا بين عامي 2011 و2012.

حصل الشعار على درجة البكالوريوس في الاقتصاد من جامعة حلب عام 1980، ثم تابع دراساته العليا في الولايات المتحدة، حيث نال درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة جورج واشنطن.

شغل الشعار عدة مناصب أكاديمية ومهنية، منها التدريس في كلية الاقتصاد بجامعة حلب بين عامي 1996 و2001، كما عمل باحثاً في وزارة الإسكان الأميركية، ومستشاراً اقتصادياً في البنك الدولي، حيث قام بتقييم مالي لمؤسسات القطاع العام في أوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

في عام 2002، تم تعيينه أميناً عاماً لهيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية في البحرين، وهي منظمة دولية تُعنى بشؤون العمل المالي والمصرفي الإسلامي.

خلال مسيرته، شارك الشعار كمتحدث رئيسي في أكثر من مئة مؤتمر اقتصادي حول العالم، ودرب موظفي بورصات سنغافورة ودبي وأبو ظبي.

حصل على جائزة محمد بن راشد آل مكتوم للتفوق المصرفي عام 2006، ورُشّح لجائزة نوبل في الاقتصاد عامي 2009 و2010 من قبل عدة مؤسسات عالمية.

وزير الرياضة والشباب محمد سامح حامض

من مواليد عام 1976، يحمل شهادة تحكيم درجة ثالثة ودرجة ثانية، وشهادة انتساب في تدريب كرة السلة.

عمل رئيساً للاتحاد الرياضي العام عام 2024، ونجح في قيادة المنتخب الوطني لكرة السلة للتأهل عبر النافذة الثانية إلى كأس آسيا في قطر.

تولى إدارة المديرية العامة للرياضة والشباب بين عامي 2021 و2024 في حكومة الإنقاذ، وأسهم في التخطيط والإشراف على إعادة تأهيل الملعب البلدي في إدلب، كما أسّس الاتحادات الرياضية للألعاب الجماعية والفردية، وألعاب القوة والقوى.

وزير الطاقة محمد البشير

ينحدر البشير من منطقة جبل الزاوية بريف إدلب الجنوبي، وهو من مواليد عام 1983، ويحمل إجازة في الهندسة الكهربائية والإلكترونية، قسم الاتصالات، من جامعة حلب عام 2007. كما حصل على إجازة في الشريعة والحقوق من جامعة إدلب عام 2021.

كما يحمل البشير شهادة في إدارة المشاريع صادرة عن الأكاديمية الدولية للتدريب واللغات والاستشارات، وشهادة في مبادئ التخطيط والتنظيم الإداري. وخضع عام 2010 لدورة متقدمة في اللغة الإنجليزية.

قبل اندلاع الثورة السورية، عمل البشير رئيساً لقسم أجهزة الاتصال الدقيقة في معمل الغاز التابع للشركة السورية.

وخلال الثورة، عمل مديراً للتعليم الشرعي في وزارة الأوقاف والدعوة والإرشاد في حكومة الإنقاذ لمدة عامين ونصف، ثم نائباً لمدير شؤون الجمعيات في وزارة التنمية والشؤون الإنسانية، ومن ثم أصبح مديراً لشؤون الجمعيات.

ولاحقاً، شغل منصب وزير التنمية في حكومة الإنقاذ في دورتها الخامسة لعام 2022. وفي الدورة السادسة لحكومة الإنقاذ، جرى اختيار البشير رئيساً لها في 13 كانون الأول الماضي، خلفاً لعلي كدة، كما شغل منصب أول رئيس حكومة في سوريا بعد سقوط نظام الأسد.

وزير التعليم العالي مروان الحلبي

من مواليد القنيطرة عام 1964، وهو من الأسماء الأكاديمية والطبية في سوريا، ويحمل سجلاً علمياً في مجال التوليد وطب الإخصاب.

حصل الحلبي على شهادة الدكتوراه في الطب البشري (MD) من جامعة دمشق عام 1987، وتابع تخصصه في مجال التوليد وأمراض النساء، حيث نال شهادة البورد السوري من وزارة الصحة السورية عام 1990، ثم شهادة الدراسات العليا (MSD) في التخصص نفسه من جامعة دمشق عام 1991.

تابع الحلبي دراسته في فرنسا، حيث حصل على عدة شهادات متقدمة، منها دبلوم جامعي (DU) في تقنيات التوليد الحديثة من جامعة Franche-Comté عام 1996، ودبلوم عالٍ مشترك (DIU) في البيولوجيا التطبيقية للإخصاب من الجامعة ذاتها في العام نفسه. كما نال شهادة الاختصاص العالي المعمّق (AFSA) في التوليد وأمراض النساء من جامعة Claude Bernard عام 1997، ثم شهادة اختصاص مماثلة في طب الإخصاب من جامعة Franche-Comté عام 1998، إضافة إلى دبلوم جامعي مشترك (DIU) في الجراحة التنظيرية للعقم من جامعة Claude Bernard عام 1999.

نشر الدكتور الحلبي أكثر من 50 بحثاً علمياً محكّماً في مجال طب الإخصاب، وألّف خمسة كتب متخصصة (Textbooks) في علم الجنين الطبي وبيولوجيا الإخصاب. كما قدم أكثر من 100 ورقة علمية في مؤتمرات طبية على المستويات العالمية والإقليمية والمحلية.

أشرف على العديد من رسائل الدكتوراه والماجستير في كليات الطب البشري، والصيدلة، والعلوم بجامعة دمشق، ونال عدداً من الجوائز الطبية المحلية والإقليمية تقديراً لإنجازاته العلمية. ويُعد أول باحث ومحاضر سوري يشارك في مؤتمرات جمعيات الخصوبة العالمية، مثل IFFS، وESHRE الأوروبية، وASRM الأميركية، وMEFS الشرق أوسطية.

يشغل الدكتور الحلبي منصب أستاذ طب الإخصاب وعلم الجنين والوراثة في كلية الطب بجامعة دمشق، وهو أيضاً رئيس قسم التشريح والنسج والجنين في الكلية نفسها. كما يعمل مديراً طبياً ورئيساً لوحدة الإخصاب في مشفى الشرق بدمشق.

وترأس الدكتور الحلبي جمعية الشرق الأوسط للخصوبة (MEFS)، وهو رئيس الجمعية السورية للمولّدين والنسائيين، ونائب رئيس الجمعية السورية لأطباء طفل الأنبوب. كما يُعد عضواً فاعلاً في الجمعية العربية للجراحة التنظيرية، وعضواً شرفياً في جمعيات الخصوبة الأردنية والليبية والعراقية.

وزير الاتصالات السوري عبد السلام هيكل

وُلد في دمشق في 14 تموز 1978. شغل منصب رئيس مجلس إدارة مجموعة “هيكل”، التي تضم شركات متخصصة في التحول الرقمي وريادة الأعمال، ويُعدّ هيكل من أبرز رواد الأعمال في مجالي الإعلام والتكنولوجيا في سوريا.

يحمل شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة الأميركية في بيروت، ودرجة الماجستير في العلاقات الدولية من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية (SOAS) بجامعة لندن.

شغل منصب رئيس مجلس إدارة مجموعة “هيكل”، التي تضم شركات متخصصة في التحول الرقمي وريادة الأعمال، ويُعدّ هيكل من أبرز رواد الأعمال في مجالي الإعلام والتكنولوجيا في سوريا.

في عام 2009، اختاره المنتدى الاقتصادي العالمي ضمن قائمة “القادة العالميين الشباب”، ليكون أول سوري ينال هذا اللقب، كما حصل في عام 2014 على “جائزة الإبداع الإعلامي” من مؤسسة الفكر العربي.

أسس شركة “هيكل ميديا”، التي تدير منصات إعلامية رقمية، من بينها النسخ العربية لمجلات عالمية مثل “هارفارد بزنس ريفيو”، و”إم آي تي تكنولوجي ريفيو”، و”بوبيولار ساينس”.

وزير التربية محمد عبد الرحمن تركو

من مواليد عام 1979، ينحدر من عفرين بريف حلب. يحمل إجازة في الحقوق من جامعة دمشق عام 2001، ودكتوراه من جامعة لايبزيغ الألمانية.

شغل منصب نائب رئيس جامعة دمشق للشؤون الإدارية وشؤون الطلاب، وقبل ذلك، كان عضواً في الهيئة التدريسية في الجامعة الافتراضية السورية وجامعة دمشق.

وزيرة الشؤون الاجتماعية هند قبوات

سياسية وباحثة وناشطة في المجتمع المدني السوري. شغلت منصب رئيسة منظمة “تستقل” النسوية، وكانت عضواً في اللجنة التحضيرية لمؤتمر الحوار الوطني السوري في شباط 2025.

درست قبوات التجارة والاقتصاد في جامعة دمشق، وحصلت على شهادة ماجستير في القانون والدبلوماسية من كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس بالولايات المتحدة، بالإضافة إلى شهادة في القانون من الجامعة العربية في بيروت.

مع انطلاق الثورة السورية عام 2011، لعبت قبوات دوراً بارزاً في المعارضة السورية والمفاوضات السياسية، حيث شغلت مناصب في الهيئة العليا للمفاوضات بين عامي 2015 و2017، وكانت نائبة رئيس مكتب هيئة التفاوض في جنيف من عام 2017 حتى 2022.

في المجال الأكاديمي، عملت قبوات أستاذة مساعدة ومديرة لقسم حوار الأديان وحل النزاعات في معهد الأديان والدبلوماسية بجامعة جورج ماسون منذ عام 2013، وكانت زميلة زائرة في كلية الحقوق بجامعة هارفارد بين عامي 2017 و2019. كما أسست مركز الحوار والسلام والمصالحة السوري في تورونتو، وعملت مستشارة وعضواً في المجلس الاستشاري للبنك الدولي.

وزير النقل السوري يعرب بدر

مهندس وسياسي سوري ينحدر من محافظة اللاذقية، من مواليد عام 1959. شغل منصب وزير النقل في سوريا من 11 شباط 2006 حتى 14 نيسان 2011. حاصل على درجة الدكتوراه في علوم النقل من المدرسة الوطنية للجسور والطرق في باريس.

بعد عودته إلى سوريا عام 1992، عمل أستاذاً في كلية الهندسة المدنية بجامعة تشرين في اللاذقية، حيث درّس مواد متعلّقة بالنقل وسلامة المرور وطرق البحث العلمي.

شارك بدر في إعداد الفصل المتعلّق بقطاع النقل والمواصلات ضمن الخطة الخمسية العاشرة لسوريا (2006–2010)، وأسهم في أعمال المجلس الاستشاري لوزارة النقل.

بعد انتهاء فترة عمله كوزير، عاد للتدريس في كلية الهندسة المدنية في الجامعة العربية الدولية، وشارك في برنامج ماجستير إدارة السلامة المرورية في جامعة القديس يوسف في بيروت بدءاً من عام 2012.

ومنذ عام 2014، يعمل كمستشار إقليمي للنقل واللوجستيات في لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا).

——————————

هل ترتق الحكومة الانتقالية ثوب سورية الممزّق؟/ سميرة المسالمة

31 مارس 2025

تخضع مناطق واسعة من سورية لسلطات وقوانين خاصة، مختلفة أو غير متوافقة مع القوانين المركزية في دمشق، ما يطرح تساؤلات بشأن آلية لمِّ شمل هذه “السوريات” المقسّمة على ثلاث حكومات، لإضافتها إلى حكومة دمشق الجامعة، واستعادة التماسك الجغرافي وقبله الديمغرافي بينها، وهل تتحمّل إمكانات الحكومة السورية غير المدعومة دولياً (حتى اللحظة) أعباء المهمّات الموكلة إليها، من توطيد الأمن، وإرساء السلم الأهلي، وتأمين البنية التحية اللازمة لشروط الحياة الطبيعية والاستثمارية على مختلف الأصعدة، من تعليم وصحة وصناعة واقتصاد وزراعة ودفاع؟

تحتاج عملية إعادة بناء سورية الموحّدة، ورتق خروقاتها وسد الفجوات العميقة بين مكوناتها، خطّةً حكومية مرنة، لا تقوم على اشتراطات مسبقة، بل تبنى على أساس الانفتاح على جميع الآراء ومحاورتها، لوقف الانهيار المجتمعي نحو صراعاتٍ داخليةٍ تزيده تمزّقاً، فالأولوية للسلم الأهلي ومدخله وحدة المجتمع السوري على حساب التنازلات السلطوية من كل الأطراف، لأنها العامل الحاسم في القفز فوق مستنقع الفوضى والإقصاء، إذ تشكّل التسويات المحلية العادلة حجر الأساس للاستتباب الأمني والاستقرار والتنمية، والمحفز الأساسي لإطلاق خطّة إعادة إعمار محلية، على غرار “خطة مارشال”، مع ملاحظة غياب حماسِ المجتمع الدولي لإزالة العقوبات الغربية عن سورية كاملةً وفوراً، أي أننا أمام ضرورات ملحّة لرؤية أو خطة سورية شاملة، تأخذ في الاعتبار أو بين سيناريوهات عملها، أنها تحت ضغط الحصار الاقتصادي عبر العقوبات الغربية، واستمرار انفلات الاعتداءات الإسرائيلية غير المُدانة دولياً، وهي أمام تركة ثقيلة من الدمار الذي خلفه نظام بشّار الأسد خلال حرب 14 عاماً على السوريين، في كل القطاعات الخدمية والإنتاجية والتجارية من جهة مقابلة.

وكما كانت التجربة في إدلب محدودة، ويعتبرها المشرفون ناجحة، وتعيش حالة استقرار اقتصادي نسبي، بسبب محدودية مساحتها، وسهولة السيطرة على أمنها الداخلي، فقد كانت كل مناطق نفوذ الأمر الواقع تتمتّع بتقييم أعلى من واقع حكومة النظام الأسدي المخلوع، ما يعني أن وضع خطط مركّزة ومجدولة، ووفق الإمكانية المتاحة، قد يعطي نتائج ملموسة أكثر من وعود فضفاضة، تسمح بتسريع حالة الإحباط عند طرفَي المعادلة؛ الفاعل والمتلقي. من هنا، يمكن القول، مرّة ثانية ومرة ثالثة، إن البناء على “لا مركزية التنمية” هو الجامع الحقيقي للمِّ الشمل السوري، إذ يتيح مزيداً من فرص التجارب الناجحة والمتنافسة على النمو في المناطق السورية، بينما يجب أن تتجه الجهود إلى توحيد مجتمعات السوريين، وتعزيز فكرة انتماءاتهم الجمعية للشعب السوري.

الطريق طويل ومكلف لإخراج الحكومات المتعددة السورية (الإنقاذ والمؤقتة والإدارة الذاتية) من عباءة تمويلها الحالي (الخارجي)، إلى تحت إطار موازنة الحكومة المركزية الجديدة، التي أُعلن عنها أول أمس السبت (29 مارس/ آذار الحالي)، ليس لأسباب سياسية، بل أيضاً لأسباب مجتمعية واقتصادية، وهدم الجدار بينها لا يتطلب معولاً، بقدر ما يحتاج تفاهمات تنظم هيكلية سورية وفقاً لمصالح الشعب السوري، وليس لشعاراتٍ أيديولوجية، فالأسباب السياسية بين الكيانات السورية يمكنها أن تتلاشى، مع ارتفاع نسبة التشاركية، مع كل من الائتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية وحكومته المؤقتة وهيئة التفاوض، التي قيل إنها تعمل على تسليم ملفّاتها إلى السلطة المركزية، بينما لم يعلن الائتلاف الوطني بعد قرار حلّ نفسه وحكومته، وكذلك الحال مع هيئة التفاوض. وبينما لا تحتاج حكومة الإنقاذ التي تتبع أصلاً إلى سلطة الرئيس أحمد الشرع إلا لقرار سيادي لتكون منطقة نفوذ تحت سلطة الحكومة الجديدة وبقوانينها، خاصة أن صلاحيات وزراء فيها تمدّدت إلى كامل المساحة السورية، ومع ذلك، فإنها أيضاً تحتاج لتمرين اندماج قانوني، وكذلك “تقشفي” مالي، إذ متوسّط الدخل لديها على تدنيه أعلى من مناطق الحكومة الموسعة بثلاثة أضعاف أو أكثر.

ورغم توقيع الرئيس السوري الاتفاق مع مظلوم عبدي القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية (10/3/2025) القاضي بضم كل المنطقة الواقعة تحت سيطرة هذه القوات للسلطة الجديدة، إلا أننا لا نزال بعيدين عن تنفيذه، بالنظر إلى خلافاتٍ أعقبت الإعلان الدستوري الذي ناقض بنود الاتفاق، مع تأكيد أن تنفيذ اتفاقٍ كهذا ضمن سياق طبيعي يحتاج فترة ليست قصيرة، لتتمكن أطرافه من اكتساب الثقة المتبادلة، وذلك لدمج المؤسّسات داخل ثوب الحكومة بقوانينها ومحدّداتها في الحياة الثقافية والاجتماعية والعسكرية، فكيف هو الحال، مع اعتبار بعض الأطراف السورية الفجوةَ تزايدت بعد تشكيل الحكومة الجديدة في غياب واضح للتوافق المطلوب وشعار التشاركية.

وكذلك، يؤكد استمرار الخلافات مع مناطق في حوران والسويداء وحمص والساحل ومناطق الكرد في الشمال والشرق أن الحاجة في كل وقت لتأكيد أهمية الحوارات الوطنية المستمرّة لتسهيل اندماج المجتمعات، أفراداً وتجمعات في صلب الدولة، وهذا لا يمكنه أن يكون قسرياً، فما لم تأخذ الحكومة بالاعتبار التمايزات والفروق والحاجة إلى الحريات الفردية والجمعية، لن تستطيع تشكيل الهوية السورية الجامعة من خلال أسماء حكومية متنوعة، سواء اعترفت فيها جماعاتها أو أنكرتها.

العربي الجديد

——————————–

الحكومة السورية… جملة تحديات تختبر الوعود والأهداف/ عماد كركص

31 مارس 2025

جاءت أسماء الوزراء في الحكومة السورية الجديدة التي تمّ الإعلان عنها مساء أول من أمس السبت في دمشق، والتي تضم 23 وزيراً، متوقعة في بعضها، مقابل أخرى مفاجئة، في التشكيلة التي يفترض أن تستمر طيلة الفترة الانتقالية الممتدة على مدار خمسة أعوام. وتواجه الحكومة السورية الجديدة التي أعلن عنها الرئيس أحمد الشرع، جملةً من التحديات، لا سيما المتعلقة بالوضعين الأمني والاقتصادي، إذ سيختبر معها السوريون وعود السلطة الجديدة وتحقيق أهداف الثورة في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد.

وكانت الإدارة الجديدة في دمشق أقرت منتصف شهر مارس/آذار الحالي، إعلاناً دستورياً للمرحلة الانتقالية، يُحدد مدتها بخمس سنوات يتولى خلالها الشرع السلطة التنفيذية في البلاد، علماً أنه بعد إطاحة نظام الأسد، أعلنت السلطات الجديدة حينها تعيين حكومة تصريف أعمال لإدارة البلاد لفترة تمتد ثلاثة أشهر برئاسة محمد البشير.

وأعلن مساء السبت، عن تشكيل الحكومة الانتقالية السورية، والتي احتفظ فيها عدد قليل من وزراء حكومة تصريف الأعمال بحقائبهم. ودمجت وزارات، وألغيت اثنتان، وأضيفت وزارتان كذلك. أما الأبرز في شكل الحكومة السورية الجديدة، فهو إلغاء منصب رئيس الوزراء، بعدما اعتمد الإعلان الدستوري النظام الرئاسي المحض، الذي يجعل من رئيس الدولة، رئيساً للحكومة. وتضم الحكومة السورية المعلن عنها، 23 وزيراً، علماً أن آخر حكومة للنظام السوري المخلوع، التي رأسها محمد غازي الجلالي، كانت تضم 27 وزيراً.

وأكد الشرع، مساء السبت، في كلمة له خلال مراسم الإعلان عن التشكيلة الحكومية، أن سورية “تواجه تحديات كبيرة تتطلب منا التلاحم والوحدة، ونشهد ميلاد مرحلة جديدة في مسيرتنا الوطنية”. واعتبر أن “تشكيل حكومة جديدة اليوم هو إعلان لإرادتنا المشتركة في بناء دولة جديدة، وهذه الحكومة ستسعى إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس المساءلة والشفافية، وسوف تسعى إلى فتح آفاق جديدة في التعليم والصحة، ولن نسمح للفساد بالتسلل إلى مؤسساتنا”. وحثّ الشرع جميع السوريين على التعاون مع الحكومة الجديدة “التي تتطلب تعاون الجميع لبناء وطن قوي ومزدهر لبناء سورية قلب العروبة”. وأضاف: “خطتنا للمستقبل ستعتمد على محاور من بينها الحفاظ على الموارد البشرية وتنميتها، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أساس من الشفافية، ومعالجة القضايا المعيشية، إضافة إلى مواصلة معالجة الوضع الأمني”.

وأوضح الرئيس السوري أن “خطة الحكومة المستقبلية تتمثل في الحفاظ على الموارد البشرية من خلال تطوير التعليم والجامعات وربط التوجهات مع حاجة السوق واستقطاب الموارد البشرية السورية في الخارج”، متطرقاً كذلك إلى أهداف “تنمية الزراعة ورعاية المزارع، وتأهيل الصناعة وحماية المنتج المحلي وتخفيف الضرائب”. وشرح أن دمج وزارتي النفط والثروة المعدنية، والكهرباء، بوزارة واحدة تحت مسمى وزارة الطاقة، يهدف إلى تسريع التعامل مع التحديات المختلفة، وإنشاء بيئة استثمارية لجذب الاستثمارات، وإصلاح النقد والحفاظ على العملة السورية، وإعادة النظر في السياسة الضريبية للتخفيف عن المواطن. كما أكد على أهمية استعادة الأمن في جميع المناطق السورية، وإنشاء وزارة مختصة بالرياضة والشباب.

وزراء الحكومة السورية الجديدة

من جهتهم، عرّف الوزراء عن مهماتهم بكلمات مقتضبة، من بينهم وزير الخارجية أسعد الشيباني، الذي احتفظ بمنصبه إلى جانب وزير الدفاع مرهف أبو قصرة. وتسّلم رئيس حكومة تصريف الأعمال محمد البشير، وزارة الطاقة، والذي أكد عزمه العمل على تحقيق شراكات عربية ودولية في مجال الطاقة، فيما شغل مظهر الويس حقيبة وزارة العدل، حيث أكد السبت على “العمل لترسيخ دولة القانون والتصدي بشجاعة للفساد، وتحقيق العدالة الانتقالية”.

وشدّد وزير الداخلية أنس خطاب، الذي عيّن رئيساً للاستخبارات بعد إطاحة نظام الأسد، في كلمته، أول من أمس، “على بناء مؤسسات تضم منظومة أمنية متكاملة وفق أحدث التقنيات، والعمل على تطوير الشؤون المدنية عبر بناء قاعدة بيانات وطنية”، مؤكداً أن “الأمن مسؤولية الجميع”.

وبالإضافة إلى هؤلاء، ضمّت الحكومة السورية محمد نضال الشعار (مواليد 1956 ـ حلب) وزيراً للاقتصاد، وسبق أن شغل منصب وزير الاقتصاد والتجارة في عامي 2011-2012. وأكد الشعار أول من أمس، أن سياسته “ستركز على إعادة الإعمار تحت عنوان الشفافية”. وتسلّم رائد الصالح وزارة الطوارئ والكوارث، علماً أنه كان يشغل منصب مدير منظمة الدفاع المدني (الخوذ البيضاء) منذ تأسيسها في الشمال السوري عام 2013. وكلّف الشرع محمد يسر برنية بقيادة وزارة المالية، وهو رئيس الأسواق المالية في صندوق النقد العربي. وأوضح برنية في كلمته أن وزارته ستعمل على تعزيز شفافية كاملة في الإنفاق العام، ومراجعة منظومة الأجور والرواتب بما يؤمن حياة كريمة، ومراجعة الضرائب والرسوم بما يحد من التهرب الضريبي وتخفيف الأعباء عن المواطنين، إضافة إلى محاربة الفساد.

وتسلّمت السياسية والناشطة في المجتمع المدني هند قبوات وزارة الشؤون الاجتماعية، وأوكلت وزارة التعليم العالي لأستاذ طب الإخصاب وعلم الجنين والوراثة في كلية الطب بجامعة دمشق، مروان الحلبي، وهو من مواليد محافظة القنيطرة، كما كلّف عبد السلام هيكل بتولي منصب وزير الاتصالات، وهو رائد أعمال سوري في قطاعي التكنولوجيا والإنترنت مقيم في الإمارات منذ عام 2013.

من جهته، شدّد وزير الخارجية أسعد الشيباني (مواليد 1987 – الحسكة) في كلمته، على أن “أعظم انتصار لشعبنا هو في قدرتنا على بناء الوطن”، مشيراً إلى أن وزارته “عملت طوال الأشهر السابقة على استعادة دور سورية القوي في العالم”، وأن مهام الوزارة “ستركز على بناء علاقات دولية قائمة على الاحترام المتبادل”.

وتعهد وزير الدفاع مرهف أبو قصرة “الالتزام بحماية البلاد وأمنها واستقرارها، وسنعيد لسورية جيشها الذي تستحقه، جيشاً يتباهى السوريون بالانتساب إليه”.

وتقلد محمد أبو الخير شكري (مواليد دمشق 1961)، وهو أستاذ جامعي وخطيب، منصب وزير الأوقاف، ومصعب نزال العلي (مواليد دير الزور) منصب وزير الصحة. وكلّف بوزارة الإدارة المحلية محمد عنجراني، من مدينة حلب، وهو حامل إجازة في الهندسة الميكانيكية، والذي اعتقل في بداية الثورة من جانب نظام الأسد، كما شارك في حكومة الإنقاذ التي كانت تحكم في إدلب. وعيّن أمجد بدر وزيراً للزراعة، ومحمد عبد الرحمن تركو وزيراً للتربية والتعليم، وحمزة المصطفى وزيراً للإعلام، ومحمد صالح وزيراً للثقافة، وكان يعمل مذيعاً في قناة الجزيرة، ومحمد عبد الرزاق وزيراً للأشغال العامة والإسكان، ومازن الصالحاني وزيراً للسياحة، ويعرب سليمان بدر وزيراً للنقل، ومحمد حسان سكاف وزيراً للتنمية الإدارية. ومن أبرز الخارجين من حكومة تصريف الأعمال ماهر الشرع، شقيق الرئيس أحمد الشرع، الذي تولى منصب وزير الصحة بالوكالة. وكلّف علي كدّة بأمانة سر مجلس الوزراء بعدما شغل منصب وزير الداخلية بحكومة البشير السابقة.

ولقد دمجت وزارتا الكهرباء والنفط والثروة المعدنية، ضمن وزارة جديدة تحت مسمى وزارة الطاقة، وغابت وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك عن المشهد. في المقابل، تم استحداث وزارة الشباب والرياضة، بعدما كانت المؤسسة التي تقود الشأن الرياضي في البلاد هي “الاتحاد الرياضي العام” التابع لحزب البعث. وأوكل محمد سامح حامض بقيادة هذه الوزارة، وأيضاً استُحدثت وزارة الكوارث والطوارئ التي لم تحضر في أي حكومة سورية.

رفع سقف التطلعات

من حيث الشكل، حقّقت حكومة الشرع التنوع الذي وعدت به الإدارة السورية الجديدة التي أطاح جناحها العسكري نظام الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول الماضي، وجاءت مرضية للمناطق، لكن وزاراتها السيادية ذهبت إلى شخصيات من “هيئة تحرير الشام” التي كان يقودها الشرع، قبل أن تعلن عن حل نفسها. وخلافاً للاستحقاقين الهامين السابقين، مؤتمر الحوار الوطني (فبراير الماضي) والإعلان الدستوري المؤقت، اللذين أجريا على عجل، فإن تشكيل الحكومة السورية للمرحلة الانتقالية أخذ وقتاً كافياً قبل الإعلان عنها، لا سيما مع بعض العوائق التي كان في مقدمتها اعتذار أسماء مرشحة عن قبول وزارات.

السمة الرئيسية التي غلبت على إعلان الحكومة السورية ليل السبت، كان رفع سقف التطلعات وتصدير الوعود، بدءاً من الشرع، وصولاً إلى جميع الوزراء الذين أعلنوا عن أهداف وضعوها لقيادة وزاراتهم، حيث تجاوز عدد الوعود والأهداف بين الرئيس والوزراء حاجز الـ100 وعد وهدف، وهذا ما سيجعل الحكومة السورية أمام تحدي الوفاء بتعهداتها في ظل وضع استثنائي تعيشه البلاد بعد سقوط الأسد، الذي خلّف دولة منهارة ومنخورة بالفساد، عدا عن العطب الذي أصاب ويصيب السيادة السورية بفعل الحرب. فلا يزال جنود لجيوش أجنبية متمركزين في قواعد بمناطق متفرقة من الأرض السورية، في حين تتضح نيات إسرائيل ونهمها لقضم مزيد من الجغرافيا جنوبي سورية. التفاعل العام، والذي يمكن قراءته سريعاً على وسائل التواصل الاجتماعي، كان إيجابياً مع إعلان الحكومة ووزرائها، وربط ذلك بتفاؤل حذر، مع ما قد يفرزه أداء الوزراء ومن ثم الحكم.

وقال وزير الصحة، مصعب نزال العلي، لـ”العربي الجديد”، إن البنى التحتية للقطاع الصحي استنزفت على مستويات عدة، لا سيما البنى التحتية الرئيسية والمستلزمات الطبية والعنصر البشري، مشيراً إلى أن العمل سيكون على ثلاث مراحل حالية ومتوسطة وبعيدة المدى، للنهوض بهذا الواقع، ومن ثم الانتقال للأفضل مما كان عليه. وأضاف: “من أحد أهدافنا إدخال التقنيات الحديثة للقطاع الصحي، وتدريب الكوادر الطبية على أفضل الممارسات الحديثة”، مشيراً إلى أن القطاعين الخاص والعام في المجال الصحي سيكونان حاضرين في البلاد، وكل في مهامه ودوره.

المدير السابق للدفاع المدني (الخوذ البيضاء)، وزير الطوارئ والكوارث (محدثة) رائد الصالح، أشار في تصريح لـ”العربي الجديد”، إلى أن استحداث الوزارة “يدل على أن هناك رؤية لدى الحكومة بأنها لن تعمل فقط للاستجابة للطوارئ المستجدة، وإنما التخطيط السليم والصحيح لتجنب الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية”. وأضاف: “من أولوياتنا أن نعمل كفريق في الحكومة من كافة الوزارات على تخفيف معاناة سكان المخيمات، حتى نتمكن من إعادتهم إلى منازلهم”.

من جهته، رأى وزير الثقافة محمد صالح، أن “جميع الوزراء في الحكومة السورية الجديدة معنيون بأن يتركوا بصمة سريعة، ونقل البلاد إلى الخط الحر الذي من الطبيعي أن تعيشه”، مضيفاً لـ”العربي الجديد”: “نحن كنا نعيش بوضع احتلال في عهد النظام البائد، يعيقنا عن كل رفعة وعلوّ، والآن سنعمل على استعادة مكانة سورية والسوريين الطبيعية، ونحن حالياً نحتاج لضبط توقيتنا مع توقيت العالم، بعدما كانت سورية تمشي إلى الوراء لسنين طويلة”.

وحول إطلاق الكثير من الوعود والأهداف، سواء من قبل الرئيس أحمد الشرع أو الوزراء، ومدى تحقيقها في ظل الطروف الراهنة سياسياً وعلى مستوى البنية التحتية التي تعيشها البلاد، قال الأكاديمي أحمد جاسم الحسين لـ”العربي الجديد”، إن “المعلومات لدي تشير إلى أن رئيس الجمهورية طلب من المرشحين للوزارات قبل فترة أن يطلعوا على الوزارات المرشحين إليها، وأن يقدموا رؤية وخطة عمل استراتيجية كل لوزارته، وفي الغالب في الخطط النظرية يتم طرح أفكار عامة، ثم يتم اللجوء إلى مقايسة ما يتم تطبيقه على أرض الواقع، لأن أغلب الوزراء الجدد ليسوا على اطلاع على تفاصيل عمل الوزارات، وفي حالة مثل سورية، حيث الإنترنت والكهرباء في أضعف حالتهما، إضافة إلى ضعف النقل والبنى التحتية وتعامل العنصر البشري مع المتاح من كل ذلك، فإن الوعود تشير إلى رغبة بالعمل وتحسين هذا الواقع”.

وبحسب معلومات الحسين، فإن “الرئيس أعطى الوزراء مدة ستة أشهر لبذل أفضل ما يمكن ثم تقييم الأداء، وطبعاً الوزير في أي وزارة لا يملك كل المفاتيح، لأن الأمر لا يقتصر على العنصر البشري أو الإرادة، وإنما هناك عوامل عدة تساهم في مسألة النجاح والفشل، لا سيما البنى التحتية لكل وزارة، لكن الأهم، وإن تأخر تنفيذ الخطط والأهداف، هو وضع البلد على سكة واستراتيجية ما، نأمل أن تتحقق لاحقاً، فمن المهم حالياً أن تكون لدينا استراتيجية، وستظهر الصعوبات، ثم يأتي العمل على إزالتها”.

وفي حين برز غياب السياسة، والسياسة العامة للبلاد، لا سيما الخارجية، خلال الإعلان عن تشكيل الحكومة، وحول ما إذا كان ذلك يُفهم منه رسالة بأن الأولوية لبناء الداخل قبل الانطلاق للخارج، أشار الحسين إلى أن “وزير الخارجية مثلاً، تحدث عما أنجز سابقاً، ولم يتطرق بقوة لما سيتم العمل عليه لاحقاً، وبالتالي، يبدو أن التركيز أكبر على الوضع الداخلي حالياً، لا سيما أنه سبق ذلك، خلال الأشهر الثلاثة الماضية، انفتاح كبير لبناء السياسة الخارجية وانفتاح على الجميع، من خلال مشاركات وزيارات مكوكية لبناء علاقات مع الدول والمنظمات الدولية، والآن تكشف لدى الجميع أن الأمر معقد في تلك العلاقات، لا سيما المشاركة في نهضة البلاد من قبل الدول والمنظمات”. وبناء على ذلك، اعتبر الحسين مما تكشف أن “الحاجة ملحّة للتوجّه أكثر نحو الداخل، وقراءة حال البلد ووضع الخطط المناسبة وبناء الوزارات والهيئات والمؤسسات، والتي ستقدم خططها واحتياجاتها ليصار عندئذ وضعها أمام الشركاء والنظر للمجالات التي يمكن التعاون بها مع الدول”. وبرأيه، فإن “هذا يحتاج إلى وقت لا يقل عن عام، حتى تتكشف لدى كل وزارة أبرز احتياجاتها لا سيما من البنى التحتية، فالحكومة لا تحسد على هذه المرحلة التي تسلمت فيها بلداً شبه مدمر”.

وحول التحديات الهيكلية والإدارية، رأى خبير الإدارة والاقتصاد، عبد الناصر الجاسم، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن “التحديات تتشكل من نقاط عدة، أولها اعتماد نظام الحكم الرئاسي، ما يعني أن الرئيس هو الرئيس التنفيذي للحكومة، وبالتالي هناك حاجة لصلة وصل بين الرئيس وحكومته بعد إلغاء منصب رئيس الحكومة، والتحدي الثاني هو تقليص الحقائب الوزارية والدمج بين الوزارات، ما يفرض تحديات هيكلية وإدارية كبيرة جداً، يحمل التعامل معها مخاطرة على حساب جوهر عمل الوزارات”. ولفت إلى أن “الأمر الثالث هو استحداث وزارات، ما يعني بناء هيكل جديد بتسلسل وتراتبية إدارية، أما التحدي الرابع، فيتمثل بطبيعة المرحلة والاحتياجات الحالية في سورية، وهو تحدٍّ يتطلب هياكل مرنة ورشيقة تتناسب مع احتياجات المرحلة”. وشرح أن “الشكل التقليدي والاستجابة العادية للوزارات، لا يتناسبان مع المرحلة الانتقالية الحرجة المحفوفة بالمخاطر، فيما التحدي الخامس وهو الأكبر، يكمن في أن الهياكل التنظيمية والأطر الناظمة تؤثر في عملية صنع القرار، وصنع القرار هو جوهر عملية الإدارة، فالوزير، في أي وزارة، إذا غرق في التفاصيل الروتينية والتنظيمية وانحرف عن جوهر عمله الأساسي وهي عملية صناعة القرار، فسيكون ذلك عائقاً في تحقيق رؤيته داخل وزارته”.

وبيّن الجاسم أن “هناك فرصاً مقابل هذه التحديات، لا سيما أن هناك 14 وزيراً من التشكيلة الوزارية من التكنوقراط، اطلعوا على تجارب في دول أجنبية ونظم إدارية متطورة، لكن تبقى التحديات أكبر، لا سيما أن المطلوب السرعة في الإنجاز، والحفاظ على جودته”. وختم بقوله إنه “إذا أردت أن أنصح الحكومة، فأطلب إعطاء دور كبير لوزارة التنمية الإدارية، وأن يكون داخل كل وزارة مكتب للتنمية الإدارية، من شأنه أن ينجز بسرعة تطوير الهياكل لها”.

العربي الجديد

————————————

قراءة في حكومة التوازنات السورية الصعبة

لأول مرة بتاريخ سوريا يتابع السوريون تنصيب وزرائهم

دمشق: سعاد جرَوس

30 مارس 2025 م

حمل مشهد مراسم إعلان تشكيل حكومة سورية جديدة إشارات ودلالات في مشهد بصري غير مسبوق، عكس الطريق الشاق الذي عبره التشكيل الوزاري ضمن خريطة التوازنات المعقدة، ليكون «إعلاناً للإرادة المشتركة في بناء دولة جديدة»، و«خطوة في بناء سوريا حرة مستقلة»، بحسب كلمة الرئيس السوري أحمد الشرع.

ورغم الارتياح الذي أشاعته ولادة حكومة جديدة في الشارع السوري، في ظل أوضاع أمنية ومعيشية هشة، فإن هناك من شكك بقدرة الحكومة الجديدة على تحقيق التغيير المنتظر، لتشهد منصات الواقع الافتراضي عاصفة جدل وانتقادات وتخويف، ظلت بعيدة عن الواقع في الداخل المترقب لأي بارقة أمل.

هناك من جمع انطباعاته من متابعة البث المباشر لوقائع تكليف الحكومة وعرض الرؤى، بحضور الرئيس وجمهور من مختلف الأطياف والمكونات السورية، في سابقة تعد الأولى في تاريخ سوريا، أجبرت السوريين على التسمّر أمام الشاشات.

وهناك من تابع التفاعل عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتداول السير الذاتية للوزراء الجدد، والمشاركة في نقاش عام داخل وخارج البلاد من دون قيد، عبّر عنها بشكل غير مألوف احتجاج شيخ عشيرة «الشنابلة» (إحدى عشائر البدو في السويداء) سعود نايف النمر، الذي كان حاضراً في الجلسة، وقوله لرئيس الجمهورية بعد انتهاء المراسم أمام الكاميرات بصوت غاضب: «على دور الأول (حكم الأسد) كنا مهمشين، وعلى دوركم بقينا مهمشين».

الموقف نكأ ذاكرة السوريين المريرة من عهد الأسد المخلوع حين كان الاقتراب من الرئيس في الأماكن العامة والتجمعات من دون إذن أمني، يُعرّض صاحبه للضرب، وقد يودي به إلى غياهب السجون، إلا أن الشرع أجاب الشيخ المحتج بهدوء: «وجودك هنا اليوم دليل على عدم التهميش»، مضيفاً: «وهناك وزير من محافظة السويداء» (يقصد وزير الزراعة في التشكيلة الجديدة).

إحباط… ونواة ضيقة

غير أن هناك من شعر بالإحباط لضعف تمثيل النساء، وغياب التمثيل لكامل المكونات السورية، أو احتفاظ النواة الضيقة للسلطة القادمة من داخل «هيئة تحرير الشام» المنحلة، بوزارات سيادية كوزارة الدفاع التي احتفظ بها مرهف أبو قصرة، والخارجية التي احتفظ بها أسعد الشيباني، والداخلية التي كُلف بها رئيس الاستخبارات أنس خطاب، وأخرى اقتصادية كوزارة الطاقة التي كُلف بها محمد البشير، والعدل التي ذهبت لمظهر الويس، والأوقاف التي كُلف بها محمد شكري.

في المقابل، هناك من تفاءل باختيار شخصيات من التكنوقراط المخضرمين ورواد الأعمال ذوي الخبرات الدولية، وهم الغالبية في الحكومة الجديدة. وهذا من المؤشرات «الإيجابية»، بحسب رأي ناشطة مدنية من الساحل ضمن مجموعة مغلقة في تطبيق «واتس آب»، قالت فيها: «التمثيل غير مهم، المهم أن تكون حكومة مهنية قادرة على إعادة الحياة الطبيعية للبلاد».

وتضمنت الحكومة الجديدة 23 وزيراً، بعد دمج وزارتَي الكهرباء والنفط ضمن وزارة الطاقة، ودمج وزارتَي الاقتصاد والصناعة بوزارة الاقتصاد التي كُلف بها نضال الشعار أستاذ الاقتصاد النقدي والدولي، وزير الاقتصاد والتجارة السابق، ورئيس المجلس الأعلى للاستثمار، ورئيس «الجمعية الأميركية – السورية لرجال الأعمال»، وغيرها من الشركات الأميركية.

والشعار من أبرز الوزراء التكنوقراط، وقد سبق له العمل الوزاري في العهد البائد، إلى جانب وزير النقل السابق والحالي يعرب بدر المتخصص في علوم النقل والطرق وسلامة المرور.

    رسالة “رائد الصالح” @RaedAlSaleh3 للسوريين بمناسبة عيد الفطر السعيد، و تشكيل الحكومة السورية الجديدة، التي يشغل فيها منصب وزير “الطوارئ والكوارث والبيئة” بعد أن استقال من الخوذ البيضاء التي قادها لسنوات وحمل هموم السوريين وآمالهم بثبات، متحدثاً باسمهم في المحافل الدولية، وموحداً… pic.twitter.com/VxDA6kzydA

    — الدفاع المدني السوري (@SyriaCivilDefe) March 29, 2025

ومن التكنوقراط البارزين أيضاً وزير الاتصالات رائد الأعمال السوري في مجالَي التكنولوجيا والإعلام، عبد السلام هيكل، وكذلك وزير الطوارئ والكوارث رائد صالح رئيس الدفاع المدني السوري المعروف باسم «الخوذ البيضاء»، ووزير الصحة طبيب جراحة الأعصاب نزال العلي، والتعليم العالي مروان الحلبي، والتربية محمد تركو، والزراعة أمجد بدر الرئيس السابق لمركز البحوث العلمية الزراعية في السويداء، والإعلام حمزة مصطفى، والإدارة المحلية محمد عنجراني، والسياحة محمد صالحاني، والتنمية محمد سكاف، ووزير الأشغال العامة والإسكان مصطفى عبد الرزاق، والشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات التي تعد المرأة الوحيدة في الحكومة الجديدة، وهي أكاديمية متخصصة في حل النزاعات وبناء السلام في جامعة جورج ميسين بالولايات المتحدة.

وقد لاقى اختيار معظم تلك الأسماء ارتياحاً في أوساط السوريين، رغم التحفظات المتعلقة بضعف تمثيل المرأة، أو تحفظ البعض على حجم تمثيل المكونات السورية. وبدا واضحاً توجّه الرئيس أحمد الشرع في بناء توازنات الاختيار على قاعدة الخبرات كأفراد لا مكونات، لتحييد الخلافات.

شجاعة «الصفر»

الناشط في المجال الإغاثي مروان جابر، اعتبر الاعتماد على التكنوقراط «حلاً يستقطب الغالبية السورية»؛ لأن الغالبية تتطلع إلى فتح «نافذة في جدار الاستعصاء السوري»، واصفاً الحكومة الجديدة بـ«المغامرين الشجعان؛ لأنهم قبلوا التكليف بوزارات يتم إعادة بنائها من الصفر».

وفي كلمته بافتتاح جلسة مراسم تشكيل الحكومة، تعهد الرئيس أحمد الشرع بالسعي إلى «بناء مؤسسات الدولة على أساس من الشفافية والمساءلة»، وعدم «السماح للفساد بالتسلل إلى المؤسسات الحكومية»، وقال إن أهداف الحكومة الجديدة هي «ضمان حقوق الإنسان، وتطوير منظومة التعليم في سوريا، ورعاية المزارعين بما يؤمّن الإنتاج للحفاظ على الأمن الغذائي، وإصلاح قطاع الطاقة، وتحقيق التنمية الزراعية، وإعادة النظر بالسياسة الضريبية، ودعم العملة الوطنية ومنع التلاعب في أسعار الصرف»، مع إيلاء «اهتمام كبير بالتطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي»، والعمل على «فرض الأمن في مختلف المناطق السورية».

الشرق الأوسط

————————————-

عدالة انتقالية وقانون أحزاب.. ماذا يريد السوريون من حكومتهم الجديدة؟

2025.03.30

تفاوتت رغبات السوريين ومطالبهم الموجهة إلى الحكومة الانتقالية التي أعلن عنها مساء أمس السبت، ما بين المضي في تحقيق عدالة انتقالية تطمئن المجتمع الدولي وتساعد في رفع العقوبات عن سوريا، وإطلاق قانون أحزاب يكفل التشاركية السياسية في البلاد.  

الحقوقي والمحامي المختص بالقانون الدولي والإنساني، نعيم أقبيق، رأى أنه في ظل استمرار العقوبات على سوريا، فإن الحكومة الجديدة أمام جملة من الخطوات لرفعها، من خلال اللجوء إلى المحافل الدولية، والحوار مع الأطراف المعنية، وتحقيق العدالة الانتقالية.

وقال أقبيق في حديث لصحيفة “الوطن

” المحلية: “نحن أمام إجراءات فردية أحادية، لأن الجهة المخولة فرض العقوبات هي الأمم المتحدة (مجلس الأمن وفق المادة 41 من الفصل السابع، التي تندرج في الجزاءات أو التدابير)”. وأوضح أن الإدارة الأميركية “كان عليها أن تعري النظام المخلوع على جرائمه التي ارتكبها، لا أن تفرض عقوبات على الشعب السوري”.

وأضاف أقبيق: “على الحكومة الجديدة المنبثقة أن تعمل على المطالبة من خلال المحافل الدولية بأنه لم يعد هناك مبرر لتلك الإجراءات الأحادية، وكذلك العمل على التفاوض مع الاتحاد الأوروبي وأميركا، وفي حال تعثر ذلك يطلب عقد جلسة لمجلس الأمن لرفع تلك الجزاءات أو الإجراءات الأحادية، لأنها تعد انتهاكاً للقانون الدولي ولم يعد لها مبرر”.

وشدّد على ضرورة تحقيق العدالة الانتقالية بوصفها حلاً لتلك الإجراءات، قائلاً إنه “لا مبرر أيضاً لتلك العقوبات في ظل مفهوم العدالة الانتقالية”، مشيراً إلى أنه على الحكومة “التشاور مع الأشقاء العرب وخاصة المملكة العربية السعودية التي لها دور إقليمي ودولي كبير، بما يساعد في رفع العقوبات عن سوريا”.

الحريات السياسية وقانون الأحزاب

من جانبه، قال المتخصص في القانون الدولي رائق شعلان في تصريحات لنفس المصدر: “سوريا لم  تعرف ظاهرة التعددية السياسية الحقيقية خلال حكم حزب البعث للبلاد، والسبب الرئيس في ذلك انعدام الديمقراطية”.

وأضاف: “إن الشعب السوري اليوم يتطلع بكثير من الأمل والتفاؤل للمستقبل مع تشكيل أول حكومة جديدة التي يفترض أن تقود سوريا إلى بر الأمان وتحقق أماني وتطلعات الشعب السوري ولا سيما انخراطه في حياة سياسية حرة من خلال إيجاد بيئة ديمقراطية ملائمة تمكن السوريين من تشكيل أحزاب سياسية تعمل كتنظيمات وسيطة بين الشعب والحكومة بما تحمله من برامج تتضمن مطالب الشعب واحتياجاته”.

بدوره، اعتبر الأمين العام لـ “الجبهة الديمقراطية السورية” محمود مرعي، أن الحكومة الجديدة هي “بداية التشاركية” وأمامها مهام كثيرة، وخاصة إصدار قوانين تتعلق بالحريات وتنظيم الحياة السياسية كقانون الأحزاب، مشدداً على ضرورة أن تؤسس هذه الحكومة لعمل مؤسساتي سواء كان محليأ أم تشريعياً أو نقابياً.

وقال مرعي إن من أبرز مهام الحكومة الجديدة إجراء انتخابات تشريعية ومحلية وإعادة انتخاب النقابات، آخذاً بالاعتبار أن أغلبية هذه النقابات تم حلها مثل نقابات المحامين والمهندسين والأطباء وغرف التجارة والصناعة.

ضم جميع أراضي الدولة

ورأى مرعي أن من مهام الحكومة أيضاً، إجراء حوار يعكس التنوع السوري، ولاسيما مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) وذراعها السياسية “مجلس سوريا الديمقراطية” (مسد).

وأشار بهذا السياق الى أن هناك مناطق ما زالت خارج سيطرة الدولة، حيث الموارد الأساسية في هذه المناطق وخاصة في شمال شرقي سوريا والتي “لا بد أن تكون ملكاً للشعب والدولة”، وفق ما نقل المصدر.

تلفزيون سوريا

—————————

وزراء سوريون فدائيون/ معن البياري

31 مارس 2025

أمران ليسا تفصيليَيْن، بشأن الحكومة السورية الانتقالية المُعلنة الليلة قبل الماضية. الأول: مراسِمُ إشهارها مبتكرَة، غيرُ مسبوقةٍ في أي بلد، لم نعرف مثلَها عربياً، لا مصحفَ ولا إنجيل يَحلف عليه الوزير المعيّن في قَسَمه أمام رئيس البلاد. الوزير يقدّم، بإيجازٍ شديد، أمام الحضور والمشاهدين والمستمعين، السوريين وغيرهم، ما يشبه برنامج عملٍ سيُنجزه. الثاني: ترقّبَ السوريون (وعربٌ كثيرون) متابعة هذه المراسِمَ على الهواء مباشرة، في وقتٍ متأخّر، ويعني هذا أنهم قطعوا تماماً مع الزمن الذي لم يكونوا يكترثون فيه بالمشاهد إيّاها لرئيس حكومة ووزراء يصافحون بشّار الأسد، أو أباه من قبله، مع تعيين أولئك في مناصبهم. كان السوريون، الليلة قبل الماضية، معنيين، في فائضٍ من الاهتمام والترقّب، بمَن سيتسلّم وزارة التعليم العالي ومَن زميلُه وزير الاتصالات، ليتداولوا، من ثمّ، ما إذا كان هذان وغيرُهما على كفاءة في مهمّاتهم. ويعني هذا، أيضاً، أن السوريين استردّوا بلدهم يوم 8 ديسمبر (2024) المجيد، وباتوا يشعُرون، حقيقةً، بأن سورية لهم، وليست لعائلةٍ اختطفتها خمسة عقود. … يعرفون أنهم لم يعبُروا إلى حكمٍ ديمقراطي، تنهض فيه حكومةٌ متعيّنةٌ وتمثيليّةٌ من برلمانٍ منتخَب، تكون تعبيراً عن تدافع أوزان قوى وأحزاب سياسية في بلدهم، لكنهم، في الوقت نفسه، يجهرون بأنّ على كل وزيرٍ، قال ما قاله الليلة الماضية، أن ينتظر رقابةً شعبيةً على أدائه، بل وعلى شخصه أيضاً، أثقلََ من أي برلمان. وقبل أن ينام الوزراء ليلتهم الأولى وزراء، كان سوريون بلا عددٍ يرمونهم بدرجات التقييم والتقويم والرضا وعدمه، وبمن كان أنسبَ من هذا وذاك ليتولّى المسؤولية الوزارية في هذا الشأن وغيره. وإذ بدت الشعبويّاتُ على أشدّها في مواضع غير قليلة في هذا كله، إلّا أن لكثيرٍ مما انكتب قيمتَه، في تحسّس المزاج السوري العام وانتظاراته وآمالِه وتطلّعاته، وقيمتُه تلك، من قبلُ ومن بعد، هي في التدليل على أن سوريةً أخرى تعلن قيامتَها، سورية المنتسبة إلى أهلها.

زاوية نظرٍ أخرى في المقطع المصوّر الليلة قبل الماضية، من المشهد السوري العريض، تدعونا إلى اعتبار وزراء الحكومة الانتقالية فدائيين، فجبالٌ من الملفّات العويصة تنتظرهم، سيّما وأن أكتافهم ستنوء بالتعهدات التي نثروها أمام الجمهور العام. ولقائلٍ أن يقول هنا إنهم لو أنجزوا نصف ما وعدوا به مواطنيهم، في فترتهم الانتقالية، فسيُحرزون نجاحاً ما بعده نجاح. وكم أشفقتُ على وزير النقل، يعرُب بدر، وهو يَعد بالارتقاء بخدمات النقل العام، وبتكامل بين أنماط النقل الخاص والعام، فحافلاتٌ (باصاتٌ) شاهدتُها في شوارع رئيسية في دمشق، وفيها ركّابها، لا أغالي أبداً لو قلتُ إنها تصلح لاستخدامها في مسلسلاتٍ تلفزيونيةٍ عن عهد الانتداب الفرنسي، من فرط عتاقتها وبؤسها الذي يصيبُك بالذهول، وبالإعجاب بقدرتها على الحركة، وبإبداع سائقها في التعامل معها. … وبالنظر إلى ترهّلٍ عظيمٍ في مؤسّسات الدولة، وتجذّر الفسادَيْن، الصغير والكبير، عقوداً في التعامل مع شؤون الناس، ومع شُحٍّ شديدٍ في الموارد المالية اللازمة لخطط الوزارات ومشاريعها، ومع توزّع جغرافياتٍ سوريةٍ لم تخضع كلياً بعد لسلطة الدولة الواحدة الموحّدة، ومع تحسّبٍ من توتراتٍ أمنية غير مستبعدة، ومع تخلّفٍ ظاهرٍ في طرائق الإدارة والتسيير الحكومي، فإن الذي سُمع من الوزراء المحترمين عن أهدافٍ سيعملون على إنجازها، ويلحّ عليها السوريون، ويستحقون إنجازها، يبدو كثيرٌ منه أحلاماً كبرى، ومن ذلك قول وزير التنمية الإدارية، محمد سكاف، إن وزارته “ستركّز على هيكلة الجهات العامة وفق الاتجاهات العالمية الحديثة”.

كل الاحترام للذين ذهبوا إلى أولوية السياسي، وقالوا إنه لزم تقديمُه على كل اعتبارٍ في تعيينات الوزراء، ولكن الإنجاز العملي الملموس، في القطاعات الخدمية والمعيشية، في الزراعة والصناعة والإسكان والتعليم والصحة و…، هو ما يستعجل السوريون معاينَتَه بعيونهم، ولن يرحموا وزيراً يتباطأ في السير على هذا الممشى. ولهذا، ولغير سببٍ وسبب، لنا أن نقول إنّ الفشل ممنوع، وإن نجاح الوزراء، وجميعُهم مشهودٌ لهم بوطنيّة انتمائهم إلى بلدهم، غير مستحيل، وهم أدرى بالصعوبات والمعيقات والتحدّيات أكثر منّا، نحن الذين نرتجل تعليقاتنا، في دعةٍ من أمرنا. وآخر القول هنا إنّ كل السوريين، ومعهم كل العرب، مدعوون إلى إسناد التجربة السورية الراهنة، بارتباكاتها، وبالذي يُرضينا فيها ولا يُرضينا، لأن كلفة الإخفاق فادحة، كما أن مفاعيل أي انتكاسةٍ إلى الوراء مروّعة، لا سمح الله.

العربي الجديد

—————————

سوريا: حكومة جديدة وتحديات هائلة!

رأي القدس

تحديث 31 أذار 2025

إضافة إلى الاهتمام العربي والأجنبي الذي ناله إعلان حكومة جديدة في دمشق، فقد حظيت المراسيم التي أحاطت بهذه الواقعة باهتمام شعبي كبير عبّر عنه حجم التعليقات الكبير في وسائل التواصل الاجتماعي، والنقاشات التي أثارها بيان الحكومة الذي تلاه أحمد الشرع، رئيس الجمهورية، وأسماء الوزراء، وخلفياتهم، ومدى تمثيلهم للمكونات السياسية والطائفية والإثنية السورية.

تحوّل إعلان الحكومة إلى حدث سياسيّ يتنازع حوله السوريون، فلاحقوه بالتعليق والنقاش العام المفتوح، وتابعها المهتمّون بالشأن السوري العرب والأجانب عبر التلفزيونات ووسائل التواصل الاجتماعي، في مشهد لم يكن له نظير، على الأغلب، في 54 عاما، هي عمر الحقبة الأسدية التي ناخت باستبدادها الفظيع على الجغرافيا السورية وما حولها.

أظهر الرئيس السوري أحمد الشرع، في الخطب القصيرة القليلة التي ألقاها منذ تولّيه السلطة، فارقا ملحوظا هائلا عن المطوّلات المتعالمة والفوقية المثيرة للسخرية التي كان يلقيها بشار الأسد، رئيس النظام السابق، وكان ذلك واضحا في بيان الحكومة الجديدة، التي سيرأسها بنفسه.

تحدث الشرع، عن «ميلاد مرحلة جديدة» ولكنها «عصيبة» مشيرا إلى أن الحكومة ستجسد «الإرادة المشتركة» للسوريين، وقدّم محاور عملية لخطته، ركّزت على ظروف هذه المرحلة العصيبة وحاجات السوريين، ومن ذلك الحديث عن إصلاح قطاع الطاقة، لـ«توفير الكهرباء على مدار الساعة» ورعاية المزارعين «للحفاظ على الأمن الغذائي» و«تأهيل الصناعة» و«إصلاح حالة النقد» وإنشاء وزارة جديدة للطوارئ والكوارث، وكلّها قضايا تستجيب للقضايا الأساسية التي تشغل السوريين.

الفارق الكبير لهذه الحكومة عن سابقاتها في العهد السابق، يمثّله الطابع الإسلامي العامّ، والذي عبّر عنه احتفاظ 4 من الحكومة الانتقالية السابقة التي شكّلت بعد سقوط نظام الأسد بمناصبهم، وهم من «الحلقة الأساسية» التي جاءت مع الشرع، وأن 8 من وزراء الحكومة سبق أن عملوا في «حكومة الإنقاذ» في إدلب.

أظهر التشكيل اهتماما بتحقيق مطالب دولية، بالتعبير عن المكوّنات الأخرى في سوريا، فدخلت الوزارة السيدة هند قبوات، من الطائفة المسيحية، كوزيرة للشؤون الاجتماعية، وأمجد بدر، من الموحدين (الدروز) كوزير للزراعة، ويعرب بدر، من الطائفة العلوية، كوزير للنقل، ومحمد عبد الرحمن تركو، الكردي، وزيرا للتربية والتعليم.

عني تشكيل الحكومة باستقطاب أصحاب الخبرات والشهادات العلمية، فضمت 7 من حاملي شهادات الدكتوراه، و5 من حملة الماجستير، و4 أطباء، و5 من حاملي شهادة البكالوريوس، وشغل 18 من الوزراء مناصب ضمن مجالات اختصاصاتهم.

قدم عدد من الوزراء إلى الحكومة من مجالات عملهم في بلدان الخليج العربي (مثل عبد السلام هيكل المعين وزيرا للاتصالات والتقانة) وتركيا (وزير الإعلام حمزة مصطفى) وهو ما يظهر اهتماما بإشارة الشرع، في بيانه، إلى «الحفاظ على استقرار العلاقات الخارجية مما يؤمن المصالح المستدامة لسوريا وأصدقائها» كما أن لعدد من الوزراء خبرات دولية (مثل نضال الشعار الذي عمل مستشارا اقتصاديا في البنك الدولي في أمريكا، ويعرب بدر، الذي شغل منصب المستشار الإقليمي للنقل واللوجستيات في لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لغرب آسيا).

أظهر تشكيل الحكومة اهتماما بالشباب الذين شغلوا عددا من الوزارات، وانضافت وزارة لهم (الشباب والرياضة) وكانت هذه الروحية الشبابية واضحة في بعض بيانات الوزراء، مثل محمد صالح، المعيّن وزيرا للثقافة، والذي ألقى أبياتا شعرية، وعبد السلام هيكل الذي أشار، مازحا، لاضطراره لاستخدام تطبيق الذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» لاختصار كلمته.

كان لافتا، أيضا، أن أحد الحضور، الشيخ العشائري سعود نايف النمر، قام بانتقاد الشرع علنا أمام الحضور، وقد أجاب الشرع على الانتقاد بهدوء، وهي حادثة لم يكن من الممكن تخيّل تداعياتها، أو مجرّد حدوثها، في سياق نظام الأسد السابق، وهو ما كان مجالا إضافيا للتفكر والتعليق لدى السوريين الذين تابعوا المراسم.

نشر حادث تشكيل الحكومة، رغم الظروف «العصيبة» المحيطة بها داخليا وخارجيا، آمالا لدى السوريين بالتغيير والبناء اللذين وعد بهما بيانها، والكلمات الحماسية التي ألقاها الوزراء، ولكنّه رفع مستوى التوقعات المدعومة بإحساس بالأهلية على المحاسبة التي تدرّب السوريون عليها خلال سنوات الثورة العاصفة الطويلة، وهو ما يضع الحكومة الجديدة أمام مسؤوليات كبيرة لتحقيق وعودها.

القدس العربي

—————————

الثقافة السورية والوزير الغنائي/ صبحي حديدي

تحديث 31 أذار 2025

محمد صالح، وزير الثقافة في الحكومة التي أدّت اليمين أمام الرئيس الانتقالي السوري أحمد الشرع مساء أمس الأوّل، استدرّ (إذا لم يكن قد استدرج) تصفيقاً إضافياً، واستحساناً جلياً لاح حتى على وجوه الصفوف الأولى من كبار الحضور؛ حين افتتح كلمته ببيتَيْن من شعره (هو «العبد الفقير» كما قال):

لقد صُمْنا عن الأفراح دهراً/ وأفطرنا على طبق الكرامة

فسجّلْ يا زمان النصر سجّلْ/ دمشقُ لنا إلى يوم القيامة

لكنه استدرك فأوضح التالي: «حين نقول دمشق لنا، فنحن نعني أنّ سوريا لنا، وهذه استعاضة بالبعض عن الكلّ. وحين نقول لنا فنحن نعني أنها للجميع، عرقاً وديناً ولوناً ومبتدأ ومنتهى»؛ فاستدرّ موجة ثانية من تصفيق الاستحسان.

ذاك كان استدراك الحدّ الأدنى، المطلوب والعاجل أياً كانت المقاصد الأمّ من البيت الثاني، وإشكالية «دمشق لنا» التي لم يكن لها أن تخفى لولا مسارعة الإعلامي/ الشاعر/ الوزير إلى توصيف نطاقاتها الدلالية الأوسع؛ بحيث تستبعد معنى استئثار فريق سياسي وعقائدي وعسكري بالعاصمة/ سوريا، إلى أن تقوم الساعة. ولو أنّ صالح لم يسارع إلى «ضبط» المعاني بما يُخرجها عن حيازة الفريق الواحد، لتشمل «الجميع»؛ فإنّ استقبال ذكاءً أم خطلاً، كان سيُبقي بوّابات التأويل مفتوحة على مصاريعها، ولا تثريب على السامع والمتلقي في الذهاب حيث يشاء استقراؤه.

ليس واضحاً، في يقين هذه السطور على الأقلّ، أنّ صالح كان مطلوباً منه أن يمثّل «وجه السحّارة»، كما نقول في تعبير سوري ومشرقي عريق، المتكفلّ بتجميل طقس غير مألوف، وفريد استثنائي ربما، في أداء حكومة جديدة القسم؛ وذاك كان حفلاً لم تغبْ عنه عناصر إخراج مسرحي، استوجب أيضاً انكشاف ردود فعل الحضور المتباينة، بين إقبال أو فضول أو رتابة. لكنّ صالح شاء انتهاج خيار شاعري وغنائي، وفيّ والحقّ يُقال لتكوينه الثقافي والإنساني، ولعله بذلك منح السوريات والسوريين فرصة المقارنة مع عثرات كثيرة طبعت خطابات عدد غير قليل من زملائه الوزراء، والسيدة الوزيرة الوحيدة بالطبع.

من جانب آخر، وحين انتقل الشاعر إلى مسؤولية الوزير هذه المرّة، فقد أعلن التالي: «إذا أردتُ أن أتحدث عن الثقافة باختصار شديد، فأقول هي أن نفتت ونبتعد عن كلّ المنظومة الثقافية التي كان يتبناها الوضيع البائد الهارب الذي كان يحتلّ هذا القصر»؛ وهذه استدرت موجة تصفيق ثالثة، يسهل إدراك بواعثها. كان في وسع صالح، بل توجّب عليه، أن يميّز على الفور بين ثقافة السلطة ونظام «الحركة التصحيحية» والسلطات والأنظمة عموماً، وبين ثقافة سوريا الشعب والبلد ليس في مستويات إنتاج المادّة الثقافية وحدها، بل بمصطلح الثقافة البشري والاجتماعي الأعمّ والأشمل كما تقرّ به العلوم الإنسانية. هذه لا تُفتّت مع تغيير السلطات أو الوزراء أو التدابير البيروقراطية إجمالاً بادئ ذي بدء، وفي بلد مثل سوريا تالياً ومن حيث الجوهر أيضاً.

ففي سوريا خلال عهود الأسدَين الأب والوريث، عمل موظفون في وزارة الثقافة أمثال المفكر أنطون مقدسي (1914ـ2005)، أحد شركاء أكرم الحوراني في تأسيس «الحزب الاشتراكي العربي»؛ ومن موقعه في مديرية التأليف والنشر أتاح ظهور عشرات الأعمال الرفيعة بين مؤلفات وطنية وترجمات عالمية. المقدسي هو، أيضاً، صاحب الرسالة الشهيرة إلى الأسد الابن، التي تقول بعض سطورها: «الشعب غائب يا سيدي منذ زمن طويل. إرادته مشلولة تقوم اليوم على تحقيق هدفين: (الأول) أن يعمل ليلاً ونهاراً كي يضمن قوت أولاده، (والثاني) أن يتبنى السلوك الذي يطلب منه (مسيرات، هتافات…). إن الذي يعصم هذا الشعب من الدمار هو أنه يتعايش مع هذا الوضع المتردي تعايش المريض مع مرض مزمن»، مطالباً في الختام أن يتحوّل الشعب «من وضع الرعية إلى وضع المواطنة».

وإذا كانت «ثقافة» السلطة قد فرضت أمثال علي عقلة عرسان وصابر فلحوط وكوليت خوري وحسين جمعة، فإنّ الثقافة السورية واصلت تقديم أسماء لامعة من طراز زكريا تامر وعلي الجندي وممدوح عدوان وهاني الراهب وعلي كنعان وعبد الله عبد. ولعلّ من خير الثقافة السورية أن يتذكر الوزير الجديد بعض ألمع سابقيه من شاغلي هذه الحقيبة الوزارية في تاريخ سوريا الحديث والمعاصر، ابتداءً من فتحي رضوان وثروت عكاشة وصلاح البيطار في زمن الوحدة، وعزت النص وأحمد السمان وشبلي العيسمي وعبد السلام العجيلي، أسوة بنقائض وزراء آل الأسد، أمثال مها قنوت ومحمود السيد ولبانة مشوّح ومحمد الأحمد.

جدير بالتذكير، إلى هذا، أنّ وزارة الثقافة في سوريا تشرف على أكثر من 20 مديرية (بين أبرزها: المراكز الثقافية، الفنون الجميلة، المسارح والموسيقى، حماية حقوق المؤلف، ثقافة الطفل…)، وتتبع لها الجهات التالية: الهيئة العامة للكتاب، المؤسسة العامة للسينما، المديرية العامة للآثار والمتاحف، المعهد العالي للفنون المسرحية، المعهد العالي للموسيقا، دار أوبرا دمشق. مهامّ صالح في خدمة الثقافة السورية تقتضي استطراداً ما هو أبعد، بكثير عميق بنيوي وجذري في الواقع، من مجرّد رغبة غنائية في تفتيت «ثقافة الهارب»؛ خاصة أنّ الشعب السوري عبر 61 سنة من انحياز مثقفيه إلى الحقّ والخير والجمال والتغيير الجوهري، تكفّل بتقزيم مثقفي الاستبداد إلى أبواق ناعقة في بوادي الارتهان والتبعية والارتزاق.

القدس العربي

———————–

 الرهان الأساسي لحكومة سوريا الانتقالية الأولى/ إياد الجعفري

الأحد 2025/03/30

بمراجعة كلمات وزراء أول حكومة انتقالية في سوريا، في حفل إعلان تشكيلها بقصر الشعب، يمكن لنا أن نستنبط رهاناً أساسياً شاركت بموجبه قامات خبيرة رفيعة المستوى في مشروع الرئيس أحمد الشرع، لرسم مستقبل البلاد. هذا الرهان الأساسي هو النجاح في إقناع الغرب ودول الإقليم برفع العقوبات أو تعليقها، ودعم التجربة الانتقالية في سوريا، سياسياً وأمنياً، ومن ثمّ مالياً واقتصادياً.

نلمح هذا الرهان في “لازمات” ترددت في كلمات معظم الوزراء، وأبرزها، الشراكة مع القطاع الخاص، خلق بيئة جاذبة للاستثمارات المحلية والأجنبية، واستقطاب الخبرات السورية من الخارج.. إلخ. وقد يكون أوضح تعبير عن هذا الرهان، تلك الرسائل التي وجّهها وزير الاقتصاد، نضال الشعار، بالحديث عن رغبة الحكومة ببناء دولة “طبيعية مسالمة وصديقة للجميع”، “ترتكز على مبادئ حسن الجوار والاحترام المتبادل”، وحينما تحدث عن “الشراكات الاقتصادية والانفتاح الاقتصادي”، وعن “التعاون والحوار مع مختلف الدول بهدف الاستقرار والتنمية”.

استقرار هذا الرهان في تصوّر وزراء الحكومة الجديدة، لمسار عملهم المستقبلي، مطمئن إلى حدٍ كبير. فهو يعني أن إدارة الشرع ليست في وارد الذهاب باتجاه “صقورية” ارتفعت أصوات معبّرة عنها مؤخراً، وإن على نطاق محدود، كرد فعل على ما اعتُبِر ابتزازاً غربياً للسلطة في دمشق، عبر تقديم لائحة مطالب عليها الالتزام بتنفيذها كشرطٍ للدعم ورفع العقوبات. واقترح بعض هؤلاء “الصقوريين” اقتراحات مشابهة لتلك التي كانت شائعة من منظّري النظام البائد، من قبيل، أن رفع العقوبات ليس الشرط الوحيد لنهضة البلاد اقتصادياً. وأن من الممكن تنفيذ جملة إجراءات داخلية لتحسّين الأوضاع المعيشية، بمعزل عن الخضوع لابتزاز الخارج. وهي الفلسفة ذاتها التي اعتمدها نظام بشار الأسد في السنوات الست التي تلت العام 2018، والتي رفض بموجبها مختلف مبادرات التفاهم مع دول الإقليم والقوى الدولية الفاعلة، وماطل الأطراف المراهنة على التفاهم معه، حتى يئست منه، وصولاً إلى رفع الغطاء عنه، عشية سقوطه.

لا يعني ما سبق، الخضوع لابتزاز الخارج بصورة كاملة، بل يعني المساومة والتفاوض والبحث عن حلول وسط، تجمع مصالح الطرف السوري مع مصالح الأطراف الخارجية المعنية. والهامش لتحقيق ذلك واسع للغاية. خصوصاً في ظل خشية الإقليم ومعظم الأطراف الدولية المهتمة، من انهيار الاستقرار الهش بسوريا، ونتائج ذلك الكارثية على المحيط، وليس فقط على السوريين. لكن يبقى هذا الرهان على جذب الدعم الإقليمي والدولي المأمول، في مواجهة تحديات كثيرة، أبرزها، خلق ظروف ملائمة من التعاون والانسجام بين أعضاء وزارة هجينة، تضم مكونين رئيسيين، بخلفيات، وربما أهداف، متنافرة. وسيكون على الشرع، الذي ارتأى إلغاء منصب رئاسة مجلس الوزراء وفق “الإعلان الدستوري”، أن يقوم بنفسه بحل عُقَد التعاون المنتظرة، داخل وزارته. وهي نتيجة لمسعاه الجلّي لإرضاء مختلف القوى والأطراف التي يهمه إرضاؤها، مع الاحتفاظ بحصّة الأسد من النفوذ والقوة، عبر وزارات بعينها.

فمع احتفاظ النواة الضيّقة للسلطة ممثّلةً بشخصيات وازنة من “هيئة تحرير الشام”، بوزارات سيادية وأخرى اقتصادية نوعية (الطاقة)، مقابل شخصيات من التكنوقراط المخضرمين وروّاد الأعمال ذوي الخبرات الدولية، سيكون توجيه دفة الوزارة باتجاهٍ واحد أمراً ليس بالهيّن.

ومن التعيينات الوزارية التي تستحق الوقوف عندها، كان تصدير رئيس جهاز الاستخبارات بوصفه وزيراً للداخلية. ولفهم أهداف هذا التعيين، يجب أن ننتظر لنرى إن كان هناك خطوة لاحقة على صعيد ترتيب المنظومة الأمنية. فإن كان ذلك مقدمة لظهور اسم جديد للعلن، سيترأس جهاز الاستخبارات، فهو يعني “تكسير رتبة” لأبرز أمنيي “تحرير الشام سابقاً”، أنس خطاب، جراء الفشل الأمني في توقع وإدارة المعركة مع فلول النظام بالساحل السوري، قبل نحو أسبوعين. أما إن كان سيتم إلحاق جهاز الاستخبارات بوزارة الداخلية، فهذا سيعني العكس، تماماً، أي تعزيز موقع ونفوذ أنس خطاب. والأهم، ربط المنظومة الأمنية بمرجعية حكومية، خلافاً لما كان عليه الأمر في زمن النظام السابق. وهو ما قد يعني ضبطاً أكبر لهذه المنظومة، وربما الحد من تغولها على باقي مؤسسات الدولة، كما نأمل.

أما التعيين الآخر الذي يستحق الوقوف عنده مطوّلاً، أيضاً، فهو تعيين أبرز شرعيي “تحرير الشام سابقاً”، كوزير للعدل، مظهر الويس، الذي احتل موقعاً في مجلس الإفتاء الأعلى، أصبح أيضاً على رأس السلطة القضائية، بخلفية أيديولوجية “سلفية”، وبحمولة شرعية لا حقوقية. ويمكن تفسير هذا التعيين بوصفه مسعى لإرضاء “سلفيي” القاعدة الصلبة للسلطة، ممثلة بكوادر وقيادات “تحرير الشام سابقاً”، لموازنة تعيين الشيخ أسامة الرفاعي، “ذي الخلفية الأشعرية” مفتياً عاماً للجمهورية. وهو مؤشر مثير للقلق، إن تم النظر إليه من زاوية المستقبل المُنتظر لإعادة هيكلة سلك القضاء في البلاد، بنفَسٍ شرعيٍّ، لا حقوقيّ. ورغم ذلك، نتوقع أن ينجح الويس في تحقيق أبرز أهداف برنامجه المُعلن. تحقيق “سرعة التقاضي”، و”التصدي للفساد”. إذ مع الخلفية الأيديولوجية التي يأتي منها الويس، فإن استمرار تفشي الفساد في سلك القضاء السوري، كما كان في زمن النظام البائد، سيكون إدانة كبرى لشخصه وللأيديولوجيا التي يمثّلها. وإن نجح في تحقيق تلك الأهداف، فسينعكس ذلك إيجاباً على مجمل النشاط الاقتصادي والإداري في البلاد، بعد عقود تحوّل فيها “التقاضي” في سوريا إلى محط سمسرة، تقلب الحق باطلاً، في كثير من الأحيان. أما الانعكاس السلبي المحتمل لهكذا نجاح، فسيكون “أسلمة” الفضاء القضائي السوري، وبصورة تتلائم مع مشروع بعيد المدى لما بات يبدو بوصفه “دولة عميقة”، في طور التأسيس.

في الختام، لم تكن تشكيلة الحكومة الانتقالية الأولى في “سوريا الجديدة”، محبِطة بالمجمل. كما أن الرهان المتبدي في كلمات معظم وزرائها، يعني أن انفراج عقدة العقوبات وعقد صفقات مع دول الإقليم والغرب، تتيح فتح باب الاستثمار وإعادة الإعمار، أمر ما زال يشكّل بوصلة السياسة الخارجية لإدارة الشرع، بصورة رئيسية. أما في دهاليز العمل الحكومي المرتقب، فتبقى كل العُقَد في قبضة الشرع وحده. ولذلك وجهان، مرونة وسرعة في اتخاذ القرار، وشخصنة للسلطة وتعزيز للبعد الفردي فيها.

المدن

———————

حكومة الشرع الانتقالية… الاولى على كل سوريا/ رضوان زيادة

كان مفاجئا غياب وزارة للاجئين والنازحين

آخر تحديث 31 مارس 2025

وأخيرا، أُعلنت الحكومة التي انتظرها الجميع. والجميع هنا هم المجتمع الدولي الذي يراقب تشكيل الحكومة عن كثب، والدول العربية التي كررت دول رئيسة فيها كمصر، ضرورة أن تشمل الحكومة الجديدة كل المكونات، وطبعا السوريون الذين انتظروا الإعلان عن هذه الحكومة بهدف الخروج من حكومة تصريف الإعمال التي كانت امتدادا لحكومة الإنقاذ التي شكلت في إدلب، المنطقة التي كانت تسيطر عليها “هيئة تحرير الشام” قبل أن تتمكن بمساعدة فصائل عسكرية أخرى من إسقاط نظام بشار الأسد وتحرير سوريا وبدء تاريخ جديد لها في الثامن من ديسمبر/كانون الأول من العام الفائت.

في البداية يمكن القول عنها، إنها أول حكومة سورية ستبسط سيادتها فوق كل الأراضي السورية بعد أن كانت سوريا مقسمة إلى أربع حكومات تعمل على الأرض السورية وفق أربعة نظم سياسية مختلفة، فهناك ما يسمى مناطق الإدارة الذاتية أو “قسد” التي تديرها بدعم من الولايات المتحدة التي كانت تقصف بشكل دائم مناطق في سوريا يعتقد أن تنظيم “داعش” يسيطر عليها وتسمح لإسرائيل بقصف مناطق الميليشيات الإيرانية. وهناك مناطق شمال غربي سوريا من مثل “درع الفرات” و”غصن الزيتون” وغيرهما كانت تديرها الحكومة المؤقتة المشكلة من قبل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية وبدعم من تركيا التي كانت وما زالت تحارب النسخة السورية من حزب “العمال الكرستاني” على الأراضي السورية في منبج وفي كل المناطق الحدودية مع سوريا.

وكانت لدينا إدلب التي كانت تحكمها “هيئة تحرير الشام” وشكلت فيها حكومة أطلقت عليها اسم “حكومة الإنقاذ”. والحكومة الرابعة كانت حكومة نظام الأسد في العاصمة السورية دمشق، كانت الحكومات الأربع تعمل على الأرض السورية بالتوازي، ولكل منها نظام مروري وتعليمي مختلف على سبيل المثال، ونموذج اقتصادي قائم على طريقة تحصيل وتقاسم الموارد السورية الشحيحة بالأصل.

لقد كانت سوريا ورغم حكوماتها الأربع رمزا لدولة فاشلة نصف سكانها لاجئون وأكثر من 87 في المئة من سكانها النازحين والمقيمين على أراضيها يعيشون في فقر مدقع دون أن تمتلك هذه الحكومات الأربع على اختلاف ما بينها، أية قدرة على تأمين خدمات الدولة الأساسية من مياه وكهرباء. هذا فضلا عن كون مناطق السيطرة السورية تتوزع بين مناطق تسيطر عليها دول خارجية من روسيا إلى الولايات المتحدة إلى تركيا، وتبقى السماء مفتوحة لكل من يرغب بالقيام بقصف من أي نوع كان ضد أي فريق كان. فالولايات المتحدة تقصف أهدافا تدعي أنها لـ”داعش”، أو أن إيران وروسيا تقصف مستشفيات ومراكز طبية في إدلب وريفها. أما تركيا فتقصف مواقع تسيطر عليها “قوات سوريا الديمقراطية” في مناطق مثل عفرين ومنبج.

وبعد أكثر من مئة يوم تقريبا، تغيرت كل الخرائط السورية كليا وولدت حكومة وطنية جديدة عليها أن تخلف هذه الحكومات الأربع ومناطق سيطرتها، فحكومة الأسد ممثلة في رئيس الوزراء الجلالي انهارت مع نظامه وخلفتها حكومة الإنقاذ في إدلب تلك التي كانت تدير الخدمات الأساسية فيها، بينما كانت تعد “هيئة تحرير الشام” لعملها العسكري التاريخي في إسقاط النظام في دمشق، الحكومة المؤقتة أقرت بأن الشرع أصبح الرئيس الشرعي لسوريا وسلمت كل ملفاتها مع نهاية شهر فبراير 2025 لـ”حكومة الإنقاذ” في دمشق التي أصبح اسمها حكومة تصريف الأعمال.

أما حكومة الإدارة الذاتية فتستعد لتسليم ملفاتها بعد توقيع الاتفاق التاريخي بين الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي في منتصف شهر مارس 2025، وكما وعد الرئيس الشرع منذ استلام “حكومة الإنقاذ” لمقاليد الأمور في دمشق في نهاية شهر ديسمبر 2024 أن هذه هي حكومة تصريف أعمال وستعقبها حكومة انتقالية شاملة في شهر مارس 2025 وفعلا جرى تشكيل هذه الحكومة في قصر الشعب في نهاية شهر مارس 2025 بعد أن تم إطلاق إعلان دستوري حول شكل النظام السياسي من نظام برلماني إلى نظام رئاسي ملغيا بذلك منصب رئيس الوزراء ومحولا الحكومة إلى وزراء يخدمون تحت إدارة الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع تماما كما في النظامين الرئاسيين الأميركي والتركي.

ضمت الحكومة الجديدة 23 وزيرا ولذلك تعد حكومة كبيرة في مقاييس الأنظمة الرئاسية التي تفضل دوما أن تكون وزارات مكثفة بهدف الوصول إلى حكومة رشيقة وتخفيف الأعباء البيروقراطية، بل إننا نتابع اليوم كيف ألغى الرئيس ترمب وزارة التربية التي أسست في الستينات من القرن الماضي وإعادة شؤون التربية للولايات دون أن يكون للحكومة الفيدرالية دور في تنظيم شؤون التربية.

وتستعيد النظم الرئاسية بدلا عن ذلك بما يسمى الوكالات الحكومية أو الهيئات الحكومية التي لم يعلن عن أي منها في حكومة الشرع الانتقالية واقتصر تشكيلها على الوزارات الثلاث والعشرين.

لقد جرى حذف ثلاث وزارات كانت موجودة في حقبة الأسد هي وزارات الري التي ألغيت كلياً ووزارة الكهرباء التي أدمجت ضمن وزارة الطاقة والتي أشار إليها الرئيس في خطابه الاقتتاحي التكليفي للحكومة بأن وزارة النفط والكهرباء ستدمجان ضمن وزارة الطاقة.

أما الوزارة الثالثة التي ألغيت من حكومة الأسد الأخيرة فهي وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلكفي مؤشر واضح لاتجاه حكومة الشرع نحو مبدأ اقتصاد السوق أو الاقتصاد الحر، وإلغاء الرقابة الحكومية التي غالبا ما تقود إلى الاحتكار والفساد الحكوميين بدل أن تقود إلى المنافسة وتعزيز الشفافية في السوق.

وكان مهماً أن وزيري الاقتصاد والمالية كليهما من مدينة دمشق. وزير الاقتصاد نضال الشعار ووزير المالية محمد يسر برنيه ربما في مؤشر لتطمين النخبة الاقتصادية في مدينة دمشق التي بات يطلق عليها “البرجوازية الدمشقية” لكنها وفق المعايير السورية تبدو في غاية التواضع بعد أن أرهقها نظام الأسد على مدى عقود، وخاصة خلال سنوات الحرب.

كان تركيز المجتمع الدولي على تشكيل الحكومة كبيرا بهدف إظهار صفة الشمولية والتنوع اللتين غابتا عن حكومة تصريف الأعمال بعد التحرير، الآن في الحكومة الانتقالية نجد التنوع طائفيا وسياسيا ومناطقيا بشكل كبير، حيث دخل 13 وزيرا الحكومة لأول مرة، ولم يبق من حكومات الأسد سوى اثنين هما وزير النقل ووزير الاقتصاد.

وضمت الحكومة الانتقالية علويا ودرزيا ومسيحية وكرديا بما يحقق التنوع الطائفي، كما ضمت من خلفيات سياسية متنوعة ليست بالضرورة تنتمي إلى “هيئة تحرير الشام” التي ما زالت تهيمن على الوزارات السيادية من مثل الخارجية والدفاع والداخلية والعدل واحتفظت بما يقارب 9 وزارات في الحكومة بينما دخل التكنوقراط بقوة إلى الحكومة عبر وزارات الاقتصاد والمالية والتعليم العالي والصحة والتربية، وأيضا وزراء ينتمون إلى المجتمع المدني كوزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات ووزير الإعلام حمزة المصطفى ووزير الكوارث والطوارئ رائد الصالح.

وكان لافتا استحداث وزارتي الكوارث والطوارئ ووزارة الشباب والرياضة لكن غياب وزارة للاجئين والمهجرين، وأعتقد أن هذه كانت أهم عيوب الحكومة الجديدة. فقضية النزوح الداخلي واللجوء في دول الجوار هي أهم القضايا الإنسانية في سوريا اليوم ويتأثر بها أكثر من 8 ملايين سوري داخليا وخارجيا كان يجب أن تعطى الاهتمام السياسي الأول والأخير وتشكيل وزارة بهدف وضع الإحصاءات والدراسات الدقيقة ووضع البرامج والخطط لإعادة المهجرين إلى بيوتهم ومدنهم وقراهم، وتأمين التمويل اللازم من أجل تحقيق ذلك.     

المجلة

——————————–

الحكومة السورية الجديدة… أسئلة وأجوبة/ إبراهيم حميدي

ماذا يعني تشكيل الحكومة؟ ما الأبعاد السياسية والصلاحيات؟

آخر تحديث 30 مارس 2025

أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع تشكيلة أول حكومة سورية انتقالية بعد مرور حوالي ثلاثة أشهر على سقوط نظام بشار الأسد. وهنا أسئلة وأجوبة عن معنى تشكيل الحكومة وعلاقة ذلك بقرارات أخرى، وعن المشهد السوري العام.

أولا: من رئيس الحكومة وما مدتها؟

هذه أول حكومة انتقالية منذ سقوط بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول. مدة المرحلة الانتقالية خمس سنوات بموجب الإعلان الدستوري (المادة 52). والرئيس الانتقالي أحمد الشرع هو رئيس الحكومة بموجب الإعلان الدستوري (المادة 31). ويحق للرئيس أن يعين “نائبا للرئيس أو أكثر” بموجب الإعلان الدستوري (المادة 34).

والرئيس الشرع وهو رئيس الحكومة. وزير الداخلة السابق علي كده، سيكون أمينا عاما للحكومة.

ثانيا: هل هي حكومة جامعة؟

تضم الحكومة 22-23 وزيرا من جميع المكونات السورية، عربا وأكرادا، مسلمين ومسيحيين، سنة وعلويين ودروزا. لكنها لا تضم تكتلات سياسية. الوزراء الموجودون في الحكومة يشاركون كأفراد وليس كممثلين عن قوى سياسية.

ثالثا: هل شاركت القوى السياسية والعسكرية في الحكومة؟

بموجب المادة السابعة من بيان “يوم النصر” في 29 يناير/كانون الثاني 2025، “تُحل جميع الفصائل العسكرية والأجسام الثورية السياسية والمدنية، وتدمج في مؤسسات الدولة”.

وهذا يعني أن جميع التكتلات العسكرية والسياسية والمدنية لم تعد مرخصة، لذلك ليست مشاركة في الحكومة بشكل رسمي.

رابعا: هل شاركت “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)؟

لم تشارك “قوات سوريا الديمقراطية” أو “الإدارة الذاتية” أو “مجلس سوريا الديمقراطية” في الحكومة، وقالت إنها لن تشارك في حفل إعلان الحكومة. وأعلنت “الادارة الذاتية” الأحد، ان تشكيلة الحكومة “لم تأخذ التنوع بالاعتبار”، وانتقدت “الاستئثار والاقصاء”.

الرئيس أحمد الشرع وقّع مع قائد “قوات سوريا الديمقراطية” مظلوم عبدي في دمشق اتفاق مبادئ في 10 مارس/آذار. وعقدت اجتماعات بين لجان فرعية من الطرفين، وستستأنف الاجتماعات بعد يومين. وتتناول اللقاءات المشاركة السياسية في الحكم الجديد وانضمام “قوات سوريا الديمقراطية” إلى الجيش الجديد.

يشار إلى أن وزير التربية في الحكومة الجديدة كردي من عفرين في ريف حلب. لكنه لا يمثل القوى السياسية والعسكرية.

خامسا: ماذا عن القوى الدرزية في السويداء؟

يوجد في الحكومة وزير درزي، هو وزير الزراعة. لكنه ليس مرشحا من الفصائل المسلحة أو القوى الدينية في السويداء، بل يشارك بصفة فردية وليس ممثلا لكتلة سياسية أو عسكرية. أنتقد كيان عسكري من السويداء “حكومة اللون الواحد”.

سادسا: هل النظام السوري السابق ممثل في الحكومة؟

هناك وزير علوي في الحكومة وهو وزير النقل يعرب بدر. عمل 6 سنوات في حكومة بشار الأسد (2006-2011) وهناك وزير الاقتصاد محمد نضال الشعار الذي عمل أكثر من سنة في حكومة بشار الأسد (2011-2012). الأول ترك الحكومة بعد الثورة في 2011 والثاني تركها بعد سنة وانتقل للعيش بين بريطانيا والامارات.

سابعا: هل المرأة ممثلة في الحكومة؟

هناك امرأة واحدة هي وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل هند قبوات، من دمشق. وهي مسيحية في الوقت نفسه.

ثامنا، ماذا عن الحقائب السيادية؟

وزارات الدفاع والخارجية والداخلية والعدل لا تزال لوزراء من “هيئة تحرير الشام”. ضمت الحكومة سبعة وزراء من “حكومة الانقاذ” التي كانت قائمة في ادلب، قبل سقوط النظام. مدير الاستخبارات أنس خطاب اصبح وزيرا للداخلية بدلا من علي كده الذي عين أمين سر الحكومة. رئيس حكومة تسيير الأعمال محمد البشير اصبح وزير الطاقة بعدما تم دمج وزارتي النفط والكهرباء.

تاسعا: من أين جاء الوزراء جغرافيا؟

جاء بعض الوزراء من سوريا من محافظات مختلفة عدا محافظتي درعا والرقة (وطرطوس- وزير المواصلات دمشقي من اصل طرطوسي). حصة ادلب هي الاكبر باربعة حقائب (الطوارىء، الرياضة، الاسكان، والطاقة، اضافة الى أمين السر) وهناك وزراء تكنوقراط كانوا في المهجر من خارج البلاد، في الخليج (وزيران يعيشان في الامارات) وأوروبا وأميركا ويحملون شهادات من جامعات غربية. وزير الثقافة محمد صالح كان لديه برنامج على قناة “الجزيرة” ووزير الاعلام حمزة مصطفى كان مدير عام “تلفزيون سوريا” (المعارض سابقا). وزير الصحة مصعب العلي عين بدل شقيق الرئيس الشرع، ماهر الشرع الذي ادار الوزارة في الاشهر الثلاثة الماضية.

عاشرا: ما علاقة الحكومة بالقرارات الأخرى؟

قبل تشكيل الحكومة، تم تعيين عبدالقادر حصرية، الخبير المالي، حاكما لمصرف سوريا المركزي. كما شكل الرئيس الشرع مجلس الإفتاء الأعلى، وعيّن أسامة الرفاعي مفتيا عاما لسوريا. أي إن هذا المنصب عاد إلى الدمشقيين. كما ضم المجلس رجال دين من دمشق. وضم رجال دين عملوا خلال حكم النظام. إذن، هناك أشخاص عملوا مع النظام تم تعيينهم في مجلس الإفتاء وفي الحكومة.

تجدر الإشارة إلى أن الرفاعي رجل دين وسطي، وكان قد انتقد “هيئة تحرير الشام”. أيضا، استقبل الرئيس الشرع رجال دين شيعة قبل يومين، في وقت لا يزال متمسكا بمنع وجود إيران و”حزب الله” في سوريا.

المجلة

—————————

ولادة حكومة التكنوقراط السورية من دمشق التي “عادت لنا حتى يوم القيامة”/ محمد السكري

2025.03.31

انتهت في 30 آذار من العام 2025 مهمة حكومة تصريف الأعمال في سوريا، والتي حملت على عاتقها إدارة الاستقرار الهش “تركة الأسدية” حيث استطاعت قبلها حكومة التصريف رغم كل الظروف الصعبة المحيطة بها والوسط المتأزم الذي علمت به، وعلى قدراتها المتباينة في تمهيد الطريق أمام سوريا من أجل ولادتها من جديد، فظروف التنقل والانتقال من حكومة تصريف الأعمال إلى حكومة انتقالية ليس بالأمر الهين والسهل، ومؤشرات النجاح ضمن الظروف السورية أقل بكثير من النجاح، فقد شكك كثر بقدرة تلك الحكومة على التعامل مع التحديات المركبة الكثيرة ومحاولة رسم ملامح دولة بالحد الأدنى، لأنّه لا مناص من ولادة سوريا الجديدة ولا يوجد خيار آخر سوى مواجهة الظروف المعقدة وتجاوزها بأي ثمن؛ فلا يمتلك الشعب السوري ترف البكاء على الأطلال بل العمل السريع على إزالتها بأي ثمن، فبديل النجاح هو الفشل ودخول البلاد في دوامة عنف طويلة؛ وهذا أكثر ما كانت تعمل عليه منظومة الأسد العسكرية والأمنية والاجتماعية خلال المرحلة الماضية ما عدا القوى الدولية والإقليمية التي ترى في استقرار سورية الجديدة تهديداً لمصالحها.

إذن، تشكلت الحكومة السورية الانتقالية، بعد عناء من الاستبداد دام عقودا طويلة، لتكون هذه الحكومة أولى حكومة “تكنوقراط” في سوريا منذ ستينيات القرن الماضي، ليعود مع تلك الحكومة الكفاءات السورية، بالتالي تعود السياسة لسوريا من جديد، وقد سبق هذا التشكيل جو ديمقراطي لافت للنظر بين السوريين المؤيدين والمعارضين والذين لديهم ملاحظات عديدة، ولدت هذه الحكومة من رحم الانتصار السياسي الذي لحق الانتصارات العسكرية والأمنية، لتكون دلالة على ولادة سوريا الجديدة، وأتت هذه الحكومة في سياق جو عام اجتماعي لافت للنظر وسط اهتمام كبير بين السوريين، يحاكي هذا الفضاء حالة حريات واسعة لم تعرفها سوريا منذ عقود، وكأنه مشهد هارب من أرقى ديمقراطيات العالم، وليس في سوريا التي كانت قبل أشهر قليلة كُلفة الكلمة بها رصاصة أو اعتقال بأحسن الأحوال.

لدى الحكومة الانتقالية، تحديات عديدة، على رأسها ملفات الخارجية التي يؤديها وزير الخارجية السوري ” أسعد الشيباني” أداءً جيداً في محاولة “إدارة المتناقضات” الدولية واستعادة مكانة  سوريا في المجتمع المدني عبر اعتماد سياسة “الحياد الإيجابي” في محاولة التعامل مع المصالح المتضاربة داخل الملف السوري وتحويلها لمصالح متشابكة على الأقل من ناحية جعل مقاربة “استقرار سوريا” مفيدة أكثر من “الفوضى” بالتالي تحويل سوريا من ساحة لتضارب المصالح إلى ساحة لبناء التوافقات وذلك باستخدام مبدأ الوساطة الدولية أو الإقليمية عبر تعزيز العلاقات مع دول مركزية في الإقليم أو القطب؛ ولعلّ درس ترسيم العلاقات مع لبنان هو من جراء نجاح دبلوماسي للسياسات السورية في محاولة استعادة التموضع في الإقليم، بينما يعتبر ملف العقوبات الاقتصادية أكثر الملفات أهمية بالنسبة إلى الخارجية السورية؛ وقد استطاعت عبر الخطاب المتزن نزعَ بعض المكاسب وإزالة بعض العقوبات؛ مما يشي بإمكانية التعويل على الدبلوماسية السورية في تذليل العقبات الاقتصادية في البلاد، وتجنيب البلاد أي انتهاك عسكري ممكن خاصة جنوبي البلاد الذي يعاني من كبرى التهديدات عبر إسرائيل الحذرة والمتخوفة من ولادة سوريا مستقرة وقوية.

في حين يتسم ملف الداخلية بتحديات أكثر تركيباً على رأسها استعادة مركزية السلطة والتعامل مع التحديات الأمنية رغم أنّ شكل الداخلية يأخذ بعداً محلياتياً لكن خصوصية الملف السوري، تدفع للتعامل مع الملف من مداخل أمنية لأنّ السؤال السوري ما زال “أمنياً” على الرغم من الجهود المبذولة للتدرج نحو المدنية والاجتماعية والسياسية، ويتسق العمل في الملفات الداخلية على الدور الحوكمي في ملفات النقل والصحة والزراعة والصناعة والاقتصاد أو ما يمكن أن يندرج ضمن “الوزارات الخدمية”، سوريا تعاني من ضعف كبير في البنية التحتية التي تحتاج إلى إعادة تأهيل من جديد وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وهذا ينطبق على القطاع الزراعي والتجاري اللذين فقدا حظوتهما في الموازنة الوطنية، أمّا الاقتصاد فهو يلازم السؤال الأمني؛ فأي نجاح أمني لا يرافقه نجاح على مستوى الاقتصادي هو نجاح ناقص، والعكس صحيح كذلك مما يجعل عمل الوزراء متداخلا وبحاجة تنسيق مرتفع للغاية.

وفي التدرج نحو ما يمكن تسميته “وزارات الهويّة” المعنية بشؤون العدالة والسلم الأهلي والثقافة السياسية والاجتماعية فهي تحمل على عاتقها أكثر المسؤوليات تعقيداً فبناء الهوية السورية عبر إعادة تعريف سوريا في وجدان المواطن السوري أكثر المهمات صعوبةً، كما أنّها لا تكتمل من دون تحقيق العدالة الانتقالية وبناء السلم الأهلي، حيث تحتاج هذه الملفات إلى وقت وجهد كبيرين من أجل أن نرى نتائج فعليّة، إذ يجب أن لا تتحول الهوية السياسية للقوى التي ثارت ضد نظام الأسد إلى وسيلة للعزل والإقصاء، وأن لا تتحول الأسدية إلى أداة لتعزيز مظلومية الأقليات على حساب المواطنة الجامعة.

أمّا وزارة الشؤون الاجتماعية، فهي تحمل على عاتقها مسؤولية حساسة لتوضيح حجم المجال العام في سوريا الجديدة، ضمن إطار وأهداف الحفاظ على مكتسبات الثورة السورية، وعدم ميل كفة السؤال الأمني على حساب المدني مهما كلف ذلك من مخاطر فالموازنة بينهما تساعد على تجاوز تساؤل المخاطر، حيث تسهم هذه الوزارة بتعزيز المشاركة الاجتماعية وتغير التصورات المسبقة عن هوية الحكومة ونزع صفات قد لازمت أو أُلصقت بسوريا الجديدة عن قصد أو غير قصد.

أمّا على الصعيد الإعلامي، فعلى الرغم من تدمير نظام الأسد لبنية سوريا الإعلامية ضمن القطاع الحكومي فإن مؤسسات الثورة السورية استطاعت بناء تراكم يمكن الاستفادة منه وتوظيفه ضمن مؤسسات الدولة السورية، وخاصة بعد تعيين الدكتور “حمزة المصطفى” الذي يمتلك تجربة وفيرة ونجاحا مهما في تلفزيون سوريا مما قد يساعد على توظيف النجاح السابق ضمن مؤسسات الدولة الجديدة في سياق استراتيجيات الإعلام الجديد.

بالمجمل، يمكن اعتبار الحكومة الجديدة هي حكومة تكنوقراط حيث ضمّت معظم فئات المجتمع السوري، رغم قلة حضور العنصر النسائي إلا أنّ التنوع الكبير داخلها يمكن أن يعتبر خطوة أولى نحو سوريا الجديدة لكن وجود العنصر الشبابي كان كبيراً حتى ضمن مواليد التسعينيات، فالتكامل يحتاج إلى وقت طويل، والأهم أن هذه الحكومة ضمت عناصر عديدة بين من كان في مؤسسات الدولة، أو ضمن مؤسسات الثورة، أو ضمن حكومة الإنقاذ في إدلب، ونزعت صفة أي محافظة سورية وباتت تمثّل الكل لا الجزء، وليكتمل مشهد تشكيل الحكومة التاريخي كان لا بدّ من اعتراضٍ قام به رجلٌ رفضَ الدخولَ في الحكومة في دلالة على أن هذه الثورة يتعلم منها الدهر، لأنها فتحت مجالاً واسعاً من الحريات، لتشير إلى أن دمشق بالفعل “عادت لنا إلى يوم القيامة” كما أحبّ أن يعبر وزير الثقافة “محمد صالح”، فسوريا باتت وطناً أبدياً لكنْ ليس للأسد هذه المرّة وإنما أبد الحرية والكرامة.

تلفزيون سوريا

————————–

الجمهورية الجديدة.. القطع الحاد مع الماضي/ عبد الله مكسور

2025.03.30

يومٌ تاريخي في عمر سوريا، الاحتمالات قد تكون صحيحة، وقد تكون في بعضها خاطئة، الثابت أن الحكومة السورية تشكّلت لتواجه واقعًا معقدًا مليئًا بالتحديات والآمال.

لكن تشكيل الحكومة، بحد ذاته، ليس غاية، بل وسيلة. وسيلةٌ لاختبار قدرة المسؤولين على تقديم الحلول، وقياس مدى تجاوبهم مع احتياجات الناس، واستشراف ما إذا كانت سوريا تتجه نحو التغيير الفعلي أم إعادة إنتاج الماضي بصيغ جديدة. في هذه اللحظة الفاصلة، يصبح دور المواطنين محورياً، ليس فقط في المتابعة، بل في التفاعل والرقابة والمحاسبة.

المتابعة والمساءلة:

في بلدان ديمقراطية راسخة، لا يكون تشكيل الحكومة مجرد حدث إخباري، بل انطلاقة لماراثون طويل من الرقابة الشعبية. في بلجيكا، مثلاً، ينشغل الرأي العام بتحليل السير الذاتية للوزراء قبيل وفور تعيينهم، تُكتب المقالات حول خلفياتهم، يُقارن بين وعودهم وإنجازاتهم السابقة، بل حتى تُنشأ مواقع متخصصة في متابعة الأداء الحكومي.

في الولايات المتحدة، تخضع الحكومة لمتابعة دقيقة من الصحافة ومراكز الأبحاث، ويواجه الوزراء مساءلات علنية أمام اللجان البرلمانية، حيث لا مجال للمجاملات أو الهروب من الأسئلة الصعبة التي قد يطيح أحدها بمستقبل المسؤول السياسي.

أما في سوريا، فقد اعتاد المواطنون على استقبال التشكيلات الحكومية بنوع من اللامبالاة، وكأنها أمرٌ خارج نطاق التأثير الشعبي. هذه اللامبالاة ليست قدراً محتوماً، بل نتيجة تراكم طويل من الخيبات، حيث لم يُتح للسوريين، لعقود، أن يكونوا طرفاً فاعلاً في تقييم أداء حكوماتهم أو مساءلتها بفعالية. لكن اليوم السوريون ليسوا كما هم منذ أشهر، لقد حرروا بلدهم من نظام الأسد فازداد الوعي السياسي رسوخاً، ولم يعد السوري يقبل أن يكون متفرجاً في ظل شهوة جارفة للكلام والمشاركة.

ربما هي المرة الأولى في تاريخ البلاد منذ تأسيسها التي يجلس فيها السوريون مستمعين إلى كلمات الوزراء، كلٌّ منَّا شعرَ أن المسؤول يقطع عهداً له بأن ينفِّذ استراتيجية وسياسة اختصرها بفترة زمنية تراوحت بين خمس وسبع دقائق، ولدينا الآن أرضية نستطيع من خلالها الحديث عن كل ما سيكون في خطة العمل المرتقبة.

لكن المتابعة الحقيقية لا تعني الاستماع إلى كلمات الوزراء من باب الاستهلاك الإعلامي، بل لفهم سياسات الإدارة وتوجُّهاتها. قراءة سيرهم الذاتية، ليس بدافع الفضول، بل لرصد خبراتهم السابقة وما إذا كانوا قادرين على حمل مسؤولياتهم. البحث في إنتاجهم السابق ومنجزهم، ومراجعة تصريحاتهم خلال السنوات الماضية، لاكتشاف مدى التزامهم بالمبادئ التي يعلنون الإيمان بها.

إن بناء مواطنة فاعلة في سوريا يبدأ من هنا، من إدراك أن الحكومات ليست كيانات مقدسة، بل أجهزة إدارية يُفترض أن تعمل لخدمة الشعب. لا بد من ثقافة سياسية جديدة، يكون فيها السؤال عن الأداء حقاً طبيعياً، والاحتكام إلى الأرقام ضرورة، ورفض الشعارات الفارغة واجباً وطنياً.

الدعم والنقد:

المعادلة الصعبة تكمن في الموازنة بين الدعم والنقد، دعم الحكومة لا يعني التصفيق الأعمى، كما أن نقدها لا يعني العداء. الدول تنهض حين يوجد توازن دقيق بين السلطة والمجتمع، بين الحاكم والمحكوم، بين المسؤولية والمحاسبة. هذا التوازن لم يأتِ بسهولة في الدول التي نجحت في ترسيخ الحريات. في ألمانيا، على سبيل المثال، لم تكن الدولة بعد الحرب العالمية الثانية مجرد نظام سياسي، بل عقداً اجتماعياً بين حكومة مسؤولة وشعب يقظ، يرفض الاستبداد ويراقب أداء ممثليه بوعي تام.

في غالبية دول الاتحاد الأوروبي، يُعدّ الوزراء مسؤولين مباشرين أمام المواطنين، وليس فقط أمام البرلمان. يمكن لأي مواطن أن يطلب تفاصيل حول أي قرار حكومي، ويمكن للصحافة أن تفتح أي ملف بلا قيود. هكذا تُبنى الدول الحديثة، لا على الخوف من المساءلة، بل باعتبارها جزءاً من الممارسة السياسية الطبيعية.

وفي سوريا، فإن تحقيق هذه المعادلة يحتاج إلى خطوات تدريجية. أولها، كسر حاجز الصمت، ليس بالضجيج الفارغ، بل بأسئلة جوهرية: ماذا سيفعل كل وزير؟ كيف سيتم تنفيذ المشاريع الموعودة؟ ما المعايير التي ستُستخدم لقياس النجاح أو الفشل؟ ثانيها، خلق قنوات حقيقية للمساءلة، سواء عبر الإعلام، أو عبر منصات تتيح للمواطنين التعبير عن آرائهم، أو حتى من خلال البرلمان المرتقب إذا تمكن من أداء دوره الرقابي بفاعلية. أما الخطوة الثالثة، فتقوم على ترسيخ ثقافة سياسية جديدة، قوامها أن الوطن ليس ملكاً لحكومة أو فئة أو طائفة أو حزب، بل هو عقد اجتماعي مشترك، يقوم على الحقوق والواجبات. لا يمكن للحكومة أن تطلب الدعم من دون أن تقدم إنجازات، ولا يمكن للمواطن أن يكون شريكاً في الوطن إذا كان صوته غائباً أو مغيباً.

أرضية البناء:

إن بناء دولة حرة وقوية في سوريا لا يكون فقط عبر تغيير الحكومات، بل من خلال تغيير العلاقة بين الدولة والمجتمع. وهنا يمكن الاستفادة من التجارب العالمية التي مشت في طريق يقوم على مرتكزات عدة تبدأ من ضمان حرية الإعلام والمعلومات، ففي الدول التي تتمتع بحكومات ناجحة، يكون الإعلام شريكاً في الرقابة وليس مجرد وسيلة دعاية. يجب أن يتمكن الصحفيون في سوريا من العمل دون قيود، وأن تكون لديهم القدرة على طرح الأسئلة الجريئة دون خوف. لا يمكن لأي حكومة أن تنجح إذا لم تخضع للمساءلة الإعلامية الدائمة. الفترة الماضية التي تلت سقوط نظام الأسد دافع الصحفيون عن المساحات النقدية وتمسكوا بها. هذه الخطوة ليست رفاهية وإنما ضمان لبناء أرضية للمساءلة والبناء.

وهذا يقودني للإشارة إلى ضرورة إصلاح النظام القانوني لتعزيز المحاسبة، فلا يمكن الحديث عن حكومة ناجحة في ظل غياب قوانين تضمن الشفافية والمحاسبة. يجب تطوير قوانين تتيح للمواطنين الاطلاع على العقود الحكومية، والكشف عن مصادر الإنفاق، وتقديم شكاوى ضد أي مسؤول مقصّر. في هذا المضمار وفي ظل غياب البنية التحتية أو قصورها في بلد منهك، يلعب المجتمع المدني والحقوقي دوره كاملاً. ففي كل الدول الديمقراطية، يكون المجتمع المدني قوة فاعلة في التغيير، لأنه يخلق توازناً مع السلطة، ويعزز دور المواطنين في النقاش العام. وهذا الدور يتم دعمه عبر تعزيز ثقافة الحوار السياسي التي يجب أن تصبح جزءاً من النقاش اليومي للمواطنين. ليكون الاختلاف في الآراء مصدر قوة لا سبباً للصراع.

الطريق إلى المستقبل:

سوريا تقف اليوم عند مفترق طرق. يمكن أن تكون هذه الحكومة بداية لعهد جديد من العمل المؤسساتي الجاد، أو مجرد حلقة أخرى في سلسلة من الخيبات. المفتاح بيد السوريين أنفسهم: هل سيكونوا مراقبين سلبيين أم فاعلين في رسم مستقبل بلادهم؟

إذا أرادت الحكومة الجديدة أن تنجح، فعليها أن تدرك أن الشرعية لا تُمنح بالقرارات، بل تُكتسب بالإنجازات. وإذا أراد المواطنون أن يكون لهم دور حقيقي، فعليهم أن يتخلوا عن السلبية، ويبدأوا بممارسة دورهم في الرقابة والمساءلة.

ما بين الدعم والنقد، بين الأمل والشك، يتحدد المسار. سوريا لا تحتاج إلى أوهام جديدة، بل إلى واقع مختلف، واقع تُبنى فيه الدولة على أسس متينة من الحرية والعدالة والمشاركة الفاعلة.

ولنا في التاريخ عبر ووقفات، ففي التاسع والعشرين من آذار من عام 1949 م قاد الجنرال حسني الزعيم أول انقلاب عسكري على الرئيس شكري القوتلي، وفتح بذلك باباً للانقلابات العسكرية التي ترتَّبت بعدها كل الدكتاتوريات التي حكمت سوريا حتى سقوط الأسد، وفي ذات اليوم بعد 75 عاماً وفي ذات الليلة التي تحرَّكت فيها الدبابات لقتل الشرعية الرئاسية، في التاسع والعشرين من آذار من عام 2025 م تشكَّلت الحكومة التي سيكون على عاتقها منع سوريا من العودة إلى الماضي الأليم.

تلفزيون سوريا

————————–

من البعث إلى التنوع.. التحوّلات المناطقية والمذهبية في الحكومة الانتقالية/ محسن المصطفى

2025.03.30

أُعلن مساء السبت 29 آذار/مارس 2025 عن تشكيل الحكومة السورية الانتقالية الأولى، وذلك خلال جلسة علنية في قصر الشعب بدمشق. استهلّ الرئيس أحمد الشرع كلمته بالإعلان عن الحكومة، مستعرضاً التحديات الراهنة

، ومؤكداً على ألا تسامح مع الفساد أو التهاون في محاربة الظلم، مشدداً على أن العدل هو أساس كل شيء.

وبحسب الإعلان الدستوري، فإن الحكومة الجديدة لا تتضمن منصب رئيس مجلس الوزراء، نظراً لاعتماد النظام الرئاسي، حيث يُشرف رئيس الجمهورية مباشرة على عمل الوزراء. وقد أبدى الرئيس، خلال كلمته، اهتماماً كبيراً بمواكبة التطور التكنولوجي، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، معلناً بدء العمل على بناء البنية التحتية اللازمة لذلك، من خلال تأهيل الكوادر، واستقطاب الخبرات، وإنشاء مراكز بحث وسوق محفِّز لتحقيق هذا الهدف.

وقد حملت الحكومة الانتقالية تغييرات لافتة، لم تقتصر على استبدال الوزراء فحسب، بل شملت أيضاً تعديلات بنيوية في هيكلية الحكومة وتشكيلتها العامة.

تغييرات بنيوية نحو نظام أكثر رشاقة

شهدت الحكومة الانتقالية الجديدة تغييرات بنيوية واضحة على مستوى تشكيل الوزارات، سواء من حيث استحداث وزارات جديدة أو إعادة دمج بعض الحقائب أو تغيير تسمياتها، بما يعكس أولويات المرحلة الانتقالية.

أبرز هذه التغييرات تمثّل في استحداث وزارات لم تكن موجودة في الحكومات السابقة، مثل وزارة الطوارئ والكوارث، التي جاءت استجابةً لحاجة ملحّة في إدارة الأزمات والكوارث الإنسانية والطبيعية المتكررة في البلاد. ومن الوزارات الجديدة أيضاً وزارة الرياضة والشباب، التي تعكس توجّهاً نحو تعزيز البعد المجتمعي والتنموي في مرحلة ما بعد الصراع.

كما تم إنشاء وزارة الطاقة، وهي وزارة جامعة يُفترض أنها تحل محل وزارات كانت منفصلة سابقاً، مثل النفط والكهرباء، في محاولة لتوحيد إدارة الموارد الحيوية تحت مظلة واحدة. وفي خطوة إدارية لافتة، تم دمج حقيبتي الاقتصاد والصناعة تحت مسمّى “وزارة الاقتصاد والصناعة”، بما يعكس رغبة في تنسيق السياسات الإنتاجية والاقتصادية ضمن جهة تنفيذية واحدة.

في المقابل، تم الاستغناء عن عدد من الوزارات أو إعادة هيكلتها، مثل “وزارة النفط والثروة المعدنية”، و”وزارة الكهرباء”، و”وزارة الموارد المائية”، وهي وزارات يُفترض أن اختصاصاتها قد أُدمجت ضمن “وزارة الطاقة”. كما تم حذف “وزراء الدولة”، أي الوزراء من دون حقيبة، من التشكيلة الجديدة، وهي مناصب كانت غالباً تُستخدم سابقاً لأغراض رمزية أو سياسية من دون مهام تنفيذية حقيقية.

كذلك، لم تُدرج ضمن التشكيلة الجديدة وزارات مثل “وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك”، و”وزارة الاقتصاد والتجارة الخارجية”، وهي خطوات قد تعني إعادة هيكلة المنظومة الاقتصادية عبر إدماج هذه الصلاحيات ضمن وزارات أخرى وعلى الأغلب ستدمج تحت وزارة الاقتصاد والصناعة.

الحكومة الانتقالية مقارنة بحكومات نظام الأسد البائد

شهدت التشكيلة الوزارية الجديدة تحولاً جوهرياً بالمقارنة مع آخر حكومتين في عهد النظام السابق، برئاسة كل من محمد غازي الجلالي وحسين عرنوس، سواء من حيث الحجم أو التوزيع المذهبي والجغرافي.

فقد بلغ عدد الوزراء في الحكومة الانتقالية 23 وزيراً فقط، مقابل 28 وزيراً في حكومة الجلالي و29 في حكومة عرنوس، ما يعكس توجهاً واضحاً نحو تقليص الجهاز التنفيذي وتخفيف العبء البيروقراطي في هذه المرحلة المفصلية.

واحدة من السمات البارزة في الحكومة الجديدة هي ارتفاع نسبة الوزراء الجدد، فقد بلغ عدد الوزراء الذين يشغلون المنصب لأول مرة 17 وزيراً، مقارنة بـ 13 وزيراً فقط في حكومة الجلالي و9 في حكومة عرنوس. حيث تم اعتبار كافة الوزراء السابقين في حكومة الإنقاذ أو حكومة تصريف الأعمال كوزراء سابقين، أما في حين إسقاط هذا الاعتبار عنهم فإن وزيرين فقط خدما في حكومات سابقة تابعة للنظام السابق، هما “محمد نضال الشعار” و”يعرب سليمان بدر”.

ورغم هذه التغييرات الواسعة، إلا أن مشاركة النساء بقيت محدودة، إذ لم تضم الحكومة الانتقالية سوى وزيرة واحدة، مقارنة بثلاث وزيرات في حكومة الجلالي وأربع في حكومة عرنوس. أما ضمن التوزيع المذهبي، فقد حافظ السُنّة على أغلبيتهم ضمن الحكومة الانتقالية بـ 20 وزيراً (تم احتساب الوزيرين الكرديين على المذهب السني) بنسبة 86.9%، وهو مستوى أعلى قليلاً من الحكومة السابقة، حيث كانت النسبة حوالي 78.6%.

بالمقابل انخفض عدد الوزراء العلويين إلى وزير واحد فقط، بعدما كان 3 في حكومة الجلالي و4 في حكومة عرنوس، كما تراجع عدد الوزراء المسيحيين إلى وزيرة واحد فقط هي “هند قبوات”، مقارنة بـ 2 بحكومة الجلالي وبـ 4 في حكومة عرنوس. في المقابل، حافظ التمثيل الدرزي على نسبته بوزير واحد في كل من الحكومتين السابقتين. كذلك ارتفع عدد الوزراء الأكراد إلى اثنين بدلاً من عدم وجود تمثيل لهم في حكومة الجلالي، وهو ما يعكس انفتاحاً قومياً محسوباً في تشكيل الحكومة وبلغت نسبتهم 8.7%.

أما من حيث الخضوع للعقوبات الدولية، سجلت الحكومة الانتقالية تحولاً حاداً مقارنة بالحكومات السابقة؛ إذ لا يخضع للعقوبات سوى وزير واحد فقط (أنس خطاب، وزير الداخلية)، بنسبة لا تتجاوز 4.35%، في حين كانت حكومة الجلالي تضم ما لا يقل عن 15 وزيراً مشمولين بالعقوبات الأحادية، علماً أن العقوبات على “أنس خطاب” هي عقوبات أممية مشابهة لتلك العقوبات المفروضة على الرئيس أحمد الشرع.

أما على مستوى الفئات العمرية، فقد جاءت الحكومة الانتقالية أكثر شباباً من سابقاتها؛ حيث بلغ عدد الوزراء الذين تقل أعمارهم عن 40 عاماً ثمانية وزراء 34.8%، وهي النسبة نفسها لفئة 40–50 عاماً. في حين بلغت نسبة الوزراء في فئة 51–60 عاماً نحو 13%، و17.4% للفئة بين 61–70 عاماً. علماً أن حكومة الجلالي كان أقل عمر فيها 40 عاماً، أم الانتقالية فأقل عمر فيها هو 33 عاماً، وهذا التوزيع يؤكد اعتماد الحكومة بشكل واضح على جيل جديد من الكفاءات، في قطيعة نسبية مع الأجيال القديمة التي احتكرت السلطة لعقود.

في حين أن خلفية العمل أو المنصب التي قدم منها الوزراء، يمكن التمييز بين 4 وزراء مرتبطين سابقاً بهيئة تحرير الشام، بمقابل 5 آخرين شغلوا مناصب بحكومة الإنقاذ العاملة سابقاً في شمال غربي سورية، و3 محسوبون على قطاع الأعمال، و3 قادمون من العمل في مجلس الوزراء سابقاً أو مؤسسات تابعة له، و2 من المجتمع المدني، و2 من التعليم العالي، و2 من العمل الإنساني و2 من الإعلام. اللافت أيضاً أن الحكومة ضمت وزيراً بعثياً سابقاً وهو وزير النقل “يعرب بدر”، في حين يصعب تحديد الانتماءات الحزبية لعدد من الوزراء، إذ قد يكون بعضهم قد انتمى إلى أحزاب سياسية قبل الثورة من دون إعلان ذلك، أو نُسب بعضهم إلى حزب البعث إجبارياً، كما جرت العادة في المراحل الدراسية الثانوية آنذاك.

أما جغرافياً، فيكشف التوزع المناطقي للوزراء في الحكومة السورية الانتقالية الأولى، مقارنة بحكومتي الجلالي وعرنوس، عن تحولات لافتة في خارطة التمثيل الجغرافي. ويعكس هذا التحول محاولة واضحة لإعادة بناء الشرعية السياسية على أسس أكثر توازناً وتنوعاً، من خلال تعزيز تمثيل المحافظات والمناطق التي كانت خارجة سابقاً عن سيطرة النظام أو يمكن القول إنها تعرضت للظلم طويلاً من قبله ولم يتم تمثيلها سابقاً.

احتفظت دمشق بتمثيل ثابت قدره أربعة وزراء في كل من الحكومة الانتقالية وحكومة الجلالي، لكنها تراجعت بشكل ملحوظ مقارنة بحكومة عرنوس التي ضمّت تسعة وزراء من العاصمة. في المقابل، تراجع تمثيل ريف دمشق في الحكومة الانتقالية إلى وزير فقط وهو وزير الداخلية، بعد أن كان سبعة وزراء في حكومة الجلالي. في حين حافظت محافظة حلب على تمثيل قوي بثلاثة وزراء، وهو مستوى قريب من الحكومتين السابقتين.

أما محافظة إدلب فقد زاد تمثيلها إلى أربعة وزراء بعد أن كان اثنين في حكومة الجلالي، ما يعكس تصاعد حضور قوي للمحافظة التي شكّلت، لعقد من الزمن، الحاضنة الثورية للثورة السورية. أما التمثيل القادم من دير الزور فقد بلغ ذروته بتمثيل المحافظة بثلاثة وزراء، بعد أن كانت المحافظة غير ممثلة بحكومة الجلالي، والتمثيل القادم من حماة بلغ وزيرين، وهي قفزة نوعية مقارنة بتمثيلهما السابق، وبالأخص لدير الزور.

في المقابل، سجّلت حمص واللاذقية تراجعاً في الحضور؛ إذ انخفض تمثيل حمص من أربعة وزراء في حكومة الجلالي إلى وزير واحد فقط، كما انخفض تمثيل اللاذقية من أربعة وزراء في حكومة عرنوس، إلى وزيرين في حكومة الجلالي، وأخيراً إلى وزير واحد في الحكومة الانتقالية. كما حافظت محافظات مثل طرطوس، والقنيطرة، والحسكة على تمثيل رمزي بوزير واحد لكل منها.

أخيراً، شهدت السويداء تمثيلاً بوزير واحد، في خطوة ربما ترمز إلى محاولة احتواء التوترات المتصاعدة هناك، أو استيعاب نخبها المحلية. في حين غابت درعا عن التمثيل تماماً في الحكومة الانتقالية الجديدة، بعد أن كانت تحظى بوزارة واحدة على الأقل في الحكومات السابقة. أما محافظة الرقة، فقد غابت كلياً عن التمثيل في كافة الحكومات.

—————————

الحكومة السورية الجديدة: بين آمال التغيير وخيبات التعيينات الوزارية/ نوار الماغوط

31 مارس، 2025

مع الإعلان عن تشكيل الحكومة السورية الانتقالية في 29 مارس 2025، دخلت سوريا مرحلة سياسية حاسمة تهدف إلى إعادة بناء الدولة بعد سنوات من الصراع. وبينما حملت التشكيلة الحكومية بعض المؤشرات الإيجابية نحو التعددية والشمول، فإن نجاحها —أو نجاح أي حكومة أخرى— سيظل مرهوناً بعدة عوامل تتجاوز حدود المشهد الداخلي، ليشمل مدى قبولها إقليميًا ودوليًا، فضلًا عن قدرتها على تأمين التمويل اللازم لإعادة الإعمار.

حكومة تعكس التعدد السوري ولكن…

لطالما أكدتُ في مقالات سابقة أن أي حكومة انتقالية حقيقية في سوريا يجب أن تعكس التنوع المجتمعي، وتضم جميع المكونات العرقية والدينية دون إقصاء أو تهميش. في هذا الإطار، حاولت الحكومة الجديدة تقديم نموذج أكثر شمولًا، حيث ضمت 23 وزيرًا يمثلون مختلف الشرائح السورية، من العرب والأكراد والمسيحيين والدروز، إضافة إلى شخصيات لعبت أدواراً بارزة في العمل المدني والحقوقي.

عُلّقت آمال السوريين على أن تكون هذه الخطوة بدايةً حقيقية لإصلاح الدولة، والتأسيس لمرحلة جديدة تتجاوز أخطاء الماضي. غير أن بعض التعيينات الوزارية، وعلى رأسها تعيين حمزة مصطفى وزيراً للإعلام، شكّلت خيبة أمل كبيرة للذين كانوا يأملون أن تحمل هذه الحكومة تغييرًا جذريًا في بنية الحكم ونهجه.

تعيين حمزة مصطفى: رسالة خاطئة للسوريين

يُذكر أن حمزة مصطفى كان مديرًا لتلفزيون سوريا، القناة التي تمولها حكومة قطر، والتي وُجهت لها انتقادات عديدة بسبب نهجها الإعلامي وانحيازاتها السياسية. تعيينه وزيراً للإعلام يثير تساؤلات خطيرة حول معايير اختيار الوزراء، وما إذا كانت تقوم على الكفاءة والاستقلالية، أم أنها لا تزال خاضعة لحسابات سياسية وإقليمية لا تخدم مصلحة السوريين.

لطالما كان الإعلام في سوريا أداة للرقابة والتضليل، وكان السوريون يأملون أن يكون هذا التغيير الوزاري فرصة لإعادة هيكلة الإعلام الرسمي، وضمان حرية التعبير، وإنهاء السياسات القمعية التي رافقت المشهد الإعلامي لعقود. لكن اختيار شخصية ذات ارتباطات سياسية واضحة، وقادمة من مؤسسة إعلامية خضعت لتوجيهات خارجية، يشير إلى أن النهج القديم لا يزال قائمًا، وأن الإصلاحات التي كان السوريون يأملون بها قد لا تتحقق قريباً.

التحديات الكبرى التي تواجه الحكومة الجديدة

1. أزمة الشرعية والتوافق الوطني

رغم محاولتها تمثيل مختلف المكونات السورية، لا تزال الحكومة الجديدة تواجه أزمة شرعية داخلية. فغياب بعض الفصائل السياسية والعسكرية الكبرى عن المشهد، مثل “قوات سوريا الديمقراطية”، يعكس استمرار الانقسامات العميقة داخل البلاد.

2. الاقتصاد المنهار وتمويل إعادة الإعمار

يُعد الملف الاقتصادي أكبر التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة. فبعد أكثر من عقد من الحرب، يعاني الاقتصاد السوري من انهيار شبه كامل، حيث بلغ معدل البطالة مستويات قياسية، وفقدت الليرة السورية أكثر من 95% من قيمتهاأمام الدولار الاميركي خلال سنوات الحرب التي أعقبت الثورة في سوريا  عام 2011، بينما يعيش أكثر من 90% من السكان تحت خط الفقر.

لكن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في ضعف الموارد الداخلية، بل في غياب التمويل الدولي اللازم لإعادة الإعمار. إذ تقدر الأمم المتحدة أن سوريا تحتاج إلى ما لا يقل عن 400 مليار دولار لإعادة بناء البنية التحتية، لكن الدول الغربية تربط أي دعم مالي بمدى التزام الحكومة بالإصلاحات السياسية وحقوق الإنسان.

3. الضغوط الدولية وصراع المصالح الإقليمية

لا يمكن فصل مصير الحكومة السورية الجديدة عن الموقف الدولي والإقليمي. فمن دون اعتراف القوى الكبرى، لن تكون لهذه الحكومة القدرة على التحرك بحرية. الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يضعان شروطًا واضحة لأي تعاون اقتصادي، بينما تواصل تركيا وروسيا إدارة مصالحها على الأرض وفق أجنداتها الخاصة.

إلى جانب ذلك، يشكل الوجود العسكري الأجنبي في سوريا—من القوات الأمريكية في الشمال الشرقي إلى القواعد الروسية في الساحل—عاملًا إضافيًا يعقد عمل الحكومة. فهذه القوات لا تخضع لسلطة الحكومة المركزية، كما أن بعض الدول، مثل تركيا، تواصل دعم فصائل  في الشمال، مما يضع تحديات أمنية وسياسية دائمة أمام دمشق.

4. العقوبات الاقتصادية والعزلة الدولية

تُفرض على سوريا منذ سنوات عقوبات اقتصادية خانقة، أبرزها تلك التي تفرضها الولايات المتحدة بموجب قانون قيصر، والذي يعاقب أي جهة تتعامل مع النظام السوري اقتصاديًا. هذه العقوبات تعيق استيراد المواد الأساسية، وتشل القطاع المصرفي، وتحد من قدرة الحكومة على جذب الاستثمارات الأجنبية.

بدون رفع هذه العقوبات أو التوصل إلى تفاهمات دولية، ستجد الحكومة الجديدة نفسها عاجزة عن تحقيق أي اختراق اقتصادي، مما يعزز حالة الركود ويؤدي إلى مزيد من الاحتقان الاجتماعي.

5. ملف اللاجئين وإعادة دمجهم في المجتمع

مع وجود أكثر من 6.5 مليون لاجئ سوري في الخارج، و6.0 مليون نازح داخليًا، يُعد ملف اللاجئين من أصعب القضايا التي ستواجه الحكومة الجديدة. فإعادة هؤلاء إلى سوريا تحتاج إلى بيئة آمنة، وبنية تحتية قادرة على استيعابهم، وفرص اقتصادية تضمن لهم حياة كريمة. لكن في ظل الأوضاع الحالية، من الصعب تصور عودة جماعية للاجئين، خاصة مع استمرار المخاوف الأمنية والسياسية في البلاد.

هل تستطيع الحكومة إثبات قدرتها على التغيير؟

رغم الانتقادات، لا يزال البعض يأمل أن يكون لدى الحكومة الجديدة فرصة لتصحيح مسارها، وأن لا تكون باقي التعيينات قد اتبعت نفس المعايير التي أوصلت حمزة مصطفى إلى وزارة الإعلام.

في ظل هذه التحديات، تبدو الأيام القادمة حاسمة في تحديد ما إذا كانت هذه الحكومة قادرة على مواجهة الملفات الأكثر تعقيدًا، أم أنها ستكون مجرد محطة أخرى في سلسلة الإحباطات السياسية التي عرفها السوريون خلال السنوات الماضية.

العربي القديم

———————————

مراسم الإعلان الرسمي عن التشكيلة الحكومية السورية الجديدة

———————————-

بدون رئيس وزراء وضمت سيدة واحدة

كيف استقبل السوريون الحكومة الجديدة؟

بي. بي. سي.

استقبل السوريون الإعلان عن الحكومة الجديدة وأدءاها اليمين الدستورية، بمشاعر مختلطة ما بين التفاؤل بتحسن الأوضاع الأمنية والاقتصادية والسياسية، والسير نحو الاستقرار، وما بين الخوف والقلق من مزيد من الاقصاء والتوتر السياسي والصدام خاصة بعد أحداث الساحل السوري.

وأدى وزراء الحكومة السورية الجديدة اليمين الدستورية، أمام رئيس الحكومة الانتقالية أحمد الشرع، خلال مراسم رسمية في القصر الرئاسي بالعاصمة دمشق، الأحد.

وأعلن الشرع، تشكيل حكومته الجديدة المكونة من 23 وزيرا، مساء السبت، وقالت إنه عازم على “بناء دولة قوية ومستقرة.”

والحكومة الجديدة بدون رئيس وزراء ما يعني أن الشرع سيكون رئيسها، أي سيتولى رئاسة السلطة التنيفيذية.

وجاء تشكيل الحكومة الجديدة متأخرا شهر تقريبا، إذ كان من المتوقع الإعلان عنها مطلع مارس/آذار، لكن الإعلان تأخر وبدلا من ذلك أصدر الشرع إعلانا دستوريا في 15 مارس/ آذار، منحه صلاحيات كاملة في تشكيل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، رغم تنصيصه على احترام الفصل بين السلطات.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن الإعلان الدستوري، “يمنح الرئيس صلاحيات كبيرة تشمل التعيينات القضائية والتشريعية بدون أي ضوابط أو رقابة”.

هل تلبي تشكيلة الحكومة الجديدة في سوريا تطلعات جميع السوريين؟

وفي كلمة ألقاها خلال مراسم الإعلان عن الحكومة الجديدة، قال الشرع الذي تولى السلطة في الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الفائت: “نشهد حالياً ولادة مرحلة جديدة في تاريخنا”.

كما أضاف أن الحكومة الجديدة ستكون حكومة “تغيير وبناء”، وقال “سنعمل على بناء جيش وطني يحمي البلاد”

وتضمنت الحكومة الجديدة تعيين محمد يسر برنية وزيرا للمالية وهند قبوات، وهي مسيحية، وزيرة للشؤون الاجتماعية والعمل.

واحتفظ وزيرا الخارجية أسعد الشيباني والدفاع مرهف أبو قصرة بحقيبتيهما في الحكومة الجديدة، بينما تولى أنس خطاب، وزارة الداخلية بدلا من المخابرات السورية، وانتقد البعض منح الحقائب السيادية وخاصة العسكرية والأمنية إلى المقربين من الشرع وأعضاء في هيئة التحرير الشام.

وتولى محمد عنجراني وزارة الإدارة المحلية والبيئة، ورائد الصالح وزارة الطوارئ والكوارث، وعبد السلام هيكل وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، وأمجد بدر وزارة الزراعة، ومصطفى عبد الرزاق وزارة الأشغال العامة والإسكان، ومحمد ياسين صالح وزارة الثقافة، ومحمد سامح حامض وزارة الرياضة والشباب، ومازن الصالحاني وزارة السياحة، ومحمد حسان سكاف وزارة التنمية الإدارية، ويعرب سليمان بدر وزارة النقل، وحمزة المصطفى وزارة الإعلام.

“لحظة تاريخية”

أثار الإعلان عن الحكومة الجديدة موجة تفاعل كبيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وكان هناك تأييد للحكومة الجديدة وتفاؤل بأن الإعلان عنها سيكون بداية الاستقرار ودخول مرحلة جديدة.

ونشرت الوكالة السورية الرسمية للأنباء برقيات ترحيب من دول عربية وأوروبية بتشكيل الحكومة الجديدة، وكان من بينها السعودية والأردن وتركيا والنرويج وألمانيا.

وعلى المستوى الشعبي أبدى مواطنون ارتياحهم لهذه الخطوة التي وصفوها بأنها “تاريخية” وأنها بداية لاستقرار حقيقي في البلاد.

وقال مستخدم على منصة إكس: “سيذكر التاريخ أنه في تاريخ 29 من آذار تم تعين أول حكومة سورية تشبه الشعب السوري..”

وأعربت مواطنة سورية عن سعادتها بتشكيل الحكومة الجديدة، وأنها عاشت “حتى تشهد هذه اللحظات التاريخية و المصيرية”.

رغم اعترافها بأن الوضع صعب لكن الحكومة سوف “تعمل لتقديم أفضل الممكن.”

انتقادات ومخاوف

وكان هناك من انتقد تشكيل الحكومة والاستعانة بوزراء “غالبيتهم من هيئة تحرير الشام”، دون الاستعانة بوزراء من مكونات سورية أخرى.

وأعربت الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، عن “رفضها للحكومة الجديدة” في دمشق، وتطالب بـ “شمولية” تمثل تنوع الشعب السوري.

وأصدرت الإدراة بيانا رسميا على منصة إكس، شبّهت فيه “حكومة سلطة دمشق الجديدة بالنظام السابق”، مؤكدةً أن أي قرار يصدر عنها دون مشاركتها “لا يعنيها”.

ودعت الإدارة إلى “وقف سياسات الإقصاء والتهميش”، والاتجاه نحو “احتضان” جميع أبناء الشعب السوري بمختلف مكوناته وأديانه وطوائفه.

كما انتقد البعض اختيار وزراء غير متخصصين في وزارات تحتاج إلى تكنوقراط، فضلا عن المخاوف من وجود تدخلات خارجية في اختيار الوزراء.

وكتب سوري على منصة إكس، قائمة بالوزراء، وأمام كل وزير انتماءه السياسي والفكري، من وجهة نظره، وكذلك الدولة التي فرضته على الشرع، بالإضافة إلى وجود أيضا وزراء لديهم كفاءة حقيقية، لكن عددهم قليل جدا.

مساءلة ومحاسبة الجميع

رغم انتقادات البعض وتخوفاتهم إلا أن هناك من أكد على ضرورة منح الحكومة الجديدة فرصتها والوقت اللازم لإثبات كفاءتها، وتفعيل مبدأ المساءلة والمحاسبة لجميع المسؤولين والوزراء.

وقال مستخدم على إكس: “لدينا ملاحظات على بعض الأسماء، ومنها وزير الاعلام، ولكن في سوريا الجديدة لايوجد مسؤول فوق المساءلة، ولن نتساهل مع أي تجاوز من وزير أو غيره”.

بينما طالب سوريون الحكومة السورية الجديدة بالعمل على بناء الدولة ونبذ العنصرية والفرقة والعصبيات، وبناء سوريا موحدة للجميع.

———————————-

الرئيس السوري بعد انتقادات لتركيبة الحكومة: لا يمكن “إرضاء” الجميع

تحديث 31 أذار 2025

دمشق: قال الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع، الإثنين، إن الحكومة الجديدة راعت “تنوع” المجتمع السوري، بعيداً عن “المحاصصة”، مُقراً في الوقت ذاته بصعوبة “إرضاء” الجميع، في رد ضمني على انتقادات طالت تركيبة الحكومة التي تولى مقربون منه أبرز حقائبها.

وأعلن الشرع، ليل السبت، تشكيل حكومة من 23 وزيراً، من دون رئيس للوزراء.

ورغم أنها جاءت أكثر شمولاً من حكومة تصريف الأعمال التي سيّرت البلاد منذ إطاحة حكم بشار الأسد، قبل أكثر من ثلاثة أشهر، إلا أن تشكيلها أثار انتقادات، أبرزها من الإدارة الذاتية الكردية، التي انتقدت “مواصلة إحكام طرف واحد السيطرة” على الحكومة، وقالت إنها لن تكون “معنية” بتنفيذ قراراتها.

وفي كلمة ألقاها عقب أدائه صلاة عيد الفطر في قصر الشعب، قال الشرع: “سعينا قدر المستطاع أن نختار الأكفاء.. وراعينا التوسع والانتشار، وراعينا أيضاً تنوع المجتمع السوري، رفضنا المحاصصة، ولكن ذهبنا إلى المشاركة” في تشكيل الحكومة واختيار وزرائها.

وأضاف: “اخترناهم أصحاب كفاءة وأصحاب خبرة، ومن دون توجهات فكرية أو سياسية معينة، همهم الوحيد هو بناء هذا البلد وبناء هذا الوطن وسنوفر لهم كل الإمكانيات ليكونوا ناجحين”.

وأقرّ أنه “لن نستطيع أن نرضي الجميع”، موضحاً: “أي خطوات سنأخذها لن تحصل على التوافق، وهذه الحالة الطبيعية، ولكن علينا أن نتوافق بالحد الأدنى، وبالمستطاع”، معتبراً أن بلاده أمام “طريق طويل وشاق”، لكنها تملك “كل المقومات التي تدفع إلى نهضة هذا البلد”.

ويشكّل السنّة الغالبية الساحقة من أعضاء التشكيلة الحكومية الجديدة، بما يعكس التركيبة الديموغرافية للبلاد، التي حكمتها عائلة الأسد المتحدرة من الأقلية العلوية لعقود.

وضمّت كذلك أربعة وزراء من الأقليات، تولّوا حقائب ثانوية؛ وزيرة مسيحية، ووزيراً درزياً، وآخر علوياً، إضافة إلى كردي غير محسوب على الإدارة الذاتية الكردية، التي كانت قد توصّلت، منتصف آذار/مارس، إلى اتفاق مع السلطات الجديدة، يقضي بإدماج مؤسساتها ضمن الدولة. إلا أنّ بعض المحللين يخشون أن يبقى الاتفاق حبراً على ورق.

وتولّى مقربون من الشرع الحقائب الأساسية، بينها الخارجية والدفاع والداخلية والعدل.

وتأمل السلطة الجديدة استكمال مسار توحيد البلاد، بعد 14 عاماً من نزاع مدمر ودام. وتواجه، وفق محللين، تحديات كبيرة لجهة طمأنة المكونات السورية وكسب ثقة الدول الغربية والمجتمع الدولي، من أجل رفع العقوبات.

وبعد إعلانه رئيساً انتقالياً، في كانون الثاني/يناير، أعلن الشرع أن المرحلة الانتقالية ستمتد لخمس سنوات، على أن يصار بعدها الى إجراء انتخابات وفق دستور جديد.

وحصل الشرع، بموجب الإعلان الدستوري المؤقت الذي وقّعه في 15 آذار/مارس، على صلاحيات كاملة في تشكيل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية.

وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش إن “صلاحيات الرئيس الواسعة تثير مخاوف كبيرة بشأن استمرارية حكم القانون وحماية حقوق الإنسان، ما لم تُتخذ تدابير وقائية واضحة”.

(أ ف ب)

——————————-

======================

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى