اسم المؤلف/ ممدوح عزام

04 ابريل 2025
منذ أن حضر الاسم الواضح في النصوص الأدبية، تبدّلت العلاقة بين المجتمع والسلطة من جهة، والكتابة من جهة ثانية، مثل ما تبدّلت العلاقة بين المؤلّف نفسه وإنتاجه الإبداعي. ففي الحكاية والأسطورة، لم يكن أحد ينشغل باسم المؤلف الذي كتبها، وكان المجتمع عموماً، كما السلطات الحاكمة، متصالحاً مع المضمون أو يميل إلى تجاهله. بينما أصبح اسم المؤلف حاضراً بقوة في الرواية والقصة والمسرحية، كما في جميع الفنون أيضاً كالرسم والموسيقى، وبات المجتمع رقيباً، ومُلاحظاً، وملاحقاً أو مطارداً للمؤلّف والنَّصّ.
يشير اسم المؤلف إلى المسؤولية الأدبية، والفكرية، والأخلاقية في التعبير الأدبي. بينما تتملّص الجماعة، أو المؤلف المجهول للحكاية، والملحمة، والأسطورة، من مثل هذا التقييد أو التبعات. فوجود المؤلّف فيها حقيقيٌّ، إذ لا يوجد نصٌّ شفهيٌّ أو مكتوبٌ دون مؤلّف، واسمه مجهول، ولكن المسؤولية غائبة تقريباً، والرقابة شبه معدومة. وقد يكون هذا الأمر هو الذي جعل السلطة العربية في القرون الماضية كلها تمتنع عن حظر “ألف ليلة وليلة”، كما حدث في عصرنا.
وإضافة إلى ذلك، بات اسم المؤلف اليوم يشغل وظيفة إعلانية أو إعلامية في السوق الضخمة الكبيرة التي يتوافر فيها آلاف الأسماء من الروائيين، والشعراء، والمسرحيين، والنقاد، في العالم كله. ويترتب على الاسم، لا على الموضوع، أو المادة المُقدمة، شعراً، أو قصة، أو رواية، أو مسرحية، في معظم الحالات التي تعالجها الإعلانات، قراءة خاصة، أو تناولاً مختلفاً عن اسم آخر. وفي مثل هذه الحالات، فإن الكثيرين يقرؤون النصوص، أو يقتنونها، أو يعرضونها في واجهات مكتباتهم، تحت تأثير سلطة اسم المؤلف.
فرواية لماركيز، حتى بعد رحيله، سوف تحظى باهتمام الإعلام في العالم كله، دون أن يعرف أحد بعد مستوى الكتابة فيها أكثر من أي اسم آخر. ومن الذكريات التي يعرفها الجيل الأدبي الذي أعقب مرحلة الستينيات في سورية، أي جيل السبعينيات وما بعد، أنَّ شعراء وروائيي تلك الحقبة هيمنوا بأسمائهم على الحياة الأدبية السورية في العقود التالية، بفضل الإعلام الذي سوّق تلك الأسماء، لأسباب أغلبها سياسي أو حزبي، لا لقيم فنية وفكرية، وكثير من تلك الأسماء لم يعد لهم أي تأثير في الحياة الأدبية السورية أو العربية.
وتزداد هذه السلطة في حال فاز الاسم بإحدى الجوائز المعروفة في العالم، مثل “جائزة نوبل”، أو “جائزة غونكور”، بينما نلاحظ أنَّ المؤلّف العربي أيضاً يكتسب مكانة خاصة، مبنيّة على الشهرة، لدى قطاعات واسعة من القرّاء العرب، في حال فوزه بـ”جائزة البوكر العربية” الأكثر شهرةً ومكانةً اليوم.
من جانب آخر، تميل الرقابة في كثير من البلدان إلى منع مؤلّفات كاتب بعينه، ومن المعروف أنَّ القائمين على معرض الكتاب في سورية في النظام السابق كانوا يمنعون الكتب نسبة لمؤلفيها.
وسواء كنّا نتحدث عن الحضور القوي أو المنع الرقابي، فقد يكون واحداً من الأسباب التي تؤخّر وصول النص الجيد إلى القرّاء في حالة المنع، أو يمارس استبعاداً لغيره حين يهيمن على الساحة الأدبية، ويحرم الأسماء المجهولة التي قد تكون أفضل منه أدبياً وفنياً في حال سيطر الاسم، دون القيمة الأدبية فقط.
* روائي من سورية
العربي الجديد