كتابة موغلة في الذاتية/ سوسن جميل حسن

27 فبراير 2025
في الواقع، منذ أن بدأت الحالة التي أنا عليها في هذه الفترة، منذ أن سقط نظام الطغيان في بلادي سورية، أشعر باستعصاء الكتابة، وكأن اللغة انغلقت في وجهي، وكأن الأفكار تبدّدت تاركة في روحي فجوة كبيرة.
على مدى سنوات طويلة من عمري، ولم أعد في عمر الشباب، وأنا أقف في وجه الظلم، والاستغلال، والقمع، وكبت الحريات، والفساد، أتعاطف مع المقهورين والمستضعفين، أساند قضاياهم وأقدر معاناتهم، أقف في موقف المعارِضة، ليس المعارِضة السياسية، فأنا لم أشتغل في السياسة سابقًا، ولم أنتسب إلى أي حزب أو تنظيم، حتى نقابة الأطباء التي كنت أنتسب إليها بحكم مهنتي، كنت خاملة فيها، لم أترشح لأي انتخابات فيها، ولم أمارس حقي وواجبي الانتخابي، وعندما باشرت الكتابة كانت كل هذه القضايا محورها. لكن السياسة معجونة برغيف خبزنا، فمن كان يستطيع الإفلات منها على مدى تلك العقود المارقة؟ لقد جعل نظام الاستبداد حياتنا مغمّسة بالسياسة شئنا أم أبينا، عندما حوّلنا إلى كائنات تعاني، تعاني فحسب، فكيف لنا ألّا نفكر في بواطن نفوسنا بهذه الحياة الحارقة التي يزجنا فيها؟ في الوقت نفسه حرّم علينا العمل في السياسة، لقد زجّ كل معارضيه في السجون، وقتل من قتل منهم، ثم شكّل جبهته الوطنية التقدمية بقوالب من صنعه ليشهرها في وجه العالم شاهدًا على ديمقراطيته الغشاشة.
تحت وطأة الاستبداد كتبت مئات المقالات، أستطيع القول إن أكثر من ثمانين بالمئة منها كانت في تشريح الطغيان ونقد الحياة تحت ظله، حتى إن تهمتي عند الأجهزة الأمنية كانت مقالاتي. عندما استدعيت إلى الأمن السياسي في آخر مرة ذهبت فيها إلى بلادي منذ ست سنوات، كانت أمام المحقق رزمة مطبوعة من مقالات مختارة، وضعوا خطوطًا تحت عديد من التعبيرات والجمل، والسؤال الذي كان فاتحة إداناتي: لماذا أكتب صيغًا مثل نظام قمعي، أو استبدادي، أو شمولي، أو… إلخ من التعبيرات التي تصفه، وهو في الواقع يجمعها كلها في ممارساته. يسألونني: لماذا أستخدم كلمة “قمعي”؟ وأنا في مقرّهم باستدعاء رسمي تحت طائلة ما يترتب على عدم امتثالي لدعوتهم، حيث رُحّل منه، ومن أمثاله من فروع أمنية، عشرات الآلاف إلى المعتقلات وكثير منهم اختفوا، لأنهم قالوا: لا، أو ربما لم يقولوا، بل عيونهم قالت، أو صمتهم وعدم إشهار تأييدهم ودعمهم النظام أدانهم. يا للوقاحة، أليس وجودي لديهم والتحقيق معي، وأنا التي لا سلاح لديها سوى الكلمة، هو القمع بعينه والاستبداد بعينه؟
كتبت مقالات كثيرة، وكتبت في عمر الثورة أربع روايات، كلها تدور في فلك الهزات الارتدادية التي أحدثتها الثورة وعنف النظام ضدها، ثم عسكرتها. كتبت عن كثير مما سببه الاستبداد، وعن الاستنقاع الذي زج الشعب فيه على مدى عقود، عن تهتك المجتمع، عن تطييف المجتمع، عن المرأة وما لحقها، عن الأسرة التي وصل الخراب إليها، عن المثقفين الذين خذلوا الشعب. كتبت كثيرًا، وكانت اللغة تلبي وجداني.
اليوم، وأمام التغيير الكبير الذي وقع في سورية، وتحت تأثير ذهولي، مثلي مثل غالبية السوريين، أقف عاجزة عن الكتابة، لا أريد لمشاعري التي لا أستطيع ترويضها، مشاعر الفرح بالخلاص من نظام أوشكنا على أن نشعر بأنه قدر لا مفرّ منه، وأنه بالفعل باق فوق صدورنا إلى الأبد، كما كان يحلو له ان يصرخ الشعب، لا أريد لها أن تقيّدني، لكن مشاعري هذه تربكني، وأقف في مواجهة نفسي أستجوبها: ما هي استحقاقات الكتابة عليّ اليوم؟ فأشعر بأن جدارًا يرتفع بيني وبينها، وأنني أتحوّل إلى كتلة من الصمت الأخرق.
“لا أملك غير أن أتألّم على من يعيشون في بيوت ومدن، محسوبة عليهم حياة من دون أدنى مقوماتها، لا كهرباء، لا وقود، لا غاز للطبخ، لا قدرة مادية على تحمّل تكاليف الحياة، ومنهم من صار بلا دخل اليوم، على قلّة هذا الدخل من الأساس”
منذ الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الفائت، وأنا مرهونة للشاشات، أتسابق مع الوقت لأن الأخبار تسبقني باستمرار، لا أشعر بالزمن، بل أشعر أنني غارقة فيه، عالقة في بقعة ساكنة لا تتحرك، على الرغم من أن الأمواج تلطمني من كل صوب، لكنني أرى نفسي كذاك الفنان الإشكالي الذي حبس نفسه في زجاجة طيلة مدة الألعاب الأولمبية الأخيرة في باريس.
إنها عزلتي، عزلتي التي أرى منها كل العالم، لكنني لا أسمعه، ولا أفعل شيئًا فيه غير الفرجة. لكن ما الذي أملكه غير الفرجة؟
هل تركنا بصمة، أنا وغيري من الكتّاب والأدباء، مهما كان حجمها، في الوعي الجمعي لمجتمعنا؟ أم إن السؤال اليوم في غير مكانه، وفي غير وقته، فعمر سورية في حريتها لم يتجاوز الأسابيع القليلة، بل لم يكمل الأشهر الثلاثة، وما نلاحظه ونراه من مشاهد فيها ما يقلق، وفيها ما يدعو إلى التفاؤل، ليس كافيًا لأن نحكم على الأمور، وعلى الولادة الجديدة.
سورية منهكة اليوم، تحتاج إلى حضن دافئ، إلى مزيد من الحب، فقد مرّ على روحها نصف قرن من الاستبداد والعمل الدائم على محاصرة الفكر وتسطيحه وإشغاله بأمور لا ترقى إلى مستوى المواطن محفوظ الكرامة، توّج بعقد وأكثر من العنف بأعتى أشكاله وأكثرها وحشية، وتأجيج العصبيات وزرع الفتنة الطائفية والقومية، واستنزاف موارد البلاد التي هي من حق كل ساكنيها، وتعطيل كلّ طاقات الإبداع، وإفقار الشعب إلى حدّ الجوع. كل هذا وغيره الكثير من ممارسات نظام القمع والتوحش، نظام جعل البلاد خرابًا، وفرّ من رأسه إلى كل أركانه الأساسية، تاركًا خلفه ركامًا من الشجر والحجر والبشر.
لا أملك غير الفرجة والتألم على أهلي هناك، أهلي الذين ما زالوا في المخيمات تتعاقب عليهم فصول الحرّ والبرد الظالمَين، أطفالهم يكبرون في الساحات المتربة بين الخيم، يغوصون في الأوحال والمياه الآسنة، ويلعبون، هل تصحّ الطفولة من دون لعب؟ أطفال بلا مدارس ولا رعاية صحية ولا تغذية ضرورية من أجل بنائهم ونموهم، ولا دفء في هذا المناخ الشرس الذي لا يرحم طفولتهم، والسنوات تمر، تقضم من أعمارهم وهم يكبرون في عمر محسوب على الإنسان، والعمر أكثره قليل.
لا أملك غير أن أتألّم على من يعيشون في بيوت ومدن، محسوبة عليهم حياة من دون أدنى مقوماتها، لا كهرباء، لا وقود، لا غاز للطبخ، لا قدرة مادية على تحمّل تكاليف الحياة، ومنهم من صار بلا دخل اليوم، على قلّة هذا الدخل من الأساس.
أواجه ألمي بأمل يجب أن أتمسك به، أمل يومض في نفسي وأنا أسمع صوت أعماقي يذكرني: سورية تحرّرت. نعم سورية تحرّرت وليس النهوض من تحت الردم أمرًا هينّا، النهوض من تحت الركام يحتاج إلى الصبر والمناورة، فالنهوض السريع قد يخدش ويدمي وربما يكسر، وجسد السوريين منهك لا يحتمل رضوضًا أخرى، ولا كسورًا، ولا انكسارات.
أتابع ما يكتب في الصحف وفي مواقع التواصل الاجتماعي وما يقال على الشاشات، هناك مساحة كبيرة من الحرية، حرية لم نعتد عليها، صادرها النظام البائد، واليوم لا نعرف كيف نصرف هذا الفائض منها، لكنني لا أعرف أن أكتب، بل ولماذا أكتب؟ وما جدوى كتابتي؟ هل هناك من يقرأ ويصغي؟ لست واثقة، فالجميع غارقون في لجة الحياة اليومية الحارقة، الجميع ما زال يلهث خلف الرغيف وخلف الدواء وخلف ساعة من الكهرباء وخلف وسيلة نقل يستقلها، وخلف تفاصيل تستنزف الطاقات وتستبيح الوجدان وتعطل التفكير، يطفئون نيران غضبهم على المواقع، ويخوضون معاركهم تجاه بعضهم بعضًا، يرتمون في حضن الماضي البعيد ويحيون الثارات والعصبيات.
أمام سؤالي عن جدوى الكتابة يأتيني الدليل من الماضي القريب، ما الذي استطعت وغيري بناءه ونحن نكتب، نقارع الاستبداد ونحاول فتح ثغرات في جدران البديهيات والمسلمات التي تحاصر العقول؟ أين كان تقصيرنا فيما مضى؟ لماذا لم نعرف أن نبني ثقة بيننا وبين الجمهور الذي خاطبناه وتوهمنا أنه يسمعنا؟ بل لماذا لم نُجِِد الكتابة في ما هو مفيد وضروري للتأسيس لوعي جمعي يعرف من خلاله الناس معنى مفردات كثيرة تقوم عليها المجتمعات والدول الحديثة؟ إنهم اليوم يمارسون حقًّا من حقوق الإنسان، حقًا مؤسّسًا، الحرية، إنما حرية الكلام فحسب، حرية التعبير عمّا يجول في قلوبهم من مشاعر وعواطف راكمتها سنوات القمع والطغيان، وليس حرية العقل، فالعقل ما زال محشورًا بين نيران الحرائق التي انفجرت في الصدور بعد طول حصار.
في عزلتي أشعر بالغربة أيضًا في عالم يمور بأحداث كبيرة، عالم يلعب فيه الكبار ويرسمون مساراتنا ويتدخلون في أدق تفاصيل حياتنا، هؤلاء الكبار أداروا لعبهم فوق أرضنا، وأشعلوا نيرانهم بأجسادنا، وتُركت سورية كل هذه السنين تحترق وتتقطع أوصالها وهم لا يبالون، واليوم سورية بحاجة إلى أكسجين الحياة في غرفة العناية المشددة والإنعاش، لم يقدم لها الأوكسجين إلى اليوم، وما زال هذا الشعب المعذب مستباحًا في لقمته وأمنه واستقراره ومستقبله.
في عزلتي لا أملك غير الأسئلة الصعبة، بينما اللغة تخونني، والأفكار تهرب من رأسي، فأهرب منّي كاتبةً، لألوذ بي امرأة من تلك البلاد، امرأة أدمنت الحزن، ولم يستطع الفرح العظيم أن ينشلها منه إلى اليوم.
ضفة ثالثة