نقد ومقالات

موقف الرواية السورية/ سومر شحادة

06 مارس 2025

لا أظن أنَّ حضور السياسة مطلوب في الرواية في أيِّ مكان بالصورة التي يُلحُّ عليها قرّاء الرواية السورية. ويمكن للمرء أن يجد تفسيراً لهذا من داخل الفنّ نفسه. مسرحية “هاملت” مثالٌ نموذجي لاستخدام الفنّ في إعادة تمثيل الجريمة، إذ استخدمه هاملت كي يكشف المكيدة التي قام بها عمّه لقتل والده الملك. وشكسبير أحد أولئك الكبار الذين تجود بهم العصور سبيلاً لفهم الطريقة التي يؤثر بها الفنّ.

إذاً، طُلب من الرواية السورية أن تُعيد تمثيل الجريمة التي أحاقت بهذا الشعب. وباستعادة هاملت الذي كان يسعى إلى الانتقام، لا يغفل المرء أنَّ المسرحية تظهر أيضاً شرَّ هذه السّمة على مَن يحملها. بخصوص المسألة السورية التي تحمل كل ذلك التعقيد السياسي والاجتماعي والطائفي؛ أخالُ أنَّ ما ينتظره القارئ من الرواية، ليسَ الانتقام المجرّد، وإنّما تفكيك السردية التي قتلت السوريين، وحطَّمت مصائرهم. وقد انتظر القارئ السوري من الرواية العدالةَ التي لم يجدها في الواقع، فأرادها في الكتابة عن الواقع، في تصويره، وفي إعادة تمثيله.

لا شك في أنّ ما حدث في سورية هو ثورة، دفعها النظام – قبل أي أحد – إلى أن تصبح شكلاً من أشكال الاقتتال الأهلي والموت السياسي، والذي حسم بسقوطه في لحظة إقليمية. وأظنّ تعقيدَ موقف الرواية السورية التي أُسندت إليها وظيفة سياسيَّة الطابع، جاءَ من صعوبة أن يقف المرء وسطَ اقتتالٍ أهلي شمل أكبر عدد من سنوات المأساة السوريّة متنوعة الوجوه، خاصَّة أنَّه اقتتال أُسِّس بصورة رئيسيّة على تراكب المسألة الطائفية في شكل حكم عائلة الأسد. وهو حكم كان من السطوة – حتى قبل أن ينتهي إلى الشكل الإبادي – إلا أنه كان بمقدوره أن يبتلع الجميع في أطره الشموليّة التي فتكت بالمجتمع، وقد انتقلت من تمجيد الحزب، إلى تمجيد القائد، إلى تمجيد الرئيس وزوجته. من غير أن تمجّد جماعة بعينها. بل أقصى ما فعله نظام عائلة الأسد أنَّه استخدم الطوائف. أمرٌ انعكس في الاقتتال الأهلي، وفي تصويره في سرديّة الانتقام على أنَّه صراعٌ بين طوائف. وهذا شكلٌ خادعٌ لقراءة الواقع وتسويقه. وأخيراً أخال القراءة الانتقامية ليست أكثر من فشل في تقصّي حقيقة الواقع وتنويعاته.

لكن بالعودة إلى موقف الرواية السورية التي طُلب إليها القول السياسي، ومع اتّساع إمكانية القول السياسي الجديدة، ينبغي الاعتراف بأنَّ المساحة التي يعمل بها فن الرواية ليست مقتصرة على القول السياسي. وإنما شغف الفنّ هو رصدُ التحوّلات الاجتماعية التي ترافق التغيرات الكبرى، سواء داخل المجتمع ككل، أو داخل الجماعات، أو مع الفرد. ومهما بدا القارئ أو الظرف العام ملحاً في هيمنة السياسة على الأدب، إلا أنَّ التبنّي الأعمى لهذا الاتجاه؛ مجازفة بالنسبة إلى الروائي، وإرهاق للرواية، الفنّ الذي – لشيوعه ونجوميّة أصحابه وقدرته التسويقيّة – يُطلَبُ إليه ما يُطلب من السياسيّ والصحافي والحقوقي وعالم الاجتماع. تفاصيل تُثقل النص الروائي ما لم تحصل في سياقها الإبداعي.

في العقد الأخير، أصبحت الرواية السورية عموماً تنوء تحت ثقل ما هو سياسي على حساب ما هو جوهري في مصير الإنسان. وربما تساعد لحظةُ الحسم القلقة الروايةَ السورية على التحرَّر من ثقل السياسة، والالتفات إلى جوهر القصّ الفنّي، وإلى مصير البشر في المكان، وقد رسمته حروب وخطابات كراهية، وعنصريات، والكثير من الادّعاء السردي. وربما من المناسب أن يخفت لدى هاملت حسّ الانتقام، وأن ينادي على شهرزاد كي تقصّ لنا كيف جعلت من القاتلِ عاشقاً عبر قوة السرد.

* روائي من سورية

العربي الجديد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى