عن الأحداث التي جرت في الساحل السوري أسبابها، تداعياتها ومقالات وتحليلات تناولت الحدث تحديث 02 نيسان 2025

لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
الأحداث التي جرت في الساحل السوري
——————————-
المخاض السوري… ضرورة التنازلات المتبادلة والتوافق/ علي العبدالله
02 ابريل 2025
اكتملت المائة يوم الأولى على تسلّم الإدارة الجديدة السلطة في سورية، الفترة المعيارية المعتمدة في مناهج البحث السياسي لقياس مدى نجاح السلطة الحاكمة في إدارة البلاد، وتنفيذ برامج وخطط عمل تستجيب لمصالح المواطنين وتطلّعاتهم، واعتبار ذلك مؤشّراً على نجاحها في المتبقّي من فترة ولايتها… مرّت من دون نجاح يعتدّ به، بل يمكن القول (من دون خوف من الوقوع في خطأ كبير) إنها انطوت على مؤشّرات سلبية على طبيعة النظام السياسي الذي تتجّه نحوه سورية، من مركزة السلطة بيد الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، وجعله صاحب القرار الوحيد في البلاد. وقد جاء الإعلان عن تشكيل حكومة انتقالية ليزيد الطين بِلَّه على خلفية اعتماد معايير اجتماعية في اختيار الوزراء، واحتفاظ الرئيس الانتقالي برئاسة الوزارة، وتنصيب سبع شخصيات من هيئة تحرير الشام، كانوا وزراءَ في حكومة الإنقاذ في إدلب، أربعة منهم في وزارات سيادية. هذا في وقت تشير فيه المعطيات المحلّية والإقليمية والدولية إلى وجود تحدّياتٍ عديدةٍ، كبيرة وخطيرة، ستعترض طريق الحكومة الانتقالية، وتجعل عملها لحلّ المشكلات الداخلية والخارجية صعباً، يزيد في صعوبته اجتماع هذه التحدّيات في لحظة سياسية عاصفة ومتحرّكة.
أوّل هذه التحدّيات التنّوع الذي يعرفه الاجتماع السوري دينياً ومذهبياً وقومياً، تنّوع اجتماعي دفعته السياسات التمييزية طوال فترة حكم النظام البائد المديدة إلى الترّكز حول الذات والتحوّل إلى هُويَّاتٍ ومواقفَ سياسية متعارضة ومتناقضة، كرّستها وعمّقتها سياساته في القتل والتدمير والاستحواذ على خيرات البلاد، وترك المواطنين تحت وطأة العوز والجوع في العقد ونصف العقد الماضيين، وقد استفزّتها الإدارة الجديدة بخياراتها ذات اللون الواحد، وبسياساتها غير المكترثة بمطالبها وتطلّعاتها، ضخّمت هواجسها وحرّكت مخاوفها من المستقبل والمصير الذي ينتظرها، ودفعتها نحو التمترس والتطلّع إلى مصدر خارجي للحماية لتحقيق حقوق سياسية واقتصادية تحفظ اجتماعها وخصوصياته. وزاد في تعقيد الموقف وخطورته اعتماد الإدارة الجديدة على العرب السنة، ليس بتخويف أبناء المذاهب الإسلامية الأخرى وأبناء القوميات غير العربية فقط، بل وبتحويل السُّنة طائفةً وحرساً إمبراطورياً للإدارة الجديدة، ما صعّد تطلعاتهم إلى السيطرة والاستنفار للدفاع عن سلطة غدت سلطتهم، تجسّد ذلك في نداء الفزعة وتبعاتها بقتل مئات المدنيين العلويين، وعمّق الاستقطاب بين الطوائف وزاد الاحتقان حدّةً.
ليست مواقف القوى السياسية، القومية والمذهبية، المعترضة على سياسات الإدارة الجديدة وتصوّراتها، خاصّة مطالباتها بنظام لامركزي/ اتحادي، أقلّ تأثيراً وعرقلةً لمهمّة مواجهة تحدّي التنّوع، وجعله أكثر تعقيداً وصعوبةً في ضوء تعدّد أسس ومرتكزات هذه المطالب، أسس قومية (الكرد والآشوريين السريان)، ومذهبية (الدروز والعلويين)، فمطالب قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لا تتطابق مع النظام الاتحادي، فليس في النظام الاتحادي جيش خاصّ، ولا يغير من طبيعة الموقف عرضها وضع قواتها تحت إشراف وزارة الدفاع، طالما كانت الموافقة مقرونةً بالإبقاء على هياكلها وتشكيلاتها كما هي، وليس في النظام الاتحادي علاقات خارجية للأقاليم. تصور قيادة “قسد” أقرب إلى الاتحاد التعاهدي (الكونفدرالية) منه إلى النظام الاتحادي، في حين تقوم دعوات اللامركزية في الساحل والسويداء على أساس مذهبي، ما يجعلها دعوات لانقسام عمودي يفرّق أبناء الجنس الواحد (العرب)، ويدفعهم إلى مواجهات بشأن الموارد والمصالح. وهذا لا يشكّل الجانب الرئيس في الموضوع، إذ إن الجانب الأكثر تأثيراً في الموقف هو غياب أرضية ثقافية، ووعي سياسي، لقيام نظام اتحادي في سورية، وفي كلّ الدول العربية والإسلامية. يتجاهل دعاة الاتحادية ذلك وهم يكرّرون تعداد الدول التي فيها أنظمة سياسية اتحادية، يتجاهلون السياق التاريخي وثقافة الدولة والمصلحة العامة، التي كانت وما زالت سائدةً لدى مواطني هذه الدول، وهو ما نفتقده لدى مواطني سورية، والدول العربية والإسلامية، إذ لا إدراك للمصلحة العامّة والملكية العامّة. كان لافتاً ما حصل في العراق وسورية عند سقوط النظامين البائدين 2003 و2024، على التوالي، من نهب لممتلكات الدولة وإتلافٍ لمقارها، والأكثر دلالةً ومأساويةً ما حصل في قطاع غزّة من نهب للمساعدات الإنسانية قبل تفريغها من الشاحنات من الأسر الكبيرة والعصابات، في تجاهل تامّ لحق الشركاء في الوطن والمصير، وهم جميعاً في أتون مواجهة القتل والتدمير والخطر الوجودي، فالمنبّه الرئيس لتحرّك المواطنين في بلاد العرب والمسلمين، ليس المواطنة والشراكة في الوطن، بل القرابة، قرابة الدم، ما سيجعل الأقاليم ساحةَ صراع على المواقع والموارد والمصالح، كما هو حاصل في إقليم كردستان العراق، حيث الانقسام العمودي بين البارزانيين في أربيل، والطالبانيين في السليمانية، وحيث ما زال لكلّ قسم “البشمركة” الخاصّة، وجهاز مخابراته الخاصّ، ومطاره الخاصّ، وموارده الاقتصادية الخاصّة.
فالوضع ليس عدم حصول اندماج وطني في كيان واحد، بل أيضاً الدخول في مواجهات مباشرة، والتحالف مع قوى لا تريد للإقليم الخير، رغم الانتماء القومي، ورغم مرور أكثر من عقدَين على قيام الإقليم. لقد بقيت الأولوية في المجتمعات العربية والإسلامية لقرابة الدم. وهذا سيكون عامل تفجير في أيّ إقليم في ضوء الجغرافيا البشرية، حيث لا يوجد في سورية مناطق يسكنها مكوّن واحد، حيث التجاور والتشابك سيّد الموقف. فالمطالبة بنظام اتحادي فيها كثير من التبسيط، والموقف هنا لا يتعلق بالاتحادية في حد ذاتها، بل في علاقتها بالسياقات وبالبنى السياسية والثقافية والاجتماعية، فالأنظمة الاتحادية تحتاج قاعدةً قويةً من ثقافة الدولة، ومن الوعي بها وبمستدعياتها من إدراك للشراكة الوطنية والمصلحة العامّة والمصير المشترك.
لقد أطلق الاتفاق المبدئي، الذي وقّعه أحمد الشرع ومظلوم عبدي، آمالاً بالخروج بحلّ توافقي يُخرج البلاد من حالة الاستعصاء، لكنّ هذه الآمال بدأت بالتلاشي على خلفية صدور الإعلان الدستوري ومواده، التي وضعت جلّ الصلاحيات بيد الرئيس الانتقالي، وتشكيلة الحكومة الانتقالية التي اختير وزراؤها بتجاهل تامّ للقوى السياسية، وبالتذرّع بالخبرة والاختصاص. في هذا الإطار يمكن اعتبار الاتفاق بين أحزاب الوحدة بقيادة حزب الاتحاد الديمقراطي والمجلس الوطني الكردي على موقف سياسي موحّد، وإعلان تشكيل وفد موحّد للتفاوض مع السلطة الجديدة في دمشق، وسيلةً لتحسين بنود اتفاق الشرع عبدي أو التنصّل منه، بعد أن شعرت قيادة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بأن الأمور لا تسير في اتجاه تحقيق مطالبها. واقع الحال أن مخاوف قيادة “قسد”، والكرد عامّةً، مبرّرة. فتوجّهات السلطة لا تضمن لا الحقوق ولا العدالة والمساواة، والعودة إلى التفاوض تستدعي إدراكاً للتوازنات والمخاطر الظاهرة والكامنة في حال عدم الاتفاق، ما يفرض اعتماد التوافق قاعدةً رئيسةً، والمرونة والقبول بنظام لامركزي مرن، يتيح حدّاً معقولاً من إدارة محلّية للمدن والمحافظات، والتركيز على التشاركية والمساواة، وضمان الحقوق في دولة مواطنة، ونظام قائم على التعدّد السياسي، والحرّيات الخاصة والعامة، وحرّية الرأي والتعبير، وسيادة القانون، والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات، والتنمية المتوازنة والخدمات في المحافظات، والانتخابات النزيهة، وصولاً إلى الحقّ في تشكيل الأحزاب والمنظّمات والنقابات… إلخ. فهذا ما تطيقه المرحلة، ويقبله العقل العملي، لتحاشي سفك الدماء والدمار.
أمّا ثاني التحدّيات في وجه الحكومة الانتقالية العتيدة، المطالب الإقليمية والدولية، وهي كثيرة ومتقاطعة في بعضها، ومتعارضة في بعضها الآخر. بعضها مقصودٌ لذاته وبعضها وسيلة للضغط على السلطة الجديدة لتحقيق هدفٍ معيّن أو كسب موطئ قدم في البلاد. وما جعل لهذه المطالب وزناً إضافياً ربط بعض هذه الدول رفع العقوبات بتنفيذها، ورفع العقوبات حاجة حياتية داهمة لأن عدم رفعها سيجعل إقلاع الاقتصاد، وتوفير المعيشة والخدمات، والبدء بإعادة الإعمار، ضرباً من المستحيل. وهنا تبرز أهمية الحكمة والإبداع والخيال الواسع في توظيف الطاقات كلّها، بما في ذلك السوريون في المهاجر، لوضع خطّة تتقاطع مع هذه المطالب من دون تطبيقها حرفياً، ما يستدعي العمل على تأسيس إجماع وطني حول هذه الخطّة، ويفرض الاتفاق مع أطراف الاجتماع الوطني على حلولٍ للتباينات والاختلافات أساسُه توازن المصالح والإقرار بحقوق متساوية، فمن دون الاحتماء بالإجماع الوطني القائم على الرضا لا يمكن مقاومة الضغوط الخارجية واحتواء مفاعيلها السلبية.
ثالث التحدّيات تحقيق سويّةٍ مقبولةٍ في مستويات المعيشة والخدمات، ومواجهة حالة الفقر والعوز الشديد، وملاحقة المتلاعبين بأقوات المواطنين من خلال اللعب بسعر صرف الليرة السورية، والتوقّف عن سياسة حبس السيولة التي شلّت الأسواق، وقادت إلى تضخّم سلعي، ما يستدعي تبنّي سياسة تشاركية بين القطاعين العامّ والخاصّ، بما في ذلك السوريون في الخارج، والسماح للقطاع الخاصّ بالعمل وفق أسس منصفة وعادلة تتيح له الربح من دون استغلال وجشع، من جهة، وتحميه، من جهة ثانية، من منافسات خارجية من دون إخلال بحاجات المواطنين للسلع. فالتشاركية وفتح السوق المنضبط أمام السلع الأجنبية يمكن أن تطلق عجلة الاقتصاد وتبعث الأمل في المجتمع.
تحتاج سورية إلى أبنائها كلّهم من دون تمييز أو إقصاء، من أجل إنجاح تجربة الانتقال السياسي، كما تحتاج إلى مرونة من الجميع، والاستعداد لإعادة النظر في المطالب والمواقف خدمةً للصالح العامّ، فمن دون المرونة والتكيّف مع الظروف، والتنازلات المتبادلة، سنذهب إلى صراعات وصدمات ليست في مصلحة أحد منّا.
العربي الجديد
——————————–
مجازر الساحل… الأسباب تُفضي إلى النتائج!/ ماهر منير
02.04.2025
صحّة سردية الأمن العام يُدافع عن الناس في وجه الفصائل والفلول، لا تُعفي السلطة الحالية من دماء المدنيين الأبرياء في الساحل السوري، في الوقت ذاته لا يعني ذلك الاستهانة بدماء قتلى الأمن العام، الذي رُمي بعضهم في الأحراج ودُفنوا في مقابر جماعية.
بدأت ملامح المجزرة تظهر منذ الأيام الأولى لسقوط بشار الأسد، ورغم حرص القوّات التي سيطرت على الحكم على طمأنة الجميع، بخاصة العلويين، ظهر واضحاً أن هناك مسؤولين في هذه السلطة وشريحة واسعة من مسلّحيها وشبّيحتها وإعلامييها، يعتبرون أنهم تكرّموا على العلويين بإبقائهم على قيد الحياة، إذ لم يضربوهم بالكيماوي، ولم يقصفوهم بالبراميل، ولم يهجّروهم إلى مخيمات اللجوء، وهذا بحدّ ذاته “مِنحة ومكرمة”.
ومنذ اليوم الأول، عيّنت الإدارة الجديدة الشيخ أنس عيروط محافظاً لطرطوس، وعندما تقول أنس عيروط في الساحل، لا يسعنا إلا استعادة كلماته: “كما أن الصلاة عبادة… فالجهاد عبادة، الجهاد ضدّ الروس والنصيريين والمجوس“، هذه الخطبة العصماء الأشهر في تاريخ الرجل، لا يبدو أنه قد تخلّى عنها. على أن عيروط لم يبقَ محافظاً لوقت طويل، فقد أُقيل من منصبه، لكن ليس بسبب تاريخه في التحريض، بدليل تعيينه مجدداً في لجنة التحقيق في الانتهاكات في الساحل من قِبل أحمد الشرع، وهكذا يصبح أحد المحرّضين على القتل الطائفي، محقّقاً في جرائم طائفية!
فردية… جماعية… قطيعية
انتهت نشوة النصر “الذي لا ثأر فيه”، وبدأت فيديوهات الإذلال اللفظي والجسدي والسباب الطائفي تخرج إلى العلن، ثم انتقلت الأمور إلى مرحلة الخطف والقتل من قِبل مجهولين، سرعان ما تحوّلت الحالات الفردية إلى جماعية، مع دخول فصيل مسلّح إلى قرية فاحل في ريف حمص، وتنفيذ اعتقالات وإعدامات ميدانية ورمي عشرات الجثث في طرقات القرية، وأكّدت التقارير أنها شهدت إطلاق نار من مسافات قريبة وطعناً بأدوات حادّة، وكذلك قرية عين شمس في ريف حماة، التي دخلت إليها قناة “العربية”، وأظهرت بكاميراتها أرتالاً ملثّمة تقتحم القرية وتبثّ الرعب وتعتقل مدنيين، ولم نرَ في الفيديو ذاته أية معارك أو اشتباكات؛ لكن هذا ما قاله المذيع معلّقاً على التقرير، وكان ردّ سلطات دمشق أن كل ما في الأمر هو ملاحقة “الفلول”، هذا المصطلح الذي سيغدو مرادفاً لكلمة “المندسّين” في أيام الأسد.
تراكمت الحالات الفردية والجماعية، لتصبح قطيعية وفصائلية في السادس من آذار/ مارس الماضي، بعد إعلان ما سمّوه “النفير العام”، واعتلاء المشايخ منابر المساجد داعين الناس إلى الجهاد في الساحل، والتحريض على القتل الطائفي، وقتال “الكفّار النصيريين المرتدّين فلول النظام البائد”، واستقدام مجموعات مسلّحة من هنا وهناك، وسط تهليل من إعلام السلطة الجديدة، وإشادة بهذه الحميّة الثورية والغيرة على سلامة الوطن وأمنه.
خرجت مظاهرات تُطالب الدولة بتسليح المدنيين، فهل كانت “قوّات الفلول” تستوجب كل هذه الجحافل؟ وهل المعارك الصعبة تحتاج إلى هذا الزحف على قرى وبلدات، أكثر ما يمكن أن يمتلكه البعض فيها هو أسلحة فردية؟ لا شكّ في أنه التعطّش لدماء العلويين، كما تُظهر المقاطع المصوّرة بلسان مرتكبيها.
لماذا يتلثّم المعروف؟
ارتبطت مجازر الساحل بحقّ العلويين باسم عنصر في جيش النظام البائد يُدعى مقداد فتيحة، الذي ظهر في فيديو مشهور بعد انسحاب نظام الأسد من حلب، وباعتباري أعيش في الساحل السوري؛ فإنني أشكك في إمكانية وجود قوّات منظّمة يمكنها قلب نظام الحكم؛ كما ادّعت السلطة الجديدة، وأنا هنا أشكك ولا أنفي، أما فتيحة فهو معروف الشكل والهيئة والملامح، وله الكثير من الصور والفيديوهات، فلماذا يتكلّم وهو يضع اللثام على وجهه؟ معلناً تشكيل ما يسمّى “لواء درع الساحل”، ومتوعّداً السلطات الجديدة، هل يحاول أن “يقلّد” عناصر الإدارة الجديدة؟ هل يستوحي من تاريخ إعدامات “داعش” كما روّجت نظرية المؤامرة؟ كلما تتّبعنا نشاط فتيحة المنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي، تزداد الأسئلة حول سطوته، خصوصاً أن البعض يُتّهم بأنه يتحرّك بين سوريا ولبنان.
وإن كانت العملية العسكرية في الساحل عبارة عن ملاحقة فلول؟ فلماذا السرقة؟ لماذا يوجد عائلات كاملة من أب وأم وأطفال تمّت تصفيتهم بملابس النوم في بيوتهم وغرف معيشتهم؟ ومن يتحمّل مسؤولية هذه المجازر؟
في سياق متّصل، دخل رتل عسكري يضمّ عشرات الآليات إلى إحدى القرى العلوية، وقد تبيّن على مدخل القرية أنهم ضلّوا الطريق، عندما سألوا السكان عن اسم القرية، وقد حدث خطأ في التوجيهات العسكرية إلى هذا الرتل، لكنّ ذلك لم يمنع من سرقة بضع سيارات ومحال تجارية لسكان مدنيين، وقتل عائلة كاملة بعد تجميعهم في غرفة النوم، وكل هذا كان بعد معرفتهم أن هذه القرية ليست مقصدهم، هنا يصبح الدمّ السوري تحت رحمة المصادفة والعشوائية والمزاجية.
سردية الأمن العام
تبدو سردية الأمن العام هو من يحمي المدنيين من جرائم الفصائل المنفلتة حقيقية في بعض المواضع، فقد علمتُ من أصدقائي في دمسرخو في محيط اللاذقية، أن هناك شجاراً يحصل بشكل يومي بين الأمن العام وفصيل متشدّد من المقاتلين الأجانب يريد استباحة المدنيين، ويرفض الفصيل أن يُغادر اللاذقية، إلا بشرط “السماح له باستباحة دمسرخو ومروج دمسرخو، ثم يترك اللاذقية”.
كما يوجد بعض القصص المشابهة التي تُشيد بتصرّفات الأمن العام، لكنّ هذه السردية هشّة في شهادات أخرى، أخبرني قريب لي عن قيام الفصائل المتشدّدة في بعض القرى بسرقة البيوت، لكنّ دورية الأمن العام التي يبدو أنها كانت مرافقة لهذا الفصيل، تُخبر أحد أصحاب السيارات الذين طلبت الفصائل مفتاح سيارته أن يذهب بسرعة، عندما أتى بعد دقائق ليسلّمها لعنصر آخر طلبها “آسف معنا جماعة متشدّدين، نحن لسنا حرامية”، وقد قتل الرتل ذاته مدنيين آمنين في منازلهم.
هل هذا هو الدمج الذي تحدّث عنه الشرع؟ دوريات من الأمن العام تُرافق الفصائل لضبطها؟ ولكن ما هي قيمة هذه المرافقة إن كانوا غير قادرين على منع المجازر والسرقات؟ عدا دخول الكثير من الأفراد إلى صفوف الأمن العام بعد فترة تدريب قصيرة، ويبدو من بعض الوجوه أنهم صغار في السن، وربما لم يبلغوا بعد الثمانية عشر عاماً، وقد أبلغ الكثير من الناس الذين أعرفهم عن انتهاكات بحقّهم من قِبل أفراد يرتدون بدلة الأمن العام ويضعون شعاره.
صحّة سردية الأمن العام يُدافع عن الناس في وجه الفصائل والفلول، لا تُعفي السلطة الحالية من دماء المدنيين الأبرياء في الساحل السوري، في الوقت ذاته لا يعني ذلك الاستهانة بدماء قتلى الأمن العام، الذي رُمي بعضهم في الأحراج ودُفنوا في مقابر جماعية.
لكن السلطة أعلنت على لسان رئيسها أحمد الشرع موافقة جميع الفصائل على حلّ نفسها ووضع عتادها وجودها تحت إمرة وزارة الدفاع، وأيضاً لا يمكن تبرئة السلطة من دماء الأمن العام، حين أُقحموا في جبال لا يملكون فيها أي خبرة أو معرفة، بعد أن أكملت حكومة الشرع وقوّاته العسكرية استفزاز البيئة الساحلية، ومحاصرتها سياسياً وأمنياً واجتماعياً ومعيشياً وطائفياً، بعد فصل آلاف الموظّفين من أبناء الساحل بشكل تعسفي، وتجاهل وجود مئات الآلاف من العاملين والعاملات في المؤسّسات العسكرية والأمنية من عسكريين وموظّفين مدنيين لا علاقة لهم بحكم أو سلاح.
الأطباء والممرّضون والفنّيون في المشافي العسكرية على سبيل المثال لا الحصر؛ مئات الآلاف من الأفراد باتوا بلا أي مصدر دخل، أي أن الملايين هم من دون مُعيل حقيقي، وعندما تُحاصر أحداً من جميع الاتجاهات وتحشره في الزاوية، فسيقاتل بأسنانه عندما تهجم عليه، إذ سيشعر أنه ليس لديه ما يخسره. ما أريد قوله، هو أنه قد يكون هناك بعض الفلول المنظّمة التي نسّقت الهجمات على الأمن العام، وهذا لم يستغرق أكثر من يومين لإخماده، فيما الجزء الأهمّ والأكبر باعتقادي، هو اضطرار الناس في الساحل للدفاع عن أنفسهم حين رأوا فيديوهات الذبح المنتشرة التي تقوم بها قوّات الشرع، فليتخيل أحدكم مجرمين يقتربون من بيته؟ ألن تستخدموا السلاح للدفاع عن أطفالكم وممتلكاتكم؟ ولو كان هذا الدفاع غير مجدٍ وسيزيد الطين بلة، ومن الاستسهال أن نطالب بالتفكير المنطقي في لحظات الرعب هذه.
السلاح في الساحل فقط!
التنطّع وتبرير قتل المدنيين “من أين أتوا بهذا السلاح؟ و”يجب حصر السلاح بيد الدولة” لا يبدو مقنعاً، فالسلاح موجود في كل المناطق السورية تقريباً، لكن لا يتمّ النظر إليه على أنه خطر سوى في الساحل، وكأنه لا يشكّل أي تهديد في يد الفصائل التي رأينا مجازرها، وكأن السلطة غير معنية سوى بتمشيط المناطق العلوية في الساحل وحمص، أما المناطق الأخرى فهي ليست معنية بحصر السلاح في يد الدولة، وحتى وجود أسلحة فردية لا يعني شيئاً عسكرياً.
هذا يتوضّح في اعتراف السلطة نفسها أنه بعد الدعوات إلى الجهات، انطلق “متحمّسون” من مختلف مناطق سوريا للمشاركة في “المعركة” في الساحل، هؤلاء حملوا السلاح الخفيف وانطقلوا، لكن هل تمّت مصادرة سلاحهم؟ تفلّت السلاح إذاً شأن انتقائي، عدم الثقة بالعلويين يعني تحوّل كل واحد منهم إلى “عدو” محتمل، خصوصاً حين نشاهد الصور والفيديوهات التي تُنشر بصورة يومية لمخازن السلاح والذخيرة التي تتمّ مصادرتها من مناطق مختلفة، لكن هل هذا يعني أن كل هذا السلاح هو مخصّص للعلويين من أجل القتال؟ ألم يكن حرياً بهم حمله منذ أول يوم من حملة “تمشيط الساحل”؟
الكثير من الأسئلة يمكن طرحها بخصوص السلاح المتفلّت، ودوره وآلية التعامل معه، لكن يبقى الخطر قائماً، كون السلاح المتفلّت؛ وإن “سُحب” من الساحل، فماذا عن باقي المحافظات؟
التبرير بدل تحمّل المسؤولية
بعد إعلان انتهاء العملية العسكرية في الساحل، لم تكلّف السلطة نفسها عناء تقديم عزاء علني لأهالي الضحايا أو إعلان الحداد، وتحمّل المسؤولية كما يقتضي منطق الدولة، أما زيارة المناطق المنكوبة، فاقتصرت على بضع زيارات، مثل زيارة محافظ اللاذقية محمد عثمان قرية صنوبر جبلة، التي جرت فيها مجزرة مروّعة وثّقتها CNN طاولت أكثر مئتي مواطن، وقد بدت الزيارة تبريرية، إذ انفجرت إحدى السيدات “إنتو تأخرتو كتير كتير”، ليردّ عثمان “كنا محاصرين متلكم”، فترد “كلكم كنتو محاصرين؟”.
أما الزيارة الأشهر فكانت إلى منزل السيدة زرقة سباهية في قبو العوامية في ريف القرداحة، التي قُتل ولداها أمامها وتم التشفّي منها أمام الكاميرا، ومجدداً يبرّر المحافظ أن قوّاته تعرّضت لإطلاق النار من بين المنازل في القرية، وبالتالي فهي مُجبرة على الردّ، ووعد بمحاسبة المسؤولين، ولم يخرج للإعلام سوى ثلاث دقائق من المقابلة، كان أهمّ ما فيها عفوية السيدة زرقة وكرمها الريفي حين كانت على هامش الشاشة تدعو مرافقي المحافظ إلى منزلها “تعو يا بيي تعو يا عيني اقعدوا”.
ويقال إن المحافظ أعطاها ظرفاً من النقود لكنها رفضته رفضاً قاطعاً، ويأتي في السياق ذاته خروج ابنة السيدة زرقة في فيديو تطلب فيه من الإدارة الجديدة، التوقّف عن الضغط على والدتها واستغلالها سياسياً، ودعوتها إلى دمشق وطالبت بالابتعاد عن عائلتها.
الاهتمام بالصورة الإعلامية
وفيما يوجد عشرات القرى المنكوبة في الساحل، وآلاف العائلات المتضرّرة، بسبب سرقة مصادر رزقها ونهبها، أو تعرّض معيليها للاعتداء أو القتل، نرى السلطة مهتمّة بشكل غير عادي بالمدنيين الذين يحتمون بالقاعدة الروسية في حميميم، وتُرسل لهم الطعام الذي يرفضون استلامه، وتُرسل الباصات لنقلهم إلى منازلهم، وتدعوهم للعودة رغم الرفض المتكرّر، “من سيؤمّن على نفسه بعد كل هذه المجازر؟”.
هنا تبدو سياسة الحكومة الجديدة واضحة، في الحفاظ على صورتها الإعلامية الهشّة، منذ استقدامها مؤثري “السوشيال ميديا” و”اليوتيوبرز”، وهي الآن لا تهتمّ سوى بالحالات التي تأخذ ضجيجاً إعلامياً، فكم من زرقة سباهية قُتل أبناؤها أمامها بتشفٍّ ومن دون تصوير؟ وكم من صنوبر لم تسمع عنه CNN؟ وكم من العائلات كانت تريد الاحتماء ولم تُفلح؟
يظن من يعيش خارج الساحل السوري، أن القتل الطائفي من قبل الفصائل المنضوية تحت راية وزارة الدفاع قد توقّف، لكنّه تحوّل إلى نمط آخر هو الخطف والقتل ليلاً من دون ضجيج وتصوير، فقد شهد حي الادخار في حمص مجزرة مروّعة، حيث اقتحمت مجموعة مسلّحة منزل مواطن يوم الخميس في 20 آذار/ مارس الماضي، وأقدمت على قتله بدم بارد مع أبنائه الثلاثة أمام أعين الأم وابنتها، ما أثار موجة من الرعب والهلع لدى العائلات العلوية القاطنة في الحي، وبحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان فقد تركوا بيوتهم إلى مناطق أكثر أمناً.
وفي اليوم نفسه، أقدم مسلّحون مجهولون على قتل شابين في قرية يحمور في ريف طرطوس، وبحسب مصادر أهلية قامت مجموعة مسلّحة تدّعي أنها من الهيئة، باقتحام عدد من المنازل في القطيلبية والراهبية في ريف جبلة والسطو على محتوياتها بقوّة السلاح.
لا شكّ في أن مسلسل القتل والسرقة والسطو تقف خلفه موجات التحريض وخطاب الكراهية، الذي في كثير من الحالات يكون من قبل الحكومة نفسها، حيث أقدم مسؤول الأمن العام محمد هاني المرعي في إحدى المدارس الحكومية في جديدة يابوس في ريف دمشق، على السخرية من ممارسات الطائفة الشيعية، بعدما تمّ تهجيرهم من المنطقة.
درج
———————————–
جريمة بانياس تعيد شبح القتل الطائفي في سورية/ حسام رستم
02 ابريل 2025
أثارت جريمة بانياس التي شهدت تصفية ستة مدنيين بينهم مختار قرية في ريف المدينة التابعة لمحافظة طرطوس على الساحل السوري، أمس الأول الاثنين، موجة غضب واستنكار واسعة بين السوريين، لا سيما أنها استهدفت مدنيين بينهم طفل على أساس طائفي، في وقت لم تتعاف فيه مدن الساحل بعد من آثار الانتهاكات التي حصلت مطلع مارس/آذار الماضي خلال صد هجوم نفذه فلول نظام بشار الأسد.
وفي تفاصيل جريمة بانياس أقدم مسلحان يتبعان لفصائل عسكرية تابعة للجيش السوري على إطلاق النار في قرية حرف بنمرة بريف بانياس، وهما من عناصر حاجز لا يبعد سوى أمتار قليلة عن القرية، فقتلا مختار القرية وخمسة أفراد من عائلة واحدة بينهم طفل وكبار في السن، في جريمة تصفية على أساس طائفي. وتدخّل بعدها الأمن العام لتطويق القرية بحثاً عن المسلحين واعتُقلا. وعقب جريمة بانياس شهدت حرف بنمرة وعدد من القرى المحيطة في ريف بانياس نزوح مدنيين إلى وجهات أخرى وسط حالة خوف. وقال قيادي في الأمن العام التابع لوزارة الداخلية، في تسجيل مصور نشرته محافظة طرطوس عبر صفحتها في “فيسبوك” من القرية خلال اجتماعه مع وجهائها، إن الأمن استطاع القبض على مرتكبي الجريمة، وسيحاسبان عبر القضاء ولن يفلتا من العقاب، مؤكداً أن هذه الجريمة لا تمثل توجه القيادة السورية التي شددت على الحفاظ على السلم الأهلي وحماية جميع المدنيين.
جريمة بانياس والخوف من التصفيات
وأعادت جريمة بانياس الخوف من تكرار انتهاكات وعمليات قتل على أساس طائفي بعد أقل من شهر على حصول عمليات قتل خارج القانون ارتكبت بحق مدنيين في اللاذقية وحماة وطرطوس من قبل مسلحين وفصائل تابعة لوزارة الدفاع وصفت بأنها غير منضبطة، عقب تمرد مسلحين من فلول النظام السابق.
وحول أسباب تكرار مثل هذه الجريمة رغم وعود الرئيس السوري أحمد الشرع بوقف الانتهاكات وتشكيل لجنة السلم الأهلي في الساحل، قال الناشط السياسي في اللاذقية مهيار بدرة لـ”العربي الجديد”، إن مثل هذه الانتهاكات تحرج الحكومة السورية وليست في صالحها، وسبب تكرارها هو اختلاف الأيديولوجيات داخل الجيش السوري الجديد والمكون من فصائل متعددة تم تجميعها بعد سقوط نظام الأسد. وأضاف أن غياب الانضباط وعقلية الدولة في مؤسستي الدفاع والداخلية يحتم على المسؤولين الانتباه إلى ضرورة العمل بسرعة على خلق عقائدية الجيش الجديد والخروج من حالة العشوائية والفردية، “فمن غير المعقول أن يرحب المدنيون في الغالب بعناصر الأمن العام ويطالبون بانتشارهم، وفي الوقت ذاته يخشون وجود عناصر الجيش رغم أن المكونين يتبعان للدولة الجديدة”. ورأى بدرة أن “الاعتراف بالجريمة كان نقطة إيجابية، في ظل محاولة البعض نفي التهم وتشويش الحقيقة، لكنه أمر غير كافٍ ولا بد من قمع هذه الانتهاكات وعدم إلصاق صفة الفردية فيها لأنها ستتحول مع الوقت إلى انتهاكات منهجية”.
مطالبات بمحاسبة سريعة
من جهته، رأى المحامي عروة السوسي، المتحدر من اللاذقية، أنه لا بد من اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف هذه الانتهاكات، أولها أن تقوم اللجنة التي شكّلها الشرع بعملها والتحقيق في كافة الجرائم بحق المدنيين، وأن تصدر تقاريرها بأسرع وقت، وتحيلها إلى محاكم أو هيئات قضائية مختصة لمحاكمة المجرمين علناً وتطبيق أشد العقوبات عليهم. كما أكد لـ”العربي الجديد” ضرورة نشر قوات أمنية مدربة وتفهم حقوق الإنسان في مناطق ذات حساسية، ومنع أي شكل من أشكال الاعتداء على المدنيين على أسس مناطقية أو طائفية، ومحاسبة عاجلة بدون مماطلة لمن يرتكب أي جرم بحق أي مدني سوري. كما نوه إلى ضرورة تفعيل دور وعمل جهاز الشرطة لما لها من دور رئيسي وتنظيمي في حفظ الأمن بين المواطنين بشكل مهني، وملاحقة المجرمين، وإحالتهم للجهات المختصة، مضيفاً أنه بدون عمل جهاز واحد وهو الشرطة أو جهاز الأمن الداخلي في هذا الملف، سيتشتت العمل بين عدة أجهزة وتضيع قضايا الناس وحقوقهم. وأشار إلى أنه من واجب الناس التعاون مع أجهزة الشرطة والأمن الداخلي وإعادة الثقة بها بصفتها مؤسسات وجدت لحمايتهم وحماية ممتلكاتهم واللجوء لها بعد انتشار مخافرها ومقراتها في المدن والقرى.
أما فراس حاج عمر، وهو مسؤول لجان التنسيق المحلية في مدينة جبلة بريف اللاذقية، فرأى في تصريح لـ”العربي الجديد” أن “ما حصل في ريف بانياس مدان من الجميع، لكن من الضروري الانتباه إلى المستفيدين من توتير الأوضاع باستمرار وعدم عودة الحياة إلى طبيعتها”. وأضاف أن استمرار الأوضاع الأمنية المتوترة في الساحل يعود إلى كثرة الإشاعات المنتشرة عن هجوم جديد يحضر له مسلحون من فلول نظام الأسد في الساحل. ولفت إلى أن “هذه الإشاعات المتواترة وما ينشره مقداد فتيحة، وهو من يقود عمليات فلول النظام، نشرت الخوف وأبقت الناس والأجهزة الأمنية في حالة استنفار دائم ومنعت النازحين من العودة إلى منازلهم”. وحتى اليوم لا يزال الكثير من ضباط النظام السابق وقادته متوارين عن الأنظار ولم يخضعوا للتسويات الأمنية التي أطلقتها الحكومة السورية.
العربي الجديد
——————————-
سورية… بين غوستاف لوبون وسؤال العقل الضائع/ نبال النبواني
29 مارس 2025
حين كتب غوستاف لوبون عن “سيكولوجيا الجماهير”، كان يعرف أنّ اللحظة التي يتحوّل فيها الإنسان إلى جزءٍ من قطيع، هي اللحظة التي يموت فيها عقله، ويولد في داخله وحشٌ قد يبرّر القتل، ويغطي المجازر بثوب الحكمة، ويعيد تشكيل الحقيقة وفق ما يُناسب الغريزة. الجماهير لا تفكّر، قال لوبون، لكنها تتبع غرائزها الأولى، تندفع نحو القوّة، تخلع عنها عباءة العقل، وتستبدلها بعباءةِ الانتماء الأعمى.
ما حدث في حماة البارحة، لم يكن حادثاً طارئاً، بل كان سطراً جديداً في كتاب العبث السوري، حيث صار العنف سلاحاً مقدّساً، وحيث تكسّرت المرايا كلّها إلا مرآة الأحقاد. التعدي على الإسلاميين الصوفيين كان رسالة بأنّ هذا الوطن لم يعد يتسع لكلّ الطرق إلى الله، وأنّ من لا يسير في الدرب المحدّد له، سيتم دفعه إلى الهاوية. هناك، لم يكن الصراع بين رأيٍ ورأي، ولا بين إيمان وإلحاد، بل بين طُرقٍ متعدّدة للبحث عن المعنى، أراد طرفٌ واحد أن يمحوها جميعاً إلا طريقه. الصوفيّة، بترانيمها الهادئة، بأذكارها العتيقة، برقصاتها التي تميل كأنها تستمع إلى موسيقى كونية، لم تكن خطراً على أحد. لكنها في عرف الغرائز البدائية خطرٌ، لأنها تمثّل الرقة في زمن القسوة، لأنها تذكّر بأنّ هناك مساحة للحبّ في أرضٍ صارت لا تنتج إلا الكراهية.
وفي الساحل، حين غُسِلت الدماء عن الأيدي، لم تُغسَل عن الكلمات. هناك، وقف المثقفون بربطات عنقهم الأنيقة ليبرّروا المجازر، ويفلسفوا الذبح، وكأنّ اللغة لم تُخلق إلا لتكون خادماً للقاتل. إنّ أسوأ ما قد تفعله الحرب، ليس قتل الجسد، بل قتل الضمير، حين يتحوّل القلم إلى سكين، والكلمة إلى طلق ناري. المثقف الذي يبرّر الموت، هو أكثر خطورة من الجندي الذي ينفذه. الأوّل يقتل الفكرة، والثاني يقتل الجسد. الأول يجعل الجريمة مقبولة، والثاني ينفّذها من دون أن يطرف له جفن.
لكن المأساة في سورية اليوم ليست مجرّد سلسلة من المجازر، إنّها حرب أخرى تجري في الخطاب، في الكلمات، في الهُويّة. الطائفية لم تعد مجرّد أداة في يد السلطة أو المعارضة، بل تحوّلت إلى هواء يتنفسه الجميع. لم يعد العدو سياسياً أو عسكرياً فقط، بل صار طائفياً بامتياز. كلّ طرفٍ يحشد ماضيه ليبرّر حاضره، يفتّش في كتب التاريخ عن خناجر قديمة، يعيد صياغة الروايات، يزرع في الأجيال القادمة بذور أحقاد جديدة. لم تعد المشكلة في من يحكم، بل في كيف يحكم، وكيف يُنظر إلى الآخر، كيف يتحوّل شريك الوطن إلى غريب في داره، كيف يصبح ابن المدينة عدو ابن الريف، وابن الطائفة خصم ابن الطائفة الأخرى.
وأمام هذا المشهد، يأتي أحمد الشرع كنموذج واضح لانحرافات السلطة، حتى وإن كان يظنّ نفسه مخلصاً لسورية. ربما يملك حبًاً لهذا الوطن، وربما يرى نفسه حارساً له، لكنه، ككلّ الذين سبقوه، يقع في الفخ ذاته: الولاء قبل الكفاءة، الانتماء قبل القدرة، القرب قبل الاستحقاق. إنه يكرّر الأخطاء القديمة، يُعيد إنتاج العطب نفسه، يستبدل الأشخاص لكنه لا يستبدل المنهج. في سورية، لا يهم كم تحمل من شهادات، بل يهم من يقف خلفك. لا يهم كم تملك من خبرة، بل يهم لأيّ جهة ترفع الولاء. هكذا، تبقى الكفاءات على الهامش، ويبقى الوطن يدور في حلقة مُفرغة من الفشل والتراجع.
لقد قال غوستاف لوبون إنّ الجماهير حين تنفعل، فإنها تترك العقل خلفها وتمضي، لكن ماذا لو لم يكن الانفعال هو سيّد المشهد؟ ماذا لو كان ما نراه اليوم أكثر رعباً من الغضب، وأكثر وحشية من الجنون؟ ماذا لو كان الهدوء ذاته قد صار جريمة، والصمت صار تواطؤاً، والتفكير صار تهمة؟ إنّ الجماهير ليست مجرّد حشود غاضبة تصرخ في الشوارع، بل هي أيضاً هؤلاء الذين يراقبون المجازر بصمت، الذين يبرّرونها بلغةٍ باردة، الذين يختبئون خلف النصوص والمقالات ليقولوا: “كان لا بدّ من ذلك”.
ما يحدث في سورية اليوم ليس صراعاُ بين فريقين، بل هو سقوطٌ كامل في فخ اللاعقل. ليس هناك خير مطلق، ولا شر مطلق، بل هناك ذاكرة مثقوبة لا تتسع إلا لنصف القصة، هناك موتٌ بطيء للإنسان فينا، ونحن نصفّق له ببرود قاتل. الحرب ليست مجرّد معارك بالسلاح، إنها معارك في الذاكرة أيضاً، معارك في كيفية رواية القصة، معارك في من يُسمح له أن يكون الضحية، ومن يُفرض عليه أن يكون الجلاد.
في النهاية، لا يحتاج الوطن إلى مزيد من القتلى، بل إلى من يبكي عليهم. لا يحتاج إلى مزيد من التبرير، بل إلى من يقف أمام المذبحة ويقول: “كفى”. لكن من سيقولها؟ ومن سيجرؤ على كسر الصمت؟ في بلادٍ صار فيها السكوت هو القاعدة، والصراخ هو الجريمة، من سيكتب تاريخاً جديداً لا يكون مكتوباً بالحبر الأسود ولا بالدم الأحمر، بل بالحقيقة، كما هي، عاريةً من كل تبرير؟
العربي الجديد
————————
لجنة السلم الأهلي تعلّق على جريمة قرية “حرف بنمرة” في طرطوس
2025.04.02
قال عضو اللجنة العليا للسلم الأهلي، أنس عيروط، إن المتورطين في حادثة تصفية مدنيين في قرية “حرف بنمرة” في ريف محافظة طرطوس أحيلوا للقضاء لاستكمال عمليات التحقيق.
وأوضح “عيروط” خلال تعزيته ذوي الضحايا في القرية ـ بثته المعرّفات الرسمية لـ”محافظة طرطوس” ـ أن اللجنة تنتظر نتائج التحقيق للنظر في دوافع القتل الذي يهدم مساعي السلم الأهلي.
وقال عضو اللجنة خلال كلمة: “نحن ندين هذا القتل وهذا الاعتداء، وهذا لا يتوافق مع ديننا ولا مع أخلاقنا، ولا مع تربيتنا”.
“الجميع متساوٍ أمام القانون”
وعبّر “عيروط” عن رفضه لتداول مصطلح “الأقليات”، وزاد خلال الكلمة: “ما دمنا نحن تحت سقف الدولة والقانون فالكل مسؤول، والكل محاسب والجميع متساوٍ أمام هذا القانون، لا فرق بين ابن طائفة وابن طائفة أخرى”.
وأشار إلى أن “العمل في السلم الأهلي لا يعني أن نتجاوز عن القاتل والمجرم أو أن نسامحه، أو أن نتجاوز العدالة، بل السلم الأهلي أن ننزع فتيل الطائفية وأن نطمس على بذور الفتنة”.
وأكد على رفض اللجنة أعمال القتل الطائفية وعلى “صون الأموال والدماء والأعراض”.
تفاصيل جديدة
وكشف المسؤول الأمني في منطقة بانياس، خلال تسجيل مصوّر، عن تفاصيل جديدة حول حادثة تصفية 6 مدنيين من سكان القرية.
وأوضح أنه فور ورود بلاغ عن حادثة إطلاق نار في القرية، تحركت دوريات الأمن إلى موقع الحادثة، حيث أكد شهود عيان أن شخصين يرتديان الزي العسكري أقدما على إطلاق النار على تجمع من الأهالي قبل أن يلوذا بالفرار باتجاه منطقة الديسنة المجاورة.
وأضاف المسؤول أن الدوريات توجهت مباشرة إلى منطقة الديسنة للتحري، حيث تم رصد مجموعة مسلحة ادعت أنها قدمت إلى المنطقة لمؤازرة وزارة الدفاع، على خلفية ورود أنباء عن تحركات فلول النظام، كما أشاروا إلى أن بعضهم فقد أقارب في حملة سابقة بالمنطقة.
بالتحقيق الأولي، اعترف الموقوفان بتنفيذ الجريمة بحق الأهالي في حرف بنمرة.
وأكد المسؤول في ختام تصريحه أنه تم تحويل المتهمين إلى القضاء المختص في محافظة طرطوس، متعهداً بمحاسبة كل من تسول له نفسه الإخلال بالأمن والسلم الأهلي في المنطقة.
مسلحان يقتلان 6 أشخاص في قرية حرف بنمرة في بانياس
(+18 – يحتوي الفيديو على مشاهد حساسة قد تكون قاسية على البعض ) WARNING: This video contains graphic content and may be upsetting to some people #تلفزيون_سوريا #syriaTV الأمن العام ألقى القبض على الجُناة.. مسلحان يقتلان 6 أشخاص في قرية حرف بنمرة في بانياس..
————————
مسؤول أمني يكشف تفاصيل جريمة حرف بنمرة في بانياس.. ماذا حدث داخل القرية؟
2025.04.02
كشفت محافظة طرطوس عبر تسجيل مصور نشرته على حسابها الرسمي في تطبيق “تليغرام”، الأربعاء، تفاصيل الجريمة التي وقعت في قرية حرف بنمرة التابعة لبانياس، والتي أسفرت عن مقتل 6 أشخاص يوم الإثنين.
وأوضح المسؤول الأمني في التسجيل أنه فور ورود بلاغ عن حادثة إطلاق نار في القرية، تحركت دوريات الأمن إلى موقع الحادثة، حيث أكد شهود عيان أن شخصين يرتديان الزي العسكري أقدما على إطلاق النار على تجمع من الأهالي قبل أن يلوذا بالفرار باتجاه منطقة الديسنة المجاورة.
وأضاف المسؤول أن الدوريات توجهت مباشرة إلى منطقة الديسنة للتحري، حيث تم رصد مجموعة مسلحة ادعت أنها قدمت إلى المنطقة لمؤازرة وزارة الدفاع، على خلفية ورود أنباء عن تحركات فلول النظام، كما أشاروا إلى أن بعضهم فقد أقارب في حملة سابقة بالمنطقة.
توقيف المتهمين وإحالتهما إلى القضاء
وبحسب المسؤول الأمني، وخلال الاستجواب، أشار أحد العناصر إلى المشتبه بهما، ليتم توقيفهما على الفور وتحويلهما إلى القسم الأمني المختص.
وبالتحقيق الأولي، اعترف الموقوفان بتنفيذ الجريمة بحق الأهالي في حرف بنمرة.
وأكد المسؤول في ختام تصريحه أنه تم تحويل المتهمين إلى القضاء المختص في محافظة طرطوس، متعهداً بمحاسبة كل من تسول له نفسه الإخلال بالأمن والسلم الأهلي في المنطقة.
وفي وقت سابق، نشرت محافظة طرطوس فيديو للقاء جمع بين أهالٍ من قرية حرف بنمرة وقيادي في الأمن العام، وذلك إثر مقتل 6 أشخاص بهجوم مسلح استهدف القرية يوم الإثنين الماضي.
وتعهد القيادي في جهاز الأمن العام بمحاسبة المسلحين المتورطين بالحادثة، مؤكدا أن “من نفذوا هذا الفعل لا يمثلون الدولة ولا مؤسساتها”، ومشدّدا على أن “القضاء سيأخذ مجراه”.
وقال القيادي، خلال زيارة إلى القرية “نحن إن شاء الله نقوم بواجبنا على أتم وجه، وهؤلاء سينالون جزاءهم العادل. من يخلّ بالسلم الأهلي سيحاسب، وهؤلاء سيحالون إلى القضاء”، مؤكدًا أن “الدولة لا تحمي أي جهة تتجاوز القانون”.
من جهته، عبّر أحد وجهاء قرية حرف بنمرة عن غضب الأهالي من الجريمة، مؤكدا أن من نفذوها “لا يمثلون القيادة الأمنية بل أنفسهم فقط”، وقال: “نستنكر هذا العمل الذي ارتكبه بضعة أشخاص ممن لا يملكون تربية سليمة، ونؤمن بأن الصواب هو معالجة الخطأ، وليس الرد عليه بخطأ آخر”.
وتابع: “نحن نثق بأن القانون سيُطبّق، وقد لمسنا تجاوبا سريعا من الأمن العام بعد وقوع الحادثة”، مضيفا: “نحن معكم قلبا وقالبًا من أجل استقرار وأمن البلد، ونؤمن أن السلم الأهلي خط أحمر”.
———————————
===================