المواجهات في الساحل السوري.. التداعيات والمواقف

نشر في 11 آذار/مارس ,2025
مقدمة
انفجرت الأوضاع الأمنية في الساحل السوري، على إثر قيام مجموعة منظمّة في الساحل، بقيادة بعض ضباط النظام السابق، بمهاجمة قوات الأمن العام في الساحل، مما استدعى طلب تعزيزات من قوات الأمن العام، لضبط الأوضاع، ولكن ردّة الفعل جاءت واسعة وغير منظمة، حيث شاركت في العملية بعض فصائل الجيش الوطني المعروفة بسلوكها غير المنضبط، فضلًا عن حشودٍ غفيرة من مواطنين سوريين اندفعوا من مدن أخرى بأسلحتهم نحو الساحل، استجابةً لإطلاق بعض رجال الدين حملة نفير، من على منابر المساجد وعبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأدت تلك العمليات على مدى عدة أيام، من 6 آذار حتى 8 آذار، بالإضافة إلى مقتل أكثر من مئة من عناصر الأمن العام، إلى مقتل أكثر من مئة من المسلّحين المتمرّدين، ومقتل نحو ألف شخص من المدنيين، قُتلوا انتقامًا بلا ذنب تحت تأثير ردّة فعل اتخذت طابعًا طائفيًا، وكان لذلك الأمر أثرٌ سيئ، داخليًا ودوليًا.
استغلّ بعض ضباط النظام القديم، ممن عُرفوا بارتكابهم جرائم سابقة، أوضاع الاحتقان التي تصاعدت على مدى الشهور الثلاثة الماضية إثر سقوط النظام، وجنّدوا بضع مئات من أبناء الساحل، حيث تصاعد الاحتقان بعد حل مؤسسات الجيش والأمن والشرطة، وفقد مئات الآلاف من عناصر هذه المؤسسات وظائفهم ومصادر دخلهم، وكان الجزء الأكبر منهم من أبناء الساحل، إضافة إلى عشرات الآلاف ممن سُرّحوا من وظائفهم من مؤسسات الدولة المدنية، من دون تأمين وظائف ومصادر دخل بديلة، ويضاف إلى ذلك آثار إجراءات التسوية التي فُرضت على جميع منتسبي مؤسسات الجيش والأمن والشرطة المنحلة، إذ أدت إلى تصاعد الشعور بالإهانة والحنق في صفوف هؤلاء، إضافة إلى العمليات التي تقوم بها مجموعات الأمن العام، ضمن ما يسمى “ملاحقة الفلول” التي لم تحدد قائمة متهمين محددين، بناءً على سياسة عامة محددة للعدالة الانتقالية، حيث لم تُشكل هيئة للعدالة الانتقالية، ولم تُحدّد إجراءات محددة للاتهام والاعتقال، ولا يوجد محاكمات، مما أطلق يد العناصر للتصرّف على نحو يخالف المبادئ التي تلتزم بها المؤسسات الحكومية عادة، ووصلت في العديد من الحالات إلى القتل. وقد خلقت كل هذه الأوضاع مناخًا ساعد مجموعة من الضبّاط السابقين في عهد الأسد، وهم ضبّاط مطلوبون لارتكابهم جرائم سابقة على مدى سنوات الحرب، في أن يجنّدوا معهم بضع مئات، وأن يقوموا بعملياتهم التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار.
التصعيد العسكري في الساحل السوري: أحداث الأيام الأربعة الأولى
اليوم الأول: 6 آذار/ مارس 2025 – الهجوم المفاجئ
شنّ “لواء درع الساحل”، بقيادة مقداد فتيحة، هجومًا منسقًا على عدة مواقع عسكرية وأمنية في وقت واحد، وقد تزامن ذلك مع حملة إعلامية واسعة، وتظاهرات في بعض المناطق الساحلية مثل طرطوس، وكان الهدف من الهجوم السيطرة على نقاط عسكرية استراتيجية، حيث هاجمت مجموعات من “لواء درع الساحل” حواجز الأمن العام والمؤسسات المنتشرة في بانياس وجبلة واللاذقية، وتمكّنت من قتل 15 عنصرًا من الأمن العام، إلى جانب السيطرة على نقاط تفتيش على الطرق الرئيسية، ما أتاح للمجموعات المسلحة السيطرة على بعض القرى الجبلية في ريف اللاذقية لبعض الوقت.
بالتوازي مع ذلك، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي أخبارٌ عن انتهاكات. وفي المقابل، دعوات إلى النفير العام في بعض المدن والبلدات السورية لنصرة قوات الأمن، فتوجهت فصائل عسكرية ومدنيّون من مختلف المناطق السورية، إلى الساحل، محمّلين بالسلاح، وبأعداد كبيرة تُقدّر بآلاف المقاتلين والمدنيين، وقد اتخذت تلك الحملة طابعًا طائفيًا، صبّ الزيت على النار، فبدلًا من أن يظهر الصراع أنه بين عصابات خارجة عن القانون وقوات الأمن العام، بدا وكأنه صراعٌ سنّي علويّ، وأدّى إلى فوضى في عمليات التعبئة، وعدم تنسيق الدعم العسكري من قبل وزارة الدفاع، الأمر الذي أسفر عن وقوع انتهاكات وحوادث قتل بحق بعض المدنيين.
اليوم الثاني: 7 آذار/ مارس 2025
مع تصاعد الهجمات وانتشارها، أعلنت الإدارة الجديدة إطلاق حملة أمنية واسعة لاستعادة السيطرة وفرض النظام، وأرسلت تعزيزات عسكرية، من محافظات إدلب وحماة وحمص وحلب، إلى مناطق الاشتباكات، وشنت قوات الأمن العام مع القوات العسكرية التي جاءت للمساندة مداهمات مكثفة في قرى ريف اللاذقية، طرطوس، وحماة، بهدف تعقب أفراد المجموعات المهاجمة، وأسفرت العمليات عن اعتقال مئات الأشخاص، بينهم مدنيون لم تثبت مشاركتهم في الهجمات، مما أدى إلى استياء شعبي واسع.
وبحسب بعض الروايات، تم تنفيذ إعدامات ميدانية بتهمة التعاون مع المسلّحين، وبحق مدنيين، ووفقًا لتقارير حقوقية، بلغ عدد القتلى 779 شخصًا، منهم ما يقارب 211 مدنيًا، خلال هذه العمليات[1]، مما أدى إلى انتقادات دولية واسعة، بسبب تلك الانتهاكات.
اليوم الثالث: 8 آذار/ مارس 2025
في صباح يوم 8 آذار/ مارس، أعلنت وزارة الدفاع السورية أن قواتها تمكّنت من استعادة السيطرة على معظم المناطق التي شهدت اضطرابات، خلال اليومين السابقين، وتم تنفيذ عمليات تطويق للمسلحين الفارّين، لمنعهم من إعادة تنظيم صفوفهم أو شنّ هجمات جديدة، وبالرغم من هذا الإعلان، استمرت حالات الكرّ والفرّ في بعض القرى الجبلية، مما يشير إلى أن الوضع لم يستقر تمامًا بعد.
خريطة رقم (1): النقاط التي هاجمتها العصابات التابعة للنظام بين 6-9 آذار / مارس 2025
للحصول على الخريطة بدقة عالية: الرابط
على الرغم من أن العمليات العسكرية استهدفت المسلّحين، فإن تقارير حقوقية أكدت وقوع انتهاكات عدة ضدّ المدنيين، وتم توثيق حالات اعتقال تعسفي، وعمليات قتل خارج نطاق القانون، وأدى ذلك إلى انتقادات دولية واسعة، وإلى فتح تحقيقات موسعة لمحاسبة جميع الأطراف المتورطة في هذه الانتهاكات. وأسفرت الاشتباكات عن نزوح مئات العائلات من المناطق المتضررة، إلى مناطق أكثر أمانًا، كما التجأ عدة آلاف إلى قاعدة حميميم، ولجأت عائلات كثيرة إلى لبنان، وزاد الضغط على البنية التحتية الضعيفة في المدن والبلدات المجاورة، وتأثرت الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه بشكل كبير، فتفاقمت معاناة السكان المدنيين الذين وجدوا أنفسهم وسط صراع لا يعترف بحيادهم.
أدت المعارك إلى تعطيل شبكات النقل والتجارة في المناطق المتضررة، وتسبب ذلك في ارتفاع أسعار السلع الأساسية، نتيجة انقطاع الإمدادات وتأثّر الأسواق المحلية، وتأثرت موانئ الساحل التي تعتبر مراكز اقتصادية حيوية، بسبب العمليات العسكرية، وتراجع النشاط الاقتصادي في المنطقة.
عززت المعارك حالة الاستقطاب الداخلي في سورية، حيث زادت المخاوف من تصاعد التوترات الطائفية والعرقية، ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا خطيرًا، حيث استغلّت بعض الجهات هذه الأحداث لنشر معلومات مضللة وإثارة الفتن، وقادت حسابات مرتبطة ببقايا نظام الأسد وخارجية حملة إعلامية ممنهجة، لنشر أخبار مضللة ومنسقة، تهدف إلى تشويه الحقائق والتأثير في الرأي العام، مستفيدة من غياب إعلام رسمي أو ناطق رسمي حكومي أو أي مصدر رسمي للمعلومات، ما ترك البابَ مفتوحًا لوسائل التواصل الاجتماعي، بما فيها من مساحة واسعة للشائعات.
تشكيل لجنة تحقيق وطنية
في 9 آذار/ مارس 2025، أصدر الرئيس أحمد الشرع قرارًا بتشكيل لجنة وطنية مستقلة، للتحقيق في الأحداث والانتهاكات التي وقعت في المناطق الساحلية منذ 6 آذار/ مارس 2025، وتألّفت اللجنة من خمسة قضاة وعسكري واحد ومحام واحد، وكُلِّفت بالكشف عن الظروف والأسباب التي أدت إلى هذه الأحداث، وتحديد المسؤولين عن الانتهاكات ضد المدنيين وعناصر القوات الأمنية، على أن يتم تقديم تقريرها خلال 30 يومًا.
في دمشق، نظّم ناشطون وقفة احتجاجية صامتة حدادًا على الضحايا المدنيين وعناصر الأمن الذين قُتلوا خلال الاشتباكات، ورفعوا لافتات كتب عليها “الدم السوري ليس رخيصًا”، لكن الوقفة شهدت مشادات مع متظاهرين مضادين، تطوّرت إلى اشتباكات بين الطرفين، فاضطرت قوات الأمن للتدخل وإطلاق النار في الهواء لتفريق الحشود.
وألقى الرئيس أحمد الشرع خطابين متلفزين متوجّهًا بهما إلى الشعب السوري، تناول فيهما التطورات الأخيرة وموقف الحكومة منها، وجاءت تلك الخطابات في توقيت حرج، حيث كانت البلاد تشهد توترًا غير مسبوق، ما جعل من الضروري توجيه رسالةٍ تطمئن المواطنين، وتؤكّد وحدة الدولة وسيادة القانون. وأدان الشرع بشدة أعمال العنف التي شهدتها مناطق الساحل، معتبرًا أنها تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد، وإثارة الفتنة بين مكونات الشعب السوري، وشدد على أن الحكومة لن تتهاون مع أي محاولات للمساس بالسلم الأهلي، ورغم خطاب الرئيس الشرع فقد استمرت التوترات.
ردود الفعل الدولية
أعربت الأمم المتحدة عن قلقها البالغ إزاء التقارير التي تفيد بمقتل عائلات بأكملها، بما في ذلك نساء وأطفال، داعيةً إلى وقف فوري للعنف، وإجراء تحقيقات شفافة ومحايدة في هذه الجرائم، وأدانت واشنطن بشدة الهجمات التي استهدفت المدنيين، مؤكدةً وقوفها إلى جانب الأقليات الدينية والعرقية في سورية، وداعيةً السلطات الانتقالية إلى محاسبة مرتكبي هذه المجازر. لكن الاتفاق بين الحكومة الجديدة و (قسد) جاء ليؤكد أن أميركا داعمة للحكومة الجديدة، وأعربت لندن عن صدمتها من التقارير التي تتحدث عن مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، وحثّت السلطات في دمشق على حماية جميع السوريين، وضمان مسار واضح للعدالة الانتقالية، وأكّدت برلين ضرورة منع وقوع مزيد من الهجمات، وأعربت عن استيائها من التقارير التي تتحدث عن عمليات قتل جماعي في الساحل السوري.
بتاريخ 10 آذار/ مارس، عقد مجلس الأمن اجتماعًا مغلقًا حول سورية، وقد استبقته المندوبة الأميركية في المجلس بتصريحٍ لافتٍ، حيث أكدت أن هناك دلائل واضحة على النفوذ الخبيث لإيران وسعيها لإعادة ترسيخ وجودها في سورية من خلال مجموعات تحظى بالدعم المالي واللوجستي الإيراني، وأن المجتمع الدولي سيدعم الحكومة السورية.
أما الدول العربية، فقد أعربت كل من القاهرة وبغداد عن قلقهما البالغ إزاء التطورات الأمنية في الساحل السوري، مؤكدتين رفضهما القاطع لاستهداف المدنيين، وداعيتين إلى ضبط النفس واتباع الحلول السلمية بدلًا من التصعيد العسكري. وأدانت كلٌّ من السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين الجرائمَ التي ترتكبها مجموعات خارجة عن القانون في سورية، وأكّدت وقوفها إلى جانب الحكومة السورية في جهودها لحفظ الأمن والاستقرار، وشدّدت الأردن على دعمها للإجراءات التي تتخذها الحكومة السورية لحماية أمن البلاد واستقرارها، وأدانت محاولات زعزعة الأمن ودفع سورية نحو الفوضى.
وعلّقت وزارة الخارجية التركية على التطورات، مشدّدة على ضرورة عدم السماح لمثل هذه الاستفزازات بأن تصبح تهديدًا للسلام في سورية والمنطقة، ووصف حزب العدالة والتنمية أحداث الساحل السوري بأنها “هجوم إرهابي يستهدف وحدة سورية واستقرارها”، رافضًا أي محاولات لزعزعة الاستقرار في المنطقة.
في يوم 9 آذار/ مارس 2025، عقد في عمّان اجتماع لدول جوار سورية، بحضور وزراء الخارجية والدفاع والمخابرات في دول جوار سورية، وأصدر المجتمعون بيانًا يؤكد الوقوف إلى جانب الحكومة السورية، والحرص على أمن سورية، ومنع التدخلات الخارجية بشؤونها، والعمل المشترك لمحاربة الإرهاب.
من جانب آخر، عبّرت روسيا عن قلقها إزاء تدهور الوضع في سورية، ودعت جميع القادة السوريين إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف إراقة الدماء وحماية المدنيين، مشدّدة على أهمية تعزيز الوئام الوطني واحترام حقوق جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم، وتسعى روسيا منذ سقوط نظام الأسد إلى الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في الساحل السوري، حيث توجد قاعدة حميميم وميناء طرطوس، وتحاول موسكو التأقلم مع الواقع الجديد عبر مفاوضات مع الإدارة الجديدة لضمان استمرار وجودها العسكري.
من جهة إيران، أصدر المرشد الأعلى علي خامنئي تصريحات تحريضية مباشرة ضدّ الإدارة الجديدة، معتبرًا أن ما يجري هو “مؤامرة ضد محور المقاومة”، وكانت إيران تحاول في الفترة الأخيرة إعادة تموضع أدواتها هناك، وربما استغلت حالة الاحتقان لدى بعض العلويين لتأجيج الصراع.
ومن خلال تحليل المواقف الدولية من الأحداث، يتبين أن بعض الدول الغربية تدين العنف وتطالب بالتحقيق، لكنها لا تعلن دعمًا مباشرًا للحكومة الجديدة، وأن الدول العربية منقسمة، فبعضها يدعم الحكومة صراحةً، وبعضها يكتفي بالدعوة لضبط النفس، في حين إن تركيا كانت داعمة للحكومة الجديدة في دمشق، وحذر وزير خارجيتها إيران مراتٍ من اللعب في سورية، أما روسيا وإيران فإنهما تحاولان حماية مصالحهما الاستراتيجية، لكن بطرق مختلفة، حيث تعتمد روسيا على التفاوض السياسي، وتلجأ إيران إلى التصعيد الإعلامي والتحركات الميدانية.
قد تؤدي الانتهاكات التي حصلت إلى تصاعد الضغوط الدولية على الحكومة السورية، وقد تستخدم بعض الدول الغربية ملفّ الانتهاكات كورقة ضغط لإبطاء عملية رفع العقوبات عن سورية، ما يعني أن هذه الأحداث قد تؤثر في مستقبل الاقتصاد السوري، وكانت الحكومة السورية تأمل في تخفيف العقوبات الدولية تدريجيًا، لكن الأحداث الأخيرة قد تعرقل هذه الجهود، خاصة مع تصاعد الانتقادات الدولية بشأن الانتهاكات، واستمرار المواجهات قد يدفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى تمديد أو حتى تشديد العقوبات، ما قد يزيد من الأعباء الاقتصادية على الإدارة الجديدة.
أثارت هذه المواجهات قلقًا دوليًا، بسبب بعض الانتهاكات، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار صعب في تحقيق التوازن بين فرض الأمن وضمان العدالة والمحاسبة، وفي الوقت نفسه، أظهرت هذه الأزمة خطورة المعلومات المضللة في تأجيج النزاع، ما يعكس الحاجة الملحّة إلى تطوير آليات تحقق أكثر صرامة، ومكافحة التضليل الإعلامي الذي أصبح أحد أدوات الصراعات الحديثة.
سياسيًا وإقليميًا، فرضت هذه الأحداث على الدول الفاعلة في الملف السوري إعادة تقييم مواقفها، حيث انقسمت بين مؤيدة للحكومة الانتقالية، ومطالبة بمحاسبة الأطراف المسؤولة عن التصعيد، هذا التفاعل الإقليمي والدولي يعكس حقيقة أن استقرار سورية لا يعتمد فقط على التوازنات الداخلية، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمتغيرات الجيوسياسية والعلاقات الإقليمية، ما يجعل ترسيخ الاستقرار مرهونًا بالتفاهمات الدولية بقدر ما هو مرهون بالوضع الداخلي.
مقترحات:
تكتسب الأحداث الأخيرة أهمية كبيرة ودلالات خطيرة، تستوجب على الحكومة الوقوف والنظر من علٍ إلى مجمل المشهد السوري، لمنع تكرار ما حدث من جهة، ولاستخلاص الدروس ولامتصاص مفاعيل ما حدث، حيث تحتاج المرحلة الحالية إلى إجراءات عملية وحاسمة، لضمان الاستقرار وبناء سورية الجديدة على أسس عادلة ومستدامة:
– تعدّ إعادة كسب ثقة المجتمع أمرًا جوهريًا، فالشعب هو خط الدفاع الأول ضد الفوضى والجريمة، يجب أن تكون هناك إجراءات واضحة تعزز دور المواطنين في رفض العصابات التي تعبث بالاستقرار، بحيث يصبح الوعي المجتمعي جزءًا من الأمن الوطني، لا يمكن تحقيق هذا الهدف من دون برامج تواصل مجتمعي فعالة ومبادرات تعزز الشعور بالمشاركة والمسؤولية لدى المواطنين.
– تفعيل الحوار الوطني، وتشكيل هيئة وطنية تضمّ شخصيات ذات خبرة تمثل مختلف المناطق والمكونات السورية، مع تشكيل هيئات مماثلة في جميع المحافظات، هذا الحوار لا ينبغي أن يكون مجرد حدث شكلي، بل عملية حقيقية تستمر لعدة أشهر، يتم فيها مناقشة قضايا أساسية، بدءًا من الأحياء الصغيرة وصولًا إلى المستوى الوطني، مثل هذه العملية ستنتج أفكارًا مفيدة للسلطة، وستسهم في إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري.
– تشكيل فرق عمل مختصة لوضع استراتيجيات واضحة، في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية، لذا يجب إعادة الكوادر المدنية إلى مواقعها، ويجب أن تقدّم السلطة الجديدة وعودًا واضحة بمعالجة أوضاع الموظفين الذين تم الاستغناء عنهم في الإدارات المدنية، مع إعادة من لم تثبت إدانتهم بالفساد أو الجرائم إلى مواقعهم، مما يحقق نوعًا من العدالة الوظيفية، ويعزز استقرار الجهاز الإداري في الدولة، كذلك، يجب استعادة الكفاءات السورية من الداخل والخارج، فالكثير من الخبراء مستعدون للمساهمة في إعادة بناء سورية، لكنهم بحاجة إلى بيئة عمل تشجع على ذلك.
– تشكيل هيئة للعدالة الانتقالية أصبح ضرورة ملحة، حيث يجب وضع إجراءات شفافة وواضحة تضمن أن الاعتقالات تتم بناءً على أدلة كافية، مع استهداف كبار قادة النظام السابق، وإعلان أسمائهم بشكل واضح، وقد أثبتت تجربة الدول التي خرجت من حروب داخلية أن التوسع في المحاسبة العشوائية قد يؤدي إلى حروب أهلية مستمرة، ويجب أن تتم محاكمة المعتقلين في محاكم علنية عادلة، لضمان نزاهة العدالة وعدم تحوّلها إلى أداة للانتقام، على أن تشمل العدالة الانتقالية الجناة من كل الأطراف.
– لا بد من تجاوز مبدأ “الانسجام” الذي يترجم بالولاء على حساب الكفاءة، وهو ما انعكس سلبًا على الأداء الحكومي في المراحل السابقة، وتحقيق العدالة والمساواة في تولي المناصب يجب أن يكون وفقًا لمعايير واضحة، وليس بناءً على الانتماءات السياسية أو العائلية، هذا ما عكسه الرئيس أحمد الشرع في خطابه، عندما أكد أن “سوريا لجميع أبنائها”، ومن الضروري تجسيد هذا المبدأ في تشكيل المجلس التشريعي والحكومة، وإعادة العديد من الكوادر التي أُقصِيت.
– أن يصدر الإعلان الدستوري في أسرع وقت ممكن، وأن يكون ملبيًا لتطلعات الشعب السورية وتطلعه للحرية والديمقراطية.
– الإسراع بتشكيل حكومة تجمع بين التمثيل المتوازن والكفاءة، وأن تملك الصلاحيات والإمكانيات، وأن تسعى للحصول على مساعدات من الدول الصديقة، بما يمكنها من تغطية النفقات الإضافية الناتجة عن إعادة هيكلة المؤسسات وتطوير الخدمات الأساسية، وتوفير هذه الموارد سيساعد في توسيع السوق المحلية وتشجيع الإنتاج والاستثمار، وفي خلق فرص عمل جديدة تسهم في إعادة تنشيط الاقتصاد الوطني.
– إعادة هيكل القضاء، ليكون مؤسسة مستقلة قادرة على تحقيق العدالة، بعيدًا عن أي تدخلات سياسية، مع تعزيز مبدأ الشفافية والمحاسبة، لضمان عدم تكرار الأخطاء السابقة، ومنع أي تجاوزات قد تؤثر على ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
– الحرص على أن تنجز لجنة التحقيق في الانتهاكات الأخيرة مهمّتها بشفافية ومهنية وسرعة، وأن يُحال جميع المنتهكين إلى العدالة، وأن تُعلن نتائج التحقيق، مما سيكون لها عدة آثار إيجابية، داخليًا وخارجيًا.
– أن يظهر الإعلام الرسمي إلى الوجود بأسرع وقت، وأن يكون هناك ناطق رسمي يخرج إلى الناس بفترات متقاربة.
– تنفيذ قرار حل الفصائل المسلحة، ودمجها في الجيش الجديد، مع توزيع أفرادها على وحدات عسكرية مختلفة، لمنع بقاء نفوذ بعض الفصائل التي عُرفت بفسادها، هذه الخطوة ستسهم في إنهاء حالة الانقسام داخل المؤسسة العسكرية وتحقيق الانضباط المطلوب في القوات المسلحة.
– من الضروري إعادة دعوة الضباط المنشقين الراغبين والقادرين على الخدمة للانضمام إلى الجيش الجديد، حيث يحمل هؤلاء خبرات عسكرية وانضباطًا قد يُسهم في إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وتعزيز فاعليتها
– الإعلان بقوة عن ملاحقة من ينشر خطاب الكراهية في المجتمع، حيث إن التحريض الطائفي والعرقي يشكل وقودًا للصراعات الجديدة، ويؤدي إلى زعزعة الاستقرار.
– أن تتوقف إجراءات التسوية القائمة حاليًا، إذ إنها توحي بأن جميع الأفراد متّهمون وعليهم إثبات براءتهم، وهو نهج يزيد من الشعور بالإهانة والغبن، ويعمّق الانقسامات داخل المجتمع، بدلًا من ذلك، يجب أن يكون هناك نهج جديد يقوم على إعادة دمج الأفراد في المجتمع، مع الأخذ بعين الاعتبار الأخطاء التي ارتكبها البعض أثناء فترة حكم النظام السابق، من دون أن يتحول ذلك إلى عقاب جماعي دائم.
– لا يمكن الاستغناء عن جهاز الشرطة السابق بمجمله، لأن خبرته أساس في ضبط الأمن الداخلي، ولا يمكن استبداله بقوات أخرى خلال فترة قصيرة، كما تحاول الحكومة الحالي، ويجب دعوة عناصر الشرطة للعودة إلى عملهم، مع ضبط أي انتهاكات سابقة، لضمان أن يصبح هذا الجهاز أكثر مهنية وفاعلية.
– أن تولي السلطة الجديدة أهمية خاصة لرفع العقوبات، والعمل الجاد على رفعها، فبدون رفعها لن يكون ثمة استثمار ولا إعادة إعمار ولا عودة لاجئين.
إن مصلحة سورية وشعبها اليوم تكمن في العمل على بناء دولةٍ لجميع أبنائها، تتحقّق فيها القيم الإنسانية التي ثار السوريون من أجلها، وتسمح بحرية التنظيم وحرية التعبير وحرية الاعتقاد، وتعزز المواطنة المتساوية، دولة بإدارة حكومية ذات كفاءة ومسؤولية، تعمل لخلق بيئة سليمة تزدهر فيها قدرات السوريين أفرادًا وجماعات.
[1] تغريدة لمدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، على منصة X، بتاريخ 10، آذار/ مارس 2025، الرابط: https://bit.ly/4iEE8WD
تحميل الموضوع
مركز حرمون