العقوبات وتأثيرها.. كيف قد تسهل الولايات المتحدة وأوروبا انهيار سوريا المقبل؟

ربى خدام الجامع
2025.03.12
أنهى سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول لعام 2024 قرابة 54 عاماً من حكم آل الأسد والحكم الديكتاتوري لسوريا، إذ قبل عشرة أيام على ذلك، شن تحالف لفصائل المعارضة المسلحة التي تمركزت في شمال غربي سوريا هجوماً سعى لإحكام السيطرة على الريف الغربي لحلب، بيد أن هذا التحرك العسكري الجسور والمنضبط تسبب بانهيار سريع على خطوط جبهات النظام تباعاً، وفي نهاية الأمر سقط نظام بشار الأسد كقصر من ورق، بعد أن اعتراه الفساد والتشتت وأفرغ من محتواه.
بعد مرور قرابة 13 عاماً على النزاع المضني الذي كان شعار نظام الأسد خلاله: (الأسد أو نحرق البلد)، تحقق كل ما قيل في ذلك الشعار بأبشع الطرق، غير أن الحرب السورية وضعت أوزارها بطريقة مفاجئة وفجة.
فقبل أسابيع على ذلك، أخذت مجموعة تضم عشر دول أوروبية تقريباً ترأستها إيطاليا تضغط بشكل كبير على الاتحاد الأوروبي من أجل إجراء مراجعة شاملة للسياسة المعنية بسوريا ومن أجل العودة للتعامل مع نظام الأسد، إذ بعد تقييم الأزمة السورية واكتشاف أنها وصلت إلى مرحلة جمود دائمة، أخذت إدارة بايدن تبحث في السر عن فرصة لعقد اتفاق يقضي بتخفيف العقوبات على نظام الأسد، وكان أساس كل ذلك هو أنه منذ ربيع عام 2023 طبعت معظم دول الشرق الأوسط علاقاتها مع الأسد بعد أن خلصت إلى أنه خرج من الحرب السورية منتصراً، وبأن الطريق الوحيد لحل كثير من الآثار الجانبية المترتبة على الأزمة السورية يعتمد على إشراك النظام نفسه في الحل.
ولكن، وفي غضون عشرة أيام، بدأت من 27 تشرين الثاني وحتى الثامن من كانون الأول، انقلبت على أعقابها تلك التقييمات الأساسية التي حددت نهج معظم دول العالم تجاه سوريا، إذ بعد سنوات من التنديد بأزمة اللاجئين المستعصية والتي ضغطت على اقتصاد الدول الإقليمية وأثارت حفيظة السياسات الشعبوية في أوروبا، فضلاً عن السخط تجاه تجارة المخدرات التي كانت تدر على النظام البائد مليارات الدولارات، وتواصل العنف واستمراره، وتزايد الاحتياجات الإنسانية، أخذ المجتمع الدولي يراقب من بعيد كيف هرب الأسد فجأة ففتح بذلك الباب أمام تطورات هائلة، إن لم تحمل تلك التطورات حلولاً لكل تلك المشكلات دفعة واحدة.
ولكن، في الوقت الذي كان رحيل الأسد بشرى خير بالنسبة لكثيرين، فإن الانتقال الذي ترتب على ذلك والذي حدث بسرعة في دمشق تم بإدارة عنصر فاعل لم يختره سوى قليلون للعب هذا الدور، وهذا العنصر ليس سوى هيئة تحرير الشام، التي كانت في السابق فرعاً لتنظيم القاعدة الذي تشكل على أعقاب سلفه أي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، فقد أتت الهيئة وزعيمها، أحمد الشرع، حاملين في جعبتهم كثيراً من الأمور.
غير أن الهيئة في عام 2025 هي نتاج لثماني سنوات من التطور المنطقي غير المسبوق ضمن العالم السلفي الجهادي، إذ بعد أن أعلنت عن فك ارتباطها بتنظيم القاعدة في أواسط عام 2016، تقبلت الهيئة وجود القوات العسكرية التركية في أراضيها، ووافقت ثم التزمت بوقف إطلاق النار لسنوات طويلة بضمانة روسية-تركية، ثم نجحت بالقضاء على تنظيم الدولة والقاعدة ضمن أراضيها، وخلال السنوات القليلة الماضية، دعمت الجماعة “حكومة الإنقاذ” المؤلفة من تكنوقراط في شمال غربي سوريا والتي وفرت الخدمات العامة بشكل أكبر وبكفاءة أعلى مقارنة بمناطق سورية أخرى، في الوقت الذي أخذت قياداتها تتواصل بالسر مع حكومات الدول الغربية وتتعامل معها، وذلك على المستويين الدبلوماسي والأمني، وخلال تلك السنين، تغير التوجه الأيديولوجي للجماعة بشكل نهائي بعيداً عن التوجه المحلي والعالمي، فتخلت عن “الجهاد” واعتنقت “الثورة”، والعلم الأخضر للانتفاضة الشعبية السورية.
وعلى الرغم من تلك التغيرات الملحوظة، لم يتوقع أحد لأحمد الشرع أن يقف في يوم من الأيام في القصر الرئاسي بسوريا وهو يرتدي بزة رسمية ويضع ربطة عنق في أثناء ترحيبه بوزراء خارجية الدول الأجنبية والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كما لم يتخيل له أحد أن يصعد على متن طائرات الدولة الخاصة ليزور السعودية وتركيا، وأن تصله دعوة من باريس عبر الرئيس إيمانويل ماكرون. إذ بعد سنوات من الدبلوماسية والاجتماعات السرية مع الدبلوماسيين في تركيا، اعتلى وزير خارجية الشرع أسعد الشيباني (المعروف باسم زياد العطار) منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بتاريخ الثاني والعشرين من شهر كانون الثاني ليشارك في جلسة نقاش وجهاً لوجه مع طوني بلير.
في الوقت الذي سارعت الحكومات الإقليمية وأوروبا للتعامل مع فريق أحمد الشرع بدمشق، كذلك فعلت إدارة بايدن، إذ كانت بربارة ليف، مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، أول من التقى بهذا الفريق في دمشق في العشرين من كانون الأول، وبحسب الأخبار، فإن المبعوث الرئاسي لشؤون الأسرى، روجر كارستينس، وكبير المستشارين الذي عين حديثاً، دانييل روبنشتاين، كانا حاضرين في ذلك الاجتماع، ولكن بحسب ما ذكرته ثلاث شخصيات رفيعة من هيئة تحرير الشام، حضر الاجتماع “جنرال أميركي” أيضاً، ووفقاً لما ذكروه، ولما جاء على لسان الشرع نفسه، فإن الجنرال انفرد بالشرع بنهاية الاجتماع ووصف له كيف راقب المعركة بأكملها “عبر المسيرات والأقمار الصناعية” ووصفها بأنها أكثر عملية عسكرية “تميزاً” و”تنظيماً” شاهدها في حياته، ثم أخرج من جيبه ميدالية وقدمها للشرع مهنئاً إياه على نصره.
التعاون مع أميركا
وخلال الأسابيع التي تلت ذلك الحدث، أقامت الولايات المتحدة علاقة استخباراتية رسمية مع العملية الانتقالية التي تترأسها هيئة تحرير الشام، وذلك عبر وزارة الداخلية التابعة لها (والتي يرأسها أنس خطاب، الذي كان أمير تنظيم الدولة في العراق على الحدود السورية العراقية)، والنخبة من الأمن العام، فكانت أكبر مخططات تنظيم الدولة ارتكاب مجزرة بالمسلمين الشيعة في مقام السيدة زينب بدمشق، غير أن الأمن العام أحبط تلك العملية بفضل الاستخبارات الأميركية إلى جانب إحباطه لما لا يقل عن سبع مخططات أخرى بحسب المقابلات التي أجريت في دمشق. وبعيداً عن المستوى الاستخباراتي، مايزال الجيش الأميركي يتواصل بشكل منتظم مع العملية الانتقالية التي تترأسها الهيئة، وينسق عمليات لمحاربة تنظيم الدولة في البادية السورية، مع تسهيل المفاوضات الدورية الشخصية التي تتم بين شركاء أميركا من قوات سوريا الديمقراطية وقيادات الهيئة في قاعدة الضمير الجوية القريبة من دمشق. هذا ولقد سمح الجيش الأميركي للقرار الصادر عن شركاء أميركا من الجيش السوري الحر الموجود في قاعدة التنف بقبول الاندماج ضمن العملية التي تترأسها الهيئة والتي تسعى إلى تشكيل قوات مسلحة جديدة في سوريا.
وحالياً، ماتزال العملية الانتقالية التي تجري في سوريا اليوم تحت إدارة مجلس الوزراء وفريق من المحافظين يتألف جله تقريباً من قيادات هيئة تحرير الشام وحلفائهم الإسلاميين، وعلى رأسهم حركة أحرار الشام والجبهة الإسلامية، وبالنسبة لمعظم السوريين في مختلف أنحاء البلد، فإن هذه الحكومة المؤلفة من “لون واحد” تعتبر مصدراً للقلق، بما أن التنوع الكبير الموجود بسوريا بقي بلا أي تمثيل.
ولكن، في الوقت الذي خرج علينا الرئيس المؤقت لسوريا الذي نصب نفسه بنفسه كشخصية من المشاهير، اكتشفنا بأن شعبيته الحقيقية تتجلى من خلال حواره مع السوريين القادمين من مختلف أنحاء سوريا، فقد نشأ الشرع وترعرع ضمن بيئة دمشقية من الطبقة الوسطى العليا وكان يدرس في مدرسة خاصة بمنطقة المزة التي يسكنها النخبة، ولذلك عاد الشرع لشخصيته القديمة التي تترك أثراً آسراً على الناس، كما تحولت زوجته وأطفاله إلى شخصيات عامة اليوم، إلى جانب إظهاره لحنكة سياسية مؤثرة وتكيفه السريع مع الوضع عند تعرضه لانتقادات، وهنالك من يقول أنه عين “مستشاراً متخصصاً بالأزياء” حتى يرتب له ما ينبغي عليه ارتداؤه.
صبر السوريين لن يستمر إلى الأبد
بيد أن البراغماتية والفطنة السياسية لن تمضي معه أبعد من ذلك عندما يواجه هول التحديات التي تشهدها سوريا، إذ يقع الاقتصاد المنهار في عين كل معضلة، بعد أن دمر أكثر من 50% من البنية التحتية الأساسية لسوريا، ونزح أكثر من نصف سكان البلد، وأصبح 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر وخسرت الليرة السورية 99% من قيمتها، وبلغت حدة الأزمة الاقتصادية أعلى درجاتها، كما أن المساعدات الأممية المخصصة لسوريا قد تراجعت بشكل كبير منذ رحيل الأسد، في وقت تضاعفت الحاجة للمساعدات وأصبحت أعلى مما كانت عليه في السابق. وبما أن الفرحة العارمة التي أعقبت سقوط الأسد جعلت الشعب يصبر لفترة أطول بوجود سلطات تصريف الأعمال الجديدة في سوريا، فإن هذا الكبت والصمود لن يستمر إلى الأبد، إذ تبدو الوعود الطامحة والتطمينات المكرورة جيدة، بيد أن تحقيق تقدم مطلوب بات أمراً واجباً.
وفي خضم هذا الجو السائد، أحكمت العقوبات الأميركية والأوروبية الخناق على رقبة سوريا، إذ خلال الأسابيع الأخيرة لبايدن في الرئاسة، أعلنت إدارته عن رخصة عامة تمتد لستة أشهر وتسمح للطاقة وللحوالات النقدية بالوصول إلى سوريا لفترة مؤقتة، ولكن بحسب ما ذكره بعض رجال الأعمال السوريين الموسرين والحكومات الإقليمية الساعية للاستثمار في سوريا، فإن تلك الإجراءات المؤقتة لم تقدم سوى القليل لتهدئة المخاوف القديمة وإزالة صفة الخطر عن الأوضاع داخل المؤسسات المالية التي باتت بحاجة لتسيير تلك الصفقات المالية. وفي تلك الأثناء، أوحت أوروبا بأنها منفتحة على فكرة تخفيف العقوبات طوال أسابيع، من دون أن تتخذ أي خطوات فعلية. ولهذا، فإن أي أمل ببدء الاقتصاد السوري باستعادة عافيته مايزال حلماً بعيداً عن التحقق.
معضلة قسد وحلها
وعلى مقلب آخر، كشفت الاجتماعات التي عقدت مؤخراً مع المجتمع المدني من مختلف أنحاء سوريا مدى تراجع شعبية قوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر على شمال شرقي سوريا بإجماع السوريين من مختلف القطاعات، إذ جرى الحديث عن “احتلال” قسد لأراض سورية، و”سرقتها” للموارد الطبيعية في البلد (أي النفط والغاز والموارد الزراعية) كمشكلة تحتاج إلى حل فوري، ويفضل أن تحل بصفقة دبلوماسية أو بعمل عسكري إن لزم الأمر.
غير أن قسد ذات الغالبية الكردية عرض عليها الحصول على حقوق كاملة للمجتمع الكردي، كما عرض عليها أن تصبح الكردية اللغة الرسمية الثانية لسوريا، وأن تحظى قسد بتمثيل في جميع الجهات الحكومية الانتقالية، ولكن شريطة تسليم الموارد الموجودة ضمن المناطق الخاضعة لسيطرتها إلى دمشق، والأهم من ذلك أن تحل قسد نفسها وأن تضع مقاتليها الذين يقدر عددهم بالآلاف وبشكل كامل تحت إمرة القوات المسلحة الجديدة لسوريا، على أن يجري توزيع المقاتلين لتأدية خدمتهم في مختلف أنحاء البلد. وبعد أسابيع من مواصلة المحادثات وتوقفها ثم متابعتها من جديد، تم التوصل أخيراً إلى اتفاق بين قسد ودمشق في العاشر من آذار، وقعه في العاصمة السورية أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، وينص هذا الاتفاق على اندماج قسد ضمن الحكومة المؤقتة وتحت إمرتها. وفي الوقت الذي سيحتاج التنفيذ الكامل لبنود الاتفاقية إلى وقت، وفي الوقت الذي ماتزال كثير من العوائق تقف في الطريق، تحولت الاتفاقية إلى مصدر للاحتفال في عموم سوريا، كما أنها تعتبر إنجازاً مهماً للغاية بالنسبة للجيش الأميركي الذي بقي جزءاً لا يتجزأ من المفاوضات والاتفاقية.
احتمال الانهيار السوري الثاني
ومع تقدم العملية الانتقالية في سوريا، ظهرت أمامها تحديات جسيمة، إذ بالنسبة للمجتمع الدولي، فإن ضمان نجاح العملية الانتقالية يجب أن ينظر إليه على أنه فرصة تاريخية لإعادة رسم شكل الشرق الأوسط ولتوجيه ضربة قاصمة للأجندة الإقليمية الثورية التي تحملها إيران، ولكن في الوقت الذي تستعد المنطقة برمتها لتقديم دعم كبير لسوريا المدمرة التي أضحت بحاجة ماسة للمساعدة، ماتزال أوروبا بطيئة في هذا المضمار، أما إدارة ترامب فغائبة تماماً. ثم إن الحرية التي اكتشفتها سوريا منذ مدة قريبة قد تتعرض لمشكلات معقدة، وخاصة فيما يتصل بالدور القيادي الذي تلعبه هيئة تحرير الشام، غير أن الوقت ليس لصالح سوريا، ناهيك عن أن الوقت يمر بسرعة كبيرة. لذا في حال عدم رفع العقوبات، عندئذ يحق لنا أن نتهم الولايات المتحدة وأوروبا بتسهيل عملية الانهيار المحتمل بما سيفتح فصلاً آخر من فصول النزاع المرير وانعدام الاستقرار في سوريا.
وقد لمح العالم والشعب السوري شكل الانهيار الثاني في مطلع آذار من هذا العام، وذلك عندما تسببت الهجمات غير المسبوقة التي شنها مسلحون علويون موالون للأسد في إحدى الليالي بوقوع عنف مريع طوال يومين قتل خلالهما مئات المقاتلين والمدنيين في كل من اللاذقية وطرطوس. وتشير الأدلة الأولية التي تشتمل على محادثات تم اعتراضها ووثائق جرى ضبطها، إلى احتمال أن يكون لإيران دور في الهجمات الأولى، والتي كان هدفها الواضح إثارة حالة مجنونة من القتل بدافع الانتقام والثأر. وفي الوقت الذي عبرت محاولة الحكومة المؤقتة تشكيل لجنة تحقيق وآليات لإحقاق العدالة عن أولى البوادر الطيبة، فإن عجزها في السيطرة على الأحداث واحتمال تواطؤها في بعض الجرائم يمثل تهديداً وجودياً لحكمها. وفي الوقت الذي تتوق الغالبية الساحقة من السوريين للاستقرار، فإن وجود هؤلاء الأشخاص الحريصين على الرجوع إلى حالة الفوضى يجعل مستقبل البلاد في وضع متقلب لا يمكن لأحد أن يتوقع إلى أين سيفضي.
المصدر: Hoover Institution
تلفزيون سوريا