أبحاثسقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع

الدولة بموقعها الحيادي والسلطة التي تضمن الحياديّة/ سوسن جميل حسن

02 ابريل 2025

الانحياز إلى ثورة الشعب موقف أخلاقي في الدرجة الأولى، خاصة في حالة الثورة السورية التي تعرّض فيها الشعب السوري في مناطق واسعة للعنف بأقصى درجاته والتهجير وتدمير المدن والأحياء. وهذا لا يعني أن كل المنحازين إلى الثورة أو الداعمين لها كانوا من النخب الثقافية أو العلمية، أو يتمتعون بكفاءاتٍ عاليةٍ على مستوى الصعد المختلفة.

بناء عليه، لا يكفي أن يكون المرشّح لتولّي منصب في الإدارة العامة، أو في مواقع المسؤولية، منحازًا للثورة كي يكلف بهذه المسؤولية، وفي حالة مثل الحالة السورية التي سقط فيها نظام الطاغية مخلفًا دولة ومجتمعًا منهارين تقريباً، بل إن إعادة الإعمار، على مستوى الدولة والمجتمع أيضاً، تحتاج إلى كفاءات عالية وخبرات، بالإضافة إلى التخصّصات الأكاديمية، بعيداً عن الاستقطابات السياسية أو الإيديولوجيات من أي لون.

انطلاقاً من وعي شريحة واسعة من السوريين ضرورة التغيير والانقلاب على الواقع الذي كان سائداً في فترة الاستنقاع التي تمادت زمنيّاً، وأدت إلى عطالة في جميع مناحي الحياة تقريباً، نظم طلاب كلية الإعلام في جامعة دمشق، في الرابع من الشهر الماضي (فبراير/ شباط) وقفة احتجاجية للمطالبة بـ”تحسين جودة التعليم في الكلية، وإبعاد أي شخصياتٍ تعيق تطورها”. وطالبت الوقفة بـ”إزالة جميع الشخصيات الأكاديمية والإدارية التي ثبت تورّطها في الفساد، المحسوبية، الظلم، والتحيز ضد الطلاب” و”إنهاء سيطرة أي شخصياتٍ تمثل امتداداً لسياسات قمعية أثرت سلباً على جودة التعليم في الكلية”. كانت تترأس عمادة الكلية سابقاً نهلة عيسى، لا أعرف شيئاً عن أدائها الأكاديمي، إنما المعروف عنها تأييدها النظام البائد. عيّن في مارس/ آذار الحالي خالد زعرور عميداً للكلية. وأثار فيديو له انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي ضجّة ولغطًا وانتقادات واسعة، بعدما أطلق تسمية على شريحة من المجتمع ممن يستخدمون بعض وسائط التواصل (التيكتوك تحديداً) بتقديم محتوى، في رأيه تافه، أطلق عليهم تسمية مجتمع “الدياثة”.

ليس خطاب العميد المذكور، الذي يتبنّى فيه معايير يشدّد عليها، خاصة في الإعلام الجاد والموجّه، كما يقول في فيديوهات كثيرة ومحاضرات له، مجال النقاش في هذه المقالة، إنما استخدام مصطلح من هذا النوع الذي يُستخدم شعبيّاً شتيمة أو اتهاماً بالأخلاق لشخص ما في المجتمع، خاصة في حال الخصومة، وكل فرد في المجتمع السوري يعرف حجم الكمية من التحقير التي تحملها كلمة “ديوث” في الثقافة الشعبية. وإذا عدنا إلى القواميس، فإن الكلمة تطلق على الرجل الذي لا يغار على أهله ولا يخجل. وفي شرح آخر، هو القوّاد على أهله. وفي الشرح الديني، وغنيٌّ عن الشرح أن الدين دعامة أساسية لمنظومة القيم والأخلاق في مجتمعاتنا، فإن الديوث هو الذي لا يغار على أهله ومحارمه ويرضى بالمعصية والفاحشة، استشهاداً بقول رسول الله “ثلاثة لا ينظر الله عز وجلّ إليهم يوم القيامة: العاقّ لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث”.

حرية الإعلام قضية رئيسية في مجتمع المعلومات. يجب أن تكون وسائل الإعلام قادرة على الإعلام بحرية، من دون التعرّض لضغوط سياسية أو اقتصادية. وهذا شرط أساسي لتتمكّن من الاضطلاع بدورها في تشكيل الرأي العام. وتعدّ هذه القاعدة أساسية للإعلام في الأنظمة الديمقراطية. ولكن إذا كان القصد من محاضرات العميد زعرور حماية المجتمع من الثقافة الدخيلة التي تؤثر على قيم المجتمع، فإن السلاح الأمضى في مواجهة هذا التخريب لا يكون بمحاصرة حرّيات الأفراد والجماعات، ولا بتصنيف بعض منها على أساس أخلاقي، وإنما بالمساعدة على تفعيل الفكر، والفكر النقدي بالدرجة الأولى. فالشعب، بكامل تنوّعه، يصنع هويته الثقافية ومنظومة قيمه.

لطالما كانت وسائل الإعلام لاعباً رئيسياً في المجتمع. سواء كانت الصحافة المكتوبة أو الإذاعة أو التلفزيون أو في الآونة الأخيرة، الإنترنت ووسائل التواصل، فهي تلعب دوراً أساسياً. ولذلك تتطلب مقاربة الموضوع الدقة والنباهة وتقدير المجتمع المستهدف، هذا بالنسبة إلى تأسيس الجسم الإعلامي الوطني. ما يفرض أيضاً على الجهات المؤسّسة والفاعلة احترام كرامة هذا المجتمع المستهدف، من جهة، والرقي بالخطاب والابتعاد عن تكريس مفاهيم شعبوية أو استخدام لغةٍ يمكن وصفها بأنها هابطة أو لغة شارع، من الواجب تنقيتُه منها والنهوض بالذائقة العامة. دور الإعلام غايةٌ في الأهمية، وهو يحمل رسائل متنوّعة، عدا الوظيفة الإخبارية، من وظائفه أيضاً، الوظيفة الترفيهية، وهنا، ما دام أن الوسائط المتعدّدة باتت أحد الأعصاب الرئيسية في التواصل بين البشر، ولكل شخصٍ الحرية الكاملة في استخدامها ونشر المحتوى الذي يريد، فإن الدور الرسمي، الذي ترى السلطات أن من واجبها الحفاظ على قيم المجتمع من خلال ضبطها هذه الوسائط، لا يكون بالمساس بكرامة بعض شرائح المجتمع واختراع توصيفاتٍ قيميةٍ بحقها، بل من واجب الجهات الر سمية تنقية الخطاب من كل ما يعزّز هذه التصنيفات، والتركيز على أولوياتٍ أخرى، ربما تكون فاعلة ومؤثرة أكثر، وأهمها، كما أسلفت، احترام الأفراد والعمل على تنشيط الوعي والفكر النقدي، وحرية التعبير والرأي، خاصة بالنسبة للمجتمع السوري الحالي، بعد أكثر من نصف قرن من الاستبداد المتعدد.

سيكون لاختراع مثل هذا المصطلح الذي أطلقه عميد كلية الإعلام في جامعة دمشق “مجتمع الدياثة” مستقبلاً أثر سيئ على المجتمع، خاصة لو اعتمد في مناهج تعليمية، ما يفسح المجال لدقّ الأسافين بين شرائح المجتمع، ويفسح مجالًا للتنمّر، ما دام أنه يحمل حكم قيمة أخلاقية معتمداً في المنهج التدريسي.

لوسائل الإعلام دور كبير في تشكيل رأينا العام، كنا على دراية بهذا أم لا، فإن المعلومات التي تنقلها تؤثر على تصوّرنا للعالم، وفهمنا الواقع المحيط بنا. لذلك سيكون لهذا الخطاب تأثير سلبي. وهنا لا بد من الإشارة إلى دور السلطة القائمة في تصحيح الأخطاء التي تقع، عن قصد أو من دون قصد، وتكليف أشخاص أكثر كفاءةً لإدارة بعض القطاعات فائقة التأثير في الوعي العام وحياة المجتمعات، واختيار الأفراد القادرين على معرفة حاجات المرحلة، من أجل بناء جيل مسؤول من الشباب الذي يعدّ نفسه لمرحلة البناء، خاصة أن هناك أموراً أولية فائقة الضرورة، من أجل تدعيم البناء المستقبلي على أسس سليمة، فشرائح الشعب كلها تعاني من أزمات حياتية وأزمة هوية في الوقت نفسه، وهناك استعارٌ مذهبيٌّ وطائفيٌّ وعرقيٌّ نمت بذرته خلال العقود الفائتة على قاعدة ماضوية لم يسعَ النظام البائد إلى معالجتها، بل أجّجها واستغلها في فرض سيطرته على المجال العام، زاد العنف في تأجيجها وتعزيز مشاعر المظلومية والثأرية في الصدور. هذا ما تحتاج المرحلة السورية الراهنة إليه في الدرجة الأولى، علّ الهدوء والسلم الأهلي يفسحان المجال للطاقات الإبداعية وللعقول كي تنفتح، وللقيم أن تسمو من جديد بعد تحررها من المستنقع الحارق التي حشرت فيه.

تبدّد الشعب السوري، وهام في كل بقاع الأرض، منه من حظي بحياة كريمة ومستقبل لأولاده، ومنه من لم يحظَ بفرصة من هذا النوع، فسعى معظم هؤلاء إلى تأمين مصدر رزق لأسرهم عن طرق ما تقدّم وسائط التواصل والميديا المتنوّعة من إمكانية الكسب بصناعة محتوى ما، كثير منهم ذهب باتجاه الطبخ وتقديم الوصفات “السورية منها بشكل أساسي” ومنهم ابتدع محتوى مغايراً، يستطيع من خلاله كسب جمهور يحقق له دخلًا ماديًا، هؤلاء لا يمكن وصفهم بأنهم مجتمع “دياثة”، بل مجتمع مقهور يبحث عن فرصة عيش.

الكلمة مسؤولية، أيّاً كان ناطقها، فكيف بمسؤول حقيقي، في رقبته أمانة النهوض بالواقع وتوجيهه نحو الازدهار والديمومة؟ وقد أخطأ عميد كلية الإعلام بحقّ شريحة من السوريين، عليه الاعتذار منهم، وعلى الجهات المسؤولة تكليف الأشخاص بحسب الكفاءات الأكاديمية وبعيداً عن الأيديولوجبا والعقائد، مهما كانت فلسف

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى