مقالات سينمائية

عن الوثائقي في مهرجاناته وصالاته: أيّ جمهور يُشاهد؟ أي اهتمامٍ يُثار؟/ نديم جرجوره

02 ابريل 2025

ما الدافع إلى مشاهدة أفلامٍ وثائقية، متنوّعة المواضيع وأساليب الاشتغال السينمائي، في صالاتٍ خاصة بمهرجان وثائقي دولي، أو في صالات تجارية، غربيّة أساساً؟

إنْ يكن المُشَاهد/المُشَاهدة معنيّين بالسينما الوثائقية، إنتاجاً وإخراجاً وتوزيعاً، ونقداً وصحافة سينمائيين، فهذا مفهوم، لأنّ الوثائقي جزءٌ أساسيّ من الصناعة، مع أنّ “نقّاداً” و”صحافيين/صحافيات” سينمائيين، عرباً تحديداً، ينفضّون عنها، كما عن الفيلم القصير، والبعض عن أفلام التحريك أيضاً، وهذه مصيبة مهنيّة. هؤلاء المنفضّون/المنفضّات، وهم/هنّ كثرة للأسف، غير مُكترثين بمهرجانات معنيّة بهذه الأنواع السينمائية أيضاً، وبعضهم/بعضهنّ لا يزال يعتبر الوثائقيّ تسجيلياً، ويتعامل معه كمُنتَج تلفزيوني.

السؤال المطروح محاولة لفهم علاقة مشاهدين ومشاهدات بالسينما الوثائقية، خاصة في أيام الدورات السنوية لمهرجاناتها في أوروبا مثلاً. أحياناً، هناك حشدٌ، والبعض غير مُتمكّن من الحصول على مقعدٍ، في صالة كبيرة أو صغيرة. هذا حاصلٌ في مهرجانين أتابع دورات قليلة لأحدهما، وللثاني متابعة واحدة إلى الآن (مارس/ آذار 2025): “مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية (إدفا)”، و”مهرجان سالونيك الدولي للأفلام الوثائقية” (اليونان)، اللذان يُعتبران من الأهمّ في هذا النوع، مع أنّ هناك غيرهما، كـ”دوك لايبزيغ” الأقدم منهما، لتأسيسه عام 1955 في تلك المدينة في ألمانيا الشرقية. فـ”إدفا” مؤسَّس عام 1988، و”سالونيك” عام 1999. هناك مهرجانات وثائقية دولية أخرى طبعاً.

عربياً، يكاد “مهرجان الإسماعيلية” بمصر يحتلّ المرتبة الأولى (مع اهتمامه بالأفلام القصيرة وأفلام التحريك أيضاً)، رغم مصاعب عدّة تواجهه منذ فترة، في بلدٍ يعاني أهوال عيشٍ وخرابٍ وانهيار.

هناك تجربة لبنانية: “مهرجان بيروت الدولي للأفلام الوثائقية”، المنطلقة دورته الأولى في 27 سبتمبر/أيلول 1999، والمتوقّف عامي 2007 و2008، ودورته الأخيرة (11) مُقامة بين 15 و20 ديسمبر/كانون الأول 2011. محاولته إدخال الوثائقي في وعي جماعي لبناني مهمّة. إتاحته حيّزاً لتواصل بين نتاج وثائقي، عربي وغربي، ومهتمّين ومهتمّات، جديرة بقراءة نقدية، معنية أيضاً بأسباب قلّة عدد جمهوره، الناشئة (القلّة) من ندرة المهتمّين/المهتمّات بالسينما عامة، في بلدٍ معطوب، ثقافياً واجتماعياً واقتصادياً. هذا غير محصور بالوثائقيّ، فمهرجانات أخرى، وأسابيع سينمائية عدّة، تُقام في بيروت ومدن لبنانية متفرّقة، غير متمكّنةٍ من “جذب” جمهور سينمائيّ كبير، والمهتمّون/المهتمّات بها قلّة، تواظب على المتابعة والمُشاهدة والنقاش.

لبنانياً، هناك أيضاً “مهرجان بيروت للأفلام الفنية”: بين يناير/كانون الثاني ويونيو/حزيران 2025، تُقام دورته العاشرة في بيروت ومدن لبنانية متفرّقة. ميزته؟ اختياره أفلاماً وثائقية معنيّة بمسائل وشخصيات فنية بحتة. جمهوره؟ قلّة مكترثة، تكاد تكون نفسها بالنسبة إلى المهرجانات والتظاهرات السينمائية الأخرى (هناك أيضاً “رؤى الواقع”، وموقعه في المشهد السينمائي اللبناني العام غير مختلف عن المهرجانين هذين).

سالونيك والزيارة الأولى: مدينةٌ للوثائقيّ تحافظ على سحر اكتشافها

في سالونيك، يشهد مهرجانها الوثائقي حشداً، يملأ الغالبية الساحقة من مقاعد الصالات، أحياناً عدّة. هذا مُلاحَظ في دورته الـ27 (6 ـ 16 مارس/آذار 2025). أحد تلك الأفلام، “بانغِلِن: رحلة كولو” (2025) لبيبا إلريك (جنوب أفريقيا)، يستقطب جمهوراً كبيراً، بعضه مُكوَّن من شبابٍ ومراهقين/مراهقات، يأتون جماعةً لمُشاهدته. أيكون هذا جزءاً من تمرين مدرسيّ؟ ربما. لكنّ “كثرة” عدد هؤلاء غير عاكسةٍ اهتماماً جدّياً بالفيلم أو بالوثائقي أو بالمهرجان، فبعضه منهمك في هاتفه الذكي، رغم إطفاء الأضواء وبدء العرض.

لكنّ هؤلاء أنفسهم غير ممثّلين حشداً تشهده صالات المهرجان في عروضٍ عدّة. الفيلم يروي حكاية رجل يجهد في حماية حيوان البنغول من الانقراض في جنوب أفريقيا، الذي يتعرّض نسله للاتجار به. هناك أيضاً “لعبة المواعدة (The Dating Game)”، للصينية فايْلِت دو فونغ: صالة “أولمبيون” (676 مقعداً) مليئة بكاملها (شباب صينيون يعانون عجزاً في إقامة علاقات سليمة مع شابات).

هذان نموذجان، يكشفان شيئاً من واقعٍ، يُشبه ذاك الحاصل في “إدفا”، المُقام سنوياً في فصل الشتاء (نوفمبر/تشرين الثاني)، بينما “سالونيك” يُقام في فصل الربيع (مارس/آذار)، ودرجة الحرارة مرتفعة قليلاً. صحيحٌ أنّ سكّان أمستردام يعتادون مناخاً كهذا، فلا يأبهون به. لكنّ الأهمّ اهتمامهم بأفلام وثائقيّة، يُشاهدون أكثر من اثنين منها يومياً، أحياناً، تماماً كالحاصل في “سالونيك”، ففي أكثر من صالة، هناك “وجوه” تتابع وتنتبه وتناقش. ما يقوله زملاء المهنة وزميلاتها، الذين يتابعون المهرجان سنوياً منذ دورات عدّة، يؤكّد أنّ للوثائقيّ مكانةً كبيرة في وعي فردي/جماعي.

في “إدفا”، الحضور طاغٍ بدوره. الأعمار متفاوتة، والغلبة لكبار السنّ، أحياناً. متابعة المشهد تقول إنّ اهتماماً كهذا نابعٌ، أساساً، من وعي ثقافي اجتماعي بالسينما، يتكوّن منذ الأعوام الأولى للدراسة. هناك ثقافة سينمائية، ففي نقاشات حاصلة بعد عروضٍ عدّة، مع أفراد من فريق العمل (مخرج/مخرجة غالباً)، يتّضح هذا بفضل نوعية الأسئلة المطروحة، والاستفسارات تُشير إلى رغبةٍ في “فهم” أحداث/حالات بلدان أخرى وشخصيات مختلفة، تصل أخبارها إليهم/إليهنّ عبر صحافة وإعلام وخطاب سياسي.

المُلاحَظ أيضاً أنّ أفلاماً وثائقية تُعرض في مهرجانات دولية، كـ”برليناله” و”كانّ” و”كارلوفي فاري”، تستقطب حشداً شبيهاً بالحاصل في “سالونيك” و”إدفا”، وبعض الأفلام مُشارك في المسابقة الرسمية. هذا كلّه من دون مناقشة نقدية للسينمائيّ فيها، فبعضها عاديّ، ومع هذا يفوز بجائزة أساسية، كالحاصل في الدورة الـ74 (15 ـ 25 فبراير/شباط 2024) لـ”مهرجان برلين”، إذْ يُمنح “داهومي”، للسنغالية الفرنسية ماتي ديوب، جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم، رغم أنّ في المسابقة نفسها وثائقياً أهمّ وأجمل: “معماريّ” للروسي فكتور كوسّاكوفْسْكي.

هذا كلّه قابلٌ لمزيدٍ من نقاشٍ. لكنّ كثرة مُشاهدي الوثائقي ومشاهداته تُنبّه إلى موقعه في الوعي الفردي/الجماعي، وهذا مفقودٌ عربياً.

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى