سوريا حرة إلى الأبد: مقالات وتحليلات 13 أذار 2025

حرية إلى الأبد: كل المقالات والتحليلات والحوارات التي تناولت انتصار الثورة السورية اعتبارا من 08 كانون الأول 2024، ملاحقة يومية دون توقف تجدها في الرابط التالي:
سقوط بشار الأسد، الرئيس الفار والمخلوع
———————————-
سوريا: حملة «أنا أعتذر» ومراتب المسؤولية/ ياسين الحاج صالح
تحديث 13 أذار 2025
في مبادرة شخصية، أطلق المهندس بسام جمعة حملة عامة مفتوحة لتوقيعات الراغبين، بعنوان «أنا أعتذر». تتصدر بيان الحملة عبارة: «نحن مجموعة من الأفراد الذين ينتمون إلى الطائفة العلوية ولادةً، وإلى سوريتنا اختياراً» تعقبها عبارة: «نتقدّم إلى الشعب السوري بجميع أطيافه، وخصوصاً المكوّن السني، باعتذارنا بكل ما تحمله كلمة «اعتذار» من معنى». بسام معتقل سياسي سابق، سُجن في عهد حافظ الأسد لثماني سنوات، ومثله زوجته وشقيقتها وغير قليل من المنحدرين من بيئته، علويي مدينة حمص. وهو بالتالي لا يعتذر عن إساءة شخصية، ولا لأنه كان داعماً للحكم الأسدي. ممن يعتذر بسام والموقعون معه إذن، وعمّ؟ «نعتذر من كل أمّ وزوجة وأب وطفل، لأننا لم نستطع حمايتهم أو منع الجرائم التي ارتُكبت بحقهم من قتل وتدمير وتهجير واعتقال. نعتذر عن صمتنا وخوفنا، وعن عجزنا عن منع بعض أبناء الطائفة من دعم النظام المجرم». ليس هناك وجه عادل للوم بسام ومن يرون رأيه على الصمت والخوف والعجز، فقد شاركهم فيه ملايين السوريين. لكن المبادرة تبدو تعبيراً عن إرادة تحمل قسطا من المسؤولية عن مأساة وطنية، وضعت كتلة أساسية من الجماعة العلوية نفسها في صف المسؤول الأول عنها، الحكم الأسدي. ولعلها جهد لتطييب الخواطر، والمساهمة في «السلم الأهلي» الذي تعرض ويتعرض في حمص وغيرها لاختبارات صعبة، ليس مضموناً بعد أن يخرج منها بسلام. مدينة حمص شهدت أعلى منسوب للتوتر الطائفي بعد سقوط النظام، ولا يزال الوضع فيها هشاً. وبسام يعتقد أن المبادرة أسهمت بالفعل في تخفيف حالة الاحتقان في المدينة. هذا قبل أن يتفجر الوضع في الساحل قبل أسبوع، ويعود الجو في حمص إلى قدر من التوتر.
تعرضت مبادرة «أنا أعتذر» للطعن والتسفيه من منحدرين من بيئة الموقعين عليها أنفسهم. بقولك «أنا أعتذر» تبدو كأنما تعتذر عما تكون، بالنظر إلى اعتذارك عما لم تفعل لا معنى له. وبالطبع لا معنى لاعتذار أيٍ كان عما يكون. ويبدو من الصعب الخروج من المواقف المتقابلة التي لا يفتقر أي منها إلى الوجاهة.
لكن ربما نفكر في نقل النقاش إلى الجذر المفترض للاعتذار أو عدمه، أي إلى المسؤولية. في هذا الشأن قد نميز بين ثلاث مراتب من المسؤولية. المسؤولية القانونية، وهي تقع على المرتكبين مباشرة وبتفاوت يوازي تفاوت ارتكاباتهم. هنا ليس ثمة وجه للوم من لم يرتكبوا جرائم. ثم المسؤولية السياسية، وتقع على عاتق من يديرون الهياكل المشرفة على الارتكابات الإجرامية، مثل بشار الأسد وأركان حكمه، حتى لو لم يرتكب أي منهم جريمة بيديه. ثم هناك المسؤولية المعنوية أو الأخلاقية، وهي تقع تفاضلياً على الجماعة المتصورة التي ينتمي إليها المرتكبون، أو على من كان يفترض بهم «قول الحق في وجه السلطة» ولم يفعلوا لسبب ما. تكتسب حملة «أنا أعتذر» معناها على أرضية الانتماء فقط: يشعر بسام ومن معه بالحرج لأن الجماعة التي ينتسب إليها بالولادة كانت من أدوات المأساة الوطنية السورية. ويندرج ضمن الفشل في قول الحق في وجه السلطة بيان صدر يوم 6 شباط الماضي باسم الرهبانية اليسوعية في سوريا ورد فيه: «لكنّنا لم نكن دائماً أوفياء، كبّلنا الخوف، فالتزمنا الصمت أحيانًا، عندما وجب رفع صوت الحقّ». الرهبانية ألزمت نفسها بالسير «مع من لديهم الشجاعة ورغبة الالتزام لنتجاوز ضعفنا ومحدوديّتنا» ومع «من غلبهم اليأس ومع التائهين» من أجل «تعافي جرح الأخوّة» وبناء «سوريا متعافية، شجاعة، متحرّرة».
ويصدر تحمل المسؤولية في الحالين عن شعور بالأسف على التقصير، ربما شعور بالعار، ويرافقه نازع تطهر ذاتي، ومساهمة في بلسمة جراح الضحايا. أمثلة ذلك كثيرة في عالم اليوم. المحتجون اليهود ضد جرائم إسرائيل والصهيونية يرفعون لافتات تقول: ليس باسمنا! يمتزج فيها التطهر مع التضامن مع الشعب الفلسطيني. ويرى نوام تشومسكي، أبرز رموز اليسار الأمريكي، أن الاعتراض على جرائم بلده، الولايات المتحدة، هو معيار المسؤولية الأخلاقية للمثقف، وليس نقد جرائم العدو. ومثل ذلك ينطبق على جميع من يفكرون في أنفسهم كفاعلين أخلاقيين. العربي مدعو لنقد الجرائم التي يرتكبها عرب، قبل الجرائم التي يرتكبها أعداء العرب، ومن أجل أن يكون للنقد الأخير أي صدقية. ومعيار أخلاقية المسلم نقد الجرائم التي يرتكبها مسلمون وليس التعريض بجرائم محسوبين على أديان أخرى. وليسوا مخطئين من ساءلوا بسام ومن معه عن وجوب اعتذار السنيين السوريين عن جرائم داعش وغيره من الجماعات الإسلامية المتطرفة. فمن ينبغي أن يشعروا بالعار من جرائم الإسلاميين السنيين هم المسلمون السنيون قبل غيرهم، ويقع عليهم أن يسألوا أنفسهم: كيف أمكن لوحوش فتاكة هذه أن تظهر في بيئاتنا الاجتماعية، ولماذا لم نستطع فعل شيء ضد هذه الظهورات المتوحشة؟
وبينما تكتب هذه المادة، ارتكبت تشكيلات مسلحة مرتبطة بالإدارة الجديدة في سوريا جرائم طائفية مشينة، ارتكبها بتشف وابتهاج سنيون بحق علويين، شملت عائلات بأكملها أحياناً. من يتحمل المسؤولية عن هذه الجرائم الجديدة؟ المبدأ نفسه. قانونياً، يتحمل المسؤولية المرتكبون المباشرون وقادتهم، وسياسياً الإدارة الحالية وأصحاب القرار فيها. لكن المسؤولية المعنوية تقع تفاضلياً على عاتق البيئات السنية السورية أكثر من غيرها، بل دون غيرها. وهذا لأنها لم تستطع حماية الضحايا أو منع الجرائم التي ارتُكبت بحقهم من قتل وتدمير وتهجير واعتقال، بتعابير بيان حملة «أنا أعتذر». ففي هذا مما يسهم في إنقاذ فرص سوريا لا طائفية، عبر كسر التطابق بين الأهلي والأخلاقي، وبالعكس إقامة جسور وشبكات معنوية عابرة للطوائف.
ما تواتر التعبير عنه في الواقع يشبه تماماً ما عبر عنه في مواجهة الجرائم الأسدية وقت حدوثها: الشماتة بالضحايا أو تبرير ما وقع لهم، ومهاجمة من يدينون الجرائم. لكن أصواتاً أخرى اعتذرت وتضامنت.
والأساس في تحمل المسؤولية المعنوية هو الوجود المعنوي للجماعات، المستمر عبر التاريخ. لا يتعلق الأمر هنا بوجود قانوني يحيل إلى الراهن وشبكات الالتزامات والحقوق والواجبات فيه، أو وجود سياسي يحيل إلى النظم السياسة القائمة ومدى شرعيتها وعلاقات الجماعات المختلفة بها. الوجود المعنوي جمعي، مديد، متعدد الأجيال عبر الزمن، على نحو تنتقل فيه الأعباء الأخلاقية عبر الجسد المعنوي. إنما لذلك يمكن الكلام على مسؤولية معنوية، وعلى تكفير عن الذنب يعتق من تلك المسؤولية، على نحو يصون كرامة الجماعة. عبر سياسة التذكر والتكفير المستمر عن الهولوكوست يعمل الألمان على التحرر من عبء أخلاقي باهظ، ولأن إثمهم الإبادي، الهائل والاستثنائي، الذي استهدف وجود اليهود، كان يوجب التكفير عنه بوجود ألمانيا، جزئياً أو كلياً (وليس بالمال والنصب التذكارية والاستعراض النرجسي للذنب، فيما يدفع الثمنَ من وجوده الشعبُ الفلسطيني) ولأنهم غير مستعدين لحل وجودي، فقد جعلوا من سياسة التذكر ومن التكفير المستمر ديناً. الدين هنا حل لمشكلة وجودية لا تطاق.
وعبر «أنا أعتذر» يعمل مثقفون وناشطون علويون على رمي عبء أخلاقي عن كاهل الجماعة العلوية الباقية على الزمن، قبل وبعد الحكم الأسدي، وهو ما يضعهم في موقع أخلاقي وسياسي أفضل لإدانة أي جرائم تستهدف هذه الجماعة. وعبر مساع مماثلة يعبر سنيون سوريون عن تحمل مسؤولية خاصة عن الجرائم المرتكبة بحق مواطنيهم العلويين اليوم. وهو ما يزداد إلحاحاً إن امتنعت السلطة القائمة عن تقديم الجناة المباشرين للعدالة، أو تنكرت لمسؤوليتها السياسية الأساسية عن أي جرائم ترتكبها قواتها، النظامية أو الرديفة.
ربما يعترض على حملة «أنا أعتذر» من حيث أن منطقها المبني على «انتماء بالولادة» يناقض منطق المواطنة الذي يُفرِّد المسؤولية، والمبني على «انتماء بالاختيار»؟ التناقض قائم دون شك، لكن الحملة تصدر عن إدراك لواقع لا مواطني راهن، يتعارض مع تفريد الجرائم وفصلها عن الأهلي.
لبسام جمعة الفضل في إثارة قضية إشكالية لا يسهل التوافق بشأنها، على ما هو ظاهر في المجتمع الفيسبوكي السوري. لكنها قضية تطرح على المثقفين والسياسيين السوريين أسئلة تتصل بمراتب المسؤولية، وبالقواعد والتدابير الممكنة لطي صفحة السياسة الأهلية، ومخاطر الإبادة المتضمنة فيها.
كاتب سوري
القدس العربي
————————–

هكذا وجدت دمشق بعد ثلاثة عشر عاما/ روبرت فورد
بعد سقوط حلب في ديسمبر 2016، ظننت للوهلة الأولى أن الثوار السوريين قد هُزموا وأن النظام انتصر… لكني كنت مخطئا، وها أنا أكتب من دمشق
آخر تحديث 13 مارس 2025
دمشق – زرتُ سوريا لأول مرة سائحا شابا عام 1983، ثم عدت إليها مجددا في عام 1987، وعلى مر السنين ازداد إعجابي بشعبها، بما يتحلى به من كرامة ودفء الضيافة، وبإرثها الثقافي والتاريخي الاستثنائي. وقد تعمق هذا الإعجاب أكثر مع اندلاع الثورة السورية، حين خرج عشرات الآلاف من المتظاهرين العزل في عامي 2011 و2012، يواجهون الرصاص والاعتقال والتعذيب، بل والموت، على يد جنود النظام وأجهزته الأمنية، في مشهد يُجسد أقصى درجات الشجاعة التي رأيتها في حياتي. لكن وبعد سقوط حلب في ديسمبر/كانون الأول 2016، ظننت للوهلة الأولى أن الثوار السوريين قد هُزموا وأن النظام انتصر.
وفقا لأحد التعريفات، فإن الخبير هو مجرد شخص من مدينة مختلفة. لقد صدمني بالطبع الانتصار السريع الذي حققته الثورة في ديسمبر/كانون الأول 2024، وقبلت بسرور دعوة من منظمة بريطانية غير حكومية للانضمام إليهم في زيارة إلى سوريا الحرة في منتصف يناير/كانون الثاني. واسمحوا لي أن أعرض هذه الأفكار بعد زيارتي تلك، غير أنها ليست أفكارا يقدمها خبير؛ إنها مجرد انطباعات رجل من مدينة مختلفة.
مفاجآت في المدينة القديمة
أقمنا في فندق صغير جميل في دمشق القديمة وخلال أول جولة لي في أزقة باب شرقي وباب توما وسوق الحميدية لاحظت على الفور أن السوريين كانوا أكثر استرخاء. عندما كنت أشغل منصب السفير الأميركي لدى حكومة الأسد، كان السوريون يترددون في التحدث معي خوفا من أن تقوم أجهزة المخابرات بمضايقتهم أو اعتقالهم. ولذلك لم أبدِ حماسا في خوض الأحاديث مع الناس حرصا على عدم إيقاعهم في المشكلات لاحقا مع الجهاز الأمني. لم تعد الأمور مثلما كانت فقد لاحظت تغيرا لافتا خلال زيارتي في يناير الماضي. لقد تذكرني الكثير من الأشخاص واستقبلوني بحفاوة وأرادوا التقاط صور “السيلفي” معي.
أصابني الذهول في بادئ الأمر، لكن وكما ذكرت سابقا فأنا لست خبيرا في الشأن السوري. وسرعان ما تعلمت الاستمتاع بفرصة التحدث إلى السوريين في المقاهي والمتاجر والمطاعم بطريقة لم أكن أحلم بها بين عامي 2011 و2012. ففي أكثر من مناسبة وبينما كنت أتجاذب أطراف الأحاديث مع بعض الأشخاص في مقهى أو مطعم ما، كان ينضم إلى المحادثة بعض السوريين الذين لا تربطني بهم أي معرفة. إنهم الآن يتمتعون بحرية التعبير التي قمعها البعثيون وعائلة الأسد طوال ستين عاما.
في إحدى الأمسيات في دمشق القديمة كنا نسير باتجاه فندقنا في شارع يلفه ظلام دامس (لا تتوفر الكهرباء في دمشق سوى لبضع ساعات يوميا، وتغرق الكثير من شوارع المدينة القديمة في ظلام مطبق في الليل). مررنا بثلاثة رجال يرتدون بدلات عسكرية ويحملون بنادق كلاشينكوف، وكانت وجوههم ملثمة. أيقظت تجربتي في أميركا حيث معدل الجريمة مرتفع، وتجربتي الدبلوماسية في العراق مع رجال ملثمين مجهولين يحملون أسلحة، مشاعر الخوف داخلي. سمعونا نتحدث باللغة الإنكليزية، وسألني أحدهم باللغة العربية: “هل أنت إنكليزي؟”.
ترددت لوهلة ثم أجبته باللغة العربية أنني أميركي. صاح على الفور بالإنكليزية: “والدي يعيش في كاليفورنيا! كاليفورنيا جميلة!”. وعندما أجبته بالإنكليزية أنني آمل أن يكون والده بخير وأن لا تكون الحرائق في جنوب كاليفورنيا قد تسببت له بأي أذى، لوح بيده اليمنى، وصاح مجددا باللغة الإنكليزية: “إنه بخير. لا مشكلة! أريد أن أزور كاليفورنيا ذات يوم!” لم يكن هذا ما كنت أتوقعه من رجل مسلح ملثم في شارع مظلم في دمشق، لكن وكما قلت سابقا، أنا لست خبيرا في الشأن السوري.
إعادة البناء مهمة صعبة
لقد شعرت بأن ثمة بارقة أمل تنعش السوريين. اصطحبني في إحدى الجولات صاحب أحد المحال التجارية في دمشق إلى متجره الذي يبيع فيه منتجات عالية الجودة المستوردة غالبا؛ كان قد جدد المبنى الذي يعود إلى العهد العثماني حيث يقع متجره. كما التقيت بالكثير من السوريين الذين عادوا إلى دمشق وكانوا يعيدون افتتاح شركاتهم. كان أحدهم يعيد فتح مقر شركته الدولية للخدمات اللوجستية والنقل في دمشق؛ وثمة مهندس معماري تمتد مشاريعه في ثلاث قارات أعاد فتح مكتبه أيضا.
وذات مساء تناولنا العشاء مع رجل أعمال سوري وكنا بحاجة إلى سيارة أجرة. لكن وبسبب العقوبات الأميركية، لا توجد خدمة “أوبر” في سوريا، غير أن رائد أعمال سورياً شاباً كان قد رجع من دبي وأنشأ شركة سيارات أجرة باستخدام الهواتف الذكية تسمى “يللا غو”(Yallah Go)ماذا لو تمكن المزيد من السوريين من العودة حاملين معهم خبراتهم ومهاراتهم الفنية التي اكتسبوها خلال السنوات التي قضوها في الخارج، لا بد عندها أن يعم النفع والفائدة على البلاد.
بالطبع، لا يخلو الأمر من التحديات أيضا. فقد تحدث جميع رجال الأعمال الذين التقيت بهم عن الصعوبات الناجمة عن العقوبات الأميركية، وخاصة على المعاملات المالية. إن العقوبات وفساد نظام الأسد وسوء إدارته الاقتصادية كانت السبب في أزمة اقتصادية خانقة. فمئة دولار أميركي على سبيل المثال تعادل كومة بسماكة خمسة سنتيمترات تقريبا من الأوراق النقدية من فئة الـ5000 ليرة سورية، التي يصعب حملها في جيبك، ولا يمكنك استخدام بطاقات الائتمان بسبب العقوبات. مثل الكثير من البلدان، ترى فرقا شاسعا بين الأغنياء والفقراء. ففي حين تعد المطاعم مثل مطعم “نارينج” وجبات رائعة، يطالعك في الوقت نفسه أطفال وأمهات يتسولون في شوارع المدينة القديمة؛ لا أتذكر أنني رأيت مثل هذا البؤس في عام 2011.
وإذا توجهت بالسيارة من المدينة القديمة في رحلة لن تستغرق أكثر من خمس عشرة دقيقة نحو أحياء مثل اليرموك أو حرستا، فسوف يصدمك حجم الدمار هناك. أخذنا المهندس المعماري الذي ذكرته آنفا إلى مخيم اليرموك حيث التقينا بأم وابنتها تمكنتا من النجاة من الحروب العنيفة بين “جبهة النصرة” و”داعش”، ثم بين النظام و”داعش”، بيد أن شقتهما تعرضت للقصف والنهب من قبل الجيش السوري. لم يترك الجنود أي أثاث، ولا أنابيب، ولا معادن، فقد سرقوا كل ما أمكنهم سرقته وتركوا البيت مدمرا ومنهوبا.
في حي كان يقطنه أكثر من 150 ألف فلسطيني وسوري، لم نصادف خلال زيارتنا التي استمرت تسعين دقيقة، سوى حوالي أربعين شخصا في الشوارع التي تتراكم على جانبيها الأنقاض. عثرت تلك الأم بين أنقاض شقتها على فنجان شاي غير مكسور. وعلى الرغم من كل هذا البؤس والدمار كانت تأمل في إعادة بناء منزلها في الحي. لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه في ظل الصعوبات الهندسية والتكاليف المالية الباهظة هو كيف ستتمكن تلك السيدة من إعادة بناء منزلها. وعلى نحو مماثل، عندما مررنا بمعرة النعمان في طريقنا إلى حلب، كانت المدينة التي كان يسكنها ذات يوم 80 ألف نسمة مدمرة بشكل كلي ولم نصادف سوى عدد قليل من الناس في الشوارع. لقد حطمت ثلاث عشرة سنة من الحرب الأهلية حياة ملايين السوريين الذين سيحتاجون إلى مساعدات ضخمة لإعادة بناء منازلهم ومدارسهم وأماكن عملهم واسترجاع حياتهم. وحتى الأشياء الأساسية مثل إيجاد الموارد اللازمة لدفع رواتب موظفي الحكومة سوف يشكل تحديا حقيقيا.
وفي حمص، كانت الأنقاض الصامتة لحي بابا عمرو غارقة في الظلمات عندما مررنا بالحي الخالي من أي نوع من الأضواء. غير أن اللافت والمثير للدهشة هو أن ترى على بعد خمس دقائق من بابا عمرو صالة عرض تسطع فيها الأضواء تعرض سيارات “مرسيدس بنز” و”تويوتا لاند كروزر” جديدة للبيع. أعود وأؤكد أنني لست خبيرا، ولكن يبدو جليا أن هناك بعض المال في سوريا وهناك الكثير من السوريين الأذكياء ورجال الأعمال الطموحين. ولكن هل يستطيع السوريون الحصول على المساعدة المالية والفنية التي سيحتاجون إليها لإعادة البناء؟
المخاوف السياسية وسوريا المشرقية
لا أستطيع أن أتجنب السياسة وأنا أفكر في زيارتي. فإلى جانب الأمل، سمعت الكثير من السوريين يعبرون عن مخاوفهم بشأن المستقبل. وبعد أن اشتريت عدة أزواج من القفازات المزينة بالعلم السوري الجديد والتقطت صور “سيلفي”، أخبرني صاحب المتجر أنه وأصدقاءه المسيحيين يشعرون بالتوتر بشأن نوع الحكومة التي سوف تجلبها “هيئة تحرير الشام” إلى سوريا. لقد تحدثت مع عشرات المسيحيين أثناء زيارتي وكان الجميع يسيطر عليهم نفس النوع من الهواجس. ولم يتعلق الأمر بما كانت تفعله “هيئة تحرير الشام” في ذلك الوقت. بل أشار الكثير منهم إلى حادثة وقعت في حي القصّاع أواخر ديسمبر الماضي عندما ظهر الكثير من السلفيين بمكبرات الصوت والملصقات التي تحث المسيحيين على التحول إلى دين الإسلام وتدعو النساء إلى تغيير ملابسهن.
وعلى الرغم من أن عناصر الأمن التابعين لـ”هيئة تحرير الشام” احتجزوا أولئك الرجال، غير أن الحادث ألقى بظلاله على الأشخاص الذين التقيتهم، مؤكدا لهم أن “هيئة تحرير الشام” تضم إسلاميين محافظين وأن الرؤية التي يحملونها لما سيكون عليه المجتمع في قادم الأيام سوف تضع المسيحيين في موقف لا يحسدون عليه. وفي وقت لاحق تحدثت إلى باحث سوري أمضى أسبوعا في السويداء، وأخبرني أن المجتمع الدرزي هناك لديه مخاوف مماثلة. ولا تتعلق أي من هذه المخاوف بما فعلته “هيئة تحرير الشام” منذ سقوط النظام، بل بما قد تفعله في المستقبل نظرا لخلفيتها.
ويبقى أحد الأسئلة الأكثر إلحاحا: كيف سيتم في نهاية المطاف إعادة دمج ثلث مساحة سوريا الواقع شرق الفرات- الخاضع حاليا لسيطرة “الإدارة الذاتية” و”قوات سوريا الديمقراطية”- مع بقية البلاد؟ في الوقت الحاضر، تعمل سوريا في ظل إدارتين متوازيتين– إحداهما في دمشق والأخرى في شمال شرقي سوريا– تعملان من دون تنسيق بينهما. وغالبا ما تجد القوات العسكرية لكل منهما نفسها في مواجهة مباشرة، ما يؤدي إلى اشتباكات دورية، مثل تلك التي تقع بالقرب من سد تشرين جنوب شرقي حلب.
تنبغي الإشارة هنا إلى أن العملية السياسية التي تقودها دمشق، بما في ذلك مؤتمر الحوار الوطني، قد استبعدت حتى الآن “الإدارة الذاتية”. وينطوي هذا الاستبعاد على مخاطر كبيرة على المدى المتوسط، لأنه قد يزيد من ترسيخ الانقسام السياسي.
وفي منتصف يناير/كانون الثاني، قمنا بزيارة مقر “قوات سوريا الديمقراطية” في قاعدة عسكرية أميركية بالقرب من الحسكة، حيث تواجه قيادة الإدارة الذاتية و”قوات سوريا الديمقراطية” مستقبلا غامضا، لا يبدو أنه سيتضح قريبا. والأكيد أن موقفهم الآن بات أكثر هشاشة من ذي قبل، حيث لم يعد بإمكانهم الاعتماد على نظام الأسد أو روسيا أو حتى إيران– وجميع هذه الأطراف تعاونت معهم في السابق ضد تركيا والفصائل المتحالفة معها داخل الجيش الوطني السوري. ولا تزال مدينة كوباني الاستراتيجية عرضة للخطر بشكل خاص. ويبقى مدى قدرة “قوات سوريا الديمقراطية” والحكومة التي تقودها “هيئة تحرير الشام” في دمشق على التوصل إلى تسوية سياسية– إن حدث ذلك أصلا– ركنا أساسيا في تحديد ما إذا كانت سوريا ستحافظ على سلام هش أو تنزلق مرة أخرى إلى دورة متجددة من الصراع وعدم الاستقرار.
شكلت هذه الزيارة أول تجربة لي في شرق سوريا، وقد أتاحت لي فهما أعمق لآليات بناء الإدارة الذاتية لهياكل الحكم وإدارة شؤون المناطق الخاضعة لسيطرتها. فعلى مدار السنوات الماضية، أنشأت هذه الإدارة هياكل بيروقراطية ومجالس سياسية تتولى إدارة المدن والبلدات الواقعة تحت سيطرتها. وفي تحول جوهري، أعادت الإدارة الذاتية رسم الخريطة الداخلية لسوريا، إذ ألغت الحدود التقليدية للمحافظات الثلاث التي تشكل منطقة الشمال الشرقي: الرقة، والحسكة، ودير الزور، واستبدلتها بسبع مناطق إدارية أصغر، لكل منها حكومتها المحلية، وأجهزتها البيروقراطية، ومجالسها الشعبية.
وتأمل الإدارة الذاتية– التي يقودها حزب “الاتحاد الديمقراطي” الكردي السوري (PYD) في إنشاء حكومة إقليمية، على غرار نموذج كردستان العراق. بيد أن المشهد السياسي في سوريا مختلف اختلافا كبيرا عن نظيره في العراق. فعلى عكس كردستان العراق، الذي تم الاعتراف به رسميا بموجب الدستور العراقي لعام 2005 والمدعوم من قبل الحكومة الأميركية والوجود العسكري الذي كان تعداده 120 ألف جندي أميركي، تفتقر الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا إلى دعم دولي مماثل، وإن يكن قادتها لا يزالون يأملون في دعم أميركي لترسيخ هيكلهم السياسي.
لكن المعادلة السياسية لا توحي بإمكانية استنساخ النموذج الكردي العراقي بسهولة في سوريا. ففي حين حظي إقليم كردستان العراق بتأييد القيادة الشيعية العراقية، التي تمثل أكبر مكونات الشعب العراقي، فإن الوضع في سوريا أكثر تعقيدا. إذ تتميز شمال شرقي سوريا بتركيبة ديموغرافية أكثر تنوعا، حيث يتداخل الوجود الكردي والعربي بدرجة تفوق ما هو عليه الحال في كردستان العراق. وخلال زيارتي، لم أجد دعما داخليا كبيرا للإبقاء على “الإدارة الذاتية” بصيغتها الحالية، ربما باستثناء ما سمعته في السويداء.
أما على الساحة الدولية، فلا يبدو أن الولايات المتحدة، التي كان لها دور فعال في الاعتراف الرسمي بإقليم كردستان العراق، مستعدة للقيام بالدور ذاته في سوريا. وبينما دعمت إدارة جورج بوش، بوساطة من السفير زلماي خليل زاد، مشروع الحكم الذاتي الكردي في العراق، يبدو من غير المرجح أن يخصص دونالد ترمب أي جهد دبلوماسي لانخراط إدارته في مفاوضات الدستور السوري. وإلى جانب ذلك، ليس هناك أي خطط في الأفق لتعيين سفير أميركي في سوريا قريبا، مما يجعل فرص التدخل الأميركي في صياغة مستقبل سوريا السياسي ضئيلة للغاية.
وعوضا عن الولايات المتحدة، من المرجح أن تلعب تركيا دورا غير مباشر، ولكنه مؤثر في تحديد مسار المنطقة. وفي الوقت عينه، تدرك دمشق أن تحقيق السلام ضروري لعملية إعادة الإعمار. والتحديات المقبلة كبيرة جدا– ليس من الناحية السياسية فحسب، ولكن أيضا من حيث البنية التحتية والاستدامة. ومن الأمثلة الدالة على ذلك مشهد شاحنات الصهاريج التي تستخرج المياه الجوفية باستمرار لأحياء الحسكة المتعطشة للمياه، في تذكير صارخ بأزمة البيئة والبنية التحتية في سوريا.
حين غادرت دمشق، كان هناك سؤالان مهمان عالقان في ذهني: هل تستطيع هاتان الإدارتان المتوازيتان داخل بلد واحد التفاوض على تسويات متبادلة والاتفاق على مسار الاندماج العسكري والسياسي؟
هل ستكون واشنطن مستعدة لتسهيل الانتقال بتخفيف بعض عقوباتها الاقتصادية على الأقل؟
المجلة
————————-
“الإعلان الدستوري” المرتقب في سوريا.. أبرز الملامح/ ضياء عودة – إسطنبول
13 مارس 2025
إدارة العمليات العسكرية نصبت الشرع رئيسا للمرحلة الانتقالية بسوريا
الإعلان الدستوري يمنح الشرع صلاحية تعيين مجلس الشعب
تترقب الأوساط السورية مواد ونصوص “الإعلان الدستوري”، الذي من المقرر أن يتم الإعلان والكشف عنه رسميا في الساعات المقبلة، بعدما انتهت اللجنة الموكلة بوضعه من عملية الصياغة، قبل أن تسلمه، الثلاثاء، للرئيس السوري للمرحلة الانتقالية في سوريا، أحمد الشرع.
“الإعلان الدستوري” هو وثيقة من شأنها أن ترسم ملامح المرحلة المقبلة لسوريا، ويهدف على وجه الخصوص إلى إدارة شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية، التي يعتقد أن مدتها لن تقل عن 4 سنوات.
وكان قد انبثق بعد مناقشات “مؤتمر الحوار الوطني”، ليكون “معبّرا عن إرادة جميع السوريين”، كما تقول عضو اللجنة المكلفة بصياغته، بهية مارديني.
وتقول مارديني لموقع “الحرة”: “ولهذا السبب شكل الرئيس أحمد الشرع لجنة الخبراء السبعة لدراسة الأفكار المطروحة وتطويرها لضمان أن يكون الإعلان الدستوري وثيقة تعبر عن تطلعات الشعب السوري وآمالهم”.
وتوضح عضو لجنة الصياغة أن الوثيقة تنظم المرحلة الانتقالية، وأنها ليست بديلا عن الدستور الدائم.
وعلى العكس تضيف مارديني أن “الإعلان الدستوري” يهيىء الأرضية لعملية دستورية شاملة تفضي إلى صياغة دستور دائم، يعكس تطلعات الشعب السوري، ويحدد شكل نظام الحكم المستقبلي.
وستكون الوثيقة سارية طوال المرحلة الانتقالية، والتي تمتد حتى تحقيق الاستقرار وإجراء استفتاء شعبي على دستور دائم، تتابع مارديني، مشيرة إلى أن “مدة هذه المرحلة ستحدد بناء على الظروف السياسية والأمنية، ومدى تقدم عملية بناء المؤسسات”.
ما ملامح الإعلان الدستوري؟
رغم أنه لم يصدر أي شيء رسمي على صعيد البنود والنصوص التي ستتضمنها الوثيقة المرتقبة تأكد موقع “الحرة” من صحة عدد منها، بناء على مصادر معنية، وذلك بعدما تسربت جزء منها على وسائل إعلام.
وسيكون “الإعلان الدستوري” مستمدا من روح الدساتير السابقة، سواء دستور 1950 أو دستور 2012.
وينص في أولى مواده أن “الجمهورية العربية السورية دولة مستقلة ذات سيادة كاملة، وهي وحدة جغرافية وسياسية لا تتجزأ، ولا يجوز التخلي عن أي جزء منها”.
بعد ذلك تحدد وثيقة الإعلان الدستوري دين رئيس الجمهورية بالإسلام.
ويأتي فيها أن “الفقه الإسلامي هو المصدر الرئيسي للتشريع”، وأن “حرية الاعتقاد مصونة، والدولة تحترم جميع الأديان السماوية وتكفل حرية القيام بجميع شعائرها على ألا يخل ذلك بالنظام العام”.
علاوة على ذلك، سيتضمن الإعلان الدستوري عدة نصوص لافتة، من قبيل أن رئيس الجمهورية العربية السورية هو من سيتولى مهمة رئيس الوزراء في البلاد.
وستركز الوثيقة بشكل أساسي على مفهوم العدالة الانتقالية، وضرورة تطبيقها بما يضمن محاسبة المجرمين وإنصاف الضحايا وتكريم الشهداء وفق إطار قانوني شامل.
كما سيعطي الإعلان الدستوري الرئيس أحمد الشرع صلاحية تعيين مجلس الشعب، على أن يتم ضمان التوزيع العادل للمكونات والكفاءة.
بماذا يختلف عن الدستور؟
ويوضح القاضي السوري، حسين حمادة أن “الإعلان الدستوري يكتبه القائد الذي يستلم السلطة ويعبر عن وجهة نظره”.
في المقابل “يكتب الدستور لجنة تطرحه على الاستفتاء الشعبي ليعبر عن رأيه في المسودة”، بحسب حمادة.
وبعد سقوط نظام الأسد، سيكون “الإعلان الدستوري” أداة ضرورية لتنظيم المرحلة الانتقالية وتجنب الفوضى، بينما سيكون الدستور الدائم تتويجا لعملية سياسية تشمل جميع السوريين، كما يوضح الخبير القانوني السوري، المعتصم الكيلاني.
ويشرح الكيلاني في حديثه لموقع “الحرة” أن الإعلان الدستوري هو وثيقة مؤقتة تُصدرها السلطة الانتقالية بعد سقوط النظام القائم، بهدف إدارة شؤون الدولة خلال المرحلة الانتقالية.
ويكون هذا الإعلان بمثابة “دستور مؤقت” يحدد شكل الحكم، ويُنظم السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، ويضع إطارا عاما لحقوق المواطنين وحرياتهم إلى حين وضع دستور دائم.
“الإعلان الدستوري ضروريا لتنظيم المرحلة الانتقالية وضمان الاستقرار ويُحدد صلاحيات الحكومة الانتقالية وآلية عملها”، يتابع القانوني السوري.
ويشير إلى أنه يرسم خارطة الطريق نحو الدستور الدائم، بما في ذلك آلية تشكيل جمعية تأسيسية أو لجنة دستورية، ويضع أيضا أسس العدالة الانتقالية، بما يضمن محاسبة المسؤولين عن الجرائم ومنع الفوضى.
أما الدستور الدائم فهو الوثيقة القانونية العليا التي تُصاغ بعد مرحلة انتقالية، لتعكس توافقا وطنيا حول شكل الدولة، نظام الحكم، الحقوق والواجبات، والفصل بين السلطات.
ويتم اعتماد الدستور عبر استفتاء شعبي، ليصبح الأساس القانوني للحكم في الدولة المستقرة.
وللتمييز فيما بينهما يقول الكيلاني إن “الإعلان الدستوري مؤقت ومرن، بينما الدستور الدائم ثابت وطويل الأمد”.
وقد يوضع الإعلان الدستوري بقرار من سلطة انتقالية، أما الدستور فيحتاج إلى مشاركة واسعة واستفتاء شعبي.
ولا يمكن الانتقال مباشرة إلى دستور دائم في سوريا دون مرحلة انتقالية تُنظّمها وثيقة دستورية مؤقتة (الإعلان الدستوري)، بحسب ما يؤكد الخبير القانوني السوري.
ضياء عودة
الحرة
————————————
دمشق مجدداً: الكرنفال انتهى/ يوسف بزي
الخميس 2025/03/13
عند الحدود، رجلا أعمال بريطانيان يستعجلان العبور إلى دمشق: “أي عمل مجزٍ في هذه البلاد يجب أن يتأسس الآن”. في مصعد الفندق، رجلا أعمال مصري ولبناني: “نحن هنا منذ شباط الماضي. نريد أن نلتقط فرصة مهمة لأعمالنا”. لكن لا نظام مصرفياً جاهزاً، لا بيئة أمنية مطمئنة، لا ورشة تشريعية تواكب خطط الإعمار وطموحات الاستثمار، ولا قوانين حديثة تحمي الأعمال وأصحابها، فيما الوزارات أشبه بهياكل عظمية.
مرة جديدة، الاقتصاد هو البند “السياسي” الأول الذي يمكن أن يأخذ سوريا إما صعوداً أو هبوطاً. ومعه تتحقق الآمال أو تتحطم. لكن ذلك ينتظر ولادة دولة مكتملة الأركان.
في الأثناء، ومنذ سقوط الأسد، يبدو أن التسيير الذاتي هو الذي يحكم حياة أهل العاصمة وربما سوريا كلها. كأننا إزاء شبهة “أناركية” غير متعمدة، تشجع الناس على تدبير أمورهم من غير إدارة أو سلطة.
يمكن لمطعم سندويشات أن يقرر الإقفال نهاراً التزاماً بالصيام، وآخر يقرر أن لا قانون يمنعه من العمل أو يفرض عليه الإقفال. يمكن لأحدهم أن يقول لك: التدخين علناً في الشارع أثناء الصيام عقوبته الحبس، وآخر ينفي ذلك كلياً. إنها حيرة إزاء “عقيدة” الدولة المقبلة، تجعل بعضهم يتطوع سلفاً للانصياع أمام احتمال قيام جمهورية إسلامية التوجه والدستور، وتستنفر آخرين لمعارضة الحكام الجدد استباقياً وعلى نحو جذري وبما يشبه التحدي.
ينطبق هذا أيضاً على المجال الثقافي والفني. بعضهم ينتظر اكتمال نصاب وزارة الثقافة، وآخرون يبادرون لنشاطات تبدو وجهتها “الدفاع عن الثقافة العلمانية”. والذين نتحدث معهم، ينقسمون بين من ينتظر ما ستقرره السلطة الجديدة الهلامية والحائرة، ومن لا يريد أي انتظار ولكنه لا يجد القدرة على تكوين جماعة سياسية أو إطار تنظيمي جماعي للعمل أو لفرض واقع ما على السلطة الجديدة. خصوصاً أن البلاد امتازت لعقود بالاستسلام لأوامر وتوجيهات الرئيس المطلق، واعتادت على ماكينة بيروقراطية خاملة وضخمة.
لذا، السؤال الأقوى الحاضر بين السوريين هو: ما مصير القطاع العام؟ مصدر العيش الشحيح لشطر كبير من المجتمع، كما أنه في الوقت نفسه العائق الكبير أمام بداية الإصلاح والتعافي، ومن ثم إعادة ترتيب الطبقات والبنية الاجتماعية-الاقتصادية. فالقطاع العام، كإدارة ومؤسسات منتجة وشركات أساسية ومرافق صناعية كبرى، يشكل القسم الأعظم من وظائف السوريين. وكانت مشكلة رواتبه مثلاً في الشهور الأخيرة سبباً مباشراً لتأليب سكان الساحل على السلطة. وإذا كان من المستحيل إبقاء هذه البيروقراطية المتضخمة والتي يعشش فيها الفساد، إلا أن إحالة مئات الآلاف من المدنيين والعسكريين إلى البطالة، ستكون بمثابة وصفة سامة للاستقرار الاجتماعي، في لحظة لا تخلو من الهشاشة الأمنية أيضاً.
بمعنى آخر، وبخطورة التوتر الطائفي أو العرقي، فإن تبني اقتصاد السوق الذي سيترافق مع تدفق المال الخليجي خصوصاً، والاندفاع إلى الخصخصة، سيحدث زلزالاً اقتصادياً واجتماعياً من غير المعروف كيف يمكن تفادي أضراره، أو مدى قوته التدميرية على الفئات الأكثر ضعفاً.
من الاقتصاد إلى النظام السياسي المنتظر إلى إنشاء جهاز الشرطة أو إعادة إطلاق التلفزيون الرسمي، أو تحديد مصير مصنع الكحول الذي تملكه الدولة، الحيرة تطال كل تفاصيل سوريا الجديدة.
ومن الواضح أن كرنفال التحرير انتهى، وبدأت الوقائع الصعبة. أخبار الفظاعات الآتية من الساحل إلى دمشق، تنشر تشاؤماً وتوتراً بين السكان الذي هم من أطياف ومناطق سوريا كلها، يضاف إلى التوجس المتصاعد من الذين يمسكون بزمام السلاح والأمن والسلطة في العاصمة. فهؤلاء، الآتون من نواحي إدلب على الأغلب، يُنظر إليهم في العاصمة على أنهم محافظون جداً وريفيون ويحملون ثقافة اجتماعية ودينية، يستصعب أهل العاصمة القبول بها أو التعايش معها.
هذا “التوتر” الاجتماعي، قابل لأن يتطور إلى مشكلة سياسية أيضاً. أحدهم قال: “هل تقبل أن يأتيك أجنبياً ليمسك بأمنك؟”. وكان يقصد بالأجنبي ذاك الآتي من إدلب (!).
يمكن وصف الحضور الإدلبي بالنسبة للدمشقيين، بأنه عبارة عن صدام ثقافي، لا يقل فعالية وأثراً عن سيرة نزول العلويين من جبالهم إلى المدن والعاصمة، وإن اختلفت في مسائلها التاريخية وظروف وصولها إلى السلطة.
الدمشقية الآتية إلى مدينتها، وهي غير المتدينة، كانت ساخطة من توقف “الأذان الجماعي” في الجامع الأموي، بإيحاء من السلطة الدينية الجديدة، الآتية من إدلب والتي أزاحت خطيب المسجد، سليل عائلة الخطباء التقليديين: “حرموني من متعة سمعية في مساء محيط المسجد، حيث يخرج الناس للتنزه والتسوق وقضاء الوقت”. كأن تهديداً مسّ هوية العاصمة، منتزعاً منها طقساً رمضانياً قديماً وراسخاً له اعتباره الوجداني أكثر مما هو شعيرة دينية أو إيمانية.
دمشقية أخرى كانت حاسمة بقولها: “الدمشقيون صاروا أقلية”. وهي على الأرجح تقصد صفوة سكان العاصمة، ومتصدريها من العائلات الكبيرة. وكانت بدورها تعبّر عن نفورها من “الهيمنة” الجديدة، رغم حماستها لانتصار الثورة وسقوط النظام. راحت تضحك وهي تخبرنا عن الصدمة على وجوه شباب إدلب إذ رأوها تعانق زملاءها وتقبّل وجناتهم، في مكان عام.
هذا الصدام في دمشق ليس طائفياً أو سياسياً في مناحٍ كثيرة، وإن كان في مناطق أخرى يأخذ طابعه الطائفي ويتغذى من تاريخ ضغائن وثارات مؤجلة، على نحو ما شهدناه في الأيام الأخيرة من مجازر مروعة، ستشكل انعطافة في مسار “تأليف” الكيان السوري ودولته.
في مطعم الإفطار، انتقلت الشاشات التلفزيونية فور انتهاء بث أذان المغيب إلى فيديوات الأغنيات العربية الصاخبة، ليتحول الإفطار إلى ما يشبه سهرات “الفرفشة”. إنها الحيرة مجدداً التي لا تخلو من غرائب التلفيق الثقافي. فيما بعض الحاضرين على المائدة من شبان إدلب مستأنسين تماماً بكل ما يجري أمامهم.
من الصعب الآن معرفة من سيهضم الآخر: دمشق أم “الفاتحون”. فتاريخ المدن يحمل الغلبة على الوجهتين
المدن
———————-
الهلال الأحمر السوري بعد سقوط الأسد.. هل يتخلص من إرث الفساد ويستعيد نزاهته؟
2025.03.13
دمشق – مصطفى عبد الحق
عمل النظام المخلوع طوال السنوات الماضية على تسخير منظمة الهلال الأحمر العربي السوري لخدمة أجنداته، حيث كانت المنظمة تسهم في دعمه بمليارات الدولارات، كونها كانت البوابة الحصرية للحصول على أموال المساعدات الخارجية.
وعقب سقوط الأسد، بدأ العمل على إعادة هيكلة الهلال الأحمر، الذي حاول التركيز على مساعدة المعتقلين والأسر النازحة، لكنه لم يسلم من بعض الاتهامات بالسرقة والفساد.
وشهدت منظمة الهلال الأحمر حالات فساد إداري ومالي واسعة النطاق، بالإضافة إلى المحسوبيات، فقد تم توظيف معظم العاملين والمتطوعين بناء على علاقاتهم مع شخصيات نافذة في النظام، أو محسوبين على أفراد ذوي نفوذ داخل المنظمة.
“حبوباتي” تاجر المساعدات
لعب الهلال الأحمر دوراً رئيسياً في التواطؤ مع نظام الأسد لسرقة المساعدات، خاصة خلال فترة زلزال شباط 2023، إذ استغلت المؤسسة المساعدات الكبيرة التي وصلت من مختلف الدول لمساعدة منكوبي الزلزال وقامت بسرقتها، بحسب تقارير حقوقية.
في عام 2016، استلم خالد حبوباتي رئاسة الهلال الأحمر، ومنذ ذلك الوقت ارتبطت المنظمة بنظام الأسد بشكل مباشر، في حين فقدت أي مؤشر على استقلالها بعد 2011، عندما جمّدت حكومة النظام السابق انتخابات الهلال الأحمر إلى أجل غير مسمى، وتخلّصت من أعضاء الإدارة المستقلين، وفصلت طاقم العمل المؤهل.
وخلال رئاسة حبوباتي، أسهمت المنظمة في دعم النظام المخلوع بطريقة غير مباشرة، بنحو 30 مليار دولار، دُفعت منها رواتب قواته ومستلزمات أجهزة المخابرات، وذلك عبر تسخير الهلال الأحمر كبوابة حصرية للحصول على أموال المساعدات، إذ اشترط نظام الأسد على جميع وكالات الإغاثة توقيع اتفاق مع الهلال، باعتباره الشريك الحكومي الرسمي.
واخترق عناصر المخابرات، الذين قدموا أنفسهم كمتطوعين، صفوف المنظمة، في حين تعرض طاقم العمل والمتطوعون، الذين خرقوا قواعد السياسة الجديدة، للسجن والتعذيب وحتى القتل، بحسب التقرير.
وفي ظل ضلوع خالد حبوباتي في قضايا فساد، أصدرت الحكومة السورية المؤقتة قراراً بتعيين محمد حازم بقلة مديراً لمنظمة الهلال الأحمر السوري، بدلاً من حبوباتي، الذي كان يحتفظ بمنصبه منذ عام 2016.
سلل إغاثية ناقصة
عقب سقوط نظام الأسد، أعلنت عدة دول إنشاء جسور جوية وبرية لإرسال المساعدات الإنسانية إلى سوريا، وعلى رأسها السعودية وقطر.
ويتولى الهلال الأحمر ملف توزيع المساعدات على الأسر السورية وفق معايير تستهدف الأكثر احتياجاً، لكن كثيراً من العائلات اشتكت من عدم حصولها على مساعدات أو من وجود نقص في السلال الغذائية التي استلمتها.
وقال يحيى خير الله، من سكان بلدة خان أرنبة بريف القنيطرة، إن مساعدات ناقصة جرى توزيعها في شعبة الهلال الأحمر بالقنيطرة، حيث استلم كثيرون سلالاً غذائية معبأة في أكياس سوداء بدلاً من الكراتين الخضراء التي تُرسل فيها المساعدات عادة من السعودية، إضافة إلى أن مكوناتها كانت تختلف عن المكونات الأساسية التي أرسلتها الرياض للشعب السوري.
وأضاف خير الله، لموقع تلفزيون سوريا، أنه استلم سلة غذائية تحتوي على: علب فول (2)، معكرونة (7)، حلاوة (2)، تمر (1)، بطانيات (2)، في حين استلم قريبه قبل شهر سلة غذائية من السعودية معبأة ضمن كرتونة، وتضم: أرز بسمتي (7)، حلاوة (2)، تونة (10)، تمر (2)، زيت (2)، ملح (1)، سكر (3)، حليب معلب (15)، جبنة (10)، فول (10)، زبدة (2).
ولفت خير الله إلى أن بعض حالات الفوضى وقعت في أثناء توزيع المساعدات أمام شعبة الهلال الأحمر في القنيطرة، حيث تدافع بعضهم وسرقوا سلالاً غذائية من دون أن تكون أسماؤهم مدرجة ضمن قوائم المستحقين، ما أدى إلى حرمان كثير من الأسر المحتاجة بسبب نفاد الكميات، مطالباً بوجود جهة أمنية تتولى تنظيم عمليات التوزيع.
أما أحمد لبابيدي، من سكان حي الشعار بحلب، فرفض استلام السلة الغذائية بعدما تفاجأ بأنها تحتوي فقط على كيس طحين وكيس سكر، مضيفاً أن شقيقه سجّل لدى الهلال الأحمر لكنه لم يحصل على أي مساعدات، رغم أن لديه عائلة من خمسة أشخاص ووضعه المادي مزرٍ.
وأشار لبابيدي، لموقع “تلفزيون سوريا”، إلى أن كثيراً من مساعدات الهلال الأحمر تُباع على البسطات في الطرقات، قي حين يُحرم منها العديد من الأسر، مضيفاً أنه “لا أستطيع الجزم بأن متطوعين في الهلال الأحمر سرقوا المساعدات وباعوها للتجار، أو أن بعض العوائل التي استلمت المساعدات ليست بحاجة إليها وقامت ببيعها، لذا يجب التحقيق في الموضوع”.
وأعلن الهلال الأحمر توزيع مساعدات غذائية وغير غذائية لنحو 142 ألف عائلة في المحافظات السورية، خلال شهري كانون الأول والثاني الماضيين، بدعم من شركائه الإنسانيين، وبالتنسيق مع المجتمع المحلي لضمان اختيار العائلات المستحقة والوصول إليها.
الهلال الأحمر يعلّق على سرقة المساعدات
ووفق مبادئ القانون الإنساني، يتوجب على المنظمات الإنسانية المشرفة على الأنشطة الإغاثية حول العالم الالتزام بسبعة مبادئ، وهي: الإنسانية، عدم التحيز، الحياد، الاستقلال، الخدمة التطوعية، الوحدة، والعالمية.
وبحسب دراسة لمركز “جسور للدراسات”، في شباط 2018، بشأن أهلية الهلال الأحمر بعد 2011 وفق هذه المبادئ، تبين انتهاك المنظمة لخمسة منها، والتزامها فقط بمبدئي الخدمة التطوعية، إذ لم يثبت أن سرقة المساعدات من المتطوعين جرت بشكل مؤسسي، ومبدأ العالمية، الذي يرتبط بالحركة الدولية أكثر مما يرتبط بالجمعيات الوطنية.
وتعليقاً على الاتهامات التي طالت الهلال الأحمر بسرقة المساعدات، قال رئيس شعبة الهلال في المنطقة الوسطى بالغوطة الشرقية، عصام مرزوق، لموقع “تلفزيون سوريا”، إن منظمة الهلال الأحمر تشبه أي مؤسسة في الدولة، ولا بد من وجود بعض ضعاف النفوس في مفصل معين ضمن هذه المؤسسات، لكن هذا لا يعني بالضرورة فساد جميع العاملين في المنظمة.
وشدد مرزوق على أنه عقب سقوط نظام الأسد، حصلت بعض التغييرات الإدارية في منظومة الهلال الأحمر، ما انعكس بشكل إيجابي على ضبط المحسوبيات والفساد والرشاوى، ولا سيما بعد زوال الأسد، الذي كان له الدور الأبرز في إغراق جميع المؤسسات بالفساد.
في السياق ذاته، قال المسؤول الإعلامي في الهلال الأحمر، عمر المالكي، إنه كان هناك حوالي 860 ألف عائلة مسجلة لدى الهلال الأحمر قبل سقوط النظام، وجميعها كانت ضمن معايير الاستحقاق. ومع عودة النازحين واللاجئين وخروج المعتقلين، ازدادت أعداد الأسر المحتاجة، إضافة إلى أن النطاق الجغرافي لعمل الهلال الأحمر توسع في سوريا.
وفي حديثه لموقع “تلفزيون سوريا”، أضاف المالكي أنه في ظل هذا الواقع الجديد، فإن المساعدات التي تصل إلى الهلال الأحمر لا تستوعب كل تلك الأسر، وبالتالي يتم توجيه المساعدات نحو الأسر الأكثر احتياجاً، “لكن الكثير من الأسر لا تقدر هذا الأمر، وتظن أننا حرمناها من المساعدات قصداً”.
وأشار المالكي إلى أن اللجان المحلية في القرى والبلدات والأحياء داخل المدن تقوم برفع قوائم بأسماء الأسر المحتاجة إلى فروع الهلال الأحمر، ووفق حجم المساعدات المتوفرة، يطلب الهلال من تلك اللجان اختصار القائمة وانتقاء الأسر الأكثر احتياجاً.
ولفت إلى أن أعضاء اللجان المحلية يرشحون القائمة النهائية، التي قد تحتوي على أسماء عوائل من طرفهم قد لا تكون بأمسّ الحاجة إلى المساعدات، في حين يتم حذف أسماء عوائل محتاجة، ما يتسبب في حرمان كثير من الأسر من المساعدات.
وأكد المسؤول الإعلامي في الهلال الأحمر أن معايير الهلال في توزيع المساعدات ثابتة منذ أيام النظام ولم تتغير، ومن ضمن هذه المعايير وجود (إصابة، مرض مزمن، إعاقة، غياب المعيل، وغيرها)، مع إدخال قوائم جديدة ضمن فئة المستهدفين، كالمعتقلين السابقين.
المعتقلون شريحة جديدة مستحقة
حرم نظام الأسد أهالي المعتقلين والمغيبين قسراً من المساعدات، وعقب سقوطه، خرج كثير من المعتقلين من السجون، وأصبحوا اليوم ضمن الفئات المستهدفة في الإغاثة والدعم من قبل الهلال الأحمر.
وقال عصام مرزوق، رئيس شعبة الهلال في المنطقة الوسطى بالغوطة الشرقية، إن العوائل القادمة من الشمال السوري أو الخارجين من المعتقلات يتم تسجيلهم ضمن شعبة الهلال التي تتبع لها العائلة حسب مكان إقامتها، بشرط تقديم وثيقة سند إقامة، وإثبات أن الأسرة كانت مهجّرة في الشمال السوري أو في بلدان اللجوء.
وأضاف مرزوق أن المعتقلين لديهم كذلك أولوية في الحصول على المساعدات، مشيراً إلى أن كثيراً من السوريين لا يملكون وثيقة تثبت أنهم كانوا معتقلين، لذا تقوم شعب وفروع الهلال الأحمر بالتأكد من ذلك عبر الاستفسار من المخاتير ورؤساء البلديات.
ولفت مرزوق إلى إشكالية تواجه الهلال الأحمر في توزيع المساعدات، تتمثل في أن بعض الأسر التي عادت لتفقد منازلها، سجلت لدى الهلال ثم عادت مجدداً إلى الشمال السوري ريثما تعود الخدمات. وبالتالي، حين تصلها رسالة المساعدات، قد لا تكون موجودة أو لا يتوفر شخص ينوب عنها لاستلام السلة الإغاثية. “لذا نضطر لمنحها لمستحق آخر حتى لا تتكدس المساعدات في المستودعات، لكن المشكلة أنها حين تعود العائلة إلى منطقتها، تصطدم بإشكالية مع موظفي الهلال مطالبة بحصتها”.
ولا تقتصر خدمات الهلال الأحمر للمعتقلين على تقديم السلال الإغاثية، بل أطلق أيضاً خدمات الرعاية النفسية والاجتماعية
، بهدف مساعدة المعتقلين السابقين وعائلاتهم على العودة إلى حياتهم الطبيعية، وتجاوز التجارب السلبية، وتسهيل اندماجهم في المجتمع.
كما أرسل الهلال الأحمر فرقاً تطوعية
إلى بعض منازل الناجين من المعتقلات، لتقييم احتياجاتهم الصحية والمعيشية، وبعد التقييم، وفر المتطوعون للمعتقلين السابقين معاينات طبية، وتحاليل، وصوراً شعاعية، وأدوية لعلاج بعض الأمراض.
وخصص الهلال الأحمر أرقام تواصل مع فروعه في مختلف المحافظات السورية، ليتمكن المعتقلون السابقون من تسجيل طلب الحصول على خدمات الرعاية النفسية والاجتماعية.
وعقب سقوط الأسد، خصص الهلال الأحمر استمارة
لمساعدة المعتقلين السابقين على التواصل مع عائلاتهم والأسر التي تبحث عن أحد أحبائها، بهدف المساهمة في لمّ شمل العائلات.
استجابة لأحداث الساحل
مؤخراً، تسببت أحداث الساحل السوري في سقوط عشرات القتلى والجرحى، ما دفع الهلال الأحمر إلى إطلاق خطة استجابة طارئة لانتشال الجثث وإسعاف الجرحى وتقديم المساعدات الطبية والإغاثية.
وفي تصريحات لموقع “تلفزيون سوريا”، قال رئيس الهلال الأحمر السوري، حازم بقلة، إن الهلال أطلق استجابة طارئة عبر 25 فريقاً يضم 100 متطوع من محافظات طرطوس، واللاذقية، وحماة، وإدلب، وحمص، ودمشق، وتضمنت الاستجابة 25 آلية، بينها سيارات إسعاف، لتقديم الخدمات للأهالي وفق عدة أولويات.
وأضاف بقلة أن فرق الهلال الأحمر عملت على الوصول إلى عدد من الجثامين لتسليمها إلى ذويها، وأجرت تقييماً لأوضاع العائلات التي اضطرت إلى النزوح، ورصدت احتياجاتها.
من جهته، قال المسؤول الإعلامي في الهلال الأحمر، عمر المالكي، إن تصاعد الاشتباكات في الساحل السوري أعاق عمل الهلال الأحمر وأسهم في تأخير استجابته في بعض المناطق، مشيراً إلى أن فرق الهلال حصلت على موافقات من الحكومة السورية للدخول إلى مناطق الساحل والقيام بعمليات الاستجابة.
خدمات متنوعة
عقب سقوط الأسد، أعاد الهلال الأحمر افتتاح فروع وشُعب له في المناطق التي كانت خارج سيطرة النظام، وعلى رأسها مدينة إدلب، وبدأ العمل على توسيع نطاق خدماته.
وتشمل خدمات الهلال الأحمر العديد من الأنشطة، أبرزها: الخدمات المجتمعية، الرعاية الصحية والنفسية، الاستجابة للكوارث، تأمين المياه وإعادة التأهيل، التوعية بالمخاطر، الدعم الإنساني، وبرامج سبل العيش.
يشار إلى أن منظمة الهلال الأحمر السوري تأسست عام 1942، وهي منظمة معترف بها من قبل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في جنيف، ويقع مقرها الرئيسي في دمشق، ولها 14 فرعاً موزعاً في جميع المحافظات، إضافة إلى 75 شعبة تابعة للفروع.
تلفزيون سوريا
——————————–
اللجوء في فرنسا كنظام عبودية مُحدَّث/ مصعب الحمادي
2025.03.13
يعرف اللاجئ تماماً لماذا أتى إلى فرنسا، فهو في الأغلب هاربٌ بحياته من دكتاتورٍ قاتل، أو باحثٌ عن حريته بعيداً عن القمع والسجون.
لكن اللاجئ قد لا يخطر له أبداً التفتيش عن السبب الذي لأجله استقبلته فرنسا في الأصل، وقد يستغرق الأمر منه شهوراً وربما سنواتٍ قبل أن يستوعب أنه صار عالقاً في نظام عبوديّةٍ مُحدَّث، وأن كرامته التي جاء إلى هذه البلاد لأجلها تبقى على المحكّ، وأن عليه أن يخوض كفاحاً مريراً على أساسٍ يومي كي يحافظ عليها.
كنت مرة في نقاشٍ مع جاري الجزائري بخصوص صعوبة إيجاد عمل بالنسبة للاجئين وخصوصاً أن السلطات لا تعترف بما يحملونه من شهاداتٍ وخبرات أتوا بها من بلدانهم الأصلية، فقال لي الجار:
“لا بأس، لماذا لا يأخذون أي عمل يُعرض عليهم؟ الفرنسيون يريدون أن يبدأ كل قادم جديد إلى بلادهم من تحت الحذاء”.
لم يقصد جاري أن يجرحني بكلامه، فهو رجلٌ عامي بسيط، وكان يريد بالفعل تقديم خلاصة تجربته، ولم أشك في أنه على حق، فالرجل مستوعبٌ جيداً للدائرة التي هو فيها ويتحرك من خلالها معتقداً أنه يبلي أحسن البلاء ما دام يأكل ويشرب ويجد المسكن الذي يؤويه. لكن الرجل لا يدرك أن دائرة “تحت الحذاء” التي يصفها ما هي إلا عبودية فاضحة تمارسها فرنسا في حقه وحق الغالبية الساحقة من البشر الذين وصلوا إلى هذه البلاد مضطرين. فاللجوء في فرنسا غير قائمٍ على مبادئ الرحمة، ولا الإنسانية، ولا حقوق الإنسان. واللاجئ سرعان ما يكتشف أنه يعيش في مجتمعٍ متوحش يحكمه المال والشركات وفيه هرمية سلطوية مقيتة تجرّد اللاجئ – بقوة القانون والوثائق الرسمية – من كل شيءٍ إلا عضلاته كي يقوم بالمهام التي تركها له الفرنسي وهي على الأغلب رعاية المسنين الذين تخلى عنهم أبناؤهم، أو كنس الطرقات في الأحياء “الراقية” التي يسكنها الفرنسيون، أو تقليم العشب في الحدائق العامة، أو فرز القمامة من أجل إعادة تدويرها، أو حتى العمل الشاقّ في معامل ليس لدى الفرنسيين مقدرة جسدية على العمل فيها.
أعرف مهندساً معمارياً تقدم إلى العمل في إحدى شركات البناء وهو يتقن اللغة ولديه خبرات تقنية وإدارية هائلة. وبعد مداولاتٍ طويلة مع مسؤولي التوظيف عرضوا عليه أن يوظفوه في الشركة كعامل حفريات كون شهاداته وخبراته غير معترف بها في فرنسا، ولأن لديهم شواغر كثيرة في مجال الحفريات. وسمعت عن كاتبٍ محترم يعيش في باريس قبِل العمل كعامل نظافة في البلدية بعد أن سدّوا كل فرص العمل والحياة في وجهه. ولو فكّر لاجئ بتدارك الأمر والتسجيل للدراسة في جامعةٍ فرنسية كي يعادل شهادته وخبراته فإن الدولة سرعان ما تقطع المساعدات عنه ما يجعله عرضةً للجوع والطرد من البيت الذي أُعطي له.
غالبية السوريين في فرنسا يكرهون العيش على المساعدات ويحبون العمل والكسب “الحلال.” حدثني شخص سوري من ذوي الشهادات العليا والثقافة الممتازة أنه لما يئس من إيجاد فرصة عملٍ مناسبة عزم على زيارة صديقٍ قديمٍ له يسكن في مدينة فرنسية بعيدة عنه، ويعيش في هذه البلاد منذ عشرين سنة، ويحمل شهادة دكتوراه من إحدى الجامعات المرموقة فيها. كان في نية الرجل أن يطلب نصيحة صديقه الدكتور بخصوص ورطته في اللجوء إلى هذا البلد وكيف له أن يحصل على عملٍ لائق يحسّن دخله ويحفظ كرامته. قال الرجل:
“سافرت بالقطار إلى المدينة التي يقيم بها صاحبي، وقصدت العنوان الذي أعطاني إياه وهو اسم مطعم يملكه. توقعت أن صاحبي مشغولٌ ربما في الإشراف على العمال ولا يقدر على أن يبرح المطعم. ولم يضايقني أنه لم يستقبلني في بيته.”
ولدى وصوله إلى العنوان تفاجأ الرجل بصاحبه يقف بمريولٍ أبيض مطروش بالدهن خلف سيخ شاورما هزيل داخل مطعم صغير جداً، حيث لم يكن هناك عمال ولا هم يحزنون. فصاحبه الدكتور لم يكن سوى مجرد معلم شاورما بائس؛ أو هكذا أرادت له فرنسا أن يكون. أضاف الرجل يتابع سرد قصته:
“لم يمنعني بؤس صاحبي من إثارة موضوع العمل معه وطلبت مشورته فنصحني بالاستثمار بمشروعٍ صغير مثله أو – إن لم أجد رأس المال – فعلي أن أنجب عدداً كافياً من الأولاد كي تزيد مستحقاتي من المساعدة الاجتماعية. قال صاحبي ما دام لديّ طفل أو طفلان سأعيش عمري مكسوراً للدولة. وإذا جاء الثالث ستزيد المساعدات ويحصل التوازن. لكني كي أعيش بدخلٍ كافٍ من المساعدات نصحني صاحبي أن أنجب أربعة أطفالٍ فما فوق.”
أعجبتني مروءة الشخص الذي حكى لي هذه القصة وأنكرت نصيحة صاحبه الدكتور/معلم الشاورما. فهذا رجل مثقف يحمل شهادة عليا من جامعةٍ فرنسية انحطت همته كي يستمرء العبودية في نفسه ثم يمضي يشجع الآخرين عليها. وكي لا نقسو كثيراً على صاحب النصيحة، فهذا الرأي شائعٌ بين اللاجئين ويتواصون به عموماً.
مؤسفٌ جداً أن ينظر الإنسان لعائلته بوصفها “مَفرَخة” للأطفال كي يعيش على المساعدات فهذا انحطاط دون مستوى الإنسانية بكثير يشجّع عليه نظام اللجوء في فرنسا والذي ليس هو في الحقيقة إلا آليةً لممارسة العبودية بطريقةٍ مُحدّثة بعد أن صارت العبودية محظورة بموجب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948. ففي نظام اللجوء الفرنسي المذكور، وبسبب نمط حياة المجتمع في ظل الرأسمالية المتوحشة، يصبح أولاد اللاجئين مجرد هدية عضلية لطبقة الأسياد، وقوة عمل كامنة للمستقبل يستحق الوالدان لأجلها أن يحصلا على الطعام والمسكن حتى وإن مكثا في البيت دون أي عمل. وعليه فاللاجئ إن لم يدخل في العبودية بنفسه سيكون قد كفلها لأولاده قبل أن يكبروا. فالأولاد في ظلّ ظروفٍ كهذه سيعيشون فقراء في مجتمعٍ رأسمالي عنصريّ يجردهم عندما يكبرون من كل مساواة حقيقية في الدراسة وفرص العمل، وسينتهي بهم دينهم وعرقهم ووضعهم الاجتماعي والمالي إلى المسار الذي تتوقعه فرنسا منهم؛ وهو المساهمة في الأعمال العضلية التي يأنفها الفرنسيون لكنها أساسية لدوران عجلة الاقتصاد واستمرار الحياة في بلدٍ عجوز يعاني التدهور السكاني والشلل النفسي والتآكل الأخلاقي.
تلفزيون سوريا
———————-
مسؤول أميركي: إدارة ترامب أبدت اهتمامها في عقد صفقات تجارية مع الحكومة السورية
ربى خدام الجامع
2025.03.12
أفاد مسؤولان أميركيان بأن واشنطن عملت على مدار أشهر لإقناع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالبحث عن سبل للتعاون مع الحكومة السورية الجديدة التي تولت السلطة في كانون الأول الماضي.
وكشف أحد المسؤولين الأميركيين لصحيفة “ميدل إيست آي” أن التدخل التركي كان جزءا من الترتيبات التي جعلت دعوة عبدالله أوجلان للقوات الكردية تأتي في سياق دفع قسد للانضمام إلى الحكومة السورية.
وأوضح المسؤول أن هذه الخطوة قد تعني تسليم السلاح وعدم السعي وراء الحكم الذاتي في المناطق التي تسيطر عليها قسد.
وأضاف أن إدارة ترامب كانت تسعى لعقد صفقات تجارية مع الحكومة السورية، تشمل الوصول إلى الموارد النفطية في شمال شرقي سوريا، كما أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب اهتماما بتطوير علاقات إيجابية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مما يجعل هذه الاتفاقية خطوة مهمة في هذا الاتجاه.
وخلال السنة الفائتة، أعلن وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أنه ينبغي على قوات سوريا الديمقراطية طرد جميع مقاتلي حزب العمال والانضمام إلى الدولة المركزية وذلك بهدف التوصل إلى حل سلمي مع أنقرة.
هذا وأعربت وسائل الإعلام والمحطات الإخبارية الموالية للحكومة التركية عن ابتهاجها بتوقيع الاتفاقية صباح يوم الثلاثاء، إذ أعلنت قناة TRT أن قسد خضعت لضغط تركي، في حين ذهبت صحيفة يني شفق التركية إلى القول بأن قسد وافقت على نزع السلاح.
ذكر مصدران تركيان مطلعان على طريقة تفكير الحكومة بأن الاتفاق بوسعه في نهاية المطاف تحقيق المطالب التركية، بما أنه لم يشر إلى أي حكم ذاتي أو أي دولة كردية فيدرالية ستقام في شمال شرقي سوريا، وذكر أحد المصدرين التركيين بأن الاتفاق: “يوحي إلى إمكانية قيام جيش سوري واحد موحد، بحيث يكون شمال شرقي سوريا جزءاً من دولة واحدة”.
في حين سارعت دول إقليمية مثل قطر والسعودية للترحيب بهذه الخطوة، تعين على تركيا التعليق بشكل رسمي على الموضوع، وذلك ما يعكس الحذر الذي تحس به أنقرة برأي المصدر التركي الثاني.
“نهاية مشروع الإدارة الذاتية”
من جانبه، وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أعلن دولت باهتشلي، زعيم الحزب القومي التركي الذي أطلق حواراً مع أوجلان حول حل حزب العمال الكردستاني، بأنه ينبغي على قسد حل نفسها بموجب الدعوة التي أطلقها أوجلان.
يذكر أن أوجلان يعامل معاملة الزعيم الأيديولوجي لدى وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبر الجناح المسلح المهيمن على قسد.
في حين ذكر المصدر التركي الثاني بأن أنقرة ستتابع الاتفاق من كثب لتضمن طرد قسد لقوات حزب العمال الكردستاني بحسب ما تعهد به عبدي على الملأ، وأن القوات الكردية ستنضم إلى وزارة الدفاع السورية بوصفها قطعات مفردة لا قوات منفصلة.
وتعليقاً على الاتفاق، قال عمر أوزكيجيكجي، وهو أحد كبار الخبراء المختصين بالشؤون الإقليمية لدى مركز أبحاث المجلس الأطلسي: “عبر توقيع هذا الاتفاق، أعلن مظلوم عبدي عن نهاية مشروع الإدارة الذاتية في سوريا، وبذلك خفف من غلواء إحدى أهم الأمور المثيرة لقلق تركيا على أمنها القومي… فمنذ انهيار نظام الأسد، تغيرت الديناميات الإقليمية بشكل كبير لصالح تركيا، وهذا ما عزز موقفها الجيوسياسي، إذ يبدو أن كل الحظوظ أصبحت تصب في صالح تركيا”.
الضغط الأميركي
إلى جانب الدعوة التي وجهها أوجلان، ثمة عامل آخر دفع عبدي إلى توقيع هذه الاتفاقية، ألا وهو الوساطة والضغط الأميركي الذي مورس على قسد، وذلك بحسب ما أعلنه دبلوماسيون وخبراء في الشأن الإقليمي، وفي ذلك مؤشر على أن واشنطن ستسحب قواتها من سوريا خلال وقت قريب على الأرجح.
إذ أعلن مسؤولان أميركيان أن واشنطن بقيت تعمل طوال أشهر على إقناع قسد بالبحث عن مساحات للتعاون مع الحكومة السورية الجديدة التي تولت زمام البلد في كانون الأول الماضي.
وذكر مسؤول أميركي رفيع أن تركيا تدخلت ورتبت أمور الدعوة التي وجهها أوجلان مقابل تشجيع واشنطن لقسد على التعاون مع الحكومة السورية والانضمام إليها، وعلق هذا المسؤول بالقول: “قد يعني ذلك وضع السلاح وعدم التفكير بالحكم الذاتي أو ما شابهه في المناطق التي يسيطر عليها الكرد”.
وأضاف المسؤول أن إدارة ترامب أبدت اهتمامها في عقد صفقات تجارية مع الحكومة السورية الجديدة، وتشمل تلك الاتفاقيات ما يخولها الوصول إلى الموارد النفطية في شمال شرقي سوريا.
وذكر ذلك المسؤول أيضاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبدى اهتماماً في إقامة علاقات طيبة مع الرئيس رجب طيب أردوغان، وتعتبر هذه الاتفاقية خطوة في ذلك الاتجاه.
غير أن واشنطن أعربت عن قلقها تجاه مسألة حماية السجون التي تؤوي مقاتلي تنظيم الدولة وأهاليهم، بالإضافة إلى احتمال أن يؤثر دمج قسد في الجيش السوري سلباً على القدرة على مجابهة تلك الجماعة المقاتلة.
غير أن أنقرة أسست خلال الأسبوع الماضي منصة جديدة مع لبنان والأردن والعراق وذلك بهدف مواصلة وتنسيق القتال ضد تنظيم الدولة، وأبدت دمشق استعدادها لتولي أمور تلك السجون، وهذا ما ورد في أحد بنود الاتفاق.
الخطر الإسرائيلي
من جهته، أخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يدعو كرد سوريا لرفض التعاون مع تركيا، وهذا ما أغضب أنقرة على وجه الخصوص، وهنا تقول غاليا ليندينشتراوس، وهي باحثة بارزة لدى معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل: “في حال صمود الاتفاق، فإن موقف تركيا سيصبح أقوى بكثير بما يسمح لها بالتحكم بالتطورات في سوريا، كما سيصعب ذلك على غيرها من الجهات الفاعلة أمر رسم شكل تلك التطورات… وعلى أية حال، كان من المبالغة بالنسبة لإسرائيل أن تعمل في تلك المناطق [أي في الشمال] ولهذا لم تتغير الأمور كثيراً من الناحية العملية”.
بيد أن ليندينشتراوس أضافت أن الدينامية تختلف في الجنوب السوري حيث ظهرت محاولات إسرائيلية جلية لتحديد شكل الأوضاع، فقد قصفت طائرات حربية إسرائيلية مناطق في الجنوب السوري عند توقيع الشرع للاتفاق مع عبدي عشية يوم الإثنين.
وثمة مخاوف أخرى من أن تكون الخطوة التي قام بها عبدي محاولة أخرى لكسب الوقت في أثناء انصراف انتباه الأطراف الأخرى لأمور أخرى.
وهنا يتذكر سهيل الغازي وهو باحث قديم في الشؤون السورية بأن قسد وعبدي التقيا بمنافسهما، أي المجلس الوطني الكردي، مرات كثيرة، من دون أن تتمخض تلك اللقاءات عن أي شيء، وأضاف: “ما يزال المجلس الوطني الكردي عاجزاً عن العمل في شمال شرقي سوريا، وقد تعرض أعضاؤه للاعتقال خلال فترة من الفترات، كما أن لغة العقد فضفاضة للغاية، بحيث يمكن لكل طرف أن يفسرها على هواه، ثم إن مسألة تشكيل اللجان ليست يسيرة، وهذه الخطوة وحدها تحتاج إلى بعض الوقت”.
تلفزيون سوريا
————————–
العقوبات وتأثيرها.. كيف قد تسهل الولايات المتحدة وأوروبا انهيار سوريا المقبل؟
ربى خدام الجامع
2025.03.12
أنهى سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول لعام 2024 قرابة 54 عاماً من حكم آل الأسد والحكم الديكتاتوري لسوريا، إذ قبل عشرة أيام على ذلك، شن تحالف لفصائل المعارضة المسلحة التي تمركزت في شمال غربي سوريا هجوماً سعى لإحكام السيطرة على الريف الغربي لحلب، بيد أن هذا التحرك العسكري الجسور والمنضبط تسبب بانهيار سريع على خطوط جبهات النظام تباعاً، وفي نهاية الأمر سقط نظام بشار الأسد كقصر من ورق، بعد أن اعتراه الفساد والتشتت وأفرغ من محتواه.
بعد مرور قرابة 13 عاماً على النزاع المضني الذي كان شعار نظام الأسد خلاله: (الأسد أو نحرق البلد)، تحقق كل ما قيل في ذلك الشعار بأبشع الطرق، غير أن الحرب السورية وضعت أوزارها بطريقة مفاجئة وفجة.
فقبل أسابيع على ذلك، أخذت مجموعة تضم عشر دول أوروبية تقريباً ترأستها إيطاليا تضغط بشكل كبير على الاتحاد الأوروبي من أجل إجراء مراجعة شاملة للسياسة المعنية بسوريا ومن أجل العودة للتعامل مع نظام الأسد، إذ بعد تقييم الأزمة السورية واكتشاف أنها وصلت إلى مرحلة جمود دائمة، أخذت إدارة بايدن تبحث في السر عن فرصة لعقد اتفاق يقضي بتخفيف العقوبات على نظام الأسد، وكان أساس كل ذلك هو أنه منذ ربيع عام 2023 طبعت معظم دول الشرق الأوسط علاقاتها مع الأسد بعد أن خلصت إلى أنه خرج من الحرب السورية منتصراً، وبأن الطريق الوحيد لحل كثير من الآثار الجانبية المترتبة على الأزمة السورية يعتمد على إشراك النظام نفسه في الحل.
ولكن، وفي غضون عشرة أيام، بدأت من 27 تشرين الثاني وحتى الثامن من كانون الأول، انقلبت على أعقابها تلك التقييمات الأساسية التي حددت نهج معظم دول العالم تجاه سوريا، إذ بعد سنوات من التنديد بأزمة اللاجئين المستعصية والتي ضغطت على اقتصاد الدول الإقليمية وأثارت حفيظة السياسات الشعبوية في أوروبا، فضلاً عن السخط تجاه تجارة المخدرات التي كانت تدر على النظام البائد مليارات الدولارات، وتواصل العنف واستمراره، وتزايد الاحتياجات الإنسانية، أخذ المجتمع الدولي يراقب من بعيد كيف هرب الأسد فجأة ففتح بذلك الباب أمام تطورات هائلة، إن لم تحمل تلك التطورات حلولاً لكل تلك المشكلات دفعة واحدة.
ولكن، في الوقت الذي كان رحيل الأسد بشرى خير بالنسبة لكثيرين، فإن الانتقال الذي ترتب على ذلك والذي حدث بسرعة في دمشق تم بإدارة عنصر فاعل لم يختره سوى قليلون للعب هذا الدور، وهذا العنصر ليس سوى هيئة تحرير الشام، التي كانت في السابق فرعاً لتنظيم القاعدة الذي تشكل على أعقاب سلفه أي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، فقد أتت الهيئة وزعيمها، أحمد الشرع، حاملين في جعبتهم كثيراً من الأمور.
غير أن الهيئة في عام 2025 هي نتاج لثماني سنوات من التطور المنطقي غير المسبوق ضمن العالم السلفي الجهادي، إذ بعد أن أعلنت عن فك ارتباطها بتنظيم القاعدة في أواسط عام 2016، تقبلت الهيئة وجود القوات العسكرية التركية في أراضيها، ووافقت ثم التزمت بوقف إطلاق النار لسنوات طويلة بضمانة روسية-تركية، ثم نجحت بالقضاء على تنظيم الدولة والقاعدة ضمن أراضيها، وخلال السنوات القليلة الماضية، دعمت الجماعة “حكومة الإنقاذ” المؤلفة من تكنوقراط في شمال غربي سوريا والتي وفرت الخدمات العامة بشكل أكبر وبكفاءة أعلى مقارنة بمناطق سورية أخرى، في الوقت الذي أخذت قياداتها تتواصل بالسر مع حكومات الدول الغربية وتتعامل معها، وذلك على المستويين الدبلوماسي والأمني، وخلال تلك السنين، تغير التوجه الأيديولوجي للجماعة بشكل نهائي بعيداً عن التوجه المحلي والعالمي، فتخلت عن “الجهاد” واعتنقت “الثورة”، والعلم الأخضر للانتفاضة الشعبية السورية.
وعلى الرغم من تلك التغيرات الملحوظة، لم يتوقع أحد لأحمد الشرع أن يقف في يوم من الأيام في القصر الرئاسي بسوريا وهو يرتدي بزة رسمية ويضع ربطة عنق في أثناء ترحيبه بوزراء خارجية الدول الأجنبية والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كما لم يتخيل له أحد أن يصعد على متن طائرات الدولة الخاصة ليزور السعودية وتركيا، وأن تصله دعوة من باريس عبر الرئيس إيمانويل ماكرون. إذ بعد سنوات من الدبلوماسية والاجتماعات السرية مع الدبلوماسيين في تركيا، اعتلى وزير خارجية الشرع أسعد الشيباني (المعروف باسم زياد العطار) منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بتاريخ الثاني والعشرين من شهر كانون الثاني ليشارك في جلسة نقاش وجهاً لوجه مع طوني بلير.
في الوقت الذي سارعت الحكومات الإقليمية وأوروبا للتعامل مع فريق أحمد الشرع بدمشق، كذلك فعلت إدارة بايدن، إذ كانت بربارة ليف، مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، أول من التقى بهذا الفريق في دمشق في العشرين من كانون الأول، وبحسب الأخبار، فإن المبعوث الرئاسي لشؤون الأسرى، روجر كارستينس، وكبير المستشارين الذي عين حديثاً، دانييل روبنشتاين، كانا حاضرين في ذلك الاجتماع، ولكن بحسب ما ذكرته ثلاث شخصيات رفيعة من هيئة تحرير الشام، حضر الاجتماع “جنرال أميركي” أيضاً، ووفقاً لما ذكروه، ولما جاء على لسان الشرع نفسه، فإن الجنرال انفرد بالشرع بنهاية الاجتماع ووصف له كيف راقب المعركة بأكملها “عبر المسيرات والأقمار الصناعية” ووصفها بأنها أكثر عملية عسكرية “تميزاً” و”تنظيماً” شاهدها في حياته، ثم أخرج من جيبه ميدالية وقدمها للشرع مهنئاً إياه على نصره.
التعاون مع أميركا
وخلال الأسابيع التي تلت ذلك الحدث، أقامت الولايات المتحدة علاقة استخباراتية رسمية مع العملية الانتقالية التي تترأسها هيئة تحرير الشام، وذلك عبر وزارة الداخلية التابعة لها (والتي يرأسها أنس خطاب، الذي كان أمير تنظيم الدولة في العراق على الحدود السورية العراقية)، والنخبة من الأمن العام، فكانت أكبر مخططات تنظيم الدولة ارتكاب مجزرة بالمسلمين الشيعة في مقام السيدة زينب بدمشق، غير أن الأمن العام أحبط تلك العملية بفضل الاستخبارات الأميركية إلى جانب إحباطه لما لا يقل عن سبع مخططات أخرى بحسب المقابلات التي أجريت في دمشق. وبعيداً عن المستوى الاستخباراتي، مايزال الجيش الأميركي يتواصل بشكل منتظم مع العملية الانتقالية التي تترأسها الهيئة، وينسق عمليات لمحاربة تنظيم الدولة في البادية السورية، مع تسهيل المفاوضات الدورية الشخصية التي تتم بين شركاء أميركا من قوات سوريا الديمقراطية وقيادات الهيئة في قاعدة الضمير الجوية القريبة من دمشق. هذا ولقد سمح الجيش الأميركي للقرار الصادر عن شركاء أميركا من الجيش السوري الحر الموجود في قاعدة التنف بقبول الاندماج ضمن العملية التي تترأسها الهيئة والتي تسعى إلى تشكيل قوات مسلحة جديدة في سوريا.
وحالياً، ماتزال العملية الانتقالية التي تجري في سوريا اليوم تحت إدارة مجلس الوزراء وفريق من المحافظين يتألف جله تقريباً من قيادات هيئة تحرير الشام وحلفائهم الإسلاميين، وعلى رأسهم حركة أحرار الشام والجبهة الإسلامية، وبالنسبة لمعظم السوريين في مختلف أنحاء البلد، فإن هذه الحكومة المؤلفة من “لون واحد” تعتبر مصدراً للقلق، بما أن التنوع الكبير الموجود بسوريا بقي بلا أي تمثيل.
ولكن، في الوقت الذي خرج علينا الرئيس المؤقت لسوريا الذي نصب نفسه بنفسه كشخصية من المشاهير، اكتشفنا بأن شعبيته الحقيقية تتجلى من خلال حواره مع السوريين القادمين من مختلف أنحاء سوريا، فقد نشأ الشرع وترعرع ضمن بيئة دمشقية من الطبقة الوسطى العليا وكان يدرس في مدرسة خاصة بمنطقة المزة التي يسكنها النخبة، ولذلك عاد الشرع لشخصيته القديمة التي تترك أثراً آسراً على الناس، كما تحولت زوجته وأطفاله إلى شخصيات عامة اليوم، إلى جانب إظهاره لحنكة سياسية مؤثرة وتكيفه السريع مع الوضع عند تعرضه لانتقادات، وهنالك من يقول أنه عين “مستشاراً متخصصاً بالأزياء” حتى يرتب له ما ينبغي عليه ارتداؤه.
صبر السوريين لن يستمر إلى الأبد
بيد أن البراغماتية والفطنة السياسية لن تمضي معه أبعد من ذلك عندما يواجه هول التحديات التي تشهدها سوريا، إذ يقع الاقتصاد المنهار في عين كل معضلة، بعد أن دمر أكثر من 50% من البنية التحتية الأساسية لسوريا، ونزح أكثر من نصف سكان البلد، وأصبح 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر وخسرت الليرة السورية 99% من قيمتها، وبلغت حدة الأزمة الاقتصادية أعلى درجاتها، كما أن المساعدات الأممية المخصصة لسوريا قد تراجعت بشكل كبير منذ رحيل الأسد، في وقت تضاعفت الحاجة للمساعدات وأصبحت أعلى مما كانت عليه في السابق. وبما أن الفرحة العارمة التي أعقبت سقوط الأسد جعلت الشعب يصبر لفترة أطول بوجود سلطات تصريف الأعمال الجديدة في سوريا، فإن هذا الكبت والصمود لن يستمر إلى الأبد، إذ تبدو الوعود الطامحة والتطمينات المكرورة جيدة، بيد أن تحقيق تقدم مطلوب بات أمراً واجباً.
وفي خضم هذا الجو السائد، أحكمت العقوبات الأميركية والأوروبية الخناق على رقبة سوريا، إذ خلال الأسابيع الأخيرة لبايدن في الرئاسة، أعلنت إدارته عن رخصة عامة تمتد لستة أشهر وتسمح للطاقة وللحوالات النقدية بالوصول إلى سوريا لفترة مؤقتة، ولكن بحسب ما ذكره بعض رجال الأعمال السوريين الموسرين والحكومات الإقليمية الساعية للاستثمار في سوريا، فإن تلك الإجراءات المؤقتة لم تقدم سوى القليل لتهدئة المخاوف القديمة وإزالة صفة الخطر عن الأوضاع داخل المؤسسات المالية التي باتت بحاجة لتسيير تلك الصفقات المالية. وفي تلك الأثناء، أوحت أوروبا بأنها منفتحة على فكرة تخفيف العقوبات طوال أسابيع، من دون أن تتخذ أي خطوات فعلية. ولهذا، فإن أي أمل ببدء الاقتصاد السوري باستعادة عافيته مايزال حلماً بعيداً عن التحقق.
معضلة قسد وحلها
وعلى مقلب آخر، كشفت الاجتماعات التي عقدت مؤخراً مع المجتمع المدني من مختلف أنحاء سوريا مدى تراجع شعبية قوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر على شمال شرقي سوريا بإجماع السوريين من مختلف القطاعات، إذ جرى الحديث عن “احتلال” قسد لأراض سورية، و”سرقتها” للموارد الطبيعية في البلد (أي النفط والغاز والموارد الزراعية) كمشكلة تحتاج إلى حل فوري، ويفضل أن تحل بصفقة دبلوماسية أو بعمل عسكري إن لزم الأمر.
غير أن قسد ذات الغالبية الكردية عرض عليها الحصول على حقوق كاملة للمجتمع الكردي، كما عرض عليها أن تصبح الكردية اللغة الرسمية الثانية لسوريا، وأن تحظى قسد بتمثيل في جميع الجهات الحكومية الانتقالية، ولكن شريطة تسليم الموارد الموجودة ضمن المناطق الخاضعة لسيطرتها إلى دمشق، والأهم من ذلك أن تحل قسد نفسها وأن تضع مقاتليها الذين يقدر عددهم بالآلاف وبشكل كامل تحت إمرة القوات المسلحة الجديدة لسوريا، على أن يجري توزيع المقاتلين لتأدية خدمتهم في مختلف أنحاء البلد. وبعد أسابيع من مواصلة المحادثات وتوقفها ثم متابعتها من جديد، تم التوصل أخيراً إلى اتفاق بين قسد ودمشق في العاشر من آذار، وقعه في العاصمة السورية أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، وينص هذا الاتفاق على اندماج قسد ضمن الحكومة المؤقتة وتحت إمرتها. وفي الوقت الذي سيحتاج التنفيذ الكامل لبنود الاتفاقية إلى وقت، وفي الوقت الذي ماتزال كثير من العوائق تقف في الطريق، تحولت الاتفاقية إلى مصدر للاحتفال في عموم سوريا، كما أنها تعتبر إنجازاً مهماً للغاية بالنسبة للجيش الأميركي الذي بقي جزءاً لا يتجزأ من المفاوضات والاتفاقية.
احتمال الانهيار السوري الثاني
ومع تقدم العملية الانتقالية في سوريا، ظهرت أمامها تحديات جسيمة، إذ بالنسبة للمجتمع الدولي، فإن ضمان نجاح العملية الانتقالية يجب أن ينظر إليه على أنه فرصة تاريخية لإعادة رسم شكل الشرق الأوسط ولتوجيه ضربة قاصمة للأجندة الإقليمية الثورية التي تحملها إيران، ولكن في الوقت الذي تستعد المنطقة برمتها لتقديم دعم كبير لسوريا المدمرة التي أضحت بحاجة ماسة للمساعدة، ماتزال أوروبا بطيئة في هذا المضمار، أما إدارة ترامب فغائبة تماماً. ثم إن الحرية التي اكتشفتها سوريا منذ مدة قريبة قد تتعرض لمشكلات معقدة، وخاصة فيما يتصل بالدور القيادي الذي تلعبه هيئة تحرير الشام، غير أن الوقت ليس لصالح سوريا، ناهيك عن أن الوقت يمر بسرعة كبيرة. لذا في حال عدم رفع العقوبات، عندئذ يحق لنا أن نتهم الولايات المتحدة وأوروبا بتسهيل عملية الانهيار المحتمل بما سيفتح فصلاً آخر من فصول النزاع المرير وانعدام الاستقرار في سوريا.
وقد لمح العالم والشعب السوري شكل الانهيار الثاني في مطلع آذار من هذا العام، وذلك عندما تسببت الهجمات غير المسبوقة التي شنها مسلحون علويون موالون للأسد في إحدى الليالي بوقوع عنف مريع طوال يومين قتل خلالهما مئات المقاتلين والمدنيين في كل من اللاذقية وطرطوس. وتشير الأدلة الأولية التي تشتمل على محادثات تم اعتراضها ووثائق جرى ضبطها، إلى احتمال أن يكون لإيران دور في الهجمات الأولى، والتي كان هدفها الواضح إثارة حالة مجنونة من القتل بدافع الانتقام والثأر. وفي الوقت الذي عبرت محاولة الحكومة المؤقتة تشكيل لجنة تحقيق وآليات لإحقاق العدالة عن أولى البوادر الطيبة، فإن عجزها في السيطرة على الأحداث واحتمال تواطؤها في بعض الجرائم يمثل تهديداً وجودياً لحكمها. وفي الوقت الذي تتوق الغالبية الساحقة من السوريين للاستقرار، فإن وجود هؤلاء الأشخاص الحريصين على الرجوع إلى حالة الفوضى يجعل مستقبل البلاد في وضع متقلب لا يمكن لأحد أن يتوقع إلى أين سيفضي.
المصدر: Hoover Institution
تلفزيون سوريا
——————————
إيران في سوريا بعد الأسد: محاولات يائسة لاستعادة النفوذ وعودة إلى سياسة الفوضى
2025.03.12
إسطنبول – حسام الملحم
مع سقوط نظام بشار الأسد في 8 من كانون الأول 2024، لم تستوعب إيران الصدمة. فالحدث الذي أفرح الشعب السوري وخلّص المنطقة والإقليم من نظام حكم دموي عاش لعقد ونصف على تجارة المخدرات، أقلق إيران وأخرج سوريا من فلكها ومن محورها، ودمّر مشروعها الذي عملت على إطالة حكم بشار الأسد في سبيله، لتنتقل طهران من العمل العلني إلى الاشتغال في كواليس المشهد السوري.
ومنذ الأيام الأولى لإسقاط الأسد والإطاحة بمنظومة حكمه، لم تقدّم إيران رسائل إيجابية تجاه دمشق، فاتهم رأس الهرم فيها، المرشد علي خامنئي، أمريكا وإسرائيل وتركيا بالتخطيط للأحداث التي أسقطت الأسد، وقال: “إن ما جرى في سوريا كان لدولة مجاورة (في إشارة إلى تركيا) دور واضح فيه، لكن أمريكا وإسرائيل هما السبب الرئيس لذلك”.
كما اعتبر أن قوى المعارضة السورية تسعى لاحتلال سوريا، مضيفاً أن المقاتلين (في إشارة للفصائل السورية المعارضة) يسعون إلى احتلال الأرض من شمال سوريا إلى جنوبها، في الوقت الذي تسعى فيه إيران لترسيخ وجودها في المنطقة، مهدداً باستعادة “الشباب الغيور” لـ”المناطق المحتلة”.
وفي وقت لاحق، وصف خامنئي انتصار الثورة السورية بـ”الفوضى”، وتوعد بهزيمة إرادة الشعب السوري الذي أسقط الأسد، وقال: “ليس لدى الشاب السوري ما يخسره، فماذا يفعل؟ يجب عليه أن يقف بإرادة قوية أمام أولئك الذين خططوا ونفذوا لهذه الحالة من انعدام الأمن”.
التصريحات الإيرانية هذه قابلها رفض رسمي من دمشق لأول مرة منذ عقود، جاء على لسان وزير الخارجية أسعد الشيباني، الذي حذّر إيران من نشر الفوضى في سوريا، ودعاها لاحترام إرادة السوريين وسيادة سوريا. كما قوبلت برفض عربي جماعي اعتبر التصريحات الإيرانية تجاه سوريا تأجيجاً للفتن بين أبناء الشعب السوري.
تلويح بحرب أهلية في سوريا
ورغم أن طهران خففت دبلوماسياً من لهجتها ضد دمشق، حين تحدث وزير خارجيتها عن أن القرار بشأن مستقبل سوريا مسؤولية السوريين وحدهم، عادت إيران إلى سيرتها الأولى بضخ التصريحات العدائية حيال دمشق على لسان مسؤولين عسكريين في “الحرس الثوري الإيراني”، وصولاً إلى تصريحات مستشار خامنئي للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، الذي قال في 4 من آذار: “إن هناك احتمالية لاندلاع حرب أهلية في سوريا في أي لحظة”، كما تحدث عن أدلة تراها إيران تشير إلى وجود مقدمات لتفكك الدولة السورية، من منظوره.
الموقف الإيراني من دمشق لم يقابل برفض سوري وعربي فقط، إذ انتقد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، نهج إيران في إدارة السياسة الخارجية عبر ميليشيات في دول إقليمية، واصفاً إياها بأنها “سياسة عالية المخاطر”، وتفرض أعباء هيكلية كبيرة على المدى الطويل على النظام الإيراني والمنطقة. ما قابله رد إيراني غير ودي، ودعوة علي أكبر ولايتي للمسؤولين الأتراك للالتزام بـ”الآداب الدبلوماسية”، على اعتبار أن طهران “لن تصمت أمام مبالغات أنقرة”، وفق قوله.
وفي خطوة تصعيدية إضافية، استدعت الخارجية الإيرانية السفير التركي في طهران للاحتجاج على تصريحات فيدان، بعدما وصفتها بأنها “غير بناءة للغاية”، لترد أنقرة باستدعاء القائم بالأعمال الإيراني لديها.
إيران لن تتوقف عند هذا الحد، وهي مسألة متوقعة سياسياً، وحذّرت منها الولايات المتحدة لمرتين في شباط، على لسان القائمة المؤقتة بأعمال الممثل الدائم لها في مجلس الأمن، دورثي شيا، التي حذّرت في 22 من شباط الماضي من محاولات طهران إعادة ترسيخ نفوذها في سوريا، وقالت: “إن مؤشرات تحذيرية لنفوذ إيران الخبيث وعزمها على إعادة ترسيخ وجودها في سوريا واضحة”.
كما قالت شيا أمام مجلس الأمن في 12 من الشهر نفسه: “نحن نشعر الآن بالقلق إزاء التقارير التي تتحدث عن تشكيل مجموعات جديدة في سوريا تحرض على العنف، بما في ذلك من خلال محاولة جر إسرائيل إلى صراع مباشر، وتتحدث التقارير عن أن هذه المجموعات تتلقى الدعم المالي واللوجستي من إيران، حتى بعد مغادرة هذه الأخيرة للبلاد”.
عودة إلى “لغة الميليشيات”
وخلال الفترة الماضية، تشكّلت عدة ميليشيات مسلحة خارجة عن القانون في الساحل السوري، تدين بالولاء للنظام السابق، وعملت على ضرب السلم الأهلي واستهداف قوات الأمن العام التابعة للحكومة السورية، من خلال كمائن غادرة، وصولاً إلى إعلان إيران ومباركتها تشكيل ما قالت إنه “جبهة المقاومة الإسلامية” في سوريا، تحت مسمى “أولي البأس”.
وإلى جانب أن شعار الميليشيا المذكورة قريب بالشكل من شعارات كل الميليشيات التي شكلتها إيران في المنطقة، فالفصيل اتخذ لنفسه ذات الاسم الذي أطلقه أمين عام “حزب الله” اللبناني، نعيم قاسم، على المعركة مع إسرائيل، إثر اغتيال الأمين العام السابق، حسن نصر الله.
وسائل إعلام إيرانية، منها وكالة “مهر”، نقلت عن القائد العام لـ”الجبهة”، دون أن تسميه، أن هذه الخطوة “رد فعل طبيعي وشرعي لمواجهة محاولات التقسيم والتهجير التي تتعرض لها البلاد”.
كما ذكرت أن “الجبهة خرجت من رحم الشعب السوري لمواجهة أي محاولات للمساس بأمن البلاد في ظل غياب القوى السياسية والاجتماعية التي كانت تدير سوريا سابقاً”، ما يضع إيران في حالة إنكار ورفض اعتراف مستمر بالإدارة السورية الجديدة، في خطوة تتعارض مع مخرجات اجتماعات الرياض الدولية بشأن سوريا، ومؤتمر باريس الدولي بشأن سوريا، حين نصّ بياناهما الختاميان على دعم الحكومة الانتقالية في سوريا، ودعم عملية الانتقال السياسي وصولاً إلى حكومة تشاركية تمثّل مختلف أطياف الشعب السوري.
وفي 6 من آذار، بدأت فلول نظام الأسد والميليشيات المشكلة تحت نفس الراية باستهداف أرتال لقوات الأمن السوي الحكومي في الساحل السوري أوقعت خلال يومين أكثر من 100 قتيل من عناصر الأمن، ما قابلته الحكومة بإطلاق حملة أمنية ما تزال مستمرة لتطهير المنطقة من الفلول بعد حالة الفوضى التي سببوها على المستوى الإنساني والخدمي.
ويرى المحلل السياسي العراقي المقيم في واشنطن، هيثم هيتي، أن بقايا محور إيران في المنطقة لها دور كبير في العملية ضد الحكومة الجديدة في سوريا، رداً على سرعة إثبات الحكومة الجديدة نفسها وظهورها بصورة إيجابية جداً، أمام العرب والمجتمع الدولي، فجاءت هذه الخطوة لتوريط الحكومة السورية بأعمال بشعة نوعاً ما في سبيل تشويه صورتها وإسقاط الصورة الإيجابية التي كونتها في ثلاثة أشهر.
وقال المحلل السياسي لموقع “تلفزيون سوريا”، إن إيران الآن لا تقبل أن تكون سوريا بالكامل محط نفوذ تركي، ما يعني دعم طهران لـ”قسد” أو الفلول، فإن لم تحصل على كل سوريا، فيمكن من منظورها أن تحصل على جزء عبر سعيها إلى زعزعة الوضع، أو فدرلة سوريا، رداً على تركيا، وهي خطوة تحمل مخاطر لإيران في الوقت نفسه.
استقرار سوريا يهدد مصالح إيران
الباحث السياسي المختص بالشأن الإيراني وقضايا الشرق الأوسط، وجدان عبد الرحمن، أوضح لموقع “تلفزيون سوريا” أن سوريا كانت العمق الاستراتيجي الأهم لإيران، وفقدان السيطرة عليها يُشكل ضربة قوية لاستراتيجيتها الإقليمية. فسوريا هي الممر الأساسي برياً الذي يسمح لطهران بتزويد “حزب الله” بالسلاح، وتعزيز نفوذها في المنطقة عبر التمويل، وحتى من خلال تجارة المخدرات مثل “الكبتاغون”، الذي كان يُصنع في سوريا ويمثل مصدر دخل مهم لتمويل أنشطتها، ما يجعل خسارة سوريا خسارة كبرى للنظام الإيراني، ولهذا لن تسمح طهران بوجود استقرار حقيقي في سوريا، لأن استقرارها لا يخدم مصالحها، ويهدد نفوذها الإقليمي.
كما أن الوجود الإيراني في المنطقة مبني على خلق الفوضى وعدم الاستقرار، لأنه كلما استقرت الأوضاع في الدول المجاورة، زادت الضغوط على الداخل الإيراني، ما قد يؤدي إلى نقل المعركة إلى داخل إيران نفسها. لذلك، من المتوقع أن تواصل إيران محاولاتها لإعادة فرض نفوذها في سوريا، سواء من خلال الميليشيات التابعة لها أو عبر عرقلة أي حلول سياسية حقيقية.
وبالنسبة لتقديم إيران تصريحات دبلوماسية قبل العودة للهجة التهديد، بيّن الباحث أن تضارب التصريحات جزء من النهج السياسي لطهران منذ تأسيس “الجمهورية الإسلامية” ولا يقتصر على الخلاف بين المؤسستين السياسية والعسكرية، بل يمتد إلى داخل كل منهما، لتظهر تصريحات متناقضة بين السياسيين أنفسهم، وبين القيادات العسكرية أيضاً، دون أن يعني ذلك تبايناً في مراكز القرار، على اعتبار أن المادة 110 من الدستور الإيراني تنص على أن المرشد الأعلى هو واضع السياسات العامة للدولة داخلياً وخارجياً، وصاحب الكلمة الأخيرة في القضايا الاستراتيجية.
وبناء على ذلك، فما يبدو تضارب تصريحات هو جزء من تكتيك سياسي إما للمناورة أو لتمرير رسائل متعددة لجهات مختلفة.
وطالما اعتمدت إيران على الميليشيات التابعة لها في سوريا ولبنان وأذرعها في سوريا لتنفيذ أجندتها الإقليمية، لكن مع التراجع الحاد في قوة هذه الميليشيات تراجع تأثير إيران وتحديداً داخل سوريا، حيث لم يتبقى لها سوى بعض الخلايا المتفرقة التي لا تستطيع فرض واقع جديد.
الحملة الأمنية والعسكرية ضد فلول النظام أنهتها وزارة الدفاع السورية في 10 من آذار، وكانت هجوم الفلول والحملة التي أعقبته 803 قتلى، بينهم 172 عنصراً من قوات الأمن العام و211 مدنياً، قتلوا بإطلاق نار مصدره فلول الأسد.
وتخلل الحملة انتهاكات من قبل أفراد عسكريين دفعت الرئيس السوري إلى تشكيل لجنة تقصي حقائق، وأخرى للسلم الأهلي.
وفي مقابلة أجراها مع وكالة “رويترز” في 10 آذار، حمّل الرئيس السوري، أحمد الشرع، الفرقة العسكرية التي كان يقودها ماهر الأسد شقيق بشار (الفرقة الرابعة) ودولة أجنبية متحالفة معها، المسؤولية عن إراقة الدماء في الساحل السوري.
ورغم أن الشرع لم يذكر إيران بالاسم، لكنه أشار إليها بأنها جهة تضررت من التغيير الذي جرى في سوريا، وليس هناك خسارة بحجم خسارة إيران بعد سقوط النظام وفرار بشار الأسد.
مع سقوط نظام الأسد وخروج ميليشيات إيران عن الخدمة في سوريا، باستثناء من تحاول دعمهم في الساحل أو شمال شرقي سوريا، انقطع الطريق البري بين ميليشياتها في العراق ولبنان. وهذا يعني بالضرورة قطع خط الإمداد الإيراني عبر البر لـ”حزب الله”، كما أن الخيار الجوي غير متاح طالما أن مطار رفيق الحريري في بيروت تحت أنظار إسرائيل. وبالتالي، فالتركيز على الساحل السوري يعني تركيزاً على طريق بحري تتمناه إيران، فالبر مغلق، ولا وجود لقبول شعبي أصلاً لإيران في الأراضي السورية، حيث يعتبرها الشعب السوري شريكة للأسد بالقمع والقتل والتدمير عبر أذرع طائفية حاولت من خلالها تغيير صورة البلاد على مختلف المستويات، وهو ما نسفه بلمح البصر انتصار الثورة في سوريا.
تلفزيون سوريا
————————————-
مجموعة الأزمات: في خضم كل المخاطر سوريا ما تزال تتحسس طريقها بعد سقوط الأسد
ربى خدام الجامع
2025.03.12
تواجه الحكومة السورية المؤقتة أكبر تحد لها منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، إذ في السادس من آذار، نفذت قوات شبه عسكرية موالية للنظام المخلوع هجمات نسقت لتنفيذها سلفاً ضد قوات الأمن العام في كل من جبلة وبانياس على ساحل المتوسط، فدفع هذا الهجوم إلى قيام هجوم مضاد سريع وفوضوي شنته قوات الأمن وغيرها من الفصائل المسلحة التي تدعم الحكومة، وهكذا وقعت اشتباكات عنيفة في كل من اللاذقية وطرطوس وحماة وأسفرت عن كثير من القتلى بين صفوف قوات الأمن، إلى جانب مقتل عدد كبير من المتمردين الجدد، وفي الوقت الذي لم يتم التحقق من أعداد القتلى بدقة، تشير التقارير إلى مقتل مئات المدنيين أيضاً في تلك الأعمال الوحشية الصادمة التي شملت إعدامات ميدانية نفذتها بعض العناصر التابعة للحكومة. ويبدو بأن جميع الضحايا المدنيين من الطائفة العلوية التي تنتشر في مدن الساحل السوري وقراه، أي للطائفة التي تنتمي إليها عائلة الأسد، كما أن معظم المجندين في جيش النظام البائد ومخابراته منها.
تعتبر هذه المرحلة مرحلة خطرة لبلد يعاني الأمرين وهو يحاول الخروج من الحكم الاستبدادي لنظام الأسد والحرب المدمرة التي امتدت لعقود، وينطبق الأمر ذاته على الحكومة المؤقتة التي يتعين عليها أن تكون موضع ثقة للشركاء الأجانب، حتى يرفعوا عنها العقوبات التي أصابت اقتصاد البلد في مقتل، إلى جانب إقناعهم بمساعدتها في إعادة الإعمار. فالسلطات الجديدة تُقلق سوريين ومن هم في الخارج، ولا يمكنها تحمُل تبعات جرائم جديدة تنفذ بحق الشعب السوري. ولهذا أعلن الرئيس المؤقت أحمد الشرع بأن حكومته ستحاسب: “كل من تورط في سفك دماء المدنيين” وأضاف بأنه: “لا أحد فوق القانون”، ولذلك ينبغي على دمشق أن تتحرك بسرعة وبشكل حاسم فتفصل العناصر المسلحة المتهمة بارتكاب فظائع من الخدمة الفعلية مع ضمان بقاء أشد عناصرها انضباطاً في المناطق الحساسة، كما ينبغي عليها أن تقوم وعلى الفور بكبح جماح جميع الفصائل المسلحة وضمها جميعاً تحت لواء قيادة صارمة، وأن تعقب ذلك بخطوات أولية لإقامة عدالة تقوم على الشفافية وتعمد لمحاكمة المتهمين بارتكاب أعمال القتل الأخيرة وكذلك أي مرتكب لأي جريمة قد تحدث مستقبلاً، وينطبق الأمر ذاته على الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد وغيره خلال الحرب، إلى جانب التنسيق من أجل إجراء حوار يمكن للسوريين من مختلف المشارب أن يناقشوا من خلاله مخاوفهم وأولوياتهم مع السلطات ومع بعضهم بعضاً، على أن يكون هذا الحوار أشد مصداقية وأوسع مشاركة من الذي يجري التحضير له اليوم.
التوتر الذي وصل إلى ذروته
إن اندلاع العنف في السادس من آذار أوصل التوتر الذي كان يحتدم شيئاً فشيئاً طوال أشهر إلى ذروته وذلك ضمن أجزاء من الساحل السوري والمناطق الرئيسية الموجودة فيه حيث يعيش معظم أبناء الطائفة العلوية. إذ بعد انهيار نظام بشار الأسد، تعهد قادة العلويين بدعم الحكومة الانتقالية التي تترأسها هيئة تحرير الشام الإسلامية. وبالمقابل، تعهدت الهيئة بحماية الطائفة من كل من يسعى للانتقام من أجل المظالم التي وقعت خلال حقبة الأسدين. ولكن القلق ظل يساور أغلب العلويين الذين جندوا بأعداد هائلة ضمن قوات النظام، وكان الأسد يستعين بهم على الدوام كوقود للحرب، ولهذا اعتقدوا بأنهم جميعاً سيجبرون على دفع ثمن ما نفذه النظام البائد من أعمال تخريبية، كما خافوا أن يحرموا من مقدرات البلد الاقتصادية ومن المشاركة السياسية في ظل القيادة الجديدة.
قبل العنف الذي قام في بداية آذار في كل من اللاذقية وغيرها، رشحت أخبار حول حدوث هجمات متفرقة استهدفت علويين وجرى تداول ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومعظم تلك الأخبار نشرتها حسابات يديرها معارضون للسلطات الجديدة، ولكن من الصعب التحقق من صحتها. وبعض مقاطع الفيديو التي نشرت إما أعيد تدويرها كونها حدثت في زمان أو مكان آخرين، أو أنها مجرد فبركات صريحة، ويرى البعض بأن بعض تلك الحوادث وقعت بالفعل، ومن الواضح بأنه لا يوجد انضباط أو قيادة أو تحكم بين بعض العناصر التابعة لقوات الحكومة، وخاصة تلك العناصر التابعة لفصائل مسلحة أخرى غير الهيئة والتي أصبحت تتبع للحكومة الآن.
بيد أن تواصل تلك الحوادث واستمراريتها غذى الإحساس بانعدام الأمان، وخلق تهديداً وجودياً بين عدد من أفراد الطائفة العلوية الذين بلغ منهم التوتر كل مبلغ بعد الانهيار المفاجئ لنظام الأسد. فأصبح العلويون أشد قلقاً من غيرهم، نظراً للدور الذي لعبه كثير منهم في جيش النظام البائد ومخابراته والقوات الرديفة له والتي انحلت إثر انهيارها، بما أن عناصر تلك القوات لم تعد تحصل على راتب من الدولة، ثم إن التوتر الكبير الذي تحس به الطائفة العلوية تجاه نوايا الحكومة الجديدة سمح لأصوات موالية للأسد بأن تردد أفكارها بين أبناء الطائفة، وبعض هؤلاء الموالين تمنوا للنظام البائد بأن يعود، في حين أن بعض الضباط وقادة الميليشيات السابقين حافظوا على علاقاتهم مع الجماعات المسلحة الموجودة خارج سوريا، وعلى رأسها حزب الله في لبنان، والدول الأجنبية مثل إيران. ولهذا ولكل تلك الأسباب مجتمعة، توفرت ظروف قيام تمرد واستمراره، وخاصة في المنطقة الجبلية الممتدة على الساحل السوري.
نظام جديد يسعى لتحقيق الاستقرار
إن ظهور تمرد منظم يهدد جهود هيئة تحرير الشام في ترسيخ سيطرتها وحكمها ونشر الاستقرار في سوريا بما يساعد هذا البلد الذي مزقته الحرب وأفقرته على إعادة البناء. إذ عندما وصلت الهيئة إلى دمشق في مطلع شهر كانون الأول الماضي، كان تعداد مقاتليها قد وصل إلى ثلاثين ألفاً، في حين أن بقية فصائل الثوار مجتمعة كان لديها نحو ثمانين ألف مقاتل، ومعظم هؤلاء المقاتلين ينتمون إلى الجيش الوطني السوري الذي تدعمه تركيا، وهو عبارة عن مجموعة من الميليشيات التي تتفاوت في انضباطها ولا تجمعها قيادة موحدة. فما كان من الحكومة المؤقتة إلا أن عدلت وضع الجماعات التابعة لها وحشدتها تحت لواء الهيئة ضمن ما يعرف بعملية الدمج الجديدة للأمن العام، وسعت لنشر قطعات تلك القوات في مختلف أنحاء المناطق التي تسيطر عليها من سوريا، مع سعيها في الوقت ذاته لتجنيد متطوعين جدد، وإعادة فلول عساكر النظام وعناصره الأمنية إلى بيوتهم من دون أن تدفع مستحقاتهم. وهكذا أصبح بوسع قوات الأمن العام الجديدة أن تنتشر بسرعة في مناطق عدة بالبلد، وخاصة في العاصمة وكبرى المدن مثل حلب وحماة، فأعادت الثقة بها وحافظت على الهدوء في تلك المناطق، غير أن العساكر الجدد الذين لم يتلقوا سوى الحد الضئيل من التدريب، لم يكن لهم دور فاعل في المناطق التي فرزوا إليها، وعلى رأسها حمص. كما أن معظم الفصائل المسلحة واصلت نشاطها بشكل شبه مستقل عن قيادة الأمن العام.
في المناطق التي تعرض الأمن العام لضغط شديد، مثل حمص المدينة والريف، إلى جانب ريف حماة، أخذت الاضطرابات تستعر منذ سقوط الأسد، فقد خلفت الحرب إرثاً ثقيلاً من العنف الطائفي في تلك المناطق التي تتسم بتنوعها السكاني الكبير، واليوم، شهدت حالات قتل انتقامية عديدة، إلى جانب حالات الخطف، التي كانت من أجل فدية في بعض الأحيان، ما خلق إحساساً بالغضب العارم بين عامة الناس، ولم يتضح الدافع وارء كل عملية عنف، بيد أن العلويين كانوا الطرف الذي تلقى معظم تلك العمليات، بما أن أغلبها وقع في الساحل وفي حمص أو حماة. ولذلك أضحت السلطات الجديدة في دمشق تعاني وهي تحاول إعادة الأمان للشارع، إما بسبب عدم توفر إمكانيات لديها لتحقيق ذلك أو بسبب عدم قلقها حيال ذلك، وهذا ما أسهم في تغذية الإحساس باضطهاد الدولة وظلمها بين صفوف العلويين بشكل خاص.
وإلى جانب العنف، تلوح قضية مستقبل العلويين في الدولة السورية الجديدة، فقد سعت قوات الأمن التابعة للحكومة المؤقتة للتخفيف من مخاوف الطائفة عندما قدمت نفسها بأنها ليست طائفية، وخلال حملات الاعتقال التي نفذها الأمن العام، سعى للقبض فقط على الأشخاص المتورطين بجرائم لصالح نظام الأسد البائد. أما عملياً، فقد كان لدى العلويين مبرر للشك بتلك التطمينات، لأنهم تعرضوا لإقصاء كبير من الأطر السياسية والعسكرية الجديدة على سبيل المثال، كما لم تقدم الحكومة أي خطة لإدماج من سرحوا من العساكر في جيشها الجديد، وعللت ذلك بالجروح الغائرة التي خلفتها الحرب بالإضافة إلى رفض معظم مقاتلي الثوار للخدمة إلى جانب أعدائهم السابقين. وقد خشي معظم الشارع السوري من توظيف ضباط النظام السابقين أو مسؤوليه الحكوميين الذين يعتبرونهم عناصر مكنت النظام البائد من ممارسة عنفه المفرط. ويعتبر انعدام الأمان على المستوى الاقتصادي تحدياً هائلاً هو أيضاً، إذ في الوقت الذي أضر تسريح أعداد هائلة من الموظفين بالقطاع الحكومي الشعب بكامله، كان العلويون أشد من تضرر ضمن النصف مليون الذين سرحوا من القطاع الأمني، إذ خسر غالبيتهم السكن الذي قدمته له الدولة، كما تعرضت زوجات ضباط الأمن اللواتي وظفن في القطاع العام للطرد أيضاً، لأنهن اعتبرن مذنبات هن أيضاً أو غير جديرات بالثقة نظراً لارتباطهن بأزواجهن.
وسرعان ما تحولت المظالم المترتبة على ذلك والإحساس بانعدام الأمن إلى عنف، فخلال أول شهرين من حكم الحكومة المؤقتة، بدأت فلول نظام الأسد التي لجأت إلى المناطق الجبلية، وأغلبها علوي، والقريبة من الساحل، بشن هجمات على قوات الأمن الجديدة في محاولة صريحة لإبداء حالة انتقام قاسية قد تدفع أهالي المنطقة إلى الوقوف في صفهم. ففي الثالث من آذار مثلاً، قتل متمردون عنصرين من الأمن العام في هجوم مباغت على حي الدعتور باللاذقية، ما دفع السلطات إلى شن عملية للقبض على الجناة الذين قتلوا أربعة مدنيين. وعموماً، فإن الجهود التي بذلوها لاستدراج الأمن العام وكسب تأييد الشارع لم تحقق سوى نجاحات محدودة، بما أن أهالي المناطق العلوية تعاونوا في أغلب الحالات مع قوات الأمن بدلاً من أن يحموا المتمردين. ومع ذلك أصبحت حركة التمرد الناشئة أشد تنظيماً، فنفذت عدداً أكبر من الهجمات التي وصلت إلى ذروتها في أحداث السادس من آذار.
دفعت هجمات المتمردين إلى قيام تعبئة عامة في عموم البلد وذلك لعناصر الحكومة إلى جانب العناصر الفاعلة المسلحة الموالية لها والتي تعمل على ما يبدو خارج سيطرة حكومة دمشق، فردت تلك القوات بشكل خطر وبوحشية كبيرة، وأخذت تتبادل إطلاق النار مع المتمردين الذين واصلوا عمليتهم، غير أن تلك القوات قتلت مدنيين في مدينة بانياس على الساحل السوري القريبة من مدينة اللاذقية، وكذلك في قرية المختارية الواقعة على الطريق الدولي بين اللاذقية وحلب، إلى جانب مناطق أخرى. فما كان من قوات الأمن العام الخاضعة لسيطرة دمشق إلا أن اتخذت خطوات بناءة في بعض المناطق، وذلك عندما عمدت مثلاً لحماية أحياء العلويين في مدينة حمص عبر تشكيل جدار بشري لصد كل من يحاول الانتقام، لكنها فشلت في مناطق أخرى في منع وقوع المجازر التي ارتكبت باسم الحكومة.
اللعب بالنار
قد يتعرض النظام السوري الجديد لمعضلة حقيقية في حال لم تفكر الحكومة المؤقتة بطريقة للتعامل بشكل أفضل مع التمرد الذي زاد ضدها، بعد أن أثر العنف بشكل سلبي حتى الآن على مكانة الحكومة في الداخل والخارج، كما شككت القوى الإقليمية بالسلطات الجديدة، وعلى رأسها إيران وإسرائيل، بما أن لدى كل منهما أجندتها الخاصة بسوريا، ومن المرجح لكلتيهما أن تعتبر تدهور الأوضاع في سوريا بمثابة دليل على استمرار وجود طموحات جهادية لدى الحكومة المؤقتة، كما قد تسعى كل منهما لاستغلال الانقسامات الطائفية في البلد. أما الولايات المتحدة التي خلفت عقوباتها أقسى وطأة على سوريا، فمن المرجح أن يشتد رفضها لفكرة الرجوع عن تلك العقوبات.
وهنا ينبغي على دمشق أن تتصرف بحكمة وسرعة، لأن القمع التعسفي من شأنه أن يزيد من الدعم الشعبي للعناصر الموالية للأسد، فيدفعها لتنفيذ مزيد من العمليات، وهذا ما سيوقع سوريا في دائرة جديدة من القمع والعنف. وبوسع سوريا أن تستلهم ما يحذرها من تلك المغبة من الدروس المستفادة من جارها العراق، إذ بعد إسقاط الولايات المتحدة لصدام حسين، تسبب تهميش السنة العرب الذين اعتبرهم حكام العراق الجدد مسؤولين عن جرائم النظام السابق، بانعدام الاستقرار واستمرار العنف في العراق لعقد من الزمان، قامت خلاله حرب طائفية لمدة ثلاث سنوات. وقد تظهر حالة مماثلة في سوريا اليوم، وذلك لأن أحداثاً دموية مثل التي وقعت في مطلع آذار لن تتسبب في جعل العلويين وحدهم يشعرون بالعزلة والغربة في بلدهم، بل قد تدفع أيضاً بقية الأقليات إلى الشعور بذلك، وعلى رأسهم المسيحيون والشيعة والإسماعيليون والدروز والكرد.
ولكن السرعة في معالجة الأمور تصب في جوهر الحل، إذ في الوقت الذي يفتقر المتمردون للإمكانيات التي تجعلهم يمثلون خطراً عسكرياً حقيقياً خارج الجبال الساحلية، يمكن أن تخرج أجزاء من البلد عن سيطرة الحكومة تحت وطأة لسلسلة من الهجمات المتواصلة على قوات الأمن العام، وبفضل الدعم الذي قد يصل إلى الفلول من عناصر فاعلة خارجية مثل إيران وحزب الله، إلى جانب الرد العسكري المنهك للأمن العام بقوة مفرطة، وفي حال حدوث هذا السيناريو، سيصعب على الحكومة المؤقتة أن تخضع جماعات أخرى لسيطرتها.
يبدو بأن الشرع مدرك لخطورة المرحلة، إذ بعد أن ألقى نصائح عامة تحث قوات الأمن على التصرف وفقاً للمبادئ الأخلاقية في خطابه الذي ألقاه في السابع من آذار، عبر عن رؤية أبعد من ذلك في خطابه الثاني، وذلك عندما شدد على المحاسبة، لتشمل محاسبة العناصر التابعة للحكومة، وأعلن عن تشكيل لجنتين، إحداهما لتقصي الحقائق والأخرى من أجل السلم الأهلي. وستقوم اللجنة الأولى بالتحقيق في أسباب الاضطرابات وتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم، وسيشمل ذلك العناصر التابعة للحكومة الذين تورطوا في أعمال عنف ضد المدنيين إلى جانب أولئك الذين هاجموا قوات الأمن. أما اللجنة الثانية فستركز على التقرب من الطوائف والاستماع لمخاوفهم، وتقديم الدعم والحماية، وتعزيز التماسك الوطني، أي بالعموم، وبالإضافة إلى ما قامت به الحكومة المؤقتة في أحداث العنف التي وقعت في مطلع آذار، يتعين عليها أن تتصرف بسرعة فيما يخص محاسبة الجماعات المسلحة المتحالفة والمسؤولة عن ارتكاب العنف والتنكيل بالمدنيين.
أما على مستوى العمليات، فيجب على قيادة الأمن العام أن تضطلع بمسؤولية مباشرة عن حملة إعادة النظام للبلد، وضمان توقف العمليات الانتقامية. كما يجب توقيف الجماعات والأفراد المتهمين بأعمال عنف، وعرضهم على التحقيق، على أن تقوم القيادة المشرفة على التحقيق بفرز القطعات التي تلقت أفضل تدريب إلى مناطق مثل محافظة اللاذقية بما أن هذه المحافظة هي أكثر محافظة مهددة بمزيد من الاضطرابات. ويتعين على هذه القيادة أيضاً أن تحشد عدداً من الفصائل المسلحة التابعة للحكومة المؤقتة، مع التأكد من إتباع قادتها لأوامر القيادة والتحقيق مع من لا ينصاعون للأوامر، ومن يتجاوزون سلطاتهم أو من يفعلون ما هو أسوأ من كل ذلك. ويجب على الحكومة أن تضع خطة لمشاركة العلويين وغيرهم من الطوائف بشكل فاعل ضمن الجهود الساعية لحفظ الأمن، وذلك عبر إقامة حالة تعاون وثيقة مع زعماء الطائفة. كما بوسعها تجنيد العناصر الذين خضعوا لفحص أمني من جهاز الشرطة القديم، والذين لم يتورطوا بالعنف الذي مارسه نظام الأسد البائد بشكل كبير.
أما قضية العدالة بالنسبة للفظائع التي ارتكبت خلال الحرب فهي قضية أشد تعقيداً، نظراً لمطالبة السوريين بمحاسبة النظام على جرائمه أشد المحاسبة. ولعل عدم القيام بأي إجراء على هذا الصعيد حتى الآن قد أسهم في دفع المدنيين للاقتصاص بأنفسهم، الأمر الذي لابد أن يذكي المخاوف بين الطوائف من شر الوقوع ضحية لهذا القصاص. وبالمقابل، فإن تلميح الشرع بأنه يعتزم محاسبة مسؤولي النظام السابق قد يؤجج مقاومة المتمردين بشكل كبير، ومن حيث المبدأ، لابد من ترك القضايا الخلافية المعنية بالعدالة الانتقالية لتناقش ضمن حوار وطني، ولتبت بأمرها حكومة تقوم على مشاركة أكبر، وكل ذلك يجعل من عملية إقامة حوار أشد مصداقية أمراً غاية في الأهمية. وإلى أن يحين ذلك، وفي حال قبضت الحكومة على ضباط النظام السابقين، فينبغي عليها أن تقوم بذلك بطريقة شفافة، عبر تحديد هوية من تم القبض عليهم وعلى أي أساس تم توقيفهم، إلى جانب توفير الإجراءات القانونية بحق كل من يجري احتجازه.
ولعل الأهم من كل ذلك هو أن توجه الحكومة مؤشرات واضحة بأن للعلويين مستقبل سياسي واقتصادي في سوريا الجديدة، لأن ذلك يعتبر أفضل طريقة للتعبير عن عدم اعتبارهم جميعاً مسؤولين عما ارتكبه نظام الأسد، ولعل قيام حوار وطني تشاركي يشمل جميع الأطياف قد يكون بداية طيبة، إذ عندئذ سيتسنى لجميع السوريين من كافة البيئات التعبير عن مظالمهم، ومنها تعرضهم للتهميش بعد سقوط الأسد، إلى جانب التعبير عن آمالهم بالمستقبل، لأن هذه الإجراءات من شأنها تبديد الشكوك بين الطوائف، ويجب أن يتم ذلك بشكل عاجل وعلى المدى القريب، لأنها ستزيد ثقة السوريين بالنظام الجديد كما ستطمئن العلويين على وجه الخصوص من أن الحكومة الجديدة ستلتزم بما قطعته على نفسها فيما يتصل بضمان توفير الأمن ونشر المساواة بين الجميع.
المصدر: The International Crisis Group
تلفزيون سوريا
——————————
القيود على “بورصة دمشق”.. “مشروع أسلمة” يخلق أزمة ثقة/ محمد كساح
الخميس 2025/03/13
يرى خبراء اقتصاديون أن استمرار الحكومة السورية في وضع القيود على سوق دمشق للأوراق والأسواق المالية (البورصة)، يخلق أزمة ثقة بالشبكة المالية والمصرفية، ويجعل الفاعلين الاقتصاديين يقتربون أكثر من القنوات المالية غير الرسمية، بينما يمكن اعتبار إعادة هيكلة السوق جزءاً من خطة العهد الجديد لوضع الرؤية المستقاة من نظريات الاقتصاد الإسلامي، قيد التطبيق.
وقالت صحيفة الحرية الحكومية (تشرين سابقاً)، إن الحكومة السورية تعمل على إعادة صياغة سوق دمشق للأوراق والأسواق المالية، حيث تقوم الجهة المعنية بتدقيق الشركات وحساباتها التي كانت تموّل النظام البائد، ما أدى إلى تجميد الكتلة النقدية المتداولة في سوق دمشق والبالغة 463 مليار ليرة، والتي تعود لحوالي 70 ألف مستثمر.
وأضافت أن القيمة المذكورة للتداولات، هي قيمة رأسمال متحرك ينتج عنه عمولات لشركات الوساطة والصرافة، بينما تفوق قيمة الشركات المتداولة 7 تريليونات ليرة، وجميع هذه الأموال مجمدة، مع العلم أن كتلة الأموال المتداولة هي أموال خاصة لمستثمرين وليست أموال شركات.
رؤية اقتصادية جديدة
ويقرأ الباحث ومدير منصة “اقتصادي” يونس الكريم، خطة إعادة الهيكلة باعتبارها جزءاً هاما لرؤية العهد الجديد المتمثلة بتطبيق المنظور الإسلامي حول الاقتصاد، عازياً إعادة صياغة السوق، إلى البدء بوضع هذه الرؤية قيد التنفيذ.
وبناء عليه، يرجح الكريم في حديث لـ”المدن”، صدور قوانين جديدة ناظمة لبورصة دمشق، علماً أنها سوق صغيرة ولا تزال العقوبات الغربية تقف حاجزاً أمام تطويرها، موضحاً أن “الخطة الجديدة تتمثل في إعادة تعيين كوادر جديدة للسوق لصياغتها بما يتلاءم مع الشريعة الإسلامية”.
وينتقد الكريم قيام الحكومة بتجميد الكتلة النقدية، على اعتبار أنه “لا يحق لها تجميد أموال المتداولين”، عازياً هذه الخطوة إلى حاجة الدولة إلى السيولة في ظل الأزمات الاقتصادية التي تواجهها، بينما كان يتوجب على الحكومة الإعلان صراحة عن استدانتها للكتلة المالية والتكفل بتقديم التعويضات للمتداولين نتيجة الصرر الكبير الذي تم إلحاقه بهم.
ويفسّر عدم تدخل شركات الوساطة ومطالبتها بحقوق المستثمرين خوفاً من ضياع الثقة بسوق دمشق، بتوجسها من السلطة الجديدة، حيث لا يزال الخوف من الآخر يسود الاقتصاد السوري.
وفيما تسود الضبابية حول آلية وتوقيت إعادة الأموال المجمدة إلى أصحابها، يرى الكريم أن هواجس المتداولين “محقة، نظراً لما جرى مع المودعين في منصة تمويل المستوردات التي تم تجميدها دون الإفصاح عن آليات محددة للإفراج عنها، حيث لا تزال الفوضى هي السائدة في السياسة النقدية الحالية”.
إجراء ضروري لكنه بطيء
من جهته، يعتبر مدير البرنامج السوري في مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية كرم شعار، أن قرار تجميد الشركات في سوق دمشق، كان “ضرورياً، كونه يسمح للحكومة بتقييم الأصول المالية لأمراء الحرب المرتبطين بالنظام المخلوع والمعاقبين منهم خاصة”. ويضيف لـ”المدن”، أنه في حال لم يتم هذا الإجراء، فسوف يسهل تسرب هذه الأصول ونقل ملكياتها بشكل كامل أو بشكل جزئي على مراحل.
لكن في المقابل، يلفت شعار إلى وجود مشكلة تكمن في بطء إجراءات التقييم والمراقبة، بحيث لا يمكن للسوق تحمل أعباء هذا التأخير، نظراً للنتائج السلبية المترتبة عن عملية تجميد الكتلة المالية.
وفي السياق، يوضح شعار أن “عدم وجود منهجية ووصول كبير للبيانات والمعلومات المتعلقة بطبقة أمراء الحرب المرتبطة بالنظام السابق، يفسر إقدام الحكومة على إجراءات التجميد والتقييم التي تسير ببطء شديد”، مؤكداً أنه من الضروري رفع القيود المفروضة على سوق دمشق، على الرغم من محدودية أهمية هذه السوق للاقتصاد السوري.
ويحذر من أنه “في حال لم تُرفع القيود، فإن الآثار السلبية المترتبة عن هذا الإجراء ستفوق الآثار الإيجابية الناجمة عن استعادة الأصول”، مؤكداً أن من أهم هذه التداعيات السلبية غياب ثقة المستثمرين والمودعين بسوق دمشق وبكامل القطاع المصرفي والمالي المستمر بالتدهور، ورفضهم استئناف التعامل مع الشبكة المصرفية حتى بعد رفع القيود، خوفاً من إجراءات مستقبلية مشابهة، وبالتالي فإن هذه القيود تبعد الفاعلين الاقتصاديين عن القنوات المالية الرسمية وتقربهم من القنوات غير الرسمية، وهو ما يعني مستويات أعلى من غسيل الأموال وتمويل الإرهاب وصعوبات بالغة تخص التحصيل الضريبي.
————————–
هكذا ابتلع الأسد أملاك السوريين… تشريعات لم تكن لتسقط (1 من 3)/ هبة الكل
مَن مَلك امتلك… حروب “البعث” على الملكية السورية
آخر تحديث 12 مارس 2025
بعيدا عن شعارات “البعث” الاشتراكية، وقريبا مما استطعنا جمعه، بلغ عدد المراسيم والقوانين التشريعية والوزارية المتعلقة بالاستملاك والتأميم والملكيات والتنظيمات العقارية ما مجموعه (639) قانونا.
تحقيق “المجلة” يشمل أبرز المراسيم التشريعية والتنفيذية المتعلقة بالانتهاكات العقارية وحروب الملكية خلال الفترة الممتدة من وصول “البعث” إلى الحكم وحتى هروب بشار الأسد (1963-2024).
وبالتوازي مع السياسة التي انتهجها الأسدان حافظ وبشار في محاربة أية معارضة سورية خلال سنين حكمهما، ثم قام الابن المخلوع بتعزيزها عقب الثورة السورية لمزيد استئصال ما تبقى من حقوق السوريين، بغلاف قانوني وتشريعي.
لوحظ: ارتفاع نسبة التخطيط العقاري في نهاية حقبة الأسد البعثية، مقابل ارتفاع نسبة التأميم والاستملاكات في بداية العهد البعثي، والكل يصب في خانة حرب الملكيات مهما “عُصرنت” المصطلحات.
أجريت عملية الرصد لما توفر من معلومات في الكتب ومواقع رئاسة الوزراء ومجلس الشعب والوسائل الإعلامية السورية الإلكترونية، بالإضافة إلى تقارير سورية ودولية وحقوقية.
منذ وصول “البعث” إلى حكم سوريا 1963 حتى سقوطه نهاية 2024 بلغ عدد المراسيم والقوانين التشريعية (الرئاسية) الخاصة والمرتبطة بالاستملاكات والتأميم وحجز الأموال والملكية العقارية والتنظيمات العمرانية وما اتصل بها 139 قانونا. في حين بلغ عدد القرارات والتعليمات التنفيذية 500 قرار.
في عهد بشار الأسد كانت النسبة الأكبر لما اتصل بالملكية والتنظيم العقاري واستثماراته (74 في المئة) والمصادرات (12 في المئة) والاستملاكات (14 في المئة).
كان ملاحظا أن مجموع القرارات التنفيذية قد ارتفع بمقدار أربعة أضعاف في عهد “بشار الأسد” (2001- 2024) عن عهد حكم “البعث” وأبيه حافظ (1963-2000).
من الواضح أن نسبة القرارات التنفيذية الصادرة مع بدء الثورة السورية قد تجاوزت ثلاثة أضعاف قرارات السنوات السابقة طيلة عهد رئاسة بشار الأسد.
ونجد أن ما معدله 25 قرارا ومرسوما كان يصدر كل عام مع انطلاقة الثورة السورية.
وتبين عملية الرصد أنه خلال استلام “البعث” الحكم في سوريا (1963-1971)، كانت النسبة الأكبر من المراسيم التشريعية الصادرة هي للتأميم (43 في المئة) فالمصادرات (38 في المئة) فالتنظيمات (14 في المئة) ثم الاستملاكات (5 في المئة) على التوالي.
في عهد الرئيس “حافظ الأسد” كانت النسبة الأكبر من تلك المراسيم التشريعية هي للتنظيمات العمرانية (42 في المئة)، فالمصادرات (35 في المئة) فالاستملاكات (15 في المئة) ثم التأميم (8 في المئة).
أما في عهد بشار الأسد فكانت النسبة الأكبر لما اتصل بالملكية والتنظيم العقاري واستثماراته (74 في المئة) فالمصادرات (12 في المئة) ثم الاستملاكات (14 في المئة).
مع الأخذ بعين الاعتبار أن مراسيم الملكية والتخطيط العقاري قد احتوت على استيلاءات مجانية لأملاك السوريين كما سيوضح، في حين لم يسجل الرصد أية مراسيم تأميمية في عهد بشار الأسد.
سيتبين لاحقا كيف كانت التعليمات التنفيذية تستجيب بمئات القرارات لترجمة وتنفيذ المراسيم والقوانين وفقا لهوى الأسد، لاسيما والضخ الحاصل لاحقا إبان الثورة السورية كفرصة ذهبية لقوننة مصادرة أملاك السوريين فيما اشتهر بحرب الأملاك.
“الوحدة” فاتحة الإقطاعية البعثية
“فواز حفار” تاجر دمشقي، كان لجده طاحونة قمح في منطقة العمارة بدمشق، يقول لـ”المجلة”: “كنا نشتري القمح من الأرياف ونطحنه ونوزعه، إلى أن تم استملاكها ومستودع تابع لها زمن الوحدة، ولم يعوضونا بأية ليرة كبدل ولا نزال ندفع حتى اللحظة “الضريبة” للدولة لأنها لا تزال في ملكنا”.
أ.ف.ب أ.ف.ب
حافظ الأسد ونائبه عبد الحليم خدام ونواب سوريون في 11 مارس 1999 في دمشق خلال مراسم أداء اليمين الدستورية
الرئيس المصري “جمال عبدالناصر” جاء بالوحدة السورية المصرية (1958-1961) فزعزعت سيادة سوريا واقتصادها وأملاك السوريين، زعزعة إحلالية. الأمر الذي قاد إلى تحويل شركات سورية اقتصادية كان لنجاحها صيت عربي وعالمي، إلى “سكراب” بشطبة قلم كما يقول الباحث السوري سامي مروان مبيض.الشركة الخماسية نموذجا.
تذكر تقارير أن رأسمال الشركة الخماسية في دمشق عند تأسيسها عام 1946 والتي أُممت بموجب القانون 117 عام 1961، قد بلغ مليونا و250 ألف ليرة سورية، وبعد مرور عامين على تأسيسها ارتفع رأس المال إلى 15 مليونا، في الوقت الذي كانت فيه ميزانية سوريا لذلك العام 1948 لا تتجاوز اﻠ107 ملايين ليرة، ما يعني تهديم ما يقارب اﻠ14 في المئة من الاقتصاد السوري في ذلك الوقت.
في كتابه “الأسد.. الصراع على الشرق الأوسط” يعتبر باتريك سيل أن عبد الناصر قد اقتلع أحشاء السياسة السورية، بوضعه شرطين لإتمامها: انسحاب الضباط من السياسة وأن تحل الأحزاب السياسية، فأنشأ تركيبا سلطويا تتخذ فيه القرارات في القاهرة ولم تعد دمشق سوى محافظة، حتى فقدت سوريا السيطرة على شؤونها.
وقد وجد “البعث” نفسه خارج اللعبة السياسية، فحقد على عبد الناصر ووحدته وأيد الانفصال أملا في تلبية تطلعاته الحاكمة بعد أن خيبته الوحدة في الوصول إلى “الملك”.
ومن قرارات التأميم وخطابات الاشتراكية إلى إصدار قانونين في اليوم نفسه “قانون الإصلاح الزراعي رقم 161 عام 1958 وقانون الطوارئ 162″، وبدء العمل على برمجة الجماهير الكادحة بأن في مجموعهما وصفة سحرية عادلة لمشاكل القطاع الزراعي.
إلا أن هذه الوصفة كانت افتتاحية لشرعنة الاستبداد والانقضاض على “الفصل بين السلطات”، وقوننة الاستيلاء على أملاك الشعب لحساب الدولة.
فقانون الإصلاح الزراعي 161 منع أن يملك الشخص أكثر من 80 هكتارا في الأراضي المروية، ولا أكثر من 300 هكتار في البعلية وفق المادة الأولى منه، في حين سمح للدولة أن تمتلك أكثر من هذين المقدارين ودون سقف أو حدود لهذا التملك وفق المادة الخامسة منه.
حيث قدرت المساحة الزائدة للأراضي الزراعية المستولى عليها حوالي مليون و225 ألف هكتار، ما يعادل خُمس الأراضي المستثمرة زراعيا.
الأكراد في سوريا عانوا من الاستيلاء التعسفي وفق هذا القانون، ومعلوم أنه كان بدوافع سياسية إقصائية لاسيما وعملية الإحصاء في محافظة الحسكة عام 1962، حيث تم بموجبها تجريد الآلاف من الأكراد السوريين من جنسياتهم، ما يعني انعدام إثبات ملكياتهم، وإقصاء الفلاحين منهم من الاستفادة من الأراضي المستولى عليها.
أما قانون العلاقات الزراعية رقم 134 عام 1958 فقد حظر على النقابات العمل في السياسة والاشتراك في اجتماعات ومظاهرات سياسية وجعل النقابات ملحقة بالسلطة لا مستقلة.
السياسي الشيوعي، بدر الدين السباعي، يقول في كتابه “المرحلة الانتقالية في سوريا.. عهد الوحدة”: “باستعراض المنجزات في ميدان الزراعة لا تعدو عن إصدار قانون الإصلاح الزراعي، وقانون العلاقات الزراعية وقانون أملاك الدولة.. وتبقى إيجابياتها ضعيفة الأثر”.
فشلت قوانين الوحدة على سوريا في القضاء على الإقطاعية وحل مشكلات القطاع الزراعي، لا بل ونقلت استثمار الأراضي من طبقة لطبقة برجوازية جديدة باسم الوطن وشعارات الاشتراكية وعلى حساب الشعب.
وفي المقابل نجحت في تعبيد طريق نهب ملكيات وحقوق السوريين أمام نظام الأسد.
صعود دولة “البعث”… إهلاك القطاع الخاص وإقطاع القطاع العام
وصل “البعث” بثورته المزعومة “8 آذار” 1963 إلى حكم البلاد، بعد أن أسقط دولة القانون والتعددية السياسية، لتبدأ حقبة حكم العسكر، بروحهم العنيفة وعقوباتهم الحازمة.
استكمل “البعث” وعلى الفور، ما خلفته البرجوازية الناصرية وإقطاعها من إجراءات التأميم والاستملاك ومصادرة أموال الناس لصالح القطاع العام.
غاية “البعث” جعل القوة والمال والاقتصاد والسياسة في أيدي “دولة البعث”، وحكر التجارة الخارجية إلا عليها، وإعادة هيكلة الهرم الرأسمالي لصالح ملكية رجال “البعث” وتخريب ما بقي لسوريا من اقتصاد، وكل ذلك من فوق القانون وتحت غطائه.
أول ما أعلنه “البعث” الحاكم “قانون الطوارئ” وفق أمر عسكري رقم 2 والصادر عن مجلس قيادة الثورة، في مخالفة لما اشترطه قانون الطوارئ نفسه رقم 51 عام 1962 بأن يصدر عن مجلس الوزراء.
بقي تطبيق الأحكام العرفية مستمرا دون إقرارمن مجلس الشعب، لا بل واشترط دستور سوريا 1973 لاحقا، في إعلانه وإلغائه أن يكون من قبل رئيس الجمهورية وفق المادة 101.
أنشأ “البعث” ما يعرف بمحكمة “أمن الدولة العليا” وفق المرسوم رقم 47 عام 1968، فقمع الناس بها، وازدحمت السجون بالمعتقلين تحت أية ذريعة حمقاء، إلى أن جاء الرئيس الهارب بشار الأسد واستبدلها بما هو أخطر على حياة وممتلكات السوريين “محكمة النظر في قضايا الإرهاب” 2012.
الصحف والمطبوعات لم تسلم من استيلاءات حكم “البعث”، فقام بمصادرة أملاكها، وفق المرسوم التشريعي رقم 4 عام 1963.
بعد 17 يوما على الانقلاب، سحق حكم “البعث” أي مكون معارض داخلي له عبر إصداره المرسوم التشريعي رقم 29 لعام 1963 والذي يفرض العزل المدني بحق عدد كبير من المدنيين والعسكريين والحزبيين في سوريا.
وألحقه بالمرسوم التشريعي رقم 239 بتاريخ 30 أبريل/نيسان 1963 القاضي بفرض جزاء العزل المدني بحق 40 شخصا سوريا. إلى أن جاء عهد بشار الأسد وقام بتحويل هذا السحق إلى محق وفق قانون “مكافحة الإرهاب”.
ثنائية إقصاء النخب الاقتصادية والتأميم كانت حاضرة في ذهنية “البعث”، حيث أوقف أعمال حكومة “خالد العظم” فيما يتعلق بإجراءات وقف التأميم التي انتهجتها حكومة العظم.
واستمر “البعث” بالفكر الناصري في قطار التأميم، المصارف أُممت وفق المرسوم رقم 37 عام 1963، وشركات القطاع الخاص كالشركة العربية المتحدة (الدبس)، وشركة المغازل والمناسج المساهمة بمرسوم رقم 56 عام 1964 وغيرها من مراسيم تأميمية صدرت بحق منشآت وشركات اقتصادية، والتي قدرت عام 1965 ﺑ120 شركة، حتى الكتب الجامعية لم تنجُ وأُممت بالمرسوم رقم 168 لعام 1963.
ثم أصدر “البعث” تعليماته الاشتراكية، فارضا تنفيذها على عامة الشعب، ومَن يرفض أو يعرقل عمليات التنفيذ، فعقوبته قد تصل إلى الإعدام، وفقا للمرسوم رقم 4 عام 1965.
رئيس الحكومات الخمس السورية، خالد العظم، كان يرى أنه إذا صار رأس المال محصورا في السلطة الحاكمة فإنه سيقود إلى أن تصبح تلك الدولة “إقطاعية ضخمة”، كما ذكر في مذكراته.
صدق العظم قولا و”البعث” فعلا، وبالرغم من معارضته لقرارات التأميم ومحاولته التصدي للسياسة الاقتصادية الاشتراكية، فإنه لم يسلم.
يحدثنا ناصح العظم، أحد أقارب خالد العظم: “عقب الانقلاب البعثي مباشرة، استولي على قصري خالد بك في سوق ساروجا ومنطقة دمر وعقارات أخرى، وصودرت جميع ممتلكاته من أسهم شركات مساهمة كان قد أسسها، حيث دارت عجلة الاقتصاد الحر واغتنى المساهمون”.
التخوين والتعامل مع القوى المعادية من أبرز حجج “البعث” في سلب العظم أملاكه، حيث يقول ناصح: “بناء على ذلك وصفوه بالخائن للبلاد، بيد أن الرجل هو أبو الاقتصاد السوري وهو الذي أوصل البلاد إلى بر الأمان عندما كان رئيسا للوزراء أكثر من مرة، فالدولار في زمنه كان يساوي ليرتين ونصف الليرة، حتى إن الرئيس الماليزي مهاتير محمد، تمثل بأعماله وبأنه سيحذو أسلوب سوريا، فأوصل بلاده إلى مصاف الدول المتقدمة”.
لم تشفع اﻠ20 ألف ليرة ذهبية لأكابر تجار دمشق موفق الميداني التي تبرع بها في أسبوع التسلح للجيش السوري في حملة الرئيس شكري القوتلي عام 1955، فأصدرت القيادة القطرية لحزب “البعث” قرارا رقم 2 عام 1966، يفضي بمصادرة أموال الميداني، وبناء عليه أصدر الرئيس نور الدين الأتاسي مرسوم المصادرة رقم 67 عام 1969.
من ذلك وغيره عمد “البعث” إلى احتكار السلطة والثروة بإجراءات قانونية تعسفية تنال من حريات المعارضين وتسطو على ممتلكاتهم، ممهدا الأوتوستراد أمام أحد أقدر رجالاته حافظ الأسد وسلالته، لتأسيس “سوريا الأسد” كدولة مَلكَية مافياوية.
الإمبراطورية الأسدية المخلوعة
وما هو أسوأ من مراسيم الانقلابات “البعثية”، الممارسات التشريعية الأسدية بمطية الاشتراكية وسخرة “البعثية”، من جهة قولبتها لبناء إمبراطورية الأسد.
“الكف المخمس” كما يقول السوريون، ما زلت أذكره كيف نزل على خدي كالصاعقة عقب تحية العلم، والسبب: “ليش ما رددتي الشعار؟”.
ماذا حقق حكم الأسد طيلة نصف قرن ونيف من هذا الشعار “أمة عربية واحدة، أهدافنا: وحدة، حرية، اشتراكية”؟
أول وحدة مع العرب كانت مع الشقيقة مصر وانقلب عليها، لأنه يعلم أنها العائق الأكبر في الوصول إلى غايته.
إلا أنه استطاع أن يوحد الشعب في الفقر والتعتير، وألبسه ثوبا وحيدا أسود باسم الاشتراكية الأسدية لا الشعبية، أما الحرية فنجدها على جدران المعتقلات وبين دموع الثكالى!
ولتعزيز دولة الديكتاتور، طوع حافظ الأسد دستور سوريا لغاياته الاستبدادية، ثم استكمل الابن الساقط مسيرة الوالد، ظنا منهما أنهما نجحا في تثبيت ملكية آل الأسد على سوريا، ولولا الثورة لبقي الشعار المقيت: “قائدنا إلى الأبد.. الأسد”.
أحاط الأسد سوريا من كل الجوانب، فهو الرئيس، والقائد العام للقوات المسلحة، ورئيس السلطة التنفيذية، يُعين ويعزل من يُريد، والحكومة تتبع للرئيس ولا يملك مجلس الشعب إلا استجوابها في أفضل الحالات.
والأسد هو الذي يملك حل مجلس الشعب بالدستور، وهو المشرع العام وما على المجلس إلا السمع والطاعة، لذلك لا غرابة في أن يكون ثلثا أعضائه بعثيين.
ولا عجب في امتناع المحكمة الدستورية من النظر في القوانين التي يطرحها “جلالة الرئيس”، فالمادة 146 من دستور سوريا 1973 نصت: “لا يحق للمحكمة الدستورية العليا أن تنظر في القوانين التي يطرحها رئيس الجمهورية على الاستفتاء الشعبي وتنال موافقة الشعب”!
والأسد هو القائد العام لحزب “البعث”، والحزب هو القائد في الدولة وفق دستور 1973 (رغم تعديل هذه المادة في دستور 2012، ولكن لا معنى ولا أثر لها)، ثم الحزب يقود الجبهة الوطنية التقدمية (القيادة القطرية) والتي بدورها يرأسها الأسد، وهي التي تتولى ترشيح المرشحين إلى مجلس الشعب، وكله بموجب دستور 73، ومع ذلك نص الدستور على أن الرئيس ينتخب بالاستفتاء الشعبي!
وأي استفتاء إلا استفتاء سليل الأسد، وأي قوانين تشرع إلا لخدمة آل الأسد!
في عهد حافظ الأسد صودر حوالي 5 آلاف و250 كيلومترا مربعا من أراضي شمال الجزيرة السورية لصالح الدولة، باسم “مشروع الحزام العربي” الذي قررته حكومة “البعث” في المؤتمر القطري الثالث للحزب، ووفقا للمادة 5 من توصياته: “إعادة النظر بملكية الأراضي الواقعة على الحدود السورية التركية، وعلى امتداد 350 كم وبعمق 10-15 كم، واعتبارها ملكا للدولة وتطبق فيها أنظمة الاستثمار الملائمة بما يحقق أمن الدولة”.
عام 1974 أصدر الرئيس حافظ الأسد القانون 20 (قانون الاستملاك).
كان ممن وقع عليهم قانون الاستملاك محمود البوارشي.
يروي حسام، وهو صاحب معمل لصناعة السكاكر والملبس الذي ورثه عن جده محمود البوارشي، لـ”المجلة” تاريخ استملاك منزل جده ومعمل الحلوى في البزورية بدمشق قائلا:
“بيت جدي والمعمل كانوا أملاك طابو وفرضوا عليهم الاستملاك بعد أن استلم حافظ الحكم مباشرة.
“استملاك العقارين ومعه بيت شكري القوتلي والحلواني والأرناؤوط ومراد، كان بذريعة بناء ملاجئ للحارة، لكن المشروع فشل بسبب وجود نهر تحت الأرض، وبقيت الأرض بعد عمليات الهدم خرابة لمدة عام تقريبا”.
يضيف حسام: “ثم أنشأوا مدرسة الشهيد محمد عدنان الناصر حتى عام 2008 على أنقاض بيت جدي، ثم هدموها بحجة أنه لا يصح بناء جديد بجوار قديم، وقامت أسماء الأسد بتأجير المكان وما حوله من بيوت مستملكة تابعة لعوائل دمشقية مثل نظام وستوت والصوان، للآغا خان بعقد إيجار مع بدل مع المحافظة بدمشق ليقوم الآغا خان بترميمها عام 2010”.
يعتقد حسام أنه كان من المفروض، أن تعود أملاك جده إلى ورثته بعد زوال صفة النفع العام حسب القاعدة: “إذا زال المانع عاد الممنوع”، إلا أنها لم تعد وغيرها كثير.
وفقا للمادة 35 من قانون الاستملاك لعام 1974 وإبلاغ الوزاري أعلاه، آلت العقارات المستملكة إلى أملاك دولة: “إذا زالت صفة النفع العام عن العقارات المستملكة، فتعتبر تلك العقارات من الأملاك الخاصة للدولة، ويجري تسجيلها في قيود السجل العقاري باسم الجهة العامة المستملكة”.
بينما أتاحت لمالكي الأراضي الزراعية المستملكة الصالحة للاستثمار الأولوية في شرائها بشرط استبدادي “إذا قبلوا بالثمن الذي تحدده الجهة المستملكة”. أي ليس بالقيمة الرائجة، وبالتالي صدقت المقولة: “مالنا صار صدقة علينا”.
بموجب هذا القانون، تحولت كامل أسهم القطاع الخاص في مرفأ اللاذقية بعد إلحاقه بوزارة النقل عام 1974، إلى أملاك الدولة، وصار فرجة للنهب والنصب.
ثم أراد حافظ الأسد أن يلبي متطلبات التجمعات السكانية في إطار تخطيطي شامل لكامل الأراضي السورية إلا أنه فشل وابنه في ذلك.
أصدر الرئيس “الأب” المرسوم التشريعي رقم 5 عام 1982م والذي حدد الأسس الناظمة لعملية التخطيط العمراني والتي تضعها وزارة الإسكان، وبالرغم من التعديل عليه وفق القانون رقم 41 عام 2002 في عهد بشار الأسد، إلا أنه تسبب في انتشار العشوائيات والمخالفات وازدادت أزمة السكن في سوريا.
وفي دراسة أعدها المهندس إياس الدايري عام 2007 حول مناطق السكن العشوائي في سوريا، بينت أن 55 في المئة من المساكن العشوائية قد شيدت خلال الفترة الممتدة (1965-1990)، وما نسبته 37 في المئة منها شيد بعد عام 1990.
في المقابل ازدادت نسبة العشوائيات من (200- 250 في المئة) خلال الفترة الممتدة (1990-2004).
وأوضحت جريدة “الثورة” أنه ومنذ صدور هذا المرسوم وتعديلاته حتى عام 2011، يستمر العمل بالأسس المعتمدة لدى وزارة الإسكان والتعمير وهي أسس قديمة، لا تراعي خصوصية كل منطقة، أي لم يتم تطوير أسس التنظيم.
ثم أصدر حافظ الأسد القانون 20 أيضا، ولكن لعام 1983، الذي أعطى صلاحيات واسعة للاستملاكات لصالح وزارة الدفاع.
فالمادة 4 منه نصت على: “يجوز لوزارة الدفاع استملاك العقارات لإقامة التجمعات السكنية العسكرية، أو لبناء المساكن لبيعها للعسكريين ولأسر الشهداء وللعاملين في وزارة الدفاع أو لجهات أخرى تحدد بمرسوم”.
أما المادة 27 أجازت “للجهة الإدارية أن تستملك لحساب الجهات العامة الأخرى التي لها حق الاستملاك وكذلك لحساب مؤسسات حزب (البعث العربي الاشتراكي) والمنظمات الشعبية”.
بقي هذا القانون معمولا به حتى سقوط الأسد، وبذلك اعتبرت مؤسسات “البعث” وما يلحق بها، من مشاريع “النفع العام” التي يجوز بحقها الاستملاك وبقرار لا يقبل الطعن!
أشهر الأراضي والأملاك التي اغتصبت من مالكيها بموجب قانون الاستملاك 20 1983، هي أراضي المعضمية في ريف دمشق وبقيت رهينة “الاستملاك”.
ذكر موقع حزب “الإرادة الشعبية” أنه تم استملاك 12 ألف دونم عام 1985، بالإضافة إلى آلاف الدونمات التي تم استملاكها سابقا ولاحقا وقدر مجموعها ﺑ35 ألف دونم.
وبعد أن وضعت محافظة دمشق يدها على 85 في المئة من أراض زراعية وعقارات سكنية باسم “المخططات التنظيمية”، قررت وزارة دفاع الأسد السورية في منتصف يونيو/حزيران لعام 2020، استملاك 12.5 هكتار جديد والحجة: “إنشاء أبنية سكنية ورياضية”. وأين؟ بجوار مناطق الفرقة الرابعة التي يرأسها ماهر الأسد!
ملف الاستملاك في المعضمية، كان من الأسباب الدافعة للنهوض في مظاهرات إسقاط نظام بشار الأسد عام 2011.
وتشير الصحف المحلية إلى أن رئيس جهاز المخابرات الجوية عمد إلى إقناع الأهالي المتظاهرين برفع الاستملاك مقابل إسكاتهم، فجاء الجواب بالرفض لأنهم يعلمون أن الكذوب لا يُصدق.
وبالنظر إلى القانون رقم 3 عام 1984 المعروف بقانون “استصلاح الأراضي” والذي جاء ليستكمل قانون الوحدة 161 في الاستيلاء على أملاك السوريين بحجة إصلاح الأراضي الزراعية وتحديد سقف الملكية وكالعادة “ما تبقى للدولة”، ومطالعة نتائج قانوني 161، و3، نجد أنهما كانا “تخريبا لا إصلاحا.
ففي عام 1963 كانت القوة العاملة في الزراعة تقدر ﺑ60 في المئة من إجمالي القوة العاملة في البلاد، وفي عام 1980 انخفضت إلى 30 في المئة، ما يعني أن الكثير من الأراضي الزراعية أهملت وفقدت الكثير من فلاحيها، والدليل:
بلغت مساحة الأراضي القابلة للزراعة عام 1972 حوالي 8 ملايين و504 آلاف هكتار، في حين نقصت مساحتها أكثر من مليوني هكتار عام 1978 فآلت مساحتها إلى 5 ملايين و941 ألف هكتار، وفقا لمجلة “الإيكونوميست” البريطانية.
الإحصائيات تؤكد على الإهدار والتقصير، ففي الخطة الخمسية الرابعة نُفذ 9 في المئة من الأراضي المخطط استصلاحها، والخطة الخمسية الخامسة نُفذ 8 في المئة منها، وبلغ مجموع ما استصلح من الأراضي في الفترة الممتدة (1970-1980) 51 ألف هكتار، بينما المخطط الموضوع منذ عام 1966 يقضي باستصلاح 640 ألف هكتار!
في المقابل، وقبل عام من الوحدة، أي 1957، بلغ مجموع الأراضي المستثمرة بعليا ومرويا 4 ملايين و649 ألف هكتار أي أكثر من الخطط الموضوعة!
بيد أن حافظ الأسد، نجح في تأمين مبلغ ملياري ليرة سورية عام 1980، أي ما يعادل نصف المعونات الخارجية السنوية في ذلك الوقت، لبناء قصره على تلال الربوة، وفقا لصحيفة “لوموند” الفرنسية التي اعتبرته “رمزا للديكتاتورية”.
ونجح نظامه في التأسيس لجذور الفساد والسمسرة، فعندما تبرعت السعودية ﺑ100 ألف برميل من النفط يوميا لسوريا ولمدة سنة واحدة وبيعت الصفقة في سوق روتردام الحرة بهولندا بعمولة قدرها 5 دولارات للبرميل الواحد، تبين أن شقيق أحد كبار المسؤولين السوريين قد تقاضى العمولة. وفقا لصحيفة “الوطن العربي” عدد 175 عام 1980.
أما صحيفة “النذير” في عام 1980، فقد كشفت أن الأمين العام للحزب عبد الله الأحمر تقاضى عمولة قدرها 700 ألف ليرة لقاء عقد مع شركة ألمانية بقيمة 4.5 مليون مارك ألماني لتوريد أثاث ومفروشات وألومنيوم لمقر الحزب في دمشق.
وإذا أردنا التكلم عن الجرائم التي ارتكبها نظام حافظ الأسد، يكفي التدليل بمجزرة حماة عام 1982، التي نفذتها “سرايا الدفاع” بقيادة رفعت الأسد، وقدرت أعداد الضحايا السوريين آنذاك بين (40–60) ألف قتيل، وأكثر من 17 ألف مفقود!
وعندما أراد حافظ الأسد التخلص من أقرب معارض له حاول الانقلاب عليه (رفعت الأسد)، كان التخلص منه على حساب الدولة والشعب.
اتفق الأخوان على صفقة مالية ضخمة حصل بموجبها رفعت على 300 مليون دولار، ثلثاها (200 مليون دولار) من المال العام السوري!
ذكرت جمعية “ميدل ايست ووتش” في تقريرها لعام 1991 أن نظام حافظ الأسد كان أكثر الخارقين لحقوق الإنسان، وتسبب في قتل أكثر من 10 آلاف سوري خلال تسلمه الحكم.
وفي عام 1984 نشرت منظمة العفو الدولية قائمة ﺑ38 نوعا من أنواع التعذيب في سجون حافظ الأسد، وبعد موته قدرت المنظمة عدد السجناء السياسيين السوريين ﺑ1500 سجين، وآلاف المختفين قسريا.
فإذا كان نظام الأسد الأب قد اتكأ في حكمه على تأسيد “البعث” والجيش وكافة المؤسسات العامة والأمنية بأدواته القمعية والأمنية والفسادية، مستنسخا قوانين ديكتاتورية ثم صُدرت جميعها إلى الجماهير الكادحة والجماهير الممسوخة بشعارات رنانة حتى مماته، فإنه شكّل أرضا صلبة لتأمين استمرارية إمبراطورية الأسد وتوريثها إلى الابن من بعده.
ديكتاتورية مودرن
حاول الرئيس الهارب بشار الأسد ترقيع ما أفسده الوالد، لكن “العرق دساس”.
في أول خطاب افتتاحي لمجلس الشعب عقب اعتلائه سدة الحكم عام 2000، ركز بشار الأسد على استمرارية العمل بسياسة والده، مؤكدا أن الوالد حضر لهم أرضا صلبة وأساسا ثابتا وتقليدا كبيرا من المبادئ والقيم.
سار بشار الأسد على نهج أبيه، مؤكدا حتى قبل سقوطه بأشهر: “لن نخلغ العباءة الاشتراكية”!
اشتراكية الابن جاءت بطريقة ديكتاتورية مودرن، ما لبثت أن تحولت إلى ديكتاتورية تشبيحية بعد الثورة السورية وبالقانون.
أوحى الرئيس الساقط مع وصوله إلى الحكم بأنه سيحمل البلاد نحو تعددية سياسية وسياسات اقتصادية أكثر انفتاحا باتجاه “السوق الاجتماعية”. فماذا يقول إذن عن اقتصاد السوق الاجتماعية بعد أن أعاد تدويل المال والفساد على رؤوس الأغنياء الجدد، ورثة العهد القديم (رامي مخلوف نموذجا).
السوق الاجتماعية لم تخرج عن كونها بسطة قرارات حكومية تتصدر إلى الشعب بالجملة، من رفع الدعم تدريجيا عن المواطنين مع تحليق أسعار المحروقات والغاز، وانخفاض سعر الليرة مقابل الدولار من 49 ليرة منذ استلامه الحكم إلى 15 ألف ليرة وقت سقوطه والحجة حاضرة دائما “واقع الحرب في البلاد التي فرضت تلك التغييرات الاقتصادية”. تلك التغييرات التي لم تصل إلى قصر الأسد ولم تطرق بيوت آله ورجالاته، وإنما أثروا على حساب الوضع في البلد.
من الدهشة أن بشار الأسد ونظامه، عندما يتوجهون بخطبهم أمام الشعب تشعر وكأنهم يتكلمون عن أي دولة إلا سوريا، وعن أي شعب إلا السوريين في طريقة استخفاف بذاكرة الشعب ومعاناته.
عندما نادى الرئيس الساقط بشار الأسد بالتعددية الحزبية بعد 5 أشهر من بدء الثورة السورية وما رافقها من حملات عسكرية خلال تلك الأشهر، هو نفسه قمع حرية التحرر السياسي أول ما تسلم الحكم.
وذلك بعد أن خرجت الأصوات تطالب بإصلاحات قضائية وقانونية واقتصادية وتعددية سياسية ورفع حالة الطوارئ في البلاد، فيما كان يعرف آنذاك بربيع دمشق الأول عام 2000، وما تلاه من بياني 99، و1000، فقوبلوا بالاعتقالات وحملات القمع والإقصاء.
لا أثر يذكر لمسيرة التغيير والتحديث التي أرساها بشار الأسد إلا في خانة تغيير كل من يقف في وجه مملكته الأسدية ومن يرى فيهم تهديدا لمصالحه.
اتهم كبار المعارضين (أمثال رياض الترك، رياض سيف، مأمون الحمصي) آنذاك بالخيانة والانتهازية الوصولية وتهديد الوحدة الوطنية والاستقرار وأنهم يريدون العودة إلى الاحتلال الأجنبي وذلك عبر نشرة البيان الرسمي لحزب “البعث” رقم 1075 بتاريخ 17 فبراير/شباط 2001.
وفي كل مرة نحسب فيها أن “سوريا الأسد” راسخة ثابتة، فلأنها حُكمت بالبطش والترهيب باسم “البعث” المتغلغل في كافة مفاصل الدولة، حتى بدا كل من الشعب والسلطة الثابت الذي لا يتغير والساكن الذي لا يتحرك، لا مكان لنقد هنا ولا معارضة هناك.
ثم جاءت الثورة السورية 2011، فواجه نظام الأسد الساقط الشعب السوري بشتى صنوف الإذلال والعذاب، منتهكا أبسط حقوقهم وحرياتهم وممتلكاتهم عبر ماكينة قانونية لا تتوقف. وما الـ29 قانونا التي كانت تصدر كل عام بعد 2011، إلا دليلا على تفعيل تلك الماكينة، لاستحداث حياة جديدة في سوريا “أن تعيش لتحصن مملكة الأسد”.
المجلة
—————————
غموض استراتيجية واشنطن في سوريا: رؤيتان متناقضتان؟/ يحيى شمص
ثلاثة مطالب رئيسية تريدها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من حكومة أحمد الشرع كي تدعمها.
تحديث 13 أذار 2025
تتغير الرؤية الأميركية بشأن سوريا بشكل مستمر استجابة للمتغيرات السياسية والأمنية الطارئة، إذ أصبح الدعم العسكري الأميركي لقوات سوريا الديموقراطية (قسد) في الشمال حاجة ملحة تتماشى مع المصلحة الأميركية، رغم الاتفاق الأخير بين قسد والرئيس السوري احمد الشرع، والذي لم يبدأ الطرفان تنفيذه حتى الان.
ويتزامن التحرك الأميركي مع عمليات عسكرية إسرائيلية في الجنوب، ما يعكس، بحسب مراقبين، تنسيقاً مُسبقاً لتحقيق هدف مشترك: إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط، بحيث تظل إسرائيل في المقدمة، مع تراجع أي نفوذ إقليمي أو دولي خارج نطاق السيطرة الأميركية – الإسرائيلية.
ومع تولي الشرع للسلطة، برزت تساؤلات عدة بشأن كيفية تغيّر سياسة أميركا تجاه سوريا، وعن استراتيجيتها الحالية وأهدافها ومصالحها، وعن مطالبها من الرئيس السوري الانتقالي، لا سيما بعد الاتفاق مع قسد في الشمال والتفاهمات مع القوى الدرزية في الجنوب، وترتيبات الساحل اثر المجازر الفظيعة هناك.
رؤيتان أميركيتان تجاه سوريا؟
كانت السياسة الأميركية في سوريا موضوعا للتباين في الآراء والمقاربات، وهذا يعكس عدم وجود رؤية واحدة لدى صناع القرار في واشنطن. وفي هذا السياق يسلط الكاتب والمحلل السياسي من واشنطن حسن منيمنة الضوء على رؤيتين رئيسيتين تجاه سوريا في الولايات المتحدة.
الرؤية الأولى تأتي من الطاقم السياسي القديم، الذي يركز على تحقيق الاستقرار من خلال دعم حكومة مركزية قادرة على التعامل مع الولايات المتحدة وفق معايير معينة وتحت رقابة مستمرة. وبناءً على هذا الأساس يتم الدعم ورفع العقوبات وتحقيق أمور إجرائية أخرى.
الرؤية الثانية تتبنى المنظور الإسرائيلي، وتقول إن “سوريا الأنفع” هي المشتتة والمفككة. هذا التوجه يدعم “قدس”، وربما يدعم قيام منطقة ذات وضع خاص في الجنوب السوري، وينظر بإيجابية إلى الحالة الخاصة بالساحل السوري.
وعلى الرغم من التناقض بين هذين التوجهين، يلفت منيمنة، في حديثه لــ”النهار”، إلى أن الولايات المتحدة تمضي قدما في اتباع كليهما، بحثا عن توازن يضمن لها دورا في مستقبل دمشق.
المعضلة الأساس في اتفاق الشرع وقسد؟
يرى منيمنة أن “قسد” ونظام الشرع يتمتعان بسمات مشتركة، إذ يعتمد كلاهما على قوة ذاتية مدعومة من أطراف خارجية، فبينما تعتمد “قسد” على حزب العمال الكردستاني في قضايا معينة، يعتمد نظام الشرع على القوى العسكرية الأجنبية مثل المجموعات الأوزبكية والأويغورية والشيشانية.
يحذر منيمنة من احتمال نشوب مواجهة بين “قسد” ووزارة الدفاع السورية (الفصائل التابعة للشرع)، وهو ما قد يضعف العنصر السوري في كلا الجانبين، أي يجعلهما مضطرين للاعتماد على دعم خارجي.
المعضلة الأساس تكمن في كيفية تنفيذ اتفاق الدمج بين الطرفين، والذي يتطلب موافقة جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الحكومة السورية. وفي حال تم تنفيذ الاتفاق بنجاح، قد يساهم ذلك في تغيير طبيعة الدولة السورية نحو دولة مركزية بدلاً من دولة إسلامية، ما يمنح الأكراد فرصة لتأمين مصالحهم بما يخدم وحدة سوريا.
يرفض منيمنة الربط بين الاتفاقات الأخيرة والمجازر في الساحل السوري، لكن توقيت هذه الأحداث قد يسهم في تسريع بناء التحالفات، ويؤكد أن نجاح الاتفاق يعتمد على نقطتين رئيسيتين:
أولاً: التحقيق الجاد في مجازر الساحل.
ثانياً: وقف المناوشات بين “قسد” ووزارة الدفاع السورية لا سيما في المناطق الكردية.
ماذا تريد واشنطن من حكومة الشرع؟
وهناك ثلاثة مطالب رئيسية تريدها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الحكومة السورية حتى تدعمها، وفق منيمنة، وهي:
1- المساهمة في تفكيك أي فصيل يمكن أن يصنف إرهابياً في الولايات المتحدة.
2- عدم الاعتراض على الاحتلال الإسرائيلي للجولان باعتبار أن الولايات المتحدة قد أقرت به، وعدم الاعتراض على الجنوب السوري كمنطقة نفوذ إسرائيلي.
3- سير الحكومة السورية الجديدة باتجاه تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
تنازلات يسعى ترامب للحصول عليها من الإدارة السورية
الصحافي والكاتب المختص في الشأن الأميركي ستيفن صهيوني لا يرى صعوبة كبيرة أمام إدارة ترامب في صياغة استراتيجية جديدة تجاه سوريا. ومع ذلك، يجب عدم إغفال بأن “الرئيس الأميركي هو رجل أعمال أيضاً يسعى لتحقيق مكاسب اقتصادية من خلال تقديم تنازلات، سواء كانت تتعلق بعقود النفط والغاز أو بمعالجة القضية الفلسطينية وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، بالإضافة إلى المكاسب الاستراتيجية الأخرى”.
وتُعتبر الطاقة عاملا أساسيا في تحديد سياسة ترامب تجاه سوريا، يقول صهيوني لــ”النهار”، والجميع يدرك حجم الثروات النفطية والغازية في البحر الأبيض المتوسط. لذا، يجب أن يكون لدى دمشق موقف متعاون تجاه الإدارة الأميركية، ما يعني أن ترامب لن يسمح بإبرام عقود لإعادة الإعمار أو استخراج النفط والغاز، إلا تحت مظلة المصالح الأميركية.
وبرأيي صهيوني، فإنّ المكسب الوحيد الذي حققته السلطات السورية من اتفاق دمشق هو توقيته، إذ كان العالم أجمع يتحدث عن المجازر في الساحل السوري، أما الطرف الأكثر استفادة هم الأكراد الذين وافقوا على هذا الاتفاق بدعم أميركي، وهناك شروط في الاتفاق تحميهم من أي عملية عسكرية كبرى من قبل القوات التركية. وعليه، لا يستطيع الأتراك تنفيذ أي عملية عسكرية ضد الأكراد بعد هذا الاتفاق، بالإضافة إلى دعوة عبد الله أوجلان لهم بوقف القتال.
تنازلات قدمها الشرع لترامب؟
قدمت الإدارة الجديدة في دمشق تنازلات نتيجة الضغوطات الدولية على خلفية المجازر في الساحل السوري، من خلال تنفيذ مطالب الأميركيين في عدة ملفات، منها الملف الكردي المرتبط بالاتفاق الأخير، والتسوية مع الدروز، والعلاقة مع إسرائيل، ويحتمل أن يكون هناك ما يتعلق بملف التوطين. هذه التنازلات جاءت نتيجة الأخطاء والمجازر في الساحل السوري والضغوطات الدولية المتزايدة.
ويذكّر صهيوني بالدعوة الروسية – الأميركية لعقد جلسة لمجلس الأمن، وهو أمر لم يحدث منذ عدة سنوات، ما دفع الإدارة السورية إلى الإسراع في تدارك أي قرارات جديدة أممية قد تصدر ضدها، وبالتالي تقديم تنازلات عاجلة، بعضها سري، وقد يتم الكشف عن تفاصيلها في المستقبل.
ويعتبر تحقيق الاستقرار في سوريا مطلباً أميركياً قد يتطلب تنازلات معينة من الحكومة السورية الجديدة. وفي حال تم قبول نظام تقسيمي مستدام، تبقى احتمالات الهدوء والوحدة ضعيفة للغاية في ظل المشهد السياسي المتشرذم.
النهار العربي
———————-
عودة سوريا إلى الجامعة العربية.. مكاسب استراتيجية مهدَّدة/ نينار خليفة
11 مارس 2025
لحظةٌ تاريخيةٌ، بدايةُ مرحلة جديدة، خطوةٌ نحو توحيد الصفوف ومواجهة الأزمات المشتركة؛ هكذا وصف الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، عودة سوريا إلى الجامعة العربية خلال مشاركته الأولى في القمة الطارئة التي عُقدت بالعاصمة المصرية القاهرة، في 4 آذار/مارس الحالي، لبحث تطورات القضية الفلسطينية، والوصول إلى صيغة نهائية لخطة إعمار قطاع غزة المدمر.
وتتزامن هذه القمة مع تحدياتٍ جمّة تواجه الإدارة السورية الجديدة داخليًا وخارجيًا، لا سيّما في ظل ما تشهده من تهديدات إسرائيلية وإيرانية، زاد من حدتها تفجّر الأوضاع في الساحل السوري، ما وضعها أمام استحقاقات جديدة.
كما تأتي في وقت تسعى فيه الإدارة الجديدة لبناء علاقات استراتيجية فاعلة مع الدول العربية، تقوم على مبدأ تصفير المشاكل وكسب الاعتراف والود، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد، والنهوض بها نحو إعادة الإعمار.
انفتاح مشروط
أستاذ العلاقات الدولية، عبد القادر نعناع، يرى أنه من الطبيعي أن تسعى الإدارة السورية الجديدة إلى استعادة مكانتها وفعاليتها في العالم العربي، كما أن ذلك يصبّ في صالح الدول العربية.
ويقول في حديثه لـ “الترا سوريا”: “رغم أن بعض الفتور كان ظاهرًا في الأسابيع الأولى من استلام الشرع بين سوريا ومصر، إلا أن من مصلحة مصر وكل الدول العربية أن تستعيد سوريا مكانتها من جهة، إلى جانب إخراجها من المحور الإيراني وموازنة النفوذ الإقليمي، وحيث إن القضية الفلسطينية تشهد واحدة من أكثر مراحلها خطورة، فإنها تحتاج إلى توافق عربي على آليات المرحلة”.
ويضيف: “هذا يستوجب الانفتاح على الحكومة السورية بغض النظر عن أية تحفظات لدى بعض الحكومات العربية، وبالنتيجة هو ما يجب أن يكون فعلًا، أي أن تشارك سوريا الجديدة في المحافل الإقليمية والدولية كافة، حتى ترسّخ شرعية التغيير الحاصل”.
وتعكس دعوة الإدارة السورية الجديدة للقمة رغبة عربية في استقرار سوريا وخروجها من أزمتها الطويلة، وفق ما يؤكد نعناع، لكنه يشير إلى أن هذه الرغبة تترافق بشيء من الترقب العربي والدولي لسلوكيات الحكومة الجديدة، وإن كانت دول مثل قطر والسعودية وتركيا أكثر انفتاحًا، إلا أن الجميع يراقب المشهد السوري ومآلاته. ويرى نعناع أن هناك توافقًا عربيًا حول ضرورة الاستقرار في سوريا وإنهاء الحرب والأزمات، لكن هذا التوافق قد يتردد في مزيد من الانفتاح على الحكومة الحالية مؤقتًا، بانتظار المزيد من السلوكيات المطمئنة.
وكان الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، قال في لقاء على هامش القمة: “سوريا في مكانها الطبيعي وهي بين إخوانها، وهي جزء من الحضن العربي ولا أقول عادت إلى الحضن العربي”، مضيفًا: “مصر والشام جناحان لطائر واحد هذه الحالة الطبيعية على كل فترات التاريخ”.
الإدارة الجديدة تحت المجهر
بدوره يؤكد أستاذ العلاقات الدولية، خطار أبو دياب، وجود توافق عربي إزاء الإدارة السورية الجديدة، ويضيف في حديثه لـ “الترا سوريا”: “رغم الملاحظة حول هذا الأداء أو ذاك هناك من استخلص الدروس بضرورة عدم عرقلة المرحلة الانتقالية في سوريا”.
أكد كل من البيان الختامي لاجتماع مجلس التعاون الخليجي المنعقد في 7 من آذار/مارس الحالي، والمؤتمر الدولي في باريس 13 شباط/فبراير الماضي، واللقاءين الوزاريين اللذين عُقدا بمدينتي الرياض في 12 كانون الثاني/يناير الماضي، والعقبة في 14 كانون الأول/ديسمبر الماضي، بشأن الوضع في سوريا، على دعم عملية انتقالية سلمية تمثل كل القوى السياسية والاجتماعية، وتحفظ حقوق السوريين.
لكنّ هذا التوافق العربي لا يمكنه أن يتحوّل إلى دعم فعلي بسبب العقوبات الأميريكية المفروضة على سوريا، والتي تشكل عقدة تحول دون ذلك، وفق ما يشير أبو دياب، لافتًا إلى أن أعمال العنف التي حصلت في الساحل السوري، ستُبعد أفق رفع العقوبات الأمريكية، وإعادة انخراط سوريا في المنظومة الدولية، كما ستؤدي إلى انتكاسة على صعيد الاحتواء العربي. ويضيف في هذا السياق: “على الحكم الجديد أن يصحّح أداءه في الداخل، وعلى العالم أن يقف بوجه تدخل إيران وإسرائيل، ويجب ألا تكون سوريا مسرحًا للنفوذ التركي والإسرائيلي والإيراني، وألا تسقط ضحية صراعات من هذا النوع، تصحيح المسار يمكن أن يرتبط بمزيد من التفاهم العربي والقناعة بدعم الحكم الجديد”.
سوريا في الحضن العربي
تشكل عودة سوريا إلى الحاضنة العربية مكسبًا استراتيجيًا لها على عدة أصعدة، وفق ما يوضح أستاذ العلاقات الدولية، عبد القادر نعناع. فمن الناحية الدبلوماسية: “تسهم المشاركة الفعّالة في المنظمات الإقليمية والدولية بتعزيز سياسات سوريا الخارجية وترسيخ شرعية المرحلة الانتقالية، إضافة إلى أن قبول سوريا في محيطها العربي يعزز من مكانتها على الساحة الدولية”.
واقتصاديًا يمكن أن تحقق فوائد ملموسة، “مثل تعزيز التعاون التجاري، وجذب الاستثمارات المشتركة، والمساهمة في مرحلة إعادة الإعمار والعدالة الانتقالية”.
ويعدّ بناء كتلة إقليمية ودولية داعمة أمرًا ضروريًا لمواجهة التهديدات الأمنية الإيرانية والميليشياوية والإسرائيلية التي تتعرض لها سوريا، بحسب نعناع، خاصة وأن هذه التهديدات تؤثر على مصالح العديد من الدول العربية. بموازاة ذلك، تمثّل عودة سوريا إلى المنظومة العربية تحوّلًا استراتيجيًا يعزّز من الأمن القومي العربي. ويلفت عبد القادر نعناع إلى أنه “في السنوات الماضية، كانت سوريا منطلقًا للتهديدات الأمنية عبر الميليشيات الإيرانية وتهريب المخدرات ونشاط الجماعات الإرهابية العابرة للحدود، لذا شهدنا انفتاحًا واضحًا من دول مثل السعودية والأردن ولبنان وقطر، بهدف القضاء على هذه المخاطر”.
ويؤكد أن عودة سوريا تُعدّ خطوة لتوسيع آفاق التعاون العربي، سواء عبر تعزيز التنسيق الأمني والاستخباراتي، أو من خلال دعم الاستقرار السياسي والاقتصادي في المنطقة، ما يسهم في موازنة القوى الإقليمية ضد التأثيرات الخارجية السلبية.
في كلمته بقمة القاهرة، دعا الشرع الدول العربية إلى تحمّل مسؤوليتها بدعم سوريا لمحاربة سياسات إسرائيل والضغط عليها للانسحاب من الجنوب السوري، مؤكدًا أن “التهاون في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي قد يفتح المجال لمزيد من التحديات والتهديدات على الأمن القومي العربي”.
ودان البند (21) من البيان الختامي للقمة، الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا والتوغل داخل أراضيها الذي يعد خرقًا فاضحًا للقانون الدولي وعدوانًا على سيادتها وتصعيدًا خطيرًا يزيد من التوتر والصراع.
امتحان الساحل
يحذر نعناع من أن الطرفين الإيراني والإسرائيلي، يجتمعان اليوم على تغذية الفوضى في المشرق العربي عمومًا وسوريا خصوصًا، في محاولة من كل منهما لتوسيع حماية مناطق نفوذه.
ويضيف: “تحاول طهران إحياء مشروعها الذي تعرّض لانكسار بعد أحداث 7 من أكتوبر واغتيال الأمين العام السابق لحزب الله، حسن نصر الله، وهروب بشار الأسد، عبر وكلاء جدد، لكن بذات الآليات السابقة، وهي آليات زرع الفوضى”.
وهو ما يذهب إليه أستاذ العلاقات الدولية، خطار أبو دياب، إذ يؤكد أن إيران لن تسلّم بسهولة بهزيمتها في سوريا، مشيرًا إلى أن ما يحدث في الساحل هو خطة إيرانية هدفها إرباك الإدارة السورية الجديدة إن لم نقل إسقاطها.
وفي 11 من شباط/فبراير الماضي، تحدثت صحيفة “تركيا” عن اجتماع عُقد بمدينة النجف العراقية بين جنرالات من الحرس الثوري الإيراني وضباط من جيش نظام الأسد، لتدبير انقلاب على الحكومة الجديدة.
ويعد الضابط غياث دلة، الذي أنشأ مع ضباط من جيش النظام السابق “المجلس العسكري لتحرير سوريا” في الساحل، من المقربين للمحور الإيراني.
ترافق ذلك مع تصريح للمرشد الأعلى، علي خامنئي، قال فيه إن “الولايات المتحدة وإسرائيل خططتا لإسقاط الأسد وإخراج إيران من سوريا”، مضيفًا أن “الشباب السوريين سيستعيدون البلاد”.
ويُرجع أبو دياب الفوضى الأمنية الحاصلة في الساحل لمجموعة من الأخطاء التي ارتكبتها الإدارة الجديدة خلال الأشهر الثلاثة الماضية، معتبرًا أن “أسلوب التسويات في التعامل مع ضباط النظام السابق لم يكن ناجحًا، وفيه قصر نظر أمني وسياسي، إذ كان يتوجب الحذر من هؤلاء ومحاولة ملاحقتهم ووضعهم تحت الإقامة الجبرية، واتخاذ إجراءات لعدم تركهم يستغلون أول فرصة للقيام بحركة تمرد، فضلًا عن عدم بدء مسار عدالة انتقالية”.
ومن ناحية أخرى “لم تربط الإدارة الجديدة أقوالها بأفعالها لناحية التشاركية، ولم تحاول حتى إشراك من كانوا في صلب العمل الثوري منذ عام 2011، لا ضباط ولا دبلوماسيين ولا سياسيين منشقين”، ويختم أبو دياب حديثه بالقول: “سوريا بلد معقد ونموذج غير عادي يجب أن يتشارك في حكمها كل السوريين، ويتوجب استخلاص الدروس قبل فوات الأوان حتى لا تدخل سوريا في حروب أهلية ودوامة عنف لن تخرج منها أبدًا”.
الترا سوريا
——————————
أحزاب تتشكل وأخرى تتوسع.. هل تفتح سوريا صفحة جديدة في العمل السياسي؟/ محمد كساح
13 مارس 2025
يرى كثيرون أن سوريا مقبلة على حياة حزبية نشطة في الفترة الانتقالية بعد لجوء عدد من الأحزاب إلى نقل مقارها إلى الداخل السوري وتوسيع فروعها لتشمل معظم المحافظات، بالتوازي مع الإعلان عن إطلاق أحزاب جديدة، يمكن أن تفتح صفحة جديدة في الحياة السياسية في بلاد كان يحكمها الحزب الواحد.
النشاط الحزبي الحثيث يطرح علامات استفهام عديدة حول معطيات السماح بالعمل الحزبي في سوريا في ظل حل السلطة جميع التشكيلات وعدم إصدار قانون أحزاب، وهل يمكن أن تشهد البلاد عودة حقيقية للعمل السياسي وفق إطار الحريات السياسية وصندوق الاقتراع؟
مشاركة وهواجس
فور سقوط النظام، سارع “تيار سوريا الجديدة” إلى نقل مقره المؤقت في أعزاز بريف حلب إلى العاصمة دمشق، ليكون فيها المقر الدائم بالتوازي مع فتح شعب متعددة في كل المحافظات.
يؤكد رئيس “تيار سوريا الجديدة”، ياسر تيسير العيتي، في حديث لـ”الترا سوريا”، أن للسوريين “الحرية في أن يعبروا عن آرائهم السياسية وأن ينظموا أنفسهم في أحزاب تضع رؤى وبرامج وتتنافس فيما بينها عن طريق صناديق الاقتراع للوصول إلى الحكم”، ويعتبر أنه: “من دون حريات سياسية وأحزاب سياسية ستعود سوريا إلى حكم الحزب الواحد والرجل الواحد”.
ويأمل العيتي ألا تمنع الإدارة الجديدة النشاط الحزبي في المرحلة الانتقالية بحجة عدم الاستقرار والخوف من الفوضى، ما يشكل تحديًا كبيرًا أمام الحياة السياسية في سوريا الجديدة.
ويعتقد أن السلطة الحالية: “أصبحت مدركة لأهمية إصدار قانون مؤقت للأحزاب وهي التوصية التي أكد عليها معظم المشاركين في محور الحريات السياسية في مؤتمر الحوار الوطني وإن لم تدرج بشكل واضح في البيان الختامي”، لافتًا إلى أن: “من المؤشرات الإيجابية بهذا الخصوص أن السلطة الحالية تسمح بالنشاطات واللقاءات التي تقوم بها القوى السياسية منذ التحرير وإلى اليوم”.
شارك التيار في مؤتمر الحوار الوطني الذي تم عقده في دمشق مؤخرًا، حيث ركز الأعضاء في مداخلاتهم على ضرورة الإعلان الدستوري المؤقت الذي يحدد صلاحيات السلطة ويحافظ على هامش الحريات السياسية والإعلامية مع إصدار قانون مؤقت للأحزاب لتنظيم الحياة السياسية.
يرى العيتي أن أبرز المعوقات التي تواجه الحياة السياسية الراهنة هي ضعف الثقافة السياسية عند عموم السوريين، وضعف إدراكهم لأهمية الأحزاب من أجل الوصول إلى حياة سياسية سليمة في البلاد وعدم العودة إلى الاستبداد، لذلك يجب أن تركز الأحزاب السياسية على رفع وعي السوريين تجاه هذا الموضوع حتى يتشجعوا على الانضمام إلى الأحزاب السياسية والمشاركة في نشاطاتها.
في انتظار قانون للأحزاب
قبل أسابيع قليلة، قرر حزب “التضامن” توسيع فروعه في الداخل السوري، وذلك بعد أكثر من عقد على وقف العمل الحزبي داخل الأراضي السورية، حيث يتطلع الحزب إلى المساهمة في الحياة السياسية، بالرغم من حالة الضبابية التي تسود الأجواء.
تأسس حزب “التضامن” قبل قيام الثورة السورية بسنوات وكان ينشط دون ترخيص ما جعله مراقبًا من قبل الأجهزة الأمنية حتى صدور قانون الأحزاب بعد قيام الثورة، وكان الحزب من أول الأحزاب المرخصة أملًا بالحوار مع النظام لتلبية المطالب الشعبية في الحرية والديمقراطية، إلا أنه ومع مرور الوقت تبين أن النظام الأسدي غير قابل للإصلاح أو الاستجابة لمطالب الشعب، بينما تبدى أن قانون الأحزاب هو خدعة تظهر النظام أمام العالم بمظهر الديمقراطية والتعددية السياسية.
الأمين العام لحزب التضامن، عماد الدين الخطيب، قال لـ”الترا سوريا” إن “الحياة السياسية في سوريا شبه معدومة منذ عام 1963 مع قدوم حزب البعث للسلطة رغم التعطش للعمل السياسي، وفي ظل هذا التعطش يتطلع السوريون نحو إصدار قانون عصري للأحزاب يتيح لها العمل السياسي بحرية وفق الدستور وبما لا يتعارض مع المصلحة الوطنية”.
يرى الخطيب أن “كل المؤشرات والتصريحات من المسؤولين تشير الى أن العمل السياسي حر ومكفول للجميع ولكن مازال حتى الآن في حالة ضبابية لا سيما بعد حل أحزاب النظام السابق، وخشية المجتمع المدني من التضييق على العمل السياسي”.
ويؤكد الخطيب حالة الترقب والانتظار لرؤية ما ينطوي عليه قانون الأحزاب الجديد وهل ستكون هناك فسحة حقيقية للعمل السياسي، مشيرا إلى أن حزبه “ينتظر ما ستسفر عنه الأيام القادمة وحينها يمكن أن يعلن موقفه تجاه الحياة السياسية”.
وفقًا لكتاب “الأحزاب السياسية في سوريا”، الصادر عن مركز جسور للدراسات، يبلغ عدد الأحزاب السورية المشكلة، على مدار قرن كامل، 134 حزبًا سياسيًا، من بينها 92 حزبًا نشأ بعد عام 2011، الذي كان تاريخًا مفصليًا في الحياة السياسية السورية.
وكان “مؤتمر النصر”، الذي عقد عقب سقوط النظام، قد حل حزب البعث وجميع أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، لكن عددًا من هذه الأحزاب، ومن بينها الحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي السوري والحزب الشيوعي السوري الموحد.. أصدروا بيانات رافضة للحل.
—————————–
أختي في جبال العلويّين: هلع أنْ يكسر بابك في الليل وحش ضاحك لا يحبُّ من أسماء الله إلا المنتقم/ جولان حاجي
13-03-2025
الله والخنازير
يشتدُّ خفقان قلبي أمام وجوه الأطباء والصيادلة الذين قُتلوا في الساحل.
أختي، الطبيبة الكردية المقيمة منذ خمسة وعشرين عاماً في قرية الدالية، قرب جبلة، أسعفت بعض الجرحى أمس، بعد القصف بالمدافع ونيران الرشاشات. أسعفتهم بما تستطيع، بخياطة جرح أو كيس سيروم.
كيف سأتخيّل الآن ما تنتظره كردية وعائلتها في قرية لـ «النصيرية»؟
أين المفرّ وكلّ الطرق مغلقة؟
«كلُّنا في الفخّ، والكهرباء مقطوعة». دقائق من اتصال الواتساب في الوقت المستقطع من الكابوس.
من أين سيأتيك النوم، وكيف ستحمي قلبك من الانفجار، إذا سمعت عن جثامين عائلة تعمل في البيوت البلاستيكية ببانياس، أو طالبة طبّ، كردية بالصدفة، قتلتها طلقة طائشة وهي نائمة في المدينة الجامعية باللاذقية؟ كيلومترات من أرتال السيارات، المتجّهة إلى الساحل، المصوّرة من الجوّ، آتون إلى قتلك، وأنت وحدك تماماً.
هلع أنْ يكسر بابك في الليل وحش ضاحك لا يحبُّ من أسماء الله إلا المنتقم.
رعب أنْ تسمع «قُتلوا بدم بارد»، رعب «أن تقرأ النفير» أو «حيَّ على الجهاد» و«الأمور لم تتّضح بعد». الاشمئزاز من «الفلول» و«المظلومية» وكل هذا الهراء أمام قطرة الدم الهائلة التي اسمها سوريا، المسفوحة في حفرة العالم. قتلى في السيارات والحافلات (المفضوحة بأسماء مدنها)، جثث في الشوارع وساحات الكراجات بالقرى، في أحراش السنديان، بين أشجار العرعر والشربين.
ملثّمون بلباسٍ مموّه يتجوّلون بالدراجات النارية في الأزقة والشوارع، ويطلقون النار في الهواء. القتلة ينهبون البيوت أولاً، جوعى في رمضان ولا يفطرهم الدم، ثم يكنسون بلحاهم أرواحَ ساكنيها.
«الرُّوس يتفرّجون على صفقة الموت. قلنا إن الأمر انتهى، لكنهم عادوا ليصلوا رعب الليل برعب النهار. ليس لنا في هذا الرعب إلا رحمة الله. لا ندري من هم، شيشان، أوزبك، سوريون، حمزات، عمشات؟ ربما بينهم من بالوا على قبر حافظ الأسد؟ كمدمني الكابتاغون وجوههم مخيفة. كيف سنميز لحاهم الطويلة من لحى الشبيحة؟ لا ندري ممن يثأرون؟ ولمن؟ إلى أي كهف في الوعر سنهرب؟»
القتلة يفضّلون الطرق المعبّدة، ووجهتهم العنوان نفسه في كل قرية، لأنه العنوان اللامع في عيونهم: الثأر.
مرة أخرى، حقول القتل مُضاءة بالصور. طوال الصباح أتخبّط هناك وأنا هنا، تائهاً بين الكوابيس، وحدي كجميع الذين أحبّهم. أدقّق ما يصادفني، أدقّقه حتى العياء. أكلُّ هذه الصور هي النسيان؟ إلى أين العودة؟ كان السوريون موعظة الخراب، المغادرين في الحكاية التي رُويت. والآن، تحت كل خطوة لغم الهوية، في حياة تبتعد عن الحياة كنبأ يُسمع ثم يُنسى.
ريح آذار، على سفوح جبال العلويين، تحمل بين يديها البداية والنهاية وترميهما في البحر، ككلّ تلك الزهور، زهور العرس والجنازات.
(8 آذار 2025)
الأيام السوداء على لسان أختي
أكانت حياةُ قتَلَتِنا أغلى من حياتنا؟
(جورج برنانوس، «المقابر الكبرى تحت القمر»)
-1-
عصر يوم الخميس 6 آذار. كنتُ في السرفيس، راجعة من جبلة إلى الدالية، حين بدأت الاتصالات تنهال على السائق عند دوير بعبدة: «الهيئة في الضيعة. خذ طريق وادي القلع». كانت هناك دورية من الأمن العام قد أغلقت الساحة للسؤال عن شاب محدّد بالاسم. رفض أهل القرية تسليمه، لأنّ من يذهب لا يعود عادة. تراجعوا في النهاية، تصغيراً للمشكلة، بعد المشاجرة وتبادل الشتائم. اعتقلت الدورية الشاب المطلوب، وذهب معهم خاله ورئيس البلدية والمختار. لكن يبدو أنّ أهل القرية لم يحتملوا أن يُشْتم ابنهم على أرضهم. سرعان ما كمن بعض الشبّان لقوات الأمن العام وأطلقوا عليهم النار، فقتلوا منهم ثمانية عشر عنصراً، وقُتِل منهم أربعة.
لم تكن الشمس قد غربت حين سمعنا عن وصول قنّاص إلى مدخل القرية. هنا بدأ الرعب. النوافذ في مثل هذه الظروف مخيفة، ويجب الابتعاد عنها. أسعفتُ جارنا الجريح الذي أصيب بطلقة في ساقه. أصابت طلقة شقيقَ زوجي وأوقعته عن واحدة من تلك المصاطب الزراعية التي تعرفها في الدالية، فسقط من ارتفاع أربعة أمتار. من أين كنّا سنأتي بالدم لتدبير نزيفه؟ كانت أكسجته أقل من 50 بالمئة ، وهبط ضغطه حتى صار نبضه كالخيط لا يكاد يُجَسّ. نجا بأعجوبة. قام حقاً في اليوم الثالث، ونحن في بداية الصيام المسيحي.
-2-
في يوم الجمعة، وجدوا الشاب المطلوب الذي أخذته دورية الأمن العام مقتولاً على الطريق، مرميّاً بين الأشجار.
قصف الطيران بيت عانا بقذيفتين. قُتل لواء سابق في جوفين مع ابنيه، أحدهما صيدلاني والآخر طبيب بيطريّ. سمعت من أهل القرية إنّ مسلحين مجهولين قتلوا أهل مقداد فتيحة [مؤسّس «درع الساحل»]، ولم يفلت أحد منهم. لو كان المجرمون المعروفون ومهرّبو السلاح وتجّار الكابتاغون وحدهم يهاجَمون لما خفنا. روّعتنا مذابح الأبرياء. المسلّحون الجدد يعرفون أنّ ريف جبلة بأكمله علويّ. كنت أتخيّلهم في قرى أعرفها، يقتحمون البيوت بيتاً فبيتاً، ولا يوفّرون أحداً، لأن الجميع مشبوهون بالسكن هنا. سكنك تهمتك. قالها أحد المسلّحين: «كلُّكم جنود منشقّون». المفارقة أنّ «الجنود المنشقّون» هو الاسم المعتمد للعسكريين السابقين الذين سلّموا أسلحتهم بعد تسوية أوضاعهم مع الحكومة الجديدة.
لم ننَمْ ولم نغيّر ثيابنا، في انتظار أيّ إشارة للهروب إلى الأحراش. كنا سنترك للمجرمين بيوتنا. فلننجو بجلودنا، وليسرقوا ما يريدون. فلينهبوا ويحرقوا. ربما حصة العلويين من القتل الكبير انتهت. لا ندري من التالي. إذا كانت المقتلة سترتدّ إليهم مرة أخرى، فسيكون مصيرهم كالهنود الحمر. سمّى الأميركيون إحدى حواماتهم «الأباتشي»، على اسم إحدى القبائل التي أبادوها. لن أنسى تلك الدقائق عند ظهور الحوّامات في السماء. حين رأيناها تحلّق فوقنا، قلنا لم يبقَ لنا إلا الموت.
كانت الضربة الأقسى في بانياس. أرعبنا الوشاة، فبعض الحقودين في المدينة وشوا بأسماء العلويين وعناوينهم وتناقلتها صفحات الفيسبوك. كان الفاصل في هذه الإبادة هو دوّار المصرف، فشماله يسكن العلويون، وجنوبه السنّة حيث ظلّت المحلات مفتوحة ولا ترى على الأرض شظية زجاج واحدة. في يوم الرعب الأقصى، بدا لي ذلك الحاجز الخفيّ منيعاً هائل الأبعاد. ابتسم الآن بعدما ذكّرتني بجدار الزمن في أساطير الهند: سور حديدي طويل شاهق يحاول ناسكٌ أنْ يهدّه بريشة.
كان شمال المصرف في بانياس جهة التنكيل والتحطيم. دِيست جثث المدنيين بالسيارات. كُوّمت كالقمامة في صناديق المركبات. أخبرنا أصدقاؤنا أن بعض المنفّذين من الأويغور والشيشان والأوزبك، كأنهم آلات ينفّذون أوامر لا نعرفها. ربما لم يكونوا مثل شبيحة بشار في التعفيش، لأنهم يريدون الأذى الصرف، ولا يبيعون مسروقاتهم فيما بعد. أرادوا أن يحرموا ضحاياهم من كل شيء. كان يسلبونهم هواتفهم، ويحطمّونها قدّام عيونهم. كنت أعرف زوجين فقيرين يحرسان مشتلاً للزهور كثير الأبواب. صباح يوم الجمعة، كانا يتناولان الفطور تحت الأشجار حين امتلأت الحديقة بالمسلّحين، الشيشان على الأغلب. صاحب المكان ميسور الحال، من سنّة جبلة. كان قد خزّن في مستودعه ثلاثمائة بيدون زيت زيتون. نهبوها بالكامل، ولما استمهلتهم الزوجة قليلاً، كان الجواب طلقة في الرأس.
-3-
مخاوف الأزمنة الغابرة تلمع في عيون الناس في قرى العلويين. كأن قلوبهم مفطورة على هذا الخوف: احتمال الهروب من أيّ مكان انتقلوا للعيش فيه، مثل عشوائيات عشّ الورور والمزة 86 في الشام، مسرعين إلى جبالهم الأمّ التي انحدروا منها. كانوا حريصين على الاحتفاظ بأيّ مسكن في قراهم، ولو مجرد غرفة على سطوح آبائهم، إلى أنْ صعد خوفهم نحوهم.
حتى قبل هذا الانفجار في الجمعة السوداء، كنا مرهَقين من مخاوف الخطف التي كانت تخلي الشوارع منذ الخامسة مساء، خصوصاً في المدن حيث الذلّ أقسى وأشدّ. ليل فارغ موحش، لكنه مملوء بترقّب بشع.
نجا ابني من زلزال شباط 2023، فصلته دقائق عن الموت في انهيار أحد المباني. في السنة الأولى من دراسته هندسة الاتصالات في جامعة حمص، كان متأخّراً عن إحدى المحاضرات، فسأل زميله أنْ يستعير دفتره. سأله الزميل عن اسمه، ولما عرف أنه علي ومن الدالية، أغلق الدفتر وسحبه من أمامه. هذا الموقف، التافه والمقلق، أعاده إلى كنف الذين يعرفهم أو يعرف منابتهم.
كنت أتصل بابني مراراً على الهاتف كلما ذهب إلى الجامعة. أرعبتنا المذبحة التمهيدية في قرية فاحل بريف حمص. في كانون الثاني الماضي، أتى مجهولون مسلحون بالدوشكا، لم يقولوا من هم. أتوا يفتشون منازل العلويين عن الفلول والأسلحة، ثم اقتادوا شباناً مدنيين ولم يعودوا. عثر عليهم أهلهم قتلى، مذبوحين أو مقتولين بالمطارق.
-4-
مئات آلاف العلويين، العسكريين والمدنيين، خسروا وظائفهم منذ هروب بشار في 8 كانون الأوّل. مَن تبقّى من الموظفين في هذا الغلاء لا يتنقّلون ولا يركبون المواصلات، لأن رواتبهم لا تغطّي حرفياً إلا ثمن الخبز فقط. لا مواسم هنا كالجزيرة، ولا مغتربون ليساعدوا أهلهم بالحوّالات. إلى متى سيتقشّفون بالعيش على الخبز والبصل الأخضر المزروع في حاكورة البيت؟ إلى متى ستكفي المونة لدى فلّاحي التبغ والزيتون؟
يقول لي سمّان القرية: «صرنا كالأوروبيين نشتري الخضار بالقطعة». كنت في دكّانه حين أتت طفلة تشتري رأس ثوم وحبة بطاطا واحدة وقدحاً من زيت الذرة. بقية الوجبة بالماء والملح، والنار من عيدان الأحراش. اللعنة، كأنه عصر الصحابة في مسلسلات رمضان. في الواقع، الناس أهلكهم الجوع. في أيام بشار، كان بعضهم يحصل على حفنة من الرز أو البرغل من الأمم المتحدة، لأنّ لصوص المساعدات بالمرصاد. كانت المعونات تُباع على البسطات، وكنّا نسمع أنّ إحدى مهمات أسماء الأسد هي الحفاظ على تجويع الشعب. كنت أصدّق أنّ المعونات تُطمر في مكبّات القمامة، ولا تُعطى للناس. لا يزال المحتاجون حولك كيفما جالت عيناك. فلمَن ستمدّ يد العون، هذا إذا استطعت؟ هل نستطيع أن نشتقّ فعلاً من «الغجر» ونقول: إنّ سوريا بكاملها «تغجّرت»؟
برغم كلّ اليأس والكآبة اللذين يفتكان بقلبي، أقول لك يا أخي: نحن السوريون كالفلسطينيين، لا أحد أقوى منا في البقاء ومصارعة البؤس.
المخطوفة
الخائفون مبعثَرون داخل أجسادهم.
مَنْ راقب جداول الربيع في شعاب الدالية وأطال النظر، فقد يصدّق أنّ الظلمة تشرق أحياناً.
مخلوقٌ لا وجه له في ظلام رأسك، مكتومٌ كغضبٍ قديم، ثقيلٌ كالدابّة وسريع كلسان الحيّة. تكاد تلمح طيفه الأسود وسط الأحراش، يهبط الوديان ويصعد السفوح، من أحشائك إلى حلقك. لا تراه، لكنّه آتٍ ليقبض روحك، وبين فكّيه قلبك. عينه على الحبّ يريد قتله، يريد أنْ يقلب اللطفَ ضعفاً، والبراءة عاراً.
«حدّقْ بي!» لا تنصاع لأمره، وأنت ترى اسمك تحت قدمه اليمنى، وتحت اليسرى وجهك.
بغتةً، كجناح مقطوع يضرب الهواء، يخفقُ الماضي كلّه.
مُسبَلَ العينين، جوابك جواب الفقير الصامت:
«سكين اليوم في يدك مرآةُ الأمس حيث لمعتْ ابتسامتك».
برج بابل المفقودين
مَن أورث المذعورين هذا البيت المبنيّ على سطح موجة؟
الاتصالات مقطوعة، والمجهولون العنيفون، بين الأشجار، على مبعدة مئات الأمتار منك.
بيتك مضاء بالطاقة الشمسية منذ العام الماضي، وأنا أتخيّل أشياء لم تقع حين لا يردّ هاتفك.
هل كنتِ، بين البقع الرطبة لجدران الإسمنت غير المطلية، تسعفين مذعورة أغرقتْ فراشها بما استفرغته معدتها، الخاوية إلا من ماء الينبوع؟ هل حاولتْ أن تنهي حياتها بسمّ الجرابيع، كالعاشقات اليائسات، أم هناك مَن سمّم الماء؟ لا يزال القرويون يخزّنون ماء المطر في خزانات إسمنتية كالغرف، أو يستقون من الينابيع. كانت ستخجل من رائحة غرفتها في حضورك، واصفرار الشرشف بتلك الحموضة المخزية. كنت ستطمئنينها، وربما تمسحين العرق البارد عن جبهتها، وتناولينها منشفة مبلَّلة لتمسح فمها:
«لا تخافي حبيبتي. الحرب انتهت وما انتهت. لا أدري ما نحن فيه الآن».
عرفتُ سيدة من تلك الجبال، تحلم بمزرعة من الأبقار والدجاجات، وسمعت مرة قنبلة انفجرت في البحر. كان التقيُّؤ والدموع جوابَ جسدها حين تسمع صوت الرصاص أو تشمّ رائحة البارود.
المنتشون بالانتصارات سممّوا الهواء بهزائمنا، ونحن نسمعهم يذيعون أسماء القتلى، حاذفين منها أعداءهم.
برج بابل المفقودين.
إشارة النصر الوحيدة الممكنة يرسمها جبلان أخضران مقابل شرفتك.
عودة الأنفاس
ما أجمل أنْ يكون اسمي: «الحالم بك».
أنتِ الخائفة، تطمئنيني: «لم يبقَ إلا القليل. شارفنا على النهاية».
أيّ نهاية؟ أيّ رحلة قطارها أطول من رتل الراقصين السكارى، لا نرى مَن يقوده إلا في المنعطفات؟
لم يهلكنا ما فقدناه حتى الآن، لأن رجوعنا بعد دقائق، منذ سنين. ظهورنا موجوعة من محاولات النوم على مقاعد الطريق، تيبّستْ رقابنا التي نحاول طقطقتها عبثاً. جنينا معرفة قاسية بعرق قلوبنا. لم نفُزْ بـ «الكنز الناقص للعيش»، حتى لو تعلمنا جيداً كيف تُعاش بالثواني الدقائقُ المتبقية. على هذا المنوال، نسجت السنوات قمصاناً ضيقة على أرواحنا.
يطمئنني صوتك. لا ندمَ، لأنني سافرت أو لأنك بقيت. أسنقول وداعاً للدموع على الهاتف، لجفاف الحلق أمام الغرباء، للتعرّق تحت النظرات؟ أما الوعود المزيَّفة فأنا مدركٌ وفاءَها جيداً، لم تفارق حياتي يوماً كي تفارقها الآن.
ولكن، رغماً عن كل ما جرى، لديّ وعد صغير. في المرة القادمة، على الأقل سأسمع معك أغنيات من البحر الأسود في فارنا. سنتذكر معاً فشل عمّي «الكيّس» في مشروع تجارته بالجبنة البلغارية وجلود الثعالب، سنتذكّر لقاءه المطوّل مع السفير القبرصيّ وعطشه الدائم إلى العيران وإيمانه بالمقدرات السحرية للَّبَنْ، حتى تغمض الضحكة عينيك وتثلّم بالغمازات خدّيك.
اللقاح الأوّل
في أيّام بشّار، تابعتِ حملة للتلقيح في حي الدريبة بجبلة. دارت الممرّضة في الأزقّة بمكبّر الصوت ليأتي الأهالي بأطفالهم. كان الهواء مشحوناً، لأن الحيّ سنيّ بكامله، والفكرة الشائعة أنّ الممرضات كلّهن علويات.
الحكومة الجديدة سرّحت تسريحاً تعسّفياً مئاتِ الأطباء والممرضات لأنهم فائضون عن الحاجة في مستشفى جبلة. يُقال إن مديره الجديد يحمل شهادة دكتوراة من جامعة ما في إدلب.
لا يردّ هاتفك، فأحاول إزاحة الخوف جانباً لأتخيّل مرة أخرى، بما أستطيع من هدوء، أشياء لم تحدث لك.
كأنْ يخبركِ أحد المرضى:
-دكتورة عفيفة، إن العارف هو الخائف في كتب العرفان.
العارف لا يواسي أحداً بـ «اليقين» لأنّه اسمٌ من أسماء الموت. أتخيّل مريضك مولعاً بالسجع والقوافي، كالأطفال في تلك النكات البائخة عن الجناس بين السعر والسعير، والشعر والشعير.
تجيبينه على لسان باستور الذي فقد ابنه في حرب لا تعرفينها، واستأجر عربة للبحث عنه، جوّاباً المياتم والمستشفيات والمقابر في ألمانيا وفرنسا:
-العلم والسلم سينتصران على الجهل والحرب.
وتحيط ضحكاتكم المتعبة بتكشيرة المريض. أمهات شرب الحزن نورَ وجوههن، الآباء المفلسون جنود مسرَّحون من جيوش الماضي، ومستقبل الصغار كالسلالم التي تفضي إلى العليات والأقبية، من دون نوافذ أو مخارج.
الجنود القُدامى هربوا إلى البرية يختبئون بين الصخور، لأن الجنود الجدد قادمون. جيوش الحاضر بُعثت من حُطام المدن وقيعان البراميل ووحول المخيّمات.
أليس شهداء الأكاذيب على كلّ الجبهات؟
لم تصدّقي أنّ القصص التي تتناقلها الأجيال لا تزال تدور كالثأر في العروق.
مَن كان سيصدّ أولئك المحاربين المسعورين الذين يُذِلّون المستضعفين بإجبارهم على العواء؟
شفى باستور الصبيّ جوزف مايستر الذي عضّه كلب مسعور أربع عشرة عضّة. أتتْ به أمّه من الألزاس إلى باريس لتعرضه على حكيم يلقّح الكلاب المسعورة. لم يكن قد جرّب لقاحه إلا على الكلاب والأرانب. كان جوزف أول إنسان تلقّى التطعيم ضدّ داء الكلَب سنة 1885. نجا الصغير الذي كان راعياً للأغنام ومربّياً لديدان القزّ. ولما كبر، عمل حارساً لمعهد باستور، حيث يرقد العالم وزوجته متجاورين، لأنه رآه أجدر بالحراسة من مراقد كل القديسين، حتى انتحاره إثرَ احتلال النازيين باريس 1940. كان الحارس قد أورث ابنته ثقافته الجديدة، فعلّمها، نقلاً عمّن شفاه، كيف تستخدم المجهر. لم يلقّنها شيئاً عن الله والملائكة، فمتّعها جهلها بأعاجيب أخرى لا تراها عيناها الجميلتان.
ثقب في الجدار
ابتعدتِ عن الحكمة إلى وضوح الحاجات. التجربة أعلى من كلّ الأحكام.
أمامك ثقب حفرته رصاصة في الجدار، على طرفيه يقف العقلُ والإرادة حائرين ماذا سيدفنان فيه؟
سيكفل الزمن كلّ هذه المنازل الجريحة.
ما أبغضَ أنْ يصير جرحك بيتك بعدما كان بيتك جرحك.
(10 آذار، 2025)
موقع الجمهورية
———————————–
نشيد الحرية.. نشيد الموتى
مازن أكثم سليمان
هذهِ صبيحة عيد ميلادي، وكنتُ أنتظرُ منذ سقوط النظام البائد أن تأتي هذه المناسبة في هذه السنة تحديداً جميلةً لأول مرة منذ ١٤ عاماً كي أحتفلَ بها بالتزامن مع احتفالاتنا بذكرى انطلاق الثورة السورية العظيمة..
… لا أستطيع أن أقنع أحداً بما أراه صواباً، وليست هذه مهمتي، فلا أحد أصلاً يحوز الحقيقة وحده، لكن لا أقبلُ أن يزايد عليَّ أحد في الوقت نفسه، فألمي شاسع، وخذلاني كبير، ومعركتي في مكان آخر خارج نطاق الشخصنة والنرجسية والأنوية..
… أقول بكل وضوح:
لن أخونَ أمانة الثورة ودماء شهدائها وأهدافها بالعمل من أجل تحقيق دولة المواطنة والعدالة والمساواة..
… لن أخذلَ من صدَّقني وآمنَ بما أكتبه وأقوله وأفعله منذ ١٤ عاماً، ولن أخذلَ من لا أستطيع الآن أن أضع عيوني في عيونهم ممن قلتُ لهم من أناس وأصدقاء وكبار وصغار وشباب وصبايا في مقتبل العمر وحتى من أعداء كنوا الاحترام لي من موقع الصدقية على الرغم من الاختلاف والخلاف: إنها ثورة وإنها حرية وإنها عدالة..
… ضميري وأخلاقي وقلبي وعقلي وبوصلتي يشيرون إلى أنني في (حداد) مرير وخذلان هائل لم أشعر بهما طيلة حياتي، فأن تقارع عصابة مجرمة كعصابة النظام البائد يعني أن لا تتفاجأ بأي سلوك أو فعل تمارسه هذهِ الطغمة القذرة مهما كان، أما أن تنتقل إلى ميدان مشروع بناء الدولة بعد ثورة كبرى محملاً بالآمال الشاسعة والعريضة، فلن تستطيع تقبل أدنى خطأ أو خطيئة، ولن تمرر أية شبهة تطعن بما آمنت به أنت وملايين الناس..
… لكنني في الوقت نفسه أبارك من كل قلبي وأتفهم بعمق كل من يريد أن يحتفل بذكرى الثورة، فهذا حقه وأمله بعد طول عذاب وانتظار وتضحيات وأوجاع لا مثيل لها إلا أعظم الأوجاع والمظالم والكوارث على مر التاريخ..
… لقد بذلتُ كل ما أستطيع فعله من أجل سورية منذ العام ٢٠١١، وفي الأشهر الثلاثة الأخيرة بعد سقوط العصابة قمتُ بكل ما ينبغي أن أقوم به في جميع الاتجاهات، وكنتُ أقولُ لمن يسألني عن سر هذه الطاقة والاندفاع والحماس: إنَّ ما حدث أشبه بمعجزة، وسقوط النظام المجرم نعمة كبرى قلما تأتي في التاريخ، وينبغي أن لا نفرط بها أبداً، ولا أن نضيع مكتسباتها بأي شكل من الأشكال..
…كنتُ أقول للأصدقاء والصديقات من حولي، ولمن يثق بي مشكوراً ويعرض عليَّ انتماءً حزبياً أو سياسياً ما، إنه ليس لديَّ أي مشروع للعمل السياسي، ولا طموحات عندي أبداً للحصول على أية مناصب أو شغل أية مواقع أو قطاف أية مكتسبات شخصية؛ فأنا فقط أمارس دوري وواجبي وأتحمل مسؤوليتي في مرحلة انتقالية صعبة وقاسية وهشة بعد ثورة تاريخية عظيمة ينبغي أن يتصدى الجميع لمقتضياتها، فجلّ ما أقوم به هو بدافع أن تصل سورية إلى حد معقول من التوازن والاستقرار ولو نحو أول الطريق الآمن لبناء دولة مواطنة تعددية عادلة، ولصياغة دستور مقبول ولو نسبياً وتدريجياً بما يفتح ثغرة للبناء عليه وتوسيع الهوامش الديمقراطية مستقبلاً، فأنا لست متوهماً وغافلاً عن تعقيدات المشهد الداخلي والإقليمي والعالمي..
… كنتُ خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة أقول لأصدقائي وصديقاتي: إنَّ أكبر أحلامي على الإطلاق وبكل صدق هو أن أعود إلى كتبي وأبحاثي ومشاريعي الثقافية والفكرية التي اشتاقت لي واشتقتُ لها، لكن بعد أن أطمئن أنَّ سورية أصبحت في أيدي أبنائها الأمينة وحماة ثورتها ومشروع بناء دولتها الجديدة..
… والآن، وإلى أن تتحقق أهداف الثورة التي أؤمن بها لن أحتفلَ لا بعيد ميلادي، ولا بأية أعياد للحرية في الوجود..
… أنا بكل وضوح ومباشرة وصدق مع ذاتي أولاً وأخيراً في (حداد) وصمت واحتجاج المواطن الثوري المخذول والمتألم والغاضب إلى أن يتوقف الدم، ويكف الكثيرون عن طعن تلك القاعدة الأخلاقية العظيمة في صميمها (لا تزر وازرة وزر أخرى)، وإلى أن تنتهي الحفلة المزرية والسخيفة بنصب ميزان مقارنة بكفتين متقابلتين ومتهافتتين ومتنافرتين: (فعلوا وفعلنا… نحن وأنتم.. نحن وهم.. دمنا ودمهم)، وإلى أن يحاسب مجرمو النظام البائد في مسيرة عدالة انتقالية حقيقية تضمد الجراح وتجبر الخواطر وتعيد لأصحاب الحقوق والأسر المنكوبة بعضاً من حقوقها، وإلى أن يحاسب أيضاً مجرمو الأحداث الدامية الحالية بكل شفافية وصدقية وحسم..
… أنا في (حداد) إلى أن تعود شعلة الثورة الحقيقية إلى النفوس، وروح المواطنة الحقيقية، وضمائر الانتماء الإنساني الحقيقي الذي لا يعرف ازدواجية المعايير، وهي المعايير الوفية لتسامح أمهات الشهداء المكلومين وشعورهم بالمسؤولية على الرغم من حجم الألم والفقدان كأم الساروت وأخوته الشهداء، وأم غياث مطر وغيرهما، وكتسامح صديقتي العزيزة هنادي زحلوط التي على الرغم من فقدانها لأشقائها الثلاثة، تحدثت بضمير الحرص الأخلاقي والوطني المتعالي على الجراح من أجل حماية سورية ووحدتها، وكإنسانية وغيرة من قضى ٤٢ سنة في سجون النظام المجرم البائد (رغيد الططري)، والذي لم يقل كلمة واحدة منذ خروجه من المعتقلات تنطوي على الحقد أو الثأر أو عماء الانتقام، وكوصايا أبو فرات وحجي مارع وحسين هرموش ورزان زيتونة ومي سكاف وفدوى سليمان ومشعل تمو وباسل شحادة وخلدون زين الدين وفائق المير وعبد العزيز الخير وغيرهم كثيرون وكثيرات من رموز الثورة وأيقوناتها الأصيلة الخالدة ممن نعرفهم، وممن لا نعرفهم وكانوا جنوداً مجهولين بعيداً عن الأضواء والشهرة..
… هؤلاء هم أولياء الدم، وحاملو الأمانة، والأكثر خوفاً على البلاد والعباد والمستقبل، وليس من يشبح على كل من يقول كلمة أو رأياً مغايراً لما في رأسه، فيملأ منشوراته أو ماسنجره بالشتائم والإهانات والتهديدات الغرائزية والشعبوية المسعورة..
… أنا في (حداد)، وإلى أن يعود نهج العقلاء الوطنيين والأحرار كي يسود كأوراق الأشجار الخضراء الوارفة، سأكتفي بالتلويح من نافذة غرفتي لغيوم تشبه من شربتُ من عيونهم وأيديهم السمحة على امتداد سنوات حياتي أحلام وأفعال أن أكون مواطناً وإنساناً سورياً حراً، وقافلة أسمائهم أطول وأعظم من أن أحصيهم من شعراء ومثقفين وفنانين ومفكرين وأكاديميين وضباط وساسة ومدرسين وموظفين وآباء وأمهات وأهل وجيران وأصدقاء وصديقات وعمال وفلاحين وبسطاء يسعون على باب الله وينتشرون في ميادين العمل والكفاح والشرف من أجل لقمة عيش كريمة، ومن أجل روح سلمية وتراحمية وتشاركية خلاقة وعامرة، وعلى لسانهم القول الجميل لا القول القبيح: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ومرحبا (الله محبة بالآرامية)..
…
حمى الله سورية، وعاشت سالمة حرة أبية لجميع أبنائها وبناتها من دون تمييز أو استثناء..
————————-
ملاحظات
وائل ميرزا
لفت أحد الأصدقاء انتباهي إلى المنشور أدناه من السيد زهير سالم-أبو الطيب أحد رموز (وقادة) الإخوان المسلمين في سوريا، بخصوص التفاق بين الدولة السورية و(قسد).
لم يكن الهدف يوماً في صفحتي هذه الدخول في أي حوارات شخصية أو فيها شبهة التشخيص من قريبٍ أو بعيد، والتوثيق مكتوبٌ ويَشهَد. وإنما تمت الإشارة أمس، كما هو الحال اليوم، إلى أفراد سوريين لهم رأيهم المحترم الذي لايستطيع أحدٌ منعهم من إبدائه بحرية. لكن الدخول في الموضوع، في الحالتين، لم يأتِ فقط لأن المسألة، ليست فقط مسألةً عامة، وإنما هي أقرب للمصيرية حين يتعلق الوضع بمستقبل سوريا. هذا فضلاً عن التأثير العام الواسع لصاحب الرأي، مما يرفع الحرج من مناقشته مادام مطروحاً، أصلاً، في فضاءٍ عام.
تبدأ المشكلة، في نظري، دوماً من نفس النقطة، فيما يتعلق بطرح الإخوان المسلمين، وقد كانت مدخل نقدٍ سابق متكرر في دراسات ومقالات عدة.
تتمثل النقطة في مقولة: “نحن أصحاب المشروع الإسلامي الوطني في سورية”! هكذا، من البداية، تبدو مسألةُ “احتكار المشاريع الإسلامية الوطنية” أمراً طبيعياً لدى الجماعة. ولأنه مطبوعٌ في أعماق الحمض النووي الثقافي الخاص بها (DNA)، دائماً مايغيب لدى المتحدث الشعور بإشكالية كل مايمكن أن ينبي على تلك المقدمة فيما يليها من (تحليل). وأشعر حالياً بإمكانية اقتصار هذه الملاحظة الأولية على العبارة المذكورة، لما يبدو مخافة إطالةٍ لايحتملها هذا المقام.
نحن أمام منطق احتكارٍٍ واستحواذٍ لايقبل القسمةَ أبداً على مسألةٍ من أخص صفاتها، هي تحديداً، القسمةُ على جهات يصعب حصرها وعدُّها!
ولو أن مثل هذا الاحتكار توقف عند نقطة زمن ماقبل الثورة السورية، لربما كانت محاولة (التفهم) أسهل. أما أن يمتد إلى سنوات الثورة الطويلة، وهو ماحصل وسبَّبَ كثيراً من المآزق، ثم يبقى ساري المفعول في عين أصحابه إلى اليوم، فهذا نذيرُ أزمةٍ مديدة وصعبة، ذاتياً، وموضوعياً.
وثمة مفارقةٌ كبرى ينبغي وجود قناعةٍ بالذات، كبيرة، لكي يتجاوزها المرء وتتمثل في خلفية قادة الدولة الجديدة، وجماعاتهم، الحقيقية أو المُفترضة!
فالأخ زهير يستخدم تعابيراً تشي، في أحسن الأحوال، بالقبول (القانوني)، وفي أسوئها، مايبدو قبولاً (بأمرٍ واقع). لكن هذا لايلغي التساؤل الذي تطرحه عملية الاحتكار الأصلية، حول ماإذا كان يمكن التفضل بـ (إدخال) أهل الحكم في إطار وصف “أصحاب المشروع الوطني الإسلامي في سوريا”؟
لاأحسب أخانا الكريم يمارس ذلك الإلغاء قصداً. وإنما هو، كما ذكَرنا، الطبعُ الذي يغلبُ التطبُّع.
وحين نطالع بقية النقاط المذكورة في المنشور، فإن طريقة التفكر الواردة فيه، بخصوصها، تُظهر أننا أمام أمرٍ مَشَاع، لايمكن أن تَقسُرَ (مواطنين) على عدم التفكير فيه، ولا على عدم مقاربته بعقلية (المكلوم).. لكنك تُسبح حمداً لأنه شأنٌ عظيم لايزال في يد مَن يفكر به بعقلية (رجال دولة)، يرون درجة تشابك عناصره وتعقيدها، اجتماعياً وأمنياً وسياسياً، داخلياً وإقليمياً وعالمياً، راهناً وفي المستقبل القريب والبعيد.
الحمد لله
حول إعلان الاتفاق المفاجئ مع مظلوم عبدي ومع من يمثله
زهير سالم-أبو الطيب
أنا أعلم أن توقيع السيد أحمد الشرع الاتفاق مع مظلوم عبدي هو توقيع رئيس الجمهورية العربية السورية الذي يجب أن يمثل كل السوريين.
الإعلان المفاجئ عن الاتفاق، وفي الظرف الخاص الذي تم الإعلان عنه، وببنود الاتفاق المعماة أو المعممة؛ كل ذلك يجعلنا نبلع ريقنا مرة ومرة قبل أن نتكلم…
الكلمة مسؤولية، والموقف مسؤولية، والمعلومات المتوفرة لدينا لا تسمح لنا بإعلان موقف..
وإذا كان موقفنا الأولي هو الدعاء لوطننا بخير، فإننا فاعلون: اللهم وفق سورية في أمورها، وسدد على طريق الحق خطاها.
وإذا كان من حق أن نقول، نقول: فإننا نؤمن إيمانا راسخا بوحدة الشعب السوري، والأرض السورية، والدولة السورية، وأننا ندعم كل خطوة مبصرة، تؤكد هذه الوحدة.
وإن كان من حق أن نقول، فإننا نحن أصحاب المشروع الإسلامي الوطني في سورية، نعتقد في أساس رؤيتنا بخصوصية علاقتنا مع إخواننا الكرد والتركمان والشركس، خصوصية تواصل وإيثار وليس خصوصية استئثار أو إلغاء..
ومع كل ما قدمنا من حقنا أن نتساءل :
أين ذهب وعد السيد رئيس الجمهورية عندما أعلن منذ الأيام الأولى أنه لن يتعامل مع كيانات. والوعود وفاء!!
ومن حقنا أن نتساءل، وأين ستقع حقوق إخواننا في المجلس الوطني الكردي الذين كانوا منا ومنهم، وكانت ثورتنا ثورتهم واحدة، على مدى أربعة عشر عاما، وهل يعقل أن يلغي المحاربون حقوق الداعمين والمسالمين؟
وثالثا هؤلاء الذين تم الاتفاق معهم في أعناقهم دماء آلاف السوريين والسوريات، بل وفي أعناقهم مع الدماء أعراض!! وأنا أتكلم عن سوريين وسوريات بالمطلق ولا أتكلم عن أي ثنائيات أخرى..
الولاية على الحقوق الشخصية لا يمكن أن يتنازل عنها غير أصحابها. المظالم التي وقعت على كل واحد منا، سنحملها معنا إلى قبورنا لنطالب بها يوم الدين ليس من أنزلها بنا فقط؛ بل وكل من غامر بها أيضا…
من حقنا أن نستبشر بهدم كيان بغي.. طالما عانينا منه ومن تجنيه على سورية والسوريين…
ومن حقنا أيضا أن نذكر الرئيس الشرع بقوله تعالى: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل..
والتحية والتجلة والتقدير لإخواننا في المجلس الوطني الكردي، ولكل سوري عرف الحق ولهج به
اهدنا الصراط المستقيم.
لندن: 10/ رمضان/ 1446- 10/ 3/ 2025
زهير سالم: مدير مركز الشرق العربي
————————–
مأساة
شاهدها الجميع: أحد عناصر وزارة الدفاع، يضع قدمه مُتباهيًا، على جثمان إنسان كان اسمه (سهيل ريحان كان يعمل مدرسًا ومترجمًا)، وأمام ناظرَي والدته السنديانة #أم_أيمن التي جلست بالقرب من جثمانَي ولديها، بعدما قالت قولها: فشرت.
باقي الصور، وثّقها شاب سوري اسمه (عروة الأحمد) من صفحة (سهيل ريحان)، والتي تقول لنا أنّ هذه الأم التي هي بحجم وصلابة الجبال عندما قالت #فشرت كانت تعلم مَن ربّت (كانت بتعرف شو مربّاية)
. ……… …..
نص منشور عروة على صفحته:
للقراءة بتمعّن ومسؤولية عالية:
من هو سهيل ريحان؟
الضحية الذي وضع قاتله قدمه فوق رأسه على اعتبار أنه فلول، وأهان أمّه “أم أيمن” وأهاننا جميعاً معها.
تعالوا نتعرف على الفلول، وعلى هذه المفردة التي بات البعض يستخدمها مطيّةً سمجة.
ستنقذون الفلول الحقيقيين وأتباع نظام الأسد بتعميم التسمية على العلويين، وهذا جلّ ما أراده الفلول منذ اليوم الأول لسقوط النظام، أن يجرّوا الطائفة معهم والبلد كلها إلى اقتتال طائفي لينجو أمثالهم من محاكم العدالة الانتقالية.
نعود لسهيل ريحان، وهذه موادٌ قمتُ بجمعها عنه، وترقيمها وفرزها، ولم أقتبسها من أحد، أي أنني مسؤولٌ عن كلّ حرف في هذا المنشور.
الصورة 1: منشور لسهيل في شهر كانون الثاني يوضح فيه مآثر الدفاع المدني والخوذ البيضاء في جبلة والجانب الإيجابي لعملهم الميداني.
الصورة 2: منشور لسهيل في شهر كانون الأول 2024 يطالب فيه الناس بعدم إطلاق النار احتفالاً، والتي اعتبرها عادةً سيئة.
الصورة 3: منشور لسهيل في شهر كانو الأول 2024 يستنكر فيه الحركة المشيخية العلوية وبياناتها ويطلب من الجميع اختيار شخصيات علوية اعتبارية من المجتمع لتشكل وفداً للجلوس مع الرئيس الشرع وقطع الطريق على من يود التحدث باسم الطائفة، كما طالب بأن يكون العمل تحت ظل الدولة ومؤسساتها وبالشراكة مع الرئيس الشرع لا بشكل منفصل عنه، ثم يتحدث عن دور البعث في تقزيم الطائفة وتحويلها إلى أداة له.
الصورة 4: منشور لسهيل عام 2021 (قبل سقوط النظام بثلاثة أعوام) يدعو فيه إلى المحبة وعدم التفرقة بين الناس.
الصورة 5: منشور لسهيل عام 2022 يتحدث فيه عن مجموعته القصصية التي يكتبها، والتي توضّح لغتها أكثر من كل ما سبق من هو سهيل ريحان، وكيف يفكر، وما هي ثقافته.
أما الصورة 6: منشهور لسهيل منذ شهرين، يصف فيه كيف أن عناصر الهيئة على الحواجز يتحلون بأخلاق عالية ويتعاملون مع الناس بكل أدب واحترام، ويحذّر من انتشار الشائعات والتحريض عليهم.
الجرائم التي تمّ ارتكابها بحق العلويين في الساحل وصمةُ عار، ليس لأنهم علويون، أو أقليات، بل لأنها تمّت تحت اسم المؤسسة العسكرية تجاه ضحايا أبرياء تم قتلهم بدم بارد دون أي وجه حقّ، وتبرير هذه الجرائم ليس إلا توريطاً للجيش نفسه ولنا، والتحقيقات الجارية في هذا الشأن ستحمينا جميعاً غداً.
ولذلك أطالبُ بالتحقيق في قتل المواطنين السوريين سهيل وأيمن ريحان، وكلي ثقة بأن المستقبل سيكون أفضل إذا وقفنا عند هذا الشرخ الذي حصل موقفاً أخلاقياً جمعياً، وتحلينا جميعاً بالمسؤولية.
الرحمة لشهداء الأمن العام ممن ذهبوا ضحية فلول النظام، وكانوا الحلقة الأضعف في هذه الفوضى التي افتعلها المجرمون فأخذوا الرأي العام كله في اتجاه آخر.
الرحمة للشهداء المدنيين في الساحل من العلويين الذين كانوا ضحية فلول النظام من جهة، ومقاتلي الفصائل التي لطختنا جميعاً بعار ذنبٍ لم نقترفه.
سهيل ريحان مو فلول، سهيل شب بيشرّف بلد بأكملها، ولما أمّه قالت لقاتله: فشرت، كانت بتعرف شو مربّية وشو عندها.
قيمة الثورة السورية تكمن في أنها خرجت ضدّ الظلم، فلنبقَ على ذات العهد في بناء الدولة، أرجوكم.
#مجازر_على_امتداد_قُرانا_بحجة_فلول
أصدروا: #قانون_تجريم_طائفي
#كفاكم_طائفية #كفاكم_مجازر
————————-
ملاحظات
ما قدرت أنام والفار عم ينغل بعبي نغل، وبقلبي أسئلة ما عم تلاقي أجوبة، والحزن على الضحايا كمّلها معي، بس قلت أقوم أكتب هالأسئلة عسى ولعل يجينا جواب..
1- مو ملاحظين إنو عم نشوف او نسمع أو نقرا عن بعض الضحايا العلويين إنهم كانو معارضين ومناوئين للنظام؟ وبالتالي هادا شغل فلول مو شغل ثوار؟
2- الصيغ الأكتر اللي شفتها (قُتل) يعني بصيغة المبني للمجهول؟
3- اللي نشروا أسماء بعض الضحايا ما كلفو أنفسهم يرفقو مناشيرهم النسخ لصق بشوية تتبع وتأكد من أهالي الضحايا ؟
4 – يعني معقول ما يكون ولا شاهد عيان شاف القتلة ؟
5 – ما ممكن يدلنا هالشي إنهم فلول استعملو اللثام متل ملثمي الفصائل المهاجمة؟
6 – في ناس الها جماهير ع وسائل التواصل من طرق بعيدة عن التوثيق تبنو القصة ليبيضوا بشغلة ما بيفهمو فيها؟
7- برأيكم الضغط اللي صار على بعض الناشطين الحقيقيين من الزخم ما أثّر على أدائهم؟
8 – الموقف المسبق لبعض أصدقائنا ما بيخليهم ضحايا نشر شي لسّا ما تأكدنا منو؟ ولك حتى جماعة تأكد مهزوزين برأيي؟
9 – مافي أدنى شك بوقوع انتهاكات وإلها كتير تفاسير بس ما لازم تكون تبرير بأي شكل.
10 – كلام الشرع اليوم رح يضل بالهوا إذا ما أرفقو بسلوك عقابي مباشر وسريع جدا للمنتهكين.
ختاماً…مناشدة للأخلاق والتاريخ لكلشي بيحترم الضحايا من كلا الطرفين، وحتى اللي بيدّعو الاحترام:
نرجوكم التواصل مع شهود، أدلة حقيقية، إثباتات، تقاطعات، مشاهدات، أي شي ممكن يخلينا نحكم صح، لأنو للأسف كتير منصات وشخصيات وحتى أصدقاء حقيقيين قلت الثقة بكلامهم لسببين: الاصطفاف السياسي، وفقدان التوازن.
كل الود للجميع
——-
ملاحظات
Dara Abdallah
– دور السلطة بالجريمة التي حصلت هي بإعلان النفير العام العشوائي، وخروج الناس للساحات تنادي بالجهاد، وتحوّل منابر المساجد إلى منصّات للتحريض الطائفي. هذا كلّه جرى تحت أعين السلطة. 100 ألف مسلح غاضب معبئ طائفيًا، منهم مقاتلون أجانب ومدنيون، هرعوا إلى الساحل السوري، والروح العامة للدخول هي “تربية النصيرية”، و”تصحيح عقيدتهم”.
– أبو محمد الجولاني قال إنّ المحافظات الأخرى “قررت التوجّه إلى الساحل”. يعني في محافظات بيد الجولاني، وفي حال حصول أي توتر أمني- عسكري، سيتم زجّها وإرسال رجالها إلى المحافظات الأخرى. هذا منطق حرب أهلية، ومش منطق دولة.
– المطابقة سياسيًا بين ضحايا الأمن العام وضحايا جريمة التطهير العرقي بحق العلويين هو غلط كبير. قتل أفراد يمثّلون “الدولة”، ويقومون بواجبهم بالحفاظ على الأمن هو شيء، وقتل مدنيين آمنين في بيوتهم مع إجبارهم على العواء والركوب على ظهرهم وجعلهم يشتمون أنفسهم هو شيء آخر. النية التخريبية لفلول النظام الساقط شيء، ونية التطهير العرقي المبنية على خطاب مذهبي هو شيء آخر. الرحمة طبعًا على أرواح الجميع.
– بالمقابل التفريق بين ميليشيات منضبطة وميليشيات غير منضبطة هو كذب، خصوصًا بوجود فيديوهات توثّق قيام أفراد من الأمن العام (الـ Batman السوري كما يتمّ تسويقه)، بإعدامات خارج نطاق القانون وإذلال الناس. ويا أبو محمد الجولاني إذا لم تكن قادرًا على ضبط هؤلاء المقاتلين، لِمَ أعلنت قيام “جيش”؟ وعم تعزم الناس ينضّموا إليه؟ الإنسان السوري ما لازم يتعامل مع “جيشه” كأنو عم يسحب ورقة يانصيب. أنتَ وحظك، إما يكون منضبط أو منفلت.
– المقارنات الكميّة مع النظام الساقط هي مخجلة كمان، بمعنى أنو “النظام قتل أكتر”، أو كما فعلت عائشة الدبس باستحضار مجزرة الكيماوي للتشويش على جريمة التطهير العرقي. الفرق بين النظام القديم والجديد ما لازم يكون بالشدة والدرجة والكم.
– قبل الحديث عن المؤامرة الدرزية- الكردية- العلوية- الشيعية (ههههههه) التي تُقاد من القامشلي، يا ريت التركيز على فشل السلطة الجديدة في ملفات العدالة الانتقالية ومشاركة السلطة. مشاركة السلطة تعني مش حوار وطني مسلوق على عجل، أو نظرية “الحضن السني الحنون” يلي فاتح إيدو أمام مكونات الشعب السوري وعم يقول: “تعالوا لعند بابا”.
– المجزرة حصلت لأنّ الحكم الجديد تأسس على “منيّة وطنية”. بمعنى أن هنالك “طائفة مجرمة” قامت بـ “الإيغال بالدم السوري”، ولم يتم إبادتها. روّج لهذه الفكرة مثقفون وناشطون. المنية جعلت أي مطالبة بتمثيل العلويين أو تعامل كريم معهم ترفًا ورفعاً لمستوى السقف، في حين تركهم يتنفسون هو إنجاز وطني وثوري. ولمّا حصل هجوم الفلول، كانت الروح العامة بأنّ العلويين متل “حليمة التي رجعت لعادتها القديمة”، وبالتالي لا بديل لكسر شوكتهم.
– مجزرة الساحل هي تأسيسية في إعادة رسم العلاقات بين السوريين، خصوصًا مع ناس صاروا يتحدثون عن “هيبة الدولة”. “الدولة” التي يقوم “جيشها” بسؤال الناس عم منابتهم ثم قول: “شي بيخري”.
—————————–
ملاحظات
Ahmad Nazir Atassi
هناك اسطورة تتشكل في الوعي السوري السني حاليا، وهي اسطورة اولا اننا سامحناهم، وثانيا اننا سامحناهم لاننا افضل منهم، وثالثا ان الجولاني والهيئة منعوا حصول المجازر.
ان سقوط الاسد كان سريعا الى درجة انه اخذ الجميع على حين غفلة الى درجة ان الجميع لم يعرفوا ماذا يفعلون او يقولون، ففعلوا وقالوا اول شيء خطر على بالهم. ان هذا بمثابة التحليل النفسي، الزلة الفرويدية، الكلام الاوتوماتيكي، تسلسل الخواطر الذي يفصح عن دواخل النفس.
اولا – السوريون في الداخل يوم السقوط ليسوا اللاجئين الساكنين في مخيمات ادلب او لبنان او الاردن، او اللاجئين المهاجرين المغتربين. ما اريد ان اقوله هو ان السوريين الذين حضروا السقوط في الداخل ليسوا اولئك الذين فقدوا بيوتهم (على حد علمي) وتهجروا. وهذا مهم جدا في تحديد الاحداث التي يبنون عليها مظلومياتهم وبالتالي عداواتهم. الذي اسمعه ليس هؤلاء (العلويين او الشبيحة او الموالين) دمروا بيتنا، وانما هؤلاء الذين شبحوا علينا خلال السنوات الخمس الماضية. اي ان المظلوميات الحالية التي قد تشرح التصرفات لا تتعلق بالقصف او التدمير وانما تتعلق بشظف العيش في سنوات الجوع والغلاء.
بالطبع هناك القادمون من ادلب مع الهيئة. لكني لا اعرف اعدادهم ولا اعرف مدى تمايزهم عن المجتمع اليوم او انخراطهم فيه.
بالطبع هناك اشخاص خسروا كثيرا من احبائهم وبقوا في الداخل، ولا اعرف كيف يفكرون وماذا يقولون. انا اتكلم عما سمعته، واي قارئ يستطيع تصحيح اقوالي.
ثانيا- الجولاني وجماعته ما كانوا فاضيين اصلا لحماية اي شخص او جماعة. لم يكن لهم اي دور في اسقاط النظام، ولم يكن لهم اي دور في منع المجازر التي كان البعض يتوقعها. ولا يزال ليس لهم اي دور اليوم. هم الذين كنا نتوقع افتعالهم المجازر، ولم يفعلوا ذلك. ليس لانهم سامحوا، وانما لان هذا كان شرط السماح لهم بالدخول والحلول محل النظام الساقط. لقد حصلوا على الجائزة، واعني الدولة، مقابل مسامحتهم المزعومة
ثالثا- لا اعتقد ان هناك اي جو مسامحة او عدم مسامحة في سوريا. الجو السائد ربما وحسب توقعاتي هو الخوف من عودة الحرب الاهلية. لا احد يريد عودة الحرب والقنص والسواتر والقذائف والخطف والحواجز والرصاص والرعب والاصابات والمشافي الميدانية. وهذا جيد، لا بل هو ممتاز. ان ضمان عدم عودة الحرب هو ان لا احد يريد عودة الحرب. لا السنة ولا العلويين ولا غيرهم يريدون عودة الحرب.
رابعا- التوازن في السلاح. مع سقوط النظام وضرب اسرائيل لكل اسلحة الجيش والمليشيات، فان الكل متساوون في حملهم للسكين والبندقية. ان اية معركة في هذه الحالة موت مؤكد للجميع. الكل يعرف ان السلاح موجود في كل مكان وانه لحظة يهجم اي انسان على انسان اخر فان السلاح سيظهر بقدرة قادر. كل ما نراه اليوم هو انتقامات وهجومات على بعض دوريات الامن العام في الساحل. ربما اذا امتلكت دولة الجولاني اسلحة افضل واشد فتكا وطيارات ومخبرين وسجون، وقتها يمكن الحديث عن ضبط النفس وعدم ارتكاب مجازر. حتى المجزرة تحتاج الى حساب رياضي. يجب ان تكون اقوى حتى ترتكب مجزرة.
لذلك لا معنى للحديث عن تسامح، وطيبة قلب، وهذه اخلاق ديننا، واذهبوا فأنتم الطلقاء، وكل هالعلاك. ما يحدث اليوم هو فرصة لا تعوض، فرصة لانتاج عقد مجتمعي (تعايش) وعقد اجتماعي (دستور دولة) على اسس التكافؤ والندية. افضل عقد هو عقد انداد. الجولاني يوهمكم انه يملك السلاح وانتم تسمعون له وتنتظرون. انه يضيع عليكم اكبر فرصة في تاريخ سوريا الحديث، فرصة العقد المتكافئ بين اطراف انداد ليس واحد منهم اقوى من الاخر. هو يريد ان يقنعكم انه الدولة، لا تزالون تفكرون بدولة الاسد، انه لا يشبه دولة الاسد وليس لديه مقوماتها (لكنه يسعى الى ذلك). انه لا شيء على الاطلاق.
اذهبوا جميعا مع بعض وقولوا له بدنا انتخابات وبدنا دستور وبدنا عدالة انتقالية، الان، وهذه شروطنا. ماذا سيفعل، لا شيء على الاطلاق. ان يذهب السني مع العلوي مع المسيحي مع غيرهم هو سلاح لا يمكن مواجهته. انه يعتمد على فكرة انه اعاد الدولة الى السنة ويجب ان يدافعوا عنها وبالتالي يجب ان لا يتفقوا مع الاخرين. اتفقوا على عدالة انتقالية بين بعض وافرضوا رأيكم على الجولاني وجماعته.
——————————–
================
عن التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة، ملف تناول “شهية إسرائيلية لتفتيت سوريا” – تحديث 13 أذار 2025
تحديث 13 أذار 2025
لمتابعة مكزنات الملف اتبع الرابط التالي
التدخل الاسرائيلي السافر في سورية الجديدة
——————————–
السويداء بعد سقوط الأسد: قراءة في تحولات القوى العسكرية والمطالب السياسية/ يمان زباد
نشر في 13 آذار/مارس ,2025
عند سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024؛ كانت السويداء تحمل خصوصية بين المدن السورية، لأنها كانت تستمرّ في حراكها الثوري الذي بدأ في آب/ أغسطس 2023 ضدّ نظام الأسد، والذي حمل مطالب سياسية، واستطاع أن يُفرز تجمّعات وتيارات سياسية بعضها متباين في مطالبه حول شكل المحافظة إداريًا، وتموضع الفصائل ضمن الجيش السوري القادم، وذلك في ظلّ واقع عسكري معقد في المدينة، بسبب تنوع تبعية المجموعات المسلحة في المدينة، بين ميليشيات زعزعة أمنية وتجارة مخدرات لها امتدادات غير سورية[1]، وفصائل محلّية مقرّبة من المرجعيات الدينية والمجتمع المدني الثوري. وبعد سقوط نظام الأسد وانهيار جيشه وأفرعه الأمنية، تغيَّر دور الفصائل العسكرية في السويداء، من مجموعات محلية مهمّتها حماية التظاهرات والضبط الأمني للمدينة، إلى مجموعات تريد صياغة مكانتها في التركيبة العسكرية للجيش الذي يجري تأسيسه، وذلك مع المطالب السياسية التي تطرحها تلك المجموعات عن شكل علاقتها بالحكومة الجديدة، مع استمرار وجود ميليشيات زعزعة أمنية في المدينة[2].
تقدّم هذه الورقة قراءةً للواقع العسكري في السويداء، في أثناء معركة ردع العدوان وبعد سقوط نظام الأسد، وتبيّن ماهية شكل التحالفات العسكرية التي نشأت في المدينة عبر رسم خارطة مطالبها، وخلفية نشوء المجموعات المسلّحة فيها، وتفنيد التيارات السياسية الأساسية في المدينة ورؤيتها لشكل علاقتها مع السلطة في دمشق، والشكل الحوكمي للسويداء في الدولة السورية، ورسم السيناريوهات المتوقعة بناء على شكل العلاقة بين المجموعات المسلحة والدولة السورية. واعتمدت منهجية الورقة على الرصد التراكمي الذي أجراه الباحث بين عامي 2019 -2025، إضافة إلى مقابلة معمقة مع مسؤول المكتب السياسي لأحد التيارات السياسية، والمصادر المفتوحة.
أولًا: السويداء قبل سقوط الأسد
1- قبل انطلاق معركة “ردع العدوان”
كان هجوم مقاتلي تنظيم (داعش) على ريف السويداء، في منتصف 2018، نقطة تحول في المدينة على صعيد العمل المسلح، إذ بدأ بعدها تنامي ظهور المجموعات المسلحة التي تختلف في أهدافها وارتباطاتها وقدرتها العسكرية، إذ كانت الفصائل في المدينة قبل هجوم التنظيم غيرَ منظمة، وتعتمد على العمليات المتفرقة سواء بمواجهة عناصر النظام أو تشجيع شباب المدينة على عدم الالتحاق بجيش الأسد، وكانت كبرى الفصائل “حركة رجال الكرامة”، وحركتي ” أحرار جبل العرب” و”قوات شيخ الكرامة”، المنشقتين عن رجال الكرامة.
تسلسل الأحداث الأمنية في السويداء قبل سقوط الأسد
ويمكن تقسيم المجموعات المسلحة في المدينة قبل سقوط الأسد إلى ثلاثة تصنيفات، بحسب أدوارها:
ميليشيات تنشط في تجارة المخدرات وتهريبها، وبعضها مرتبط بحزب الله وإيران بشكل مباشر أو عن طريق الأمن العسكري.
ميليشيات تنشط في عمليات الاغتيال والخطف، وغالبًا ما يكون ارتباطها بالأمن العسكري أو شعبة المخابرات العسكرية في دمشق.
مجموعات محلية مقربة من المجتمع المحلي، ولم تتورط في زعزعة الأمن.
ومع انتفاضة آب 2023؛ أصبح المجتمع المدني في السويداء أكثر نشاطًا سياسيًا، وذلك في ظل تشكل أجسام سياسية عديدة تعكس مطالب التجمعات النقابية أو المهنية أو متظاهري الساحات، مثل التجمع المهني في السويداء، وتيار الحرية والسلام، ومنظمة لقاء جبل الريان، إضافة إلى أجسام تشكّلت بعد انطلاق الثورة عام 2011 مثل تيار سوريا الفيدرالي، وحزب اللواء السوري، وكان هناك محددات مشتركة بين الأجسام السياسية، مثل وجوب الانتقال السياسي حسب القرار 2254، وكان الخلاف الأساسي في الشكل الإداري للسويداء، إذ يرى كل من حزب اللواء وتيار سوريا الفدرالي أنه يجب أن تُطبق الفدراليات في سورية، على عكس موقف الحركة الشبابية السياسية والكتلة الوطنية الرافض لفكرة الفدرلة[3].
ويمكن القول إن العلاقات العسكرية السياسية في السويداء متداخلة، ويظهر الأمر جليًا في بعض التيارات السياسية مثل حزب اللواء الذي شكل سابقًا قوة “مكافحة الإرهاب”، بهدف ضبط المدينة أمنيًا بقيادة سامر الحكيم الذي قُتِل لاحقًا على يد قوات النظام[4]، وهذا التداخل يؤدي إلى امتلاك الأحزاب السياسية لأدوات قسرية لفرض توجهاتها على المجتمع، وأصبح بشكل أوضح بعد سقوط النظام عبر ثنائية المجلس العسكري وتيار سوريا الفيدرالي، على سبيل المثال.
2- أثناء معركة “ردع العدوان”
قبل بدء عملية “ردع العدوان”، كان فرعا الأمن السياسي والأمن العسكري في السويداء، إضافة إلى قيادة الشرطة، مراكز تمركز لقوات نظام الأسد، وشكَّل الأمن العسكري مركز تنسيق لعمل الميليشيات المسلحة المتورطة في تجارة المخدرات داخل المحافظة، مما جعلهم هدفًا مع بداية العمل العسكري في المحافظة، بالتزامن مع استمرار معركة ردع العدوان التي بدأت في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، إذ بدأت المجموعات المسلحة في المدينة عملياتها ضد نظام الأسد في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر، عبر استهداف كلّ من فرع المخابرات الجوية ومبنى قيادة الشرطة، ثم تطورت الأحداث العسكرية، وفق 4 محاور:
استهدافات مستمرة لمقرات نظام الأسد وحزب البعث
انشقاقات في صفوف جيش الأسد في المدينة
انسحابات من قبل عناصر الأسد من المدينة
تنسيق عسكري بين مجموعات محلية عبر تشكيل غرفتي عمليات: غرفة العمليات المشتركة وغرفة عمليات الحسم.
ويشير الشكل (2) إلى تسلسل الأحداث التي بدأت في 30 تشرين الثاني/ نوفمبر حتى 7 كانون الأول/ ديسمبر 2024، عشية سقوط نظام الأسد.
التطورات العسكرية في السويداء أثناء معركة “ردع العدوان”
وفي 8 كانون الأول/ ديسمبر، بسطت الفصائل المحلية سيطرتها على محافظة السويداء، وتولت مهمة الضبط الأمني للمحافظة لحظة السقوط، مع دخول بعض فصائل السويداء إلى مدينة دمشق، ولكن لم تشارك في أي عمليات عسكرية داخلها أو خارج الإطار الإداري لمحافظة السويداء.
ثانيًا: السويداء ما بعد سقوط نظام الأسد
1- المجموعات العسكرية
بعد سقوط نظام الأسد، تراجع ظهور ميليشيات الزعزعة الأمنية وتجارة المخدرات في المدينة، على الرغم من محاولات فصائل محلية الهجوم على تلك الميليشيات مباشرة، بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، مثل هجوم فصيل قوات شيخ الكرامة، في 10 كانون الأول/ ديسمبر 2024، على منزل ناصر السعدي زعيم إحدى الميليشيات في مدينة صلخد[5]، وذلك عقب التأكد من استشهاد 3 أشخاص من فصيل قوات شيخ الكرامة في سجن صيدنايا، كان ناصر السعدي متهمًا بتسليمهم إلى شعبة المخابرات العسكرية عام 2020[6].
وبالتزامن مع ذلك التراجع في الظهور لتلك الجماعات، بدأت التحالفات العسكرية تتبلور بشكل أكبر ضمن المحافظة، حيث كانت أكبر التحالفات، بحسب الشكل التفاعلي (1)، هي: المجلس العسكري، غرفة العمليات المشتركة وغرفة عمليات الحسم. ويحوي الشكل التفاعلي على البطاقات التعريفية لكل مجموعة عسكرية.
ويُلاحظ انقسام موقف التحالفات العسكرية من الحكومة في دمشق إلى ثلاثة محاور أساسية:
1- رفض الحكومة الحالية بالمطلق، وتتبلور أسباب الرفض حول شكل المحافظة الإداري الحالي، وذلك بهدف تحويل نظام الحكم الإداري في سورية إلى فدراليات، وهو ما يريده المجلس العسكري، وأيّدته بذلك قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فور الإعلان عن تأسيس المجلس[7].
2- القبول بالحكومة الحالية، على أن يكون الملف الأمني والعسكري هو تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، على أن يكون العناصر في السويداء من أبناء السويداء، مثل موقف رجال الكرامة وأحرار جبل العرب.
3- القبول بالحكومة على أن لا يتم تسليم السلاح أبدًا إلا بعد اتضاح هيكلية وزارة الدفاع، واستبعاد العناصر الأجنبية من الوزارة، مثل موقف لواء الجبل[8].
لم تكن هذه المواقف هي فقط مطالبات تنتظر هذه التحالفات العسكرية الردّ عليها من قِبل حكومة دمشق، بل تصادمت ضمن المدينة، حيث لَقي تأسيس المجلس العسكري بدايةً ردة فعل رافضة، من قبل فصائل محلية أخرى رأت أنه لا يمثّل توجهات أهل السويداء، لكون قائده “طارق الشوفي” هو نفسه رئيس تيار سوريا الفيدرالي المطالب بفدرلة السويداء، ولظهور العميد في صفوف جيش الأسد “سامر الشعراني”، في فيديو الإعلان عن تأسيس المجلس، وكان الشعراني مديرًا لمنطقة القطيفة في ريف دمشق وبقي في منصبه حتى سقوط نظام الأسد، وهذا ما فتح الباب لتساؤلات حول دور ضباط الأسد المتوارين عن الأنظار في التشكيل العسكري الجديد، ولاحقًا تم الاتفاق بين غرفة العمليات المشتركة في المحافظة وحكومة دمشق، على أن يتولى أبناء المحافظة مهمّة الانضمام إلى قوى الأمن الداخلي لضبط الأمن في المحافظة، بشرط أن لا يكون أي منهم محكومًا بأحكام جنائية. وبناء على ذلك، أرسلت وزارة الداخلية 9 سيارات شرطة من دمشق إلى السويداء، ليتم استخدامها في المحافظة في 6 آذار/ مارس 2025، ولكن فصائل المجلس العسكري منعتهم من الدخول[9]، وذلك بالتزامن مع تظاهراتٍ دعا إليها تيار سورية الفدرالي طالبت بإسقاط النظام الحالي، وحيَّت كُلًا من الشيخ حكمت الهجري والشيخ موفق طريف.
2- العمل السياسي:
نشط العمل السياسي في السويداء مع بداية الثورة السورية، ولكن مع مرور الوقت تقلّصت مساحات تأثير الفعل السياسي في ظل الحالة العسكرية في البلاد، مما أدى إلى تراجع هذا النشاط في السويداء وعودته إلى الواجهة من جديد مع انتفاضتي 2022 و2023، حيث ساهمت التجمعات السياسية الموجودة، ولا سيما الناشئة حديثًا منها، في تنظيم الحراك ومحاولة عكس مطالبه، والتأكيد على اتساق هذا الحراك مع الثورة السورية ككل، حيث كانت كلّ الأحزاب والتيارات السياسية المشاركة في حراك السويداء متفقةً على وجوب الانتقال السياسي في سورية وفق 2254، وكانت مساحة الفعل السياسي المتاحة أثناء الحراك هي تنظيم مطالبه، في ظل استمرار نظام الأسد في تقديم الخدمات في المدينة، وإدارة المرافق بالحد الأدنى من الكوادر مثل مؤسسات المياه والكهرباء ومديرية التربية، ولكن الخلاف بين التيارات السياسية كان على شكل المحافظة إداريًا ضمن الخارطة السورية، وهذا الخلاف استمر إلى ما بعد سقوط الأسد، ولكن بشكل أكثر اتساعًا لاتساع مساحات العمل السياسي لتشمل الأطر الخدمية، وذلك في ظل حالة فراغ أمني وعسكري بسبب استمرار المفاوضات بين وزارة الدفاع في الحكومة السورية الجديدة وفصائل المدينة التي تختلف مطالبها من الحكومة.
ومع سقوط النظام، حاولت اللجنة السياسية في السويداء أن تُعيِّن أعضاء المكتب التنفيذي في المحافظة، فلقي ذلك رفضًا من تيارات سياسية أخرى، ومع تصاعد الخلاف عينت الحكومة السورية مصطفى بكور محافظًا على السويداء، ولم تستطع التيارات السياسية في السويداء أن تُنشئ حراكًا فاعلًا في المدينة، بعد 8 كانون الأول /ديسمبر 2025، بسبب تصدر الجانب الأمني والعسكري المشهد في المحافظة، في ظل خلاف بين الفصائل وامتلاك بعض تلك التيارات لقوى عسكرية مثل تيار سورية الفدرالي، وارتباطه بالمجلس العسكري.
وانكفأ عدد من التيارات والفصائل عن اللقاء بالحكومة، بسبب مطالب مسبقة لها من الدولة، في حين كانت اللقاءات تتم بشكل دوري مع شخصيات من الحكومة وشخصيات من غرفة العمليات المشتركة وغرفة عمليات الحسم، ومنها اللقاء الذي جمع الرئيس أحمد الشرع مع كل من : سليمان عبد الباقي قائد حركة أحرار جبل العرب، ليث البلعوس قائد حركة شيوخ الكرامة، وشخصيات أخرى من المحافظة، في 24 شباط/ فبراير 2025[10].
وبحسب الجدول (1) يمكن تصنيف مواقف أبرز التيارات السياسية من قضيتي الفدرالية والتدخل الخارجي:
مواقف أبرز التيارات السياسية من فكرة الفيدرالية والتدخل الخارجي
اسم الجهة فكرة الفدرالية التدخل الخارجي عام التأسيس
الحركة السياسية الشبابية ضد ضد 2022
الكتلة الوطنية ضد ضد 2023
التيار السوري العلماني مع لا موقف 2025
حزب اللواء السوري مع مع 2021
تيار سوريا الفدرالي مع مع 2023
الهيئة الاجتماعية للعمل الوطني ضد ضد 2012
اللجنة السياسية ضد ضد 2024
ويلاحظ أنه لم يطرأ تغير على مواقف تلك التيارات من شكل المحافظة إداريًا[11]، ولكن كان التغير بسلوك التيارات المؤيدة لفكرة الفدرالية في آلية فرض توجهاتها، إذ شهدت المحافظة تظاهرات في 6 آذار/ مارس 2025 بتنظيم من حزب اللواء السوري وتيار سورية الفدرالي والمجلس العسكري، هتفت ضد حكومة دمشق، مع إنزال العلم السوري من على مبنى المحافظة ومبنى قيادة الشرطة، في حين كانت تظاهرات 7 آذار/ مارس 2025 مؤكدة على أهمية الوحدة الوطنية، ورفض أي مشاريع انفصالية سواء كانت سياسية أو عسكرية، دون أن يكون تدخل عسكري من فصائل المدينة في التظاهرة.
وفي 12 آذار/ مارس 2025، حققت المحادثات بين الحكومة والشيخ حكمت الهجري تقدّمًا على صعيد الملفين الأمني والخدمي في المحافظة[12]، حيث جرى اجتماع بين ممثلي محافظة السويداء في مؤتمر الحوار مع محافظ السويداء مصطفى البكور، وتم الاتفاق بشكل أولي على الملفات التالية:
ملف الأمن والدفاع: وشمل تفعيل ملف الشرطة والملف الأمني في المحافظة وتنظيم الضباط والأفراد المنشقين ضمن وزارة الدفاع.
ملف المؤسسات الخدمية: وشمل من الأولوية لتوظيف الموظفين المفصولين تعسفيًا في ظل نظام الأسد، ومراجعة ملفات الموظفين المفصولين تعسفيًا بعد 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024، والعمل على الإسراع في تعيين أعضاء المكتب التنفيذي المؤقت من قبل الحكومة، وفتح مقر جامعي في مبنى حزب البعث سابقًا في المحافظة، وصرف الرواتب المتأخرة للموظفين.
3- المرجعيات الدينية:
كانت مواقف المرجعيات الدينية الثلاثة في السويداء، وهم: (حكمت الهجري، حمود الحناوي، يوسف الجربوع) متباينة بعد عام 2022 من نظام الأسد، حيث كان موقف الهجري أكثر موقف مواجه للأسد ومؤيدًا للحراك الثوري في المدينة، وخاصة بعد حراك آب/ أغسطس 2023، على الرغم من تأييده السابق للنظام قبل عام 2020، وحثه أبناء المحافظة على الالتحاق بالخدمة الإلزامية في جيش الأسد بعد عام 2013[13]. أما موقف الشيخ حمود الحناوي فقد كان مؤيدًا للحراك، وخاصة في شق المطالب الاقتصادية، في حين كان موقف الشيح يوسف الجربوع أقرب إلى سردية النظام، حيث بقي هو ممثل الطائفة الدرزية في مناسبات نظام الأسد الرسمية حتى سقوط الأسد.
بعد سقوط الأسد، تغيّرت التحالفات في المدينة بين المرجعيات الدينية والتيارات السياسية، حيث برز تحالف حزب اللواء السوري والشيخ حكمت الهجري في تصريحات الحزب، إذ أعلن الحزب في بيان له النفير العام، إضافة إلى التنسيق التام بين الحزب والشيخ حكمت في “رفضهم لسياسات أحمد الشرع”[14]، وجاء هذا التغير في التحالفات في ظل خلاف ظهر جليًا بين الشيخ حكمت الهجري وقائد حركة رجال الكرامة يحيى الحجار، بسبب موقف كليهما من حكومة دمشق في الجانب العسكري والأمني، إذ استطاعت حركة رجال الكرامة التوصل إلى اتفاق مع حكومة دمشق بأن تكون قوى الأمن الداخلي في المدينة من أبناء المحافظة.
وكان الشيخ حكمت الهجري أكثر المرجعيات نشاطًا، من حيث التصريحات السياسية المواكبة الأحداث بعد سقوط الأسد، إذ اعتبر أن تسليم حل الفصائل وتسليم سلاحها مرتبط بإنشاء جيش سوري[15]، وأن البلاد تحتاج إلى التدخل الدولي، لضمان أن تسفر العملية السياسية عن دولة مدنية[16]،في حين كانت مواقف كلّ من يوسف وحمود تتركز على رفض أي مشاريع انفصالية في المحافظة. وأبدى الشيخ حمود الحناوي معارضة كاملة لكل التشكيلات العسكرية والسياسية الداعية للانفصال في السويداء[17].
4- التصريحات الإسرائيلية
بعد سقوط الأسد؛ سارعت إسرائيل إلى الهجوم على مواقع الجيش السوري والمرفقات التابعة له، في ظل تقدم عسكري في القنيطرة وريف درعا والسيطرة على مرتفعات جبل الشيخ، وانتقل السلوك الإسرائيلي مع بداية شباط إلى التعبير عن توجهاتها السياسية تجاه الحكومة السورية الناشئة، ومواكبة التطورات الداخلية، حيث صرح رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال حفل لتخريج الطلاب في تل أبيب في23 شباط/ فبراير 2025 أنه ينوي أن تكون المنطقة الجنوبية من دمشق منزوعة السلاح وأنه لن يقبل بأي تهديد قد ينال الطائفة الدرزية في جنوب سورية[18]، واستمرت التصريحات الاسرائيلية عبر وزير الدفاع الإسرائيلي بالتزامن مع التوتر الذي حصل في مدينة جرمانا، في 24 شباط/ فبراير 2025، أنه من الممكن أن تتدخل إسرائيل عسكريًا في سورية، في حال تعرّض الدروز لأي تهديد من قبل حكومة دمشق. وعلى الرغم من التصريحات الإسرائيلية، كان موقف الحراك الثوري والمرجعيات الدينية في السويداء إيجابيًا، حيث أعلنت المرجعيات الدينية الثلاث في المدينة رفضها لأي تدخل خارجي إسرائيلي، مؤكدين وحدة الدولة السورية، وهو الموقف نفسه الذي تبناه سليمان عبد الباقي قائد حركة أحرار جبل العرب[19].
ثالثًا: السيناريوهات المحتملة: بين التسوية والاستمرار في الاضطراب
الاتفاق الكامل بين المجموعات المسلحة والدولة
يتضمّن هذ السيناريو حدوث اتفاق على مستويين متتاليين: الأول بين فصائل المدينة على المطالب المحلية، والآخر مع الدولة. وسيكون هذا السيناريو هو الأنجع، في حال حدوثه، على صعيد السلم الأهلي الداخلي ضمن المحافظة. ومن الممكن أن تنص المطالب المتفق عليها بين الفصائل وبين الدولة على أن يكون عناصر الأمن والشرطة من أبناء المحافظة ضمن المحافظة نفسها، وكذلك الأمن العام، ولكن يبرز هنا عائق وهو أن الميليشيات المتورطة في تجارة المخدرات قد تعرقل مثل تلك التفاهم، لأنه سيجعلها مجردة من مبررها لحمل السلاح، وبالتالي قد تكون الخطوة الثانية بعد هذا الاتفاق حملة على تلك الميليشيات، ومن المهم بمكان في حال حدوث مثل هذا الاتفاق أن تتمسك الدولة بمطالبها التي اتفقت عليه مسبقًا مع حركة رجال الكرامة، بأن يكون سلامة السجل الجنائي شرطًا للالتحاق بالقوى الأمنية أو العسكرية، وإلا فقد يتم تعويم ميليشيات الزعزعة الأمنية تحت غطاء الدولة، ويُرجح هذا السيناريو بعد الاتفاق الأولي الذي عُقد في دار الرئاسة الروحية لمشيخة العقل، في 12 آذار/ مارس 2025، بين ممثلي السويداء في مؤتمر الحوار الوطني، ومحافظ السويداء مصطفى بكور.
الاتفاق الجزئي بين بعض الفصائل والدولة
يمثل هذا السيناريو استمرارًا للوضع الحالي، وذلك عبر تبلور تحالف جزء من الفصائل المحلية مع الحكومة، وبذلك تكون المجموعات المسلحة على موقفين: موقف مع الحكومة وموقف ضدها. وهنا يبرز دور المرجعيات الدينية، وأولهم الشيخ حكمت الهجري، فإما أن يكون للمرجعيات دور في إيصال المجموعات المسلحة إلى اتفاق داخلي، وإما أن تزيد التمترس في الخلافات التي قد تؤدي إلى تهديد السلم الأهلي في المحافظة عبر مواجهة مباشرة، يكون لميليشيات تهريب المخدرات دور بارز فيها ضد الفصائل المحلية المتفقة مع الحكومة، وذلك لسببين أولها تاريخ تلك الميليشيات ضد الفصائل المحلية، حيث قامت الفصائل المحلية مثل حركة رجال الكرامة بحملات ضد تلك الميليشيات مثل الحملة ضد ميليشيات راجي فلحوط أكبر ميليشيات السويداء سابقًا وأنهت الحركة وجود تلك الميليشيا بشكل كامل، وثانيهما إعادة تنشيط تجارة المخدرات في المحافظة باتجاه الحدود الأردنية استغلالًا للأوضاع الأمنية المتزعزعة.
غياب الاتفاق بشكل كامل بين المجموعات المسلحة والدولة
يتمثل هذا السيناريو بقدرة المجموعات المسلحة المحلية على تقديم البُعد العشائري على الهوية الوطنية وخلافاتهم المسبقة، كما حدث أثناء هجوم تنظيم (داعش) على المحافظة، تحت مبدأ “الأرض والعرض”، وهذه السيناريو هو الأكثر سلبية على المشهد الوطني السوري، وسينعكس على شكل تدخل دولي يدعم السويداء، وقد يكون التدخّل إسرائيليًا، وذلك استكمالًا لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول حماية الطائفة الدرزية[20]، وهذا التدخل سيُثبت الوضع في شمال شرق سورية، ويفتح الباب لتمردات في الساحل، ومن ثم تُحوّل سورية إلى عدة اقليم تحمل امتدادات خارجية ودولة سورية هشة فاقدة للسيطرة على كامل الأراضي السورية.
خاتمة
تتشابك العوامل المحلية في السويداء في صياغة ملامح مستقبلها بعد سقوط نظام الأسد. ومع تفكك بنية السلطة القديمة في المدينة، برزت قوى جديدة تسعى لإعادة تعريف دورها في المشهد السياسي والعسكري، وهو ما خلق حالة من عدم الاستقرار، نتيجة تباين الرؤى بين الفصائل المحلية والتيارات السياسية، ولا سيما في ما يتعلق بعلاقتها بالحكومة الجديدة في دمشق. هذا الواقع يضع السويداء أمام تحديات كبرى، فبينما تطرح بعض القوى خيارات التفاوض والتسوية، كمسار للحفاظ على الأمن المحلي وضمان تمثيلها السياسي، ترفض أطراف أخرى أي شكل من أشكال الارتباط بالحكومة، وهو ما يهدد بانقسام داخلي قد يؤدي إلى اضطرابات طويلة الأمد.
في ظلّ هذه التعقيدات، تبرز احتمالات متعددة لمستقبل السويداء، إذ يمكن أن يشكل التوافق بين الفصائل المحلية والحكومة السورية خطوةً نحو استقرار تدريجي، شريطة أن تُحترم الخصوصية السياسية والإدارية للمحافظة، وألّا تُفرض تسويات لا تلقى قبولًا شعبيًا، أما في حال استمرار الانقسام السياسي والفصائلي، فقد تنزلق السويداء إلى حالة من التوترات الأمنية المستمرة، ولا سيما مع سعي بعض الأطراف إلى توظيف الواقع الحالي لتحقيق مكاسب خاصة، سواء عبر فرض مشاريع سياسية مغايرة لما يطالب به الحراك المدي في المحافظة، أو من خلال نشاطات الزعزعة الأمنية، مثل تهريب المخدرات والاغتيالات، لذلك فإن المرحلة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مصير السويداء، من حيث التمكّن من تجاوز تحدياتها عبر حلول سياسية توافقية أو البقاء ساحة صراع مفتوح بين الفصائل المختلفة، بما يضعها أمام مخاطر جديدة قد تعيد إنتاج الفوضى بدلًا من إعادة البناء.
المراجع:
رياض الزين، قوات النظام السوري تدخل معقل «مكافحة الإرهاب» في السويداء، صحيفة الشرق الأوسط
يمان زباد، المجموعة المسلحة في السويداء … ثنائية الأمن والمخدرات، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية
يمان زباد، حراك السويداء … تحديات أمنية ومظاهرات مستمرة، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية
يمان زباد، ” انتفاضة السويداء في آب 2023: تحديات أمنية وسيناريوهات مفتوحة”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية
[1] يمان زباد، المجموعة المسلحة في السويداء … ثنائية الأمن والمخدرات، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، شوهد في 10 آذار/ مارس 2025 https://bit.ly/4hfyGIB
[2] المقصود بـ “الميليشيات” المجموعات المسلّحة التي تقوم بأدوار زعزعة أمنية مستمرة وتجارة المخدرات، ولها تبعية للأفرع الأمنية أو لروسيا أو إيران سابقًا، والمقصود بـ “الفصائل” المجموعات المسلحة المرتبطة بالحراك ضمن المحافظة ولا تتبع لجهات أخرى.
[3] يمان زباد، حراك السويداء … تحديات أمنية ومظاهرات مستمرة، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية 08 أيار/ مايو 2024، شوهد في 3 آذار/ مارس 2025 https://bit.ly/3FhGZX1
[4] رياض الزين، قوات النظام السوري تدخل معقل «مكافحة الإرهاب» في السويداء، صحيفة الشرق الأوسط، 9 حزيران/ يونيو 2022، شوهد في 3 آذار/ مارس 2025https://bit.ly/3VRdSAo.
[5] يتزعم ناصر السعدي ميليشيا لتجارة المخدرات في منطقة صلخد، وحاولت القوات الأردنية اغتياله عبر استهداف منزله في كانون الأول/ ديسمبر 2023.
[6] السويداء 24، تشهد مدينة صلخد توترات أمنية إثر هجوم فصيل قوات شيخ الكرامة على منزل عائلة ناصر السعدي، 10 كانون الأول/ ديسمبر 2024، شوهد في 06 آذار/ مارس 2025، https://bit.ly/4ksakyc
[7] تشكيل مجلس عسكري جديد في السويداء، 23 شباط/ فبراير 2025، شوهد في 06 آذار/ مارس 2025، https://archive.md/ByK9e
[8] لقاء تلفزيوني مع نجيب أبو فخر، المتحدث باسم لواء الجبل، 2 شباط/ فبراير 2025، شوهد في 07 آذار/ مارس 2025، في https://bit.ly/4ivJ0xa
[9] مقابلة أجريت بتاريخ 8 آذار/ مارس 2025 مع مسؤول المكتب السياسي لأحد التيارات السياسية، وهو من منظمي حراك آب 2023.
[10] ضياء عودة، البلعوس يكشف لـ “الحرة” مستجدات العلاقة مع دمشق والموقف من إسرائيل، موقع الحرة، 26 شباط/ فبراير 2025، شوهد في 12 آذار/ مارس 2025، في https://bit.ly/3XLPjEV
[11] مرجع سابق، يمان زباد، حراك السويداء … تحديات أمنية ومظاهرات مستمرة.
[12] دارة قنوات تحتضن اتفاق وثيقة تفاهم مع الإدارة السورية الجديدة، مركز إعلام السويداء، 12 آذار/ مارس 2025، شوهد في 12 آذار/ مارس 2025، في https://bit.ly/3XJ5V02
[13] يمان زباد: “انتفاضة السويداء في آب 2023: تحديات أمنية وسيناريوهات مفتوحة”، مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، 31 آب/ أغسطس 2023، شوهد في 10 آذار/ مارس 2025، في https://bit.ly/3Ufnwub
[14] الصفحة الرسمية لحزب اللواء السوري على الفيسبوك، 09 آذار/ مارس 2025، شوهد في 10 آذار/ مارس 2025، في https://bit.ly/3XF8ccy
[15] الهجري لتلفزيون سوريا: تسليم السلاح وحلّ الفصائل مرتبط بوجود جيش سوري، موقع تلفزيون سوريا، 04 كانون الثاني/ يناير 2025، شوهد في 10 آذار/ مارس 2025، في https://bit.ly/3DhGs79
[16] الشيخ حكمت الهجري يطالب بتدخل دولي لضمان دولة مدنية وفصل للسلطات، موقع تلفزيون سوريا، 25 شباط/ فبراير 2025، شوهد في 10 آذار/ مارس 2025، في https://bit.ly/4kD02LJ
[17] مقابلة مع الشيخ حمود الحناوي، نون بوست، 28 شباط/ فبراير 2025، شوهد في 10 آذار/ مارس 2025، في https://bit.ly/3XE5Avs
[18] نوايا إسرائيلية مضمرة.. سيناريو “الكانتون الدرزي” إلى الواجهة مجدّدًا، تلفزيون العربي، 5 آذار/ مارس 2025، شوهد في 12 آذار/ مارس 2024، في https://bit.ly/41KR7iE
[19] ضياء صحناوي، الجنوب السوري… صدمة إملاءات نتنياهو، العربي الجديد، 25 شباط/ فبراير 2025، شوهد في 12 آذار/ مارس 2025، في https://bit.ly/3XJ4iiW
[20] مليار دولار من إسرائيل لتأليب دروز سوريا على دمشق، صحيفة الشرق الأوسط، 5 آذار/ مارس 2025، شوهد في 10 آذار/ مارس 2025، في https://bit.ly/3XC4VL2
تحميل الموضوع
مركز حرمون
————————————–
سوريا تعيد رسم المعادلة الإقليمية: الأكراد جزء من الدولة والحلول وطنية/ بشار الحاج علي
2025.03.13
في العاشر من آذار 2025، شهدت الساحة السورية تطورًا بالغ الأهمية تمثل في الاتفاق الذي جرى بين السيد الرئيس أحمد الشرع والسيد مظلوم عبدي، وهو اتفاق يعيد صياغة المشهد السياسي السوري على أسس وطنية جامعة، ويبعث برسائل إقليمية ودولية تتجاوز حدود سوريا الجغرافية. فهذا الاتفاق، الذي يعزز وحدة البلاد، ويضمن الحقوق السياسية والاجتماعية لكل السوريين، ويؤسس إلى مرحلة جديدة من الاستقرار، يحمل أبعاداً استراتيجية تتعلق بأمن الإقليم ككل، وبتوازنات القوى الدولية في واحدة من أكثر المناطق حساسية وتأثيرًا على الأمن والسلم الدوليين.
انعكاسات الاتفاق على دول الإقليم: بين الفرص والتحديات
لا يمكن النظر إلى هذا الاتفاق بمعزل عن القضية الكردية في دول الجوار، حيث يشكل الأكراد جزءًا أساسيًا من النسيج السكاني في العراق، وإيران، وتركيا، وتواجه هذه الدول تحديات مماثلة تتعلق بإدارة التنوع القومي.
⁃ العراق، الذي يتمتع فيه إقليم كردستان بوضع خاص، لطالما شهد توترات بين بغداد وأربيل، سواء فيما يتعلق بالموازنة، وتقاسم الموارد، أو النفوذ السياسي. ويأتي الاتفاق السوري ليؤكد إمكانية دمج الأكراد ضمن الدولة الوطنية دون الحاجة إلى مشاريع انفصالية، وهو نموذج قد يشجع بغداد على تبني سياسات أكثر استيعابًا للمكون الكردي ضمن إطار الدولة العراقية.
⁃ إيران، التي تواجه تحديات مشابهة في مناطقها الغربية، تدرك أن هذا الاتفاق قد يكون إشارة إلى إمكانية معالجة المسألة الكردية بأسلوب سياسي متوازن. فرغم الحذر الذي قد تبديه طهران تجاه أي تحولات في شمال شرقي سوريا، إلا أن نجاح هذا النموذج السوري قد يدفعها إلى التفكير في حلول وطنية بديلة عن المقاربات الأمنية التقليدية.
– تركيا، التي لطالما رأت في القضية الكردية ملفًا أمنيًا، قد تجد في هذا الاتفاق فرصة لمراجعة سياساتها، لا سيما بعد خطاب زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في شباط الماضي، والذي دعا إلى حل سياسي شامل للقضية الكردية داخل تركيا ومع تحول المزاج السياسي التركي نحو نهج أقل تصعيدًا، فإن نجاح هذا الاتفاق السوري قد يشكل نقطة انطلاق لمقاربات أكثر براغماتية في الداخل التركي.
إن أي خطوة تعزز الوحدة الوطنية، وتعيد دمج كل المكونات ضمن إطار الدولة، تعد أمرًا إيجابيًا في سياق الحفاظ على استقرار المنطقة ككل.
الترحيب العربي: دعم لوحدة سوريا وحماية الأمن القومي
يشكل هذا الاتفاق خطوة أساسية في الحفاظ على وحدة سوريا واستقرارها، وهو ما يلقى ترحيبًا عربيًا نظرًا لما تمثله سوريا من ركيزة أساسية في الأمن القومي العربي فمنذ اندلاع الثورة السورية، كانت هناك مخاوف عربية من تفتيت البلاد، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات أمنية وجيوسياسية خطيرة. ومن هنا، فإن أي خطوة تعزز الوحدة الوطنية، وتعيد دمج كل المكونات ضمن إطار الدولة، تعد أمرًا إيجابيًا في سياق الحفاظ على استقرار المنطقة ككل.
إسرائيل واستغلال المظلومية الكردية
لطالما سعت دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى استغلال القضية الكردية كأداة لخلق بؤر توتر داخل الدول الإقليمية، وذلك في إطار استراتيجيتها القائمة على تفتيت المنطقة إلى كيانات ضعيفة ومتخاصمة. فمنذ دعمها لانفصال كردستان العراق عام 2017، مرورًا بمحاولاتها بناء علاقات مع بعض الفصائل الكردية في سوريا، وصولًا إلى تقديم نفسها كـ”مدافع” عن حقوق الأكراد، كانت إسرائيل تسعى لتوظيف المظلومية الكردية لخدمة مشروعها التوسعي.
لكن هذا الاتفاق يضع حدًا لهذه المحاولات، حيث يؤكد على دمج الأكراد في الدولة السورية، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومكوناتها على أسس المواطنة المتساوية وبهذا تسقط ورقة طالما حاولت إسرائيل استغلالها، ويعاد ترسيخ مفهوم الحلول الوطنية كبديل عن التدخلات الخارجية المشبوهة.
الترحيب الدولي: استقرار سوريا في منطقة مفصلية للأمن العالمي
لا شك أن هذا الاتفاق سيحظى بترحيب دولي واسع، نظرًا للأهمية الجيوسياسية لسوريا في منطقة تعد إحدى أكثر المناطق تأثيرًا على الأمن والسلم الدوليين.
فمنذ اندلاع الأزمة السورية، كان المجتمع الدولي يدرك أن استقرار سوريا هو عامل حاسم في ضبط توازنات الشرق الأوسط، سواء فيما يتعلق بالحد من التهديدات الإرهابية، أو احتواء التدخلات الخارجية، أو ضمان تدفق الطاقة والتجارة العالمية.
إن تعزيز وحدة سوريا وإعادة دمج كل مكوناتها في إطار وطني جامع يوفر نموذجًا يمكن الاستفادة منه في حل النزاعات القائمة على الهويات الفرعية، ويمنح الدول الكبرى فرصة لدعم استقرار المنطقة دون الحاجة إلى تدخلات عسكرية أو سياسية مكلفة ،وبذلك يصبح هذا الاتفاق ليس مجرد خطوة داخلية، بل تحول استراتيجي يعيد رسم خريطة التأثيرات الإقليمية والدولية.
إن نجاح هذا الاتفاق لا يعني فقط انتصارًا لسوريا في مواجهة التحديات الداخلية، بل قد يشكل نقطة تحول في المشهد الإقليمي، حيث يمكن أن يكون نموذجًا لحلول وطنية تقوم على وحدة الدولة، واحتواء التنوع، ورفض التدخلات الخارجية.
فالمرحلة المقبلة تتطلب الالتفاف حول هذا المسار، ودعمه كخيار استراتيجي لاستعادة الاستقرار الوطني والإقليمي، بعيدًا عن المشاريع التي لا تخدم سوى مصالح القوى الخارجية، وإن مصير المنطقة لا تحدده العواصم الأجنبية، بل تصنعه إرادة شعوبها حين تضع مصلحة أوطانها فوق أي اعتبارات أخرى.
بهذا الاتفاق، تثبت سوريا مجددًا أن الحل يبدأ وينتهي وطنيًا، وأن وحدة البلاد هي الأساس في بناء مستقبل مستقر وآمن، ليس لسوريا فحسب، بل للمنطقة والعالم بأسره.
تلفزيون سوريا
—————————-
امتحان الإسلاميين في سوريّا/ سهيل كيوان
تحديث 13 أذار 2025
لم يسبق لدولة عربية أن وصل فيها إلى سدّة الحكم تنظيمٌ إسلامي، باستثناء حركة الإخوان المسلمين التي وصل رئيسها المرحوم محمد مرسي من خلال الانتخابات في مصر، حكم خلالها لفترة ثلاثة عشر شهراً فقط، ثم جرى الانقلاب على الرئيس وشيطنة الحركة وإخراجها عن القانون وزجُّ عشرات الآلاف من أبنائها في السّجون.
مرّة أخرى يمرُّ أحد تيارات الإسلام السياسي في امتحان صعب، في بلد مركزي عربيّاً وإقليمياً، وله أهميته الدولية. لم يكن وصول هذا التّيار سهلا، فقد سقط في الطريق ملايين الضحايا من السّوريين، بين قتيل وجريح ومتشرّد، قبل أن يولي رئيس النّظام الأدبار ويهرب إلى روسيا.
يمرُّ التيار الإسلامي في طبعته السُّورية الحالية، بامتحان ستكون له إسقاطاته على المنطقة العربية كلِّها، فهل سينجح هذا التيار في إدارة البلد؟ وهل سيُخرجُ النّاس من حالة اليأس الطويلة، إلى فسحة من الأمل؟ هل سينجح في إدارة البلد ذي التعدّدية الكبيرة، وهل ستكون الفرص متساوية لجميع الناس! بلا شك أنَّ هناك من يسعى، وسوف يسعى إلى إفشال هذا التّيار، وهؤلاء كثيرون، من داخل سوريا وخارجها. هناك تخوّفات مشروعة لدى أبناء مذاهب وطوائف معيّنة، وهناك أصحاب منطلقات فكريّة لن يروا في حكم الإسلاميين إلا الشّر مهما حاول هذا النظام أن يبدي مرونةً. هناك عداءٌ متأصّل لدى بعض التيارات السّياسية مثل التيارات القومية والاشتراكية والليبرالية واليسارية للتّيارات الإسلامية، مثلما أنه متأصّل لدى التيارات الإسلامية ضد هذه القوى، ويرى فيها خصوماً أيديولوجيين يصعب ترويضهم ولا يؤتمن جانبهم. هنالك من لن يهدأ له بال ما لم تشتعل الحرب الأهلية في سوريا من جديد، ويروّجون ويبشّرون لهذه الحرب، ونستطيع أن نرى ذلك من خلال التجييش الطائفي، وإذكاء الصراعات والتخويف من المقبل.
هنالك فلول النّظام البائد التي لن تسلّم بهزيمتها، ومحاولة الانقلاب الأخيرة تشهدُ على أنّ الفلول ما زالت قوّة قادرة على التّخريب، وعلى إشعال نيران الفتنة، وليس لديهم ما يردعهم، ومستعدون للتضحية بعشرات آلاف أخرى من السوريين، إذا ما كان هذا يضمن لهم العودة إلى السُّلطة، وهم مستعدون لأية تحالفات ممكنة مع أي جهة كانت. فلول النّظام البائد من القيادات العسكرية الذين يتحملون مسؤولية عما كان يجري من انتهاكات ومجازر بحق السّوريين خلال سنوات الحرب الأهلية، يدركون أنّه لا سبيل لهم في النجاة من عقوبة قاسية قد تصل إلى الإعدام، إلا من خلال اختلاق الفوضى واستعادة زمام المبادرة، وسوف يحاول هؤلاء جرّ قوات النّظام الجديد إلى ردود أفعال قاسية، كي يثبتوا أنّه نظام عاجز عن إدارة البلد، وعن حماية المدنيين في وقت الأزمات، وقد يبادر هؤلاء لعمليات فظيعة بحق المدنيين وإلصاقها بالنظام الجديد. يحاول هؤلاء القادة الهاربون من العدالة ربط مصير الأبرياء من أبناء طائفتهم بمصيرهم هم، وإظهار أنفسهم كمنقذين لأبناء الطائفة، وبأنّ السُّلطة الجديدة تضمر شرّاً لجميع العلويين، ولا تميّز بهذا بين مدنيٍّ ومقاتل، حتى إنّها مستعدة لقتل وإذلال أولئك الذين رحّبوا بها في بلداتهم من أبناء الطائفة العلوية. من خلال الفوضى تسعى الفلول للحصول على شرعية ودعم عربي ودولي، معلن أو غير معلن لإفشال السُّلطة الجديدة. سوف يمارس هؤلاء أعمال التّخريب قدر الممكن، بالاعتداء على مؤسسات الدولة، والممتلكات العامة والخاصة، وتنفيذ اغتيالات لإثارة البلبلة وعدم الاستقرار.
دولة الاحتلال الإسرائيلي من جانبها تتدخّل في محاولة لرسم الخريطة السّورية الجديدة، وتدفع باتجاه الحرب الأهلية والانقسامات، لأنّ تقسيم أي بلد عربي يعود عليها بالفائدة، وتستطيع تجييره لصالحها، والعكس صحيح، فوحدة أي بلد عربي واستقراره تزعجها، خصوصا إذا كان بلداً تحتلُ أجزاءً منه، ولها أطماع في أجزاء أخرى. إسرائيل تصف السُّلطات السّورية الجديدة كمجموعة إرهابيين، بهدف ابتزازها، ودفعها إلى تغيير موقفها ولهجتها تجاه الاحتلال، والسّير في ركب التطبيع، مقابل مساعدتها في رفع العقوبات الأمريكية والغربية عنها، وشرعنتها. وأهم من جميع أعداء الإسلاميين، يتعلّق نجاح التجربة بهم هم أنفسهم، بقيادتهم التي يقف على رأسها أحمد الشّرع. هل تستطيع القيادة الجديدة أن تطبّق الدستور الجديد المقترح، وأن تفي بالبنود، التي جاءت فيه كما نُشر في المُسوّدة، خصوصا في موضوع حرية التعبير والحرّية الشّخصية وحرية العبادة! هل ينجحون بالفعل أن يُشعروا جميع السُّوريين بأنّهم يعيشون في ظلّ قانون واحد يطبّق على الجميع من غير تفرقة! هل سيمنحون الحريّات الشّخصية مساحة كافية ليشعر الناس فيها بأنّهم تحرّروا بالفعل من دولة المخابرات المُزمنة، وأنَّ المواطن قادرٌ على انتقاد السُّلطة وأن يدلي برأيه المعارض والنّاقد وأن يبوح بأفكاره، من غير التعرّض إلى المساءلة أو المسّ بمصدر معيشته! هل سيُشعرُ السُّوريين كلُّهم بأنهم تحرّروا من أحكام الطوارئ التي لاحقتهم جيلا بعد جيل! وهل ستعود خيرات بلدهم عليهم ويحظون بحياةٍ كريمةٍ بعد سنوات، بل عقود عجاف! هل ستنجح في أن يكون القرار السّوري متحرِّرا من التأثيرات أو التدخّلات الأجنبية، كما يليق بالدولة السُّورية.
نجاح التجربة قد يكون نموذجاً للتقليد، بسبب تعطش الشّعوب العربية إلى العدالة ودولة جميع المواطنين، وهذا ما يخشاه كثيرٌ من الأنظمة العربية التي تعمل ألف حساب للتيارات الإسلامية، لقدرتها على التنظيم والانتشار لأسباب عقائدية وتاريخية وإمكانيات تنظيمية، ورغبة في تجربة مختلفة عن تجارب الأنظمة، التي تعيد إنتاج نفسها، تحت مسميات مختلفة ولكنها واحدة في جوهرها القمعي. تعرّضت التيارات الإسلامية إلى هجمات مستمرّة وقاسية، وتصعب إزالة ما علق بها من تشويهات وشيطنات، بعضها تتحمّل هي مسؤوليته، بسبب ممارسات بعض فصائلها، كذلك فإنّ الكثير منها فبركات، والذكاء الاصطناعي تطوّر وقادر على ما هو أخطر. أعداء هذا التيار كثيرون من خارجه، وكذلك وفي أحيان كثيرة، بل والأخطر يأتي من بين صفوفه. أحد أهم البنود التي جاءت في مسودة الدستور هو، استقلال القضاء، واعتباره هيئة فوق جميع الهيئات وهذه قضيّة جوهرية، في دولة قانون. الدستور المقترح كما نُشرت مسوّدته، يعتبر جيداً جداً في ظروف سوريا وما نجم عنها بعد الحرب الأهلية، ولكن يبقى التطبيق هو الأهم، فهنالك دولٌ تتغنّى بالدّيمقراطية في دساتيرها، ولكنّها فاشلة في التطبيق، وهناك من يعطّلون الدستور في أقرب فرصة. حتى في دول عريقة في الديمقراطية، لا يطبّق القانون على جميع الناس بصورة متساوية، خصوصاً في القضايا السّياسية، مثلا في تعامل الشّرطة الألمانية مع مناصري فلسطين، أو في تعامل السُّلطات الأمريكية مع الطالب العربي محمود خليل من جامعة كولومبيا.
هنالك تساؤل عن دور الفرد في التاريخ وما هي قدرته على التأثير في مساره، في الحالة السّورية الراهنة بمقدور القائد الحالي أحمد الشّرع، أن يغيّر مسار تاريخ المنطقة، وأن يدحض ما بنته الدعاية والتحريض ضد الإسلاميين على مدار عقود، إذا ما حقّق أحلام السوريين كلهم في الوحدة والكرامة والعدل، فيصبح نموذجاً يحتذى، ولكنه إذا فشل بسبب داخلي من خلال إساءة إدارة السّلطة، ممّن هم حوله، أو من خلال تقوقع فكري أو طائفي، فستكون هذه خيبة كبيرة، وربّما آخر محاولة للتيارات الإسلامية في الوصول إلى السّلطة والقيادة.
كاتب فلسطيني
القدس العربي
——————————
هآرتس: هل ينجح الشرع في ترميم سوريا بعد اتفاقه مع الأكراد والدروز؟
تحديث 13 أذار 2025
وقع أول أمس اتفاق بين مظلوم عبدي، زعيم قوات سوريا الديمقراطية، الذراع العسكري للإدارة الكردية في شمال شرق سوريا، مع الرئيس السوري أحمد الشرع. سيكون هذا الاتفاق وثيقة أساسية في دولة تناضل لإعادة بناء نفسها. انضم إلى هذه العملية أمس تقارير عن اتفاق مشابه مع الدروز في المحافظة الانفصالية السويداء جنوبي سوريا، وإن لم تتضح بعد طبيعة ودرجة قبوله في أوساط الطائفة.
إذا ما تحققت هذه الاتفاقات فستكون لها تداعيات ثقيلة الوزن على قدرة الشرع على إدارة الدولة والحصول على الشرعية، بالأساس بمساعدة دولية وعربية، وعلى مكانة تركيا في سوريا، وأيضاً تطلعات إسرائيل للاحتفاظ بمناطق محتلة في شرق هضبة الجولان وجنوبها. إضافة إلى ذلك، هذه الاتفاقات تظهر أن الشرع يعترف بصعوبة إقامة “دولة معظم أقلياتها” باستثناء الأقلية العلوية. سيطمح إلى إدارة دولته بالموافقة وليس السير في طريق الأسد الأب والابن.
لكن هناك عقبات كبيرة قابلة للانفجار، وكل منها قد تبقي هذه الاتفاقات بمثابة أوراق تاريخية تحتوي في داخلها لحظة من الاتفاق الذي لم يتحقق. الاتفاق مع الأكراد يشمل دمج كل المؤسسات العسكرية والمدنية، وكل آبار النفط والمطارات والمعابر الحدودية ووضعها تحت سيطرة الدولة. في المقابل، ربما يحصل الأكراد على حكم ذاتي ثقافي وحصة مناسبة في مؤسسات النظام ووظائف رفيعة في الجيش.
هذه العملية، التي سيحصل الجيش في إطارها على 100 ألف مقاتل كردي تقريباً، إذا انضم إليه المقاتلون الدروز، تعني إقامة جيش وطني موحد بقيادة وطنية متجانسة تضع حداً لمبنى مليشيات لقوات الأمن بقيادة الشرع. العائق الذي أخر انضمام الأكراد للجيش السوري بعد إسقاط نظام الأسد في كانون الأول، هو المطالبة بالحفاظ على إطار خاص بهم داخل الجيش السوري. من غير الواضح إذا تم الاستجابة لمطالب الأكراد، وماذا ستكون طبيعة خضوع القوات الكردية لقوات الجيش الوطني، وهل سيخدم جنودهم في المحافظات الكردية فقط كقوة دفاع أم سيعملون في أرجاء الدولة، وبالأساس كيف يمكن للاتفاق أن يدافع عن السكان الأكراد من هجمات تركيا، التي تعاملت أمس مع الاتفاق بـ “تفاؤل حذر”؟
هنا تكمن نقطة ضعف الاتفاق الأساسية؛ فهو غير منفصل عن الحاجة الكردية لتضمن لنفسها إطاراً دفاعياً ما دامت تركيا هي المسيطر على مناطق كردية وتهاجم أهدافاً ومواقع كردية. سيقتضي هذا الإطار اتفاقاً منفصلاً بين تركيا وسوريا، الذي سيحدد نطاق نشاطات تركيا وطبيعة هذه النشاطات وجدول زمني لانسحابها من سوريا. ساعدت تركيا الشرع بشكل مباشر ونشط في إسقاط نظام الأسد، وأيدته في فترة وجود “هيئة تحرير الشام”، واتحاد مليشيات المتمردين الذي أقامه الشرع وكانت قاعدته المركزية في إدلب. ثم تحولت لتكون حليفة في سوريا عندما جاءت مع رزمة وعود لمساعدة اقتصادية وبناء قوتها العسكرية.
لكن رغم الاتفاق مع الشرع، تعتبر تركيا هذه القوات الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة، تنظيماً إرهابياً يهدد أمنها الوطني. وتطالب بنزع سلاحه وإبعاده عن مناطق الحدود. في الوقت نفسه، ثمة تقدير بأن تركيا كانت شريكة، بمعرفة وموافقة، في هذه العملية التي أدت إلى الاتفاق. يمكن الافتراض أيضاً أنها أيدتها لأنها تتساوق مع استراتيجية موازية تديرها. قبل شهر تقريباً، بدأت تركيا في عملية مصالحة مع “حزب العمال الكردستاني”، الذي يعدّ تنظيماً إرهابياً. وتدير ضده منذ الثمانينيات حرباً دموية قتل فيها 40 ألف شخص. قبل أسبوعين، في إطار عملية مصالحة، طالب رئيس حزب العمال الكردستاني، المحكوم بالمؤبد، عبد الله أوجلان، أتباعه بالتخلي عن سلاحهم وحل التنظيم الذي يعمل داخل تركيا ومن قواعد في العراق وشمال سوريا. وافقت قيادة التنظيم على وقف النار، لكنها لم توافق على نزع سلاحها، إلى حين مفاوضات تضمن حقوق الأكراد وتوقف مطاردتهم.
تعتقد تركيا أن إعلان أوجلان موجه للقوات الكردية السورية أيضاً، حيث تعتبرها جزءاً من “قوة الإرهاب” الكردية. ولكن الزعيم الكردي، عبدي، سارع إلى التوضيح بأن دعوة أوجلان لا تتعلق بهم، وأنهم سيواصلون القتال للدفاع عن أراضيهم وطائفتهم. ربما كان هذا رداً إعلانياً مطلوباً، لكن الأكراد في سوريا يعرفون جيداً أنه منذ تتويج ترامب رئيساً، فإن وقف دعم أمريكا لهم وانسحاب القوات الأمريكية من سوريا تبدو مسألة وقت. بدون المساعدة العسكرية والاقتصادية، وإزاء علاقات جيدة بين رئيس تركيا والرئيس الأمريكي، بات على عبدي أن يقرر بسرعة لحماية قواته والطائفة الكردية السورية بشكل عام.
هنا وجد لقاء مصالح بين تطلع الرئيس السوري لتوحيد الدولة وإقامة قوة عسكرية وطنية، وبين حاجات الحماية للطائفة الكردية السورية وقيادتها العسكرية والسياسية، حيث مصالح أمريكية وتركية. مصدر في الإدارة الكردية العراقية، قال إن أكراد سوريا يواجهون معضلة غير محتملة.
“هذه ليست معضلة أن يكونوا أو لا يكونوا، بل كيف سيكونون. واضح أن الركيزة الأمريكية ستتحطم في ظل ترامب، وستحصل تركيا على يد حرة للعمل في شمال سوريا، كما حصلت إسرائيل من ترامب على يد حرة للعمل في غزة”، قال. “المخرج الوحيد أمامهم هو التوصل إلى اتفاق مع النظام الجديد في سوريا، ومحاولة تحقيق كل ما يمكن تحقيقه وبسرعة”. يبدو أن تقدير المصدر الكردي تحقق جزئياً. بدون اتفاق إطار بين سوريا وتركيا وبدون تدخل أمريكا، لا سيما أمام تركيا، حيث يضمن سلامة الأكراد، من الصعوبة حينئذ رؤية كيف يمكن للأكراد تجسيد الإنجازات التي صيغت في الاتفاق الموقع عليه أول أمس.
قصة الاتفاق مع الدروز أيضاً، إذا تم التوقيع حقا على وثيقة رسمية بين قيادة الشرع وقيادتهم، لم تنته بعد. الموقف “الرسمي” الذي يطرحه حكمت الهجري، الذي يعدّ الزعيم البارز والمؤثر من بين الزعماء الثلاثة الروحانيين للطائفة في سوريا، أعلن تأييده لدولة سورية موحدة، ولا يؤيد إقامة كانتون درزي يتمتع بحكم ذاتي. ولكنه اشترط انضمام المليشيات الدرزية للجيش الوطني بأن يتم تشكيل جيش كهذا، مع صياغة دستور يضمن حقوق الدروز. يبدو أن مواقف القيادة الدرزية منقسمة وغير متجانسة، بينها وبين بعض قادة المليشيات الدرزية غير المستعدين لنزع سلاحهم والاعتماد على تعهدات الشرع، الذي عملت قواته ضد الطائفة الدرزية أثناء قيادته لجبهة النصرة.
لكن مؤخراً، أضيف للدروز “قيمة” استراتيجية قد تساعدهم في الحصول على تنازلات وإنجازات أكبر من الشرع. “الحماية” التي ألقتها عليهم إسرائيل بذريعة الدفاع عنهم، التي تستخدم أيضاً كذريعة لسيطرتها على مناطق في جنوب سوريا، تزيد قوة مساومتهم أمام الشرع.
في نهاية المطاف، في الواقع في بدايته، ترى الطائفة الدرزية نفسها جزءاً لا يتجزأ من دولة سوريا، ومستقبلها مرهون بعلاقاتها مع النظام وليس مع إسرائيل. والدليل ما نشر أمس بأن المئات من أبناء الطائفة قرروا التجند في الجيش السوري، وأجريت في الميدان الرئيسي بالسويداء مظاهرات تأييد للاتفاق الذي كما يبدو تم التوقيع عليه. والمطلوب فقط هو التعامل مع مظاهر التأييد بشكل مناسب من التشكك. فهي قد تتبدل بالاحتجاج والتمرد إذا تبين أن الورق الذي كتب عليه الاتفاق لا يترجم إلى إنجازات فعلية تضمن الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية، للدروز.
تسفي برئيل
هآرتس 12/3/2025
القدس العربي
———————-
سوريا.. على هوامش واشنطن وأولويات إسرائيل/ خالد الجرعتلي
تحديث 13 أذار 2025
لا تزال التحركات الإسرائيلية في جنوبي سوريا تميل إلى العدائية، رغم أن الإدارة السورية الجديدة حاولت مرارًا تقديم نفسها كجهة لا تشكل تهديدًا لأي بلد بمحيط الحدود السورية، إذ لا تزال الطائرات الإسرائيلية تنفذ ضربات في سوريا، تحت مبرر رفضها لوجود الجيش السوري في ثلاث محافظات سورية.
أحدث الضربات الجوية وقعت اليوم الخميس، 13 من آذار، واستهدفت مبنى في مشروع دمر بدمشق.
وقال مسؤول العلاقات الوطنية في “حركة الجهاد الإسلامي” الفلسطينية في سوريا، إسماعيل السنداوي، لعنب بلدي، إن الهجوم استهدف مبنى فارغًا تابعًا للحركة، ويعود لأمينها العام، زياد النخالة.
وكانت إسرائيل، استهدفت الاثنين 10 من آذار، مواقع متفرقة جنوبي سوريا، دون إعلان رسمي سوري عن طبيعة المواقع المستهدفة أو حجم الأضرار التي خلفتها الضربات.
وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي، أفيخاي أدرعي، عبر “إكس”، إن طائرات حربية لسلاح الجو أغارت على مواقع في الجنوب السوري، استهدفت معدات عسكرية.
ولم تنحصر سياسة إسرائيل في سوريا باتجاه عسكري فقط، فرغم أن قواتها توغلت في الأراضي السورية منذ اللحظات الأولى لسقوط نظام الأسد في 8 من كانون الأول 2024، ظهرت مساع إسرائيل لدفع الولايات المتحدة نحو موقف عدائي من سوريا الجديدة أيضًا.
وفي 28 من شباط الماضي، نقلت وكالة “رويترز” عن مصادر مطلعة (لم تسمّها) أن إسرائيل تمارس ضغوطًا على الولايات المتحدة لإبقاء سوريا “ضعيفة ولا مركزية”، مع السماح لروسيا بالاحتفاظ بقواعدها العسكرية على الساحل السوري لمواجهة النفوذ التركي المتزايد في سوريا.
المصادر قالت إن العلاقات المتوترة بين إسرائيل وتركيا تعرضت لضغوط شديدة خلال حرب غزة، وأبلغ مسؤولون إسرائيليون واشنطن أن “الحكام الإسلاميين الجدد” في سوريا الذين تدعمهم أنقرة يشكلون تهديدًا لحدود إسرائيل.
ولم يظهر أي موقف واضح من واشنطن حول هذه التسريبات، لكن غياب التعليق الأمريكي حول توجه واشنطن من سوريا، منذ تولي إدارة دونالد ترامب رئاسة البلاد في 20 من كانون الثاني الماضي، شكل تساؤلات عن احتمالية استجابة الولايات المتحدة لضغوط إسرائيل.
أين سوريا في أولويات واشنطن
حافظت الولايات المتحدة الامريكية منذ تولي الإدارة الجديد رئاسة البلاد، على خطابها باتجاه سوريا، مركزًا على الخطوط العريضة والعموميات، إذ صدرت تعليقات أمريكية حول وجود قوات واشنطن في سوريا، وأخرى متعلقة بالعمليات السياسية لم تحمل تغييرًا عمّا صدر عن الإدارة الأمريكية السابقة، إضافة لتعليقات هنا وهناك حول استهداف قياديين في فصائل جهادية على الأراضي السورية.
كل ما جاء على لسان الأمريكيين أوحى أن سوريا لا تحل متقدمة على سلم أولويات واشنطن، في وقت تتعلق فيه الإدارة السورية بآمال اقتناع إدارة دونالد ترامب برفع العقوبات عن سوريا، وتقدم تطمينات في هذا الخصوص.
يعتقد الباحث الزميل في “مؤسسة القرن” للأبحاث، آرون لوند، وهو أيضًا محلل لشؤون الشرق الأوسط في “وكالة أبحاث الدفاع السويدية”، أن سوريا تعتبر قضية ثانوية بالنسبة للولايات المتحدة، رغم وجود بعض المصالح لواشنطن هناك.
وقال آرون لوند، لعنب بلدي، إن مصالح واشنطن في سوريا تشمل دور وحماية القوات الأمريكية في شمال شرقي سوريا، ومحاولات تحديد موقع المواطنين الأمريكيين المفقودين، وخطر إحياء تنظيم “الدولة الإسلامية”، وربما مصير أي أسلحة كيميائية متبقية.
ورجح الباحث أن يهتم دونالد ترامب بسوريا فقط بقدر ما تصبح عاملًا لعلاقته بالآخرين، وتشمل قائمة القوى المهتمة بالمنطقة وتحكمها علاقات مع واشنطن، كإسرائيل وتركيا وإلى حد ما روسيا والأوروبيين.
وفسّر لوند نظرة واشنطن إلى سوريا، بأنه يمكن الاعتماد على الإسرائيليين والأتراك في أن يكون لديهم آراء قوية جدًا بشأن هذه المسألة.
وأضاف أن ترامب قد يأخذ في عين الاعتبار أيضًا وجهات نظر الملكيات العربية في الخليج، مثل المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة، لكن درجة نفوذها ستعتمد على مقدار رأس المال السياسي الذي قد تكون على استعداد لإنفاقه للتأثير على سياسة الولايات المتحدة في سوريا.
ومع كل ما يحدث الآن، من غزة إلى الخليج، فإن سوريا ليست أولوية قصوى لأي دولة خليجية، علمًا أن القطريين قد يهتمون بهذا الملف أكثر من غيرهم، ولكن حتى الدوحة ستركز على التأثير في السياسة الأمريكية بشأن إيران وغزة، وعلى حماية نفسها ضد الضغوط.
وتقف معظم دول الخليج العربي، منها السعودية، الكويت، قطر، والإمارات، إلى جانب التغيير الحاصل في سوريا، إذ تدعم الحكومة السورية الجديدة بعد سنوات من العداء مع سوريا في عهد النظام السابق.
اليد الطولى لإسرائيل
تولي إدارة ترامب منذ قدومها للسلطة اهتمامًا بشأن غزة وإيران، أكبر من اهتمامه بما يجري في سوريا، ورجّح لوند أن يتخذ الأمريكيون موقفًا داعمًا لأي قرار تتخذه إسرائيل في سوريا عند أي توتر، كوسيلة للتحوّط من التوتر في تلك القضايا الأخرى.
واعتبر أن قرار إبقاء قوات الأمن التابعة للحكومة الجديدة خارج جنوب سوريا سيكون له “تأثير بالغ”، إذ لا تملك “هيئة تحرير الشام” نفوذًا كافيًا في الجنوب السوري، وقد يؤول ذلك لتحول تلك المنطقة بأكملها إلى قطاعات بحجم مدينة تديرها فصائل محلية.
وفي حال خرجت هذه المنطقة عن سلطة دمشق الأمنية والعسكرية، قد تتفاقم الأمور وتتحول إلى “فوضى عارمة وعنيفة” وفق ما يراه لوند، وهو ما قد يكون مزعجًا للغاية بالنسبة للأردن أيضًا، الذي يخشى الاضطرابات على الحدود،مثل عودة ظهور جماعات متطرفة أو انتشار التهريب.
لوند قال لعنب بلدي إن تفاقم الأمور على طول الحدود الأردنية، قد يمهد الطريق لمزيد من التدخل الأجنبي، مثل الأردن، أو حتى إسرائيل ودول أخرى.
الكثير من الأمور في سوريا والمنطقة غير مستقرة في هذه المرحلة، وأتخيل أن إسرائيل، مثل أي دولة أخرى، تُرتجل إلى حد كبير طريقًا للمضي قدمًا. ولكن سواء كانت خيارات إسرائيل السياسية عقلانية أم لا، فإنها ستكون أكثر أهمية بكثير من خيارات العديد من الحكومات الأخرى. فعلى عكس معظم دول المنطقة، تمتلك إسرائيل القوة العسكرية للمضي قدمًا.
الباحث آرون لوند
وتنتشر في جنوبي سوريا العديد من الفصائل العسكرية، وافق بعضها على الانضمام لوزارة الدفاع السورية، بينما تتمنع فصائل أخرى عن الاندماج، وينحدر معظمها من محافظة السويداء السورية التي يقطنها غالبة درزية.
ومنذ أسابيع، تحاول الحكومة الإسرائيلية تصوير تدخلها في سوريا على أنها تريد حماية دروز المنطقة الذين يشكلون امتدادًا لدروز إسرائيل، علمًا أن الأخيرة لم تتحرك حتى عندما دخل تنظيم “الدولة الإسلامية” للمنطقة عام 2018، وقتل المئات من أهلها.
ويرى لوند أن الزيادة في مناشدات إسرائيل للدروز تعكس “قرارًا استراتيجيًا”، لكن ليس من الواضح ما الذي يجري أو مدى جدية الإسرائيليين في هذا الشأن، ولربما يحاول نتنياه حشد الدعم له بين الدروز والأقليات الأخرى في سوريا ولبنان على المدى الطويل، دون التخطيط بالضرورة لأي مبادرات رئيسية على المدى القريب.
ولفت إلى أنه من الوارد وجود اعتقاد بالنسبة لإسرائيل أن سوريا ستتفكك وتضعف في غياب حكومة مركزية فعّالة، وفي هذه الحالة يأملون في بسط نفوذهم في جنوبي سوريا، لكن هذه التحركات قد تكون مجرد “بالون اختبار” في هذا الشأن.
عنب بلدي
——————–
هل ثمّة صراع بين إيران وتركيا؟/ زياد بركات
13 مارس 2025
ليس ثمّة ما هو أسوأ لإيران من أن تجد نفسها وإسرائيل في الموجة نفسها في الشأن السوري. وهو كاشفٌ وفاضح، فبينما تسعى تلّ أبيب جهراً إلى استغلال المرحلة الانتقالية في سورية، يبدو أن طهران منشغلة بالأمر نفسه، وهو العودة بأيّ ثمن إلى ما كانت عليه قبل فرار المخلوع، وإذا تعذّر الأمر فلا بأس من التخريب، وهو كثيرٌ (للأسف!)، رغم أنه لا يعود عليها بنتائج حقيقية لحسن الحظّ.
على إيران أن تُسلّم أن نفوذها العابر للحدود ضُرِب في مقتل بفرار الأسد واغتيال حسن نصر الله، وأن عليها أن تُعنى بشؤونها، خاصّة أن النار تقترب منها هذه المرّة، بعد عقود من أحزمة الصدّ التي أنشأتها في بلاد المشرق العربي واليمن، وأن تعرف أن علاقاتٍ ندّيةً ما أمكن مع “مستعمراتها” القديمة (والوصف على تطرّفٍ وسخرية)، أفضل لها وللمنطقة، وأن التغيّرات العاصفة والمفاجئة في جوارها قد تتركها في عزلةٍ خانقةٍ كلّما سعت إلى التخريب أو استعادة دور انتهت شروطه وأسبابه.
لم يخطئ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في تشخيصه وضع إيران في المنطقة، في حواره مع قناة الجزيرة، فالسياسة التي تعتمد على فصائل مسلّحة (في دول الجوار) خطيرة، ومن شأنها الانقلاب ضدّك، وإذا كنتَ تحاول إثارة التوتّر في دولة ثالثة، فإن دولة أخرى تستطيع إزعاجك داخل حدودك بدعم جماعات ضدّك في بلادك.
ومعلومٌ أن تصريحات الوزير التركي لم تكن عفو الخاطر، بل تعني كثيراً في وقتٍ بدأت فيه بلاده بملء الفراغ الذي نشأ بخروج إيران من سورية، وتلك من طبيعة معادلات القوة والنفوذ في العالم، وإيران ليست استثناءً هنا، خاصّة أن تدخلها تسبّب في تمزيق مجتمعات المنطقة وتطييفها، وإعادتها إلى القرون الوسطى، فطهران ليست قوةً حداثيةً، ولم تنقل لهذه المجتمعات إرثاً في الموسيقى والفلسفة والآداب والأزياء عندما تغلغلت فيها، بل سرطنتها بمفاهيم محض طائفية ولا تنتمي إلى العصر، ولا حتى إلى القرن التاسع عشر.
ولم تفعل هذا وحسب، بل حوّلت هذه المجتمعات دروعاً بشرية لها، تحارب بها وبنخبها، وعندما يحين وقتُ المذبحة تنأى بنفسها. وما حدث مع حزب الله كان درساً لمن يريد أن يتعلّم، ففي اللحظة الحاسمة جرى فصل مسارات الصراع فتُرك الحزب يواجه وحدَه حرب إسرائيل عليه، بينما تفرّغ مسعود بزشكيان للتودّد إلى الولايات المتحدة.
… هل ثمّة صراع في الأفق بين إيران، التي تنسحب من المشهد، وتركيا التي بدأت تتصدّره؟ … الصراع لم يغب يوماً حتى نُفاجأ به، فإيران عملياً دخلت منذ الثمانينيّات في خطّ نفوذ الأتراك ومجالهم الحيوي في المنطقة، فالتداخل الإثني والديني التركي أكبر من الإيراني، وإرثُه ممتدٌّ إلى الدولة العثمانية، مقارنةً بطهران التي اكتشفت أن الطائفة حصان طروادة لاختراق المنطقة، وهو ما تيسّر لها لهشاشة دول المنطقة وغياب إجماعاتها الوطنية، لا لعبقرية المؤسّسة الإيرانية.
لا يعني هذا في حال ترحيباً بمستعمرٍ جديد، وأنقرة أكثر ذكاءً من تسويق نفسها على هذا النحو، بل مقارنةً بين دولةٍ تلعب دوراً في مجال حيوي لها، وأخرى أوجدت مجالها وأقحمته في المعادلات، وكان أن انهار بين ليلةٍ وضحاها بغياب أدواتها أو ضعف هذه الأدوات. وكان عليها أن تعترف بخساراتها وتنسحب وتُعنى بشؤونها، لكنّ من شأن إنكارها الوقائع الجديدة إضعافها أكثر، وقطع الطريق عليها لإنشاء علاقات جديدة وصحية مع دول المنطقة، تكون فيه جاراً طيّباً يصدّر الكافيار (إذا شاء) إلى هذه الدول، ويقيم أسابيع سينمائية في عواصمها.
في ردود بعض المسؤولين الإيرانيين على تركيا، ثمّة من يذهب إلى أنها (تركيا) تتعامى عن الأيادي الأميركية والإسرائيلية السرّية والخفية في تطوّرات المنطقة، وهو ما قاله المتحدّث باسم الخارجية الإيرانية في “إكس”، لكنّه أغفل أن بلاده ترغب بمصافحة الأيادي الأميركية لا غيرها، وذلك ما فعلته عندما تخلّت عن حزب الله، حليفها وأداتها الرئيسة في المنطقة، وهو يُدَّك ويُباد، مراهنةً على أن دور العاقل الذي يكبح صبيان الحي قد يجلب لها المنافع، فما حمت حليفها ولا كسبت رضا الأميركيين، الذين كلما تنازلتَ لهم طالبوك بما هو أكثر، وأن إضعاف العهد الجديد في سورية، واللعب على تناقضات المكوّنات المجتمعية، يجمعها مع إسرائيل أكثر من تركيا، ويجعلهما في صفّ واحد، وإن اختلفت الدوافع.
العربي الجديد
———————-
“رويترز”: 100 من وجهاء دروز سوريا سيزورون الجولان المحتل الجمعة المقبل
2025.03.13
أفادت وكالة “رويترز” أن نحو 100 شخصية سورية من وجهاء طائفة الموحدين الدروز من المتوقع أن يزوروا الجولان السوري المحتل، يوم الجمعة المقبل.
ونقلت الوكالة عن أعضاء من الطائفة الدرزية قولهم إنه من المتوقع أن يلتقي الوفد بالشيخ موفق طريف، الذي يوصف بأنه الزعيم الروحي للدروز في إسرائيل، وشخصيات أخرى من الطائفة، وأن يزوروا مقاماً دينياً.
وفي حين لم تصدر وزارة الخارجية الإسرائيلية أي تأكيدات بشأن الزيارة، أشارت “رويترز” إلى أن الزيارة المتوقعة هي “أحدث مؤشر على دعم إسرائيل للدروز منذ وقف إطلاق النار في لبنان، والإطاحة المفاجئة بالرئيس المخلوع، بشار الأسد”.
مساع إسرائيلية لترتيب زيارة لرجال دين دروز من قرية حضر السورية إلى إسرائيل
وفي وقت سابق أمس الأربعاء، كشف “التلفزيون العربي” عن مساعٍ إسرائيلية لترتيب زيارة لرجال دين دروز من قرية حضر السورية المحتلة إلى إسرائيل، مشيراً إلى أن الحكومة السورية على تواصل مع أهالي المناطق المحتلة وتحثهم على رفض الزيارة.
ونقل “التلفزيون العربي” عن مصادر خاصة قولها إن شيخ عقل الطائفة الدرزية في إسرائيل، موفق طريف، يضغط على أهالي قرية حضر السورية المحتلة لإجراء الزيارة، التي يجري الترتيب لها بالتنسيق مع جيش الاحتلال الإسرائيلي.
وقالت المصادر إن هناك إجماعاً لدى القوى الوطنية في الجولان السوري المحتل على رفض الزيارة، موضحة أن الحكومة السورية على تواصل مع أهالي المناطق المحتلة وتحثهم على رفض زيارة إسرائيل.
وأشارت مصادر “التلفزيون العربي” إلى أن دولة الاحتلال تقدم إغراءات لسكان المناطق المحتلة في سوريا، مثل توفير فرص عمل وإنشاء بنية تحتية، لافتة إلى أن المرجعيات الوطنية والدينية في السويداء والجولان ولبنان تعمل على إحباط مخطط الزيارة.
وأعلنت إسرائيل عدة مرات خلال الأسابيع الماضية أنها مستعدة للدفاع عن الدروز في سوريا، في سياق ما تزعم أن الدروز في سوريا يتعرضون لاعتداءات، وهو ما تعتبره الحكومة السورية ذريعة لانتهاك السيادة السورية.
وفي وقت سابق، قال وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، إن الدروز من جميع أنحاء خط الفصل سوف يُسمح لهم بدخول مرتفعات الجولان المحتل للعمل.
والأسبوع الماضي، كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية أن إسرائيل تسعى إلى إقناع دروز سوريا برفض الحكومة الجديدة في دمشق والمطالبة بحكم ذاتي ضمن نظام فدرالي، وأنها تخطط لإنفاق أكثر من مليار دولار لتحقيق هذه الغاية.
ويؤكد الدروز السوريون، في احتجاجات شعبية وبيانات، عن رفضهم أي تدخل إسرائيلي في الشؤون الداخلية السورية، وجددوا الدعوة أكثر من مرة إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي السورية.
————————
مسؤول أميركي: إدارة ترامب أبدت اهتمامها في عقد صفقات تجارية مع الحكومة السورية
ربى خدام الجامع
2025.03.12
أفاد مسؤولان أميركيان بأن واشنطن عملت على مدار أشهر لإقناع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالبحث عن سبل للتعاون مع الحكومة السورية الجديدة التي تولت السلطة في كانون الأول الماضي.
وكشف أحد المسؤولين الأميركيين لصحيفة “ميدل إيست آي” أن التدخل التركي كان جزءا من الترتيبات التي جعلت دعوة عبدالله أوجلان للقوات الكردية تأتي في سياق دفع قسد للانضمام إلى الحكومة السورية.
وأوضح المسؤول أن هذه الخطوة قد تعني تسليم السلاح وعدم السعي وراء الحكم الذاتي في المناطق التي تسيطر عليها قسد.
وأضاف أن إدارة ترامب كانت تسعى لعقد صفقات تجارية مع الحكومة السورية، تشمل الوصول إلى الموارد النفطية في شمال شرقي سوريا، كما أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب اهتماما بتطوير علاقات إيجابية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مما يجعل هذه الاتفاقية خطوة مهمة في هذا الاتجاه.
وخلال السنة الفائتة، أعلن وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أنه ينبغي على قوات سوريا الديمقراطية طرد جميع مقاتلي حزب العمال والانضمام إلى الدولة المركزية وذلك بهدف التوصل إلى حل سلمي مع أنقرة.
هذا وأعربت وسائل الإعلام والمحطات الإخبارية الموالية للحكومة التركية عن ابتهاجها بتوقيع الاتفاقية صباح يوم الثلاثاء، إذ أعلنت قناة TRT أن قسد خضعت لضغط تركي، في حين ذهبت صحيفة يني شفق التركية إلى القول بأن قسد وافقت على نزع السلاح.
ذكر مصدران تركيان مطلعان على طريقة تفكير الحكومة بأن الاتفاق بوسعه في نهاية المطاف تحقيق المطالب التركية، بما أنه لم يشر إلى أي حكم ذاتي أو أي دولة كردية فيدرالية ستقام في شمال شرقي سوريا، وذكر أحد المصدرين التركيين بأن الاتفاق: “يوحي إلى إمكانية قيام جيش سوري واحد موحد، بحيث يكون شمال شرقي سوريا جزءاً من دولة واحدة”.
في حين سارعت دول إقليمية مثل قطر والسعودية للترحيب بهذه الخطوة، تعين على تركيا التعليق بشكل رسمي على الموضوع، وذلك ما يعكس الحذر الذي تحس به أنقرة برأي المصدر التركي الثاني.
“نهاية مشروع الإدارة الذاتية”
من جانبه، وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أعلن دولت باهتشلي، زعيم الحزب القومي التركي الذي أطلق حواراً مع أوجلان حول حل حزب العمال الكردستاني، بأنه ينبغي على قسد حل نفسها بموجب الدعوة التي أطلقها أوجلان.
يذكر أن أوجلان يعامل معاملة الزعيم الأيديولوجي لدى وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبر الجناح المسلح المهيمن على قسد.
في حين ذكر المصدر التركي الثاني بأن أنقرة ستتابع الاتفاق من كثب لتضمن طرد قسد لقوات حزب العمال الكردستاني بحسب ما تعهد به عبدي على الملأ، وأن القوات الكردية ستنضم إلى وزارة الدفاع السورية بوصفها قطعات مفردة لا قوات منفصلة.
وتعليقاً على الاتفاق، قال عمر أوزكيجيكجي، وهو أحد كبار الخبراء المختصين بالشؤون الإقليمية لدى مركز أبحاث المجلس الأطلسي: “عبر توقيع هذا الاتفاق، أعلن مظلوم عبدي عن نهاية مشروع الإدارة الذاتية في سوريا، وبذلك خفف من غلواء إحدى أهم الأمور المثيرة لقلق تركيا على أمنها القومي… فمنذ انهيار نظام الأسد، تغيرت الديناميات الإقليمية بشكل كبير لصالح تركيا، وهذا ما عزز موقفها الجيوسياسي، إذ يبدو أن كل الحظوظ أصبحت تصب في صالح تركيا”.
الضغط الأميركي
إلى جانب الدعوة التي وجهها أوجلان، ثمة عامل آخر دفع عبدي إلى توقيع هذه الاتفاقية، ألا وهو الوساطة والضغط الأميركي الذي مورس على قسد، وذلك بحسب ما أعلنه دبلوماسيون وخبراء في الشأن الإقليمي، وفي ذلك مؤشر على أن واشنطن ستسحب قواتها من سوريا خلال وقت قريب على الأرجح.
إذ أعلن مسؤولان أميركيان أن واشنطن بقيت تعمل طوال أشهر على إقناع قسد بالبحث عن مساحات للتعاون مع الحكومة السورية الجديدة التي تولت زمام البلد في كانون الأول الماضي.
وذكر مسؤول أميركي رفيع أن تركيا تدخلت ورتبت أمور الدعوة التي وجهها أوجلان مقابل تشجيع واشنطن لقسد على التعاون مع الحكومة السورية والانضمام إليها، وعلق هذا المسؤول بالقول: “قد يعني ذلك وضع السلاح وعدم التفكير بالحكم الذاتي أو ما شابهه في المناطق التي يسيطر عليها الكرد”.
وأضاف المسؤول أن إدارة ترامب أبدت اهتمامها في عقد صفقات تجارية مع الحكومة السورية الجديدة، وتشمل تلك الاتفاقيات ما يخولها الوصول إلى الموارد النفطية في شمال شرقي سوريا.
وذكر ذلك المسؤول أيضاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبدى اهتماماً في إقامة علاقات طيبة مع الرئيس رجب طيب أردوغان، وتعتبر هذه الاتفاقية خطوة في ذلك الاتجاه.
غير أن واشنطن أعربت عن قلقها تجاه مسألة حماية السجون التي تؤوي مقاتلي تنظيم الدولة وأهاليهم، بالإضافة إلى احتمال أن يؤثر دمج قسد في الجيش السوري سلباً على القدرة على مجابهة تلك الجماعة المقاتلة.
غير أن أنقرة أسست خلال الأسبوع الماضي منصة جديدة مع لبنان والأردن والعراق وذلك بهدف مواصلة وتنسيق القتال ضد تنظيم الدولة، وأبدت دمشق استعدادها لتولي أمور تلك السجون، وهذا ما ورد في أحد بنود الاتفاق.
الخطر الإسرائيلي
من جهته، أخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يدعو كرد سوريا لرفض التعاون مع تركيا، وهذا ما أغضب أنقرة على وجه الخصوص، وهنا تقول غاليا ليندينشتراوس، وهي باحثة بارزة لدى معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل: “في حال صمود الاتفاق، فإن موقف تركيا سيصبح أقوى بكثير بما يسمح لها بالتحكم بالتطورات في سوريا، كما سيصعب ذلك على غيرها من الجهات الفاعلة أمر رسم شكل تلك التطورات… وعلى أية حال، كان من المبالغة بالنسبة لإسرائيل أن تعمل في تلك المناطق [أي في الشمال] ولهذا لم تتغير الأمور كثيراً من الناحية العملية”.
بيد أن ليندينشتراوس أضافت أن الدينامية تختلف في الجنوب السوري حيث ظهرت محاولات إسرائيلية جلية لتحديد شكل الأوضاع، فقد قصفت طائرات حربية إسرائيلية مناطق في الجنوب السوري عند توقيع الشرع للاتفاق مع عبدي عشية يوم الإثنين.
وثمة مخاوف أخرى من أن تكون الخطوة التي قام بها عبدي محاولة أخرى لكسب الوقت في أثناء انصراف انتباه الأطراف الأخرى لأمور أخرى.
وهنا يتذكر سهيل الغازي وهو باحث قديم في الشؤون السورية بأن قسد وعبدي التقيا بمنافسهما، أي المجلس الوطني الكردي، مرات كثيرة، من دون أن تتمخض تلك اللقاءات عن أي شيء، وأضاف: “ما يزال المجلس الوطني الكردي عاجزاً عن العمل في شمال شرقي سوريا، وقد تعرض أعضاؤه للاعتقال خلال فترة من الفترات، كما أن لغة العقد فضفاضة للغاية، بحيث يمكن لكل طرف أن يفسرها على هواه، ثم إن مسألة تشكيل اللجان ليست يسيرة، وهذه الخطوة وحدها تحتاج إلى بعض الوقت”.
تلفزيون سوريا
————————–
تصريحات حادة غير مسبوقة.. زعيم دروز سوريا يهاجم حكومة دمشق
الحرة – واشنطن
13 مارس 2025
اتهم الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في سوريا حكمت الهَجري الحكومة السورية الحالية بـ”التطرف” مستبعدا في الوقت ذاته أي “توافق” أو “تفاهم” معها.
وقال الهجري في كلمة له إن “لا تفاهم ولا توافق مع الحكومة القائمة في الشام (دمشق)، حكومة متطرفة بكل معنى الكلمة ومطلوبة للعدالة الدولية”.
وأضاف الهجري “نحن في مرحلة كن أو لا تكون، نحن نعمل لمصلحتنا كطائفة، والطائفة غنية بكوادرها وشبابها بهذا الإرث الوطني الصحيح”.
وأكد الهجري أن “هدفنا هو العدالة والقانون على المستوى الداخلي والدولي، وهذا حق من حقوقنا، وبالتالي، ما نراه مناسبا كطائفة ويتوافق مع أولوياتنا، نسعى نحوه”.
وكان الهَجري توصل إلى “تفاهم من 10 بنود” مع الإدارة الانتقالية في دمشق، استهدفت غالبيتها “تسيير المؤسسات”، والقضايا التي يسعى أبناء المحافظة إلى معالجتها.
وجاء الكشف عن فحوى التفاهم، في أعقاب اجتماع جمع الهَجري مع مبعوث الإدارة السورية إلى السويداء، مصطفى البكور يوم الأربعاء.
وفي وقت سابق دعا الهجري إلى وضع حد فوري لأعمال العنف التي ترتكب تحت “شعارات طائفية”، وذلك تعقيبا على مقتل مئات المدنيين العلويين في الساحل السوري الخميس الماضي.
ويشكّل الدروز ومعقلهم الرئيسي في سوريا محافظة السويداء (جنوب)، حوالى ثلاثة في المئة من سكان سوريا.
الحرة – واشنطن
———————————-
“حزب اللواء السوري” في السويداء… كيف تأسس؟ وما أهدافه؟/ عباس شريفة
ليس له أي فرصة لإثبات وجوده كقوة فاعلة في المحافظة الجنوبية
آخر تحديث 12 مارس 2025
أصدر “حزب اللواء السوري” يوم 10 مارس/آذار 2025 بيانا، ندد فيه بما سماها انتهاكات ضد المدنيين من قبل حكومة دمشق، كما أعلن فيه رفضه للمشروع الإيراني والتركي في سوريا كما أعلن النفير العام لعناصره ضد “هيئة تحرير الشام” ومنعها من دخول السويداء قبل تشكيل الحكومة الانتقالية ودعا إلى التنسيق مع شيخ عقل الطائفة الدرزية حكمت الهجري.
فما هو هذا الحزب وما حجمه في السويداء وما الجهات الداعمه له؟
لقد بدأ تداول الحديث عن تشكيل “حزب اللواء السوري” في محافظة السويداء منذ شهر يونيو/حزيران 2021 وتم نشر المنشور الأول بصفته الرسمية على “فيسبوك” في 7 يوليو/تموز 2021 وفي يوم 28 يوليو 2021 نشر الحزب مبادئه ومشروعه على صفحته الرسمية. ويرأس الحزب حاليا مالك أبو الخير وهو مقيم في فرنسا ويرأس أيضا منظمة “أنا إنسان”. وللحزب جناح عسكري هو “قوة مكافحة الإرهاب” مؤلف من 600 مقاتل بقيادة سامر الحكيم.
في هذا التقرير سنتعرف على هذا الحزب ونقف على أجندته وموقف الفاعلين المحليين منه ومستقبله.
أولا: المشروع
يعرف “حزب اللواء” نفسه بأنه حزب معارض يتبنى سردية الثورة السلمية في 2011 ويدعو إلى قتال تنظيم “داعش” ومحاربة الإرهاب الذي يشكل ذراعا لإيران في المنطقة ويطالب بالتعاون مع الولايات المتحدة لمحاربة التنظيم، خصوصا في مناطق شمال شرقي السويداء.
كما كان الحزب يتبنى فكرة طرد إيران من المنطقة الجنوبية ويحذر من خطر تمددها إلى المحافظة ويدعو إلى ضرب مجموعات المافيا والخطف التي تخطف الناس لقاء الفدية ويتعهد بمواجهتهم ومواجهة تجارة المخدرات التي أغرقت فيها المحافظة.
يدعم فكرة الإقليم الجنوبي وإقامة حكم ذاتي في محافظات السويداء ودرعا والقنيطرة على غرار النموذج الذي تقيمه “قسد” في شرق الفرات، ويطرح حاليا الكثير من أشكال الحكم في سوريا القادمة على رأسها اللامركزية الموسعة، أو الفيدرالية، أو الإدارة الذاتية. ويعتبر الحزب حزبا معارضا للنظام السوري وله تواصل مع “الإدارة الذاتية” وقد أرسلت “الإدارة الذاتية” مجموعة عسكرية لتدريب المجموعات العسكرية التابعة له.
أ.ب أ.ب
يحمل أحد عناصر الميليشيات الدرزية قاذفة صواريخ صغيرة خلال تدريب على الرماية في محافظة السويداء الجنوبية، سوريا، في 4 مارس
ويصرح عن نفسه بأنه مجرد حزب سياسي غير مسلح، لكن خوفا من تعرض أفراده للقمع والاعتقال من المجموعات المرتبطة بالنظام السوري فقد تم العمل على التنسيق مع “قوة مكافحة الإرهاب” وهي كيان عسكري يعتقد الكثيرون أنه الجناح العسكري لـ”حزب اللواء”. كما يدعو الحزب إلى إقامة سلام مع إسرائيل وفق خطوات تشمل سيادة واحترام كلا البلدين وتضمن عدم حصول أي تصعيد في المرحلة القادمة.
ثانيا: موقف الفاعلين المحليين
الأوساط الشعبية في السويداء معظمها ضد الحزب، لأن “النظام” ينظر للحزب على أنه أدة أميركية لاستنساخ مشروع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) في الجنوب السوري.
موقف الأوساط الشعبية والحراك المدني
لا يوجد لـ”حزب اللواء” أي حاضنة اجتماعية مؤثرة أو حامل اجتماعي قوي من قبيلة أو عائلة ما عدا الأشخاص المنتسبين إلى “قوة مكافحة الإرهاب”- الجناح العسكري التابع له. ورئيسه مالك أبو الخير من عائلة أبو الخير، وأصلهم من قرية “أم الرمان” من الريف الغربي الجنوبي في السويداء، وهو غير محسوب على أي طرف اجتماعي. وبعد أن قام “حزب اللواء” بافتتاح مقر له في بلدة الرحا الواقعة نهاية طريق المشفى بالقرب من مدينة السويداء، هددت “كتائب الدفاع الوطني” الموالية لإيران بتفجير المقر، وبدأت بالضغط لإخراجه من المقر وبدأ الفصيلان يحشدان عناصرهما في أغسطس/آب 2021.
يعاني عناصر الحزب من توجس الحراك المدني منهم بسبب مناداتهم بالفيدرالية والعلاقات مع إسرائيل رغم نفيهم المتكرر للنوايا الانفصالية، كما أن أغلب المنتسبين له من القرى النائية والطبقة الفقيرة جدا.
آخر مظاهرة نظمها المجلس العسكري مع “حزب اللواء” يوم 6 مارس/آذار 2025 والتي أنزلت علم الدولة السورية من مبنى المحافظة ودعت إلى إسقاط الرئيس أحمد الشرع لم تستطع الحشد واقتصر المشاركون على العشرات من العناصر السابقة في جيش ومخابرات نظام الأسد الذين فقدوا وظائفهم.
موقف “رجال الكرامة”
هناك خلافات قديمة بين “حزب اللواء” و”لواء الجبل”، و”مضافة الكرامة”، فالأخير يدعو للتقارب مع دمشق والانضمام إلى مؤسسات الحكومة السورية الجديدة والتنسيق مع الرئيس أحمد الشرع، لكن المجلس العسكري الذي شكل نهاية شهر فبراير/شباط في السويداء هو اتحاد مجموعات مسلحة بقيادة طارق الشوفي باستثناء “لواء الجبل”، و”مضافة الكرامة”، و”أحرار الجبل” (بقيادة سلمان عبد الباقي وليث البلعوس ويحيى الحجار). ويشكل “حزب اللواء” جزءا من المجلس العسكري ويتخذ موقفا سلبيا من الرئيس الشرع بحجة التخوف من التهديد الطائفي، ويصر على المركزية الفيدرالية من خلال ضم المحافظات الجنوبية الثلاثة (درعا والسويداء والقنيطرة) في إقليم واحد، أسوة بنموذج “قسد” في شرق الفرات.
لذلك لا ينظر “رجال الكرامة” لـ”حزب اللواء” بارتياح ويتهمونه بأنه يحمل أجندة انفصالية غير وطنية ويحاول إقامة كانتون انفصالي جنوبي سوريا كما هو الحال في منطقة شرق الفرات. كما يخشى “رجال الكرامة” من أن يتسبب وجود الحزب في موجة من أعمال العنف ودفع المحافظة إلى الحرب الأهلية واستغلال إسرائيل وجوده لإعطائها شرعية للتدخل في سوريا.
كما قام “حزب اللواء” بإنشاء “قوات مكافحة الإرهاب”، وهو ما يجعل منه قوة، لكنها بلا شك غير منافسة لـ”رجال الكرامة” التي تأخذ على عاتقها نصرة المظلومين من المعارضين أو المخالفين، وهو ما يشكل بالنسبة لهم مزاحمة على السلطة والنفوذ. وهناك سبب أخير وهو طبيعة الحزب غير المتدينة بينما “رجال الكرامة” أغلبهم من شيوخ العقل والمتدينين.
العلاقة مع الشيخ حكمت الهجري
رغم أن قادة الحزب يدعون لعدم الخروج عن مشورة الشيخ أحمد الهجري، ويظهرون له الاحترام في كل المناسبات والبيانات التي يصدرها، ويدعون إلى التنسيق معه، لكن العلاقة الحقيقية ليست أكثر من زيارات دورية، خصوصا أن الهجري يتموضع بطريقة تسمح له بجمع كل الأجنحة تحت عباءته، لكنه غير متبنٍ لمشروع “حزب اللواء” بشكل واضح، خصوصا أن أغلب عناصر “اللواء” غير متدينين أصلا، لكن في الوقت نفسه لا توجد قطيعة بين الشيخ الهجري والحزب.
مستقبل “اللواء” في محافظة السويداء
رغم محاولة “اللواء” أن يشكل لنفسه ذراعا عسكرية عبر تشكيل المجلس العسكري وخلق حاضنة اجتماعية من خلال قيادة المظاهرات ضد حكومة دمشق، لكن حتى الآن ليس للحزب أي فرصة لإثبات وجوده كقوة فاعلة في المحافظة، خصوصا مع تفاهم رجال الكرامة وأحرار الجبل مع حكومة دمشق على الانخراط في المؤسسة الأمنية والعسكرية للحكومة. فإضافة لضعف وجوده الاجتماعي وابتعاد قيادته السياسية في فرنسا وعدم وجود الرافعة الاجتماعية التي تتبناه، فهو يلقى معارضة من “رجال الكرامة” بقيادة يحيى الحجار ومن “أحرار الجبل”، فهم يرون فيه بوابة للتدخل الإسرائيلي في شؤون السويداء، كما أن الحراك المدني لا ينظر إليه بعين الطمأنينة، بسبب مواقفه المتشنجة من حكومة دمشق وتجميع فلول النظام فيه، وكذلك يلقى معارضة من الحاضنة الاجتماعية التي تنظر للحزب كعامل توتر في المحافظة والتي باتت تخشى من تحولها إلى ساحة صراع للأطراف الإقليمية عبر أدوات محلية من أبناء الطائفة الدرزية.
المجلة
———————————-
====================
====================
دوافع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وحكومة الجمهورية العربية السورية مقالات وتحليلات تتحدث يوميا
تحديث 13 أذار 2025
———————-
لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
دوافع وكواليس الاتفاق بين “قسد” وحكومة الجمهورية العربية السورية
—————————–
عن إدارة الشرع وقدرته على اقتناص الفرص/ محمود علوش
2025.03.13
كان التمرد الذي قادته خلايا نظام المخلوع بشار الأسد في مناطق الساحل في السادس من مارس آذار الجاري اختباراً صعباً للرئيس أحمد الشرع على عدّة مستويات.
وحقيقة أن أهداف مؤامرة التمرد تتجاوز إخراج الدولة من مناطق الساحل إلى إسقاط الدولة السورية الجديدة وإشعال صراع طائفي وتأجيج مشاريع التقسيم التي تُهدد سوريا على الأطراف (قسد، الساحل، الجنوب) جعلت تعامل الشرع مع هذا الاختبار حاسماً ليس فقط على صعيد إظهار قدرة الدولة الجديدة في التعامل مع التحديات الأمنية الكبيرة، بل أيضاً على صعيد قدرتها في مقاربة التحدي الأمني من منظور المخاطر التي يجلبها على استقرار المرحلة الانتقالية ووحدة سوريا.
وهنا لا بُد من تسجيل بعض الخلاصات المُهمة لأحداث الساحل. الأولى أن الحكومة الجديدة ورغم أنها تبني سوريا من الصفر خصوصاً على مستوى المؤسستين العسكرية والأمنية قادرة على على التعامل بفعالية مع المخاطر الأمنية الكبيرة. والثانية، أن الحزم الذي أظهره الشرع في قمع تمرد الساحل أظهر إدراكه لمخاطر هذه المؤامرة وأهدافها الرامية إلى إشعال حرب أهلية تبدأ في الساحل وتنتشر في عموم سوريا وإلى تأجيج مشاريع التقسيم. والثالثة أن الانتهاكات المروعة التي ارتكبت بحق المدنيين في الساحل أظهرت فشل الدولة الجديدة في التعامل الاستباقي والفوري مع العوامل الذاتية التي تُساعد الأعداء الواضحين على تحقيق أهدافهم. مع ذلك، تُظهر إدارة الرئيس الشرع لاختبار الساحل براعته في تحويل الأزمات إلى فرص.
فمن جانب، نجح الشرع في تحويل مؤامرة الساحل من مؤامرة لإسقاط الدولة الجديدة إلى مؤامرة تستهدف إشعال حرب أهلية في سوريا وتُحاول توظيف المكونات السورية المختلفة كوقود لها. كما أن تأكيده على الحاجة للوحدة الوطنية وحماية السلم الأهلي كان موجّهاً بدرجة رئيسية إلى هذه المكونات لإظهار حجم المخاطر التي تُهددها. ومن جانب آخر، فإن إقرار الشرع بحدوث انتهاكات مروعة بحق المدنيين في الساحل ومسارعته إلى تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة بها وتوعّده بمحاسبة المسؤولين عنها حتى لو كانوا أقرب الناس إليه، ساعداه أولاً في التأكيد على أن هذه الانتهاكات لم تكن سياسة دولة مُمنهجة، وثانياً في إظهار التزام الدولة بالتعامل مع أحداث الساحل من منظور عقلية الدولة وليس من منظور عقلية الثأر والانتقام.
علاوة على ذلك، فإن مسارعة الشرع إلى إبرام اتفاقية مع مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية لدمجها في الدولة الجديدة ثم إبرام اتفاقية مع وجهاء وأهالي محافظة السويداء الجنوبية لدمجها في الدولة أيضاً بالتزامن مع انتهاء العمليات العسكرية في الساحل، أظهرت براعته في تحويل التداعيات السلبية لأحداث الساحل على صورته وعلى صورة الدولة الجديدة إلى فرص لإظهار أن هذه الإدارة تعمل على تقليص عوامل الفوضى في سوريا لا تأجيجها، وهذا يُرسل رسائل طمأنة لبعض المكونات الداخلية المتوجسة من الإدارة الجديدة خصوصاً في الشمال والساحل والجنوب، ورسائل طمأنة أيضاً للمجتمع الدولي الذي يُراقب عن كثب كيفية إدارة الشرع لسوريا في هذه المرحلة الحساسة ولكيفية تعامله مع التحديات التي تُهدد السلم الأهلي والمجتمعي.
إن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في الساحل أضرت بالشرع والدولة السورية الجديدة أكثر من أي طرف آخر. ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم حاجة للشرع قبل أي طرف آخر ليست فقط من أجل إعادة ترميم صورة الشرع داخلياً وخارجياً، بل أيضاً من أجل تدشين ملف العدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية. إن نهج الشرع علاوة على أنه يُقدم فرصاً جديدة للتحول السوري لتحقيق أقصى مشاركة وطنية فيه ولتحقيق المصالحة المجتمعية، ساعد في إسقاط مشاريع تقسيم سوريا مثل أحجار الدومينو بعد إفشال مؤامرة إسقاط الدولة ونجاح الشرع في تمكين السلطة الجديدة. واتفاقات دمج السويداء في الدولة بعد قسد خطوة إضافية نحو تفكيك مشاريع التقسيم. ويُظهر هذا النهج أن الشرع يُدير التحديات الداخلية الهائلة والتحديات الخارجية المُحيطة لسوريا من منظور الفرص قبل المخاطر.
جلبت أحداث الساحل فرصاً مُتعددة للشرع إذا ما أحسن استثمارها. على المستوى. الداخلي، تعزيز القبول الداخلي بالسلطة الجديدة لأنها السبيل الوحيد لمواجهة مشروع الحرب الأهلية وتقديم الدولة الجديدة كدولة لجميع السوريين من خلال تحويل الأزمة إلى فرصة للشروع في تحقيق المصالحة المجتمعية ومعالجة مظالم الحرب. تفكيك مشروع “الصراع الوجودي للأقليات” وهذا يترتب عليه خطوات جريئة خارج الصندوق. وكذلك التخلص من العوامل التي ما تزال تُفسد اعتدال الشرع وثقافة الدولة. وعلى المستوى الخارجي، فإن استثماراً داخلياً صحيحاً للأحداث، يُمكّن الشرع من تعزيز القبول الدولي به كضامن لمنع انزلاق سوريا إلى حرب أهلية ومن استثمار مشروع الفوضى لإقناع المُترددين بالتعامل معه في الخارج (الولايات المتحدة خصوصا) بأنه إدارته ضمانة لمنع عودة استثمار إيران وحلفائها الإقليميين في سوريا.
إن التوجه الدولي العام في سوريا هو لدعم إدارة الشرع. في الغالب، يُنظر في الخارج إلى أحمد الشرع على أنه الزعيم السوري الوحيد القادر على قيادة سوريا إلى الوحدة والاستقرار ومنع تحولها إلى بلد مضطرب ومصدر تهديد للأمن الإقليمي والعالمي. ما يهم العالم قائد قوي يفهم طبيعة سوريا وبراغماتي. ومن مفارقات الحالة السورية أن الإرث الثقيل الذي ورثه أحمد الشرع عن المخلوع الفار إلى موسكو، تعمل كمُحفزات قوية لإنجاح تجربته وليس العكس. قدرة الشرع على استثمار هذا الإرث بشكل صحيح تُحدد حجم الفرص التي يوجدها له. وحتى الآن، يُمكن القول إنه بارع في تحويل الإرث إلى فرص.
تلفزيون سوريا
———————
هذا الحذر التركي من دمج “قسد” في الدولة السورية/ محمود علوش
13 مارس 2025
لم يكن مفاجئاً أن يُسارع الرئيس التركي، رجب طيّب أردوغان، إلى الترحيب بالاتفاقية التي أبرمها الرئيس السوري أحمد الشرع مع مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لدمجها في الدولة السورية الجديدة. مع ذلك، لا يزال موقف أنقرة حذراً من هذه الاتفاقية لثلاثة اعتبارات: أوّلها أن الاتفاقية لم تُحدّد بوضوح شكل الاندماج، سيّما على المستويات العسكرية، حيث لم يتّضح ما إذا كان هذا الاندماج سيكون كتلةً عسكريةً أو أفراداً. كما أن أنقرة تُريد أن تُبقي على خيار التحرّك العسكري لمعالجة مُعضلة الوحدات الكردية على الطاولة، في حال فشلت الاتفاقية أو جرى تطبيقها بطريقةٍ لا تُعالِج هواجسها. والثالث أن فترة تنفيذ عملية الاندماج حتى نهاية العام الجاري قد تجلب بعض التحدّيات التي يُمكن أن تؤدّي إلى إفشالها.
ويُمكن تفسير الحذر التركي في مقاربة الاتفاقية على أنه مُصمّم بدرجة رئيسة ورقةَ ضغط على الوحدات الكردية للمضي في تنفيذ الاتفاقية، ولتحقيق مطالب أنقرة، خصوصاً فيما يتعلّق بإبعاد قيادات حزب العمال الكردستاني ومقاتليه، المنضوين في الوحدات إلى خارج سورية، فضلاً عن انتظار ما إذا كانت هذه الاتفاقية ستُفضي، في نهاية المطاف، إلى انسحاب الولايات المتحدة من سورية. على الرغم من أن الاتفاقية (تدعمها واشنطن) تُعطي مؤشّراً قوياً على قدرة أنقرة وواشنطن على تحقيق انسجام في سياستهما إزاء ملفّ الوحدات الكردية، والملفّ السوري عموماً، إلا أن الرئيس دونالد ترامب مُتقلّب، ولا توجد ضمانات لتحقيق الانسحاب الأميركي في سورية. ولا ينبغي هنا تجاهل إسرائيل عنصرَ ضغطٍ على سياسة ترامب في سورية.
مع ذلك، الاتجاه التركي العام هو لدعم الاتفاقية وإنجاحها بالنظر إلى الفوائد الكبيرة التي ترجع على تركيا، ويُمكن تلخيصها في ثلاث فوائد رئيسة. أولاً، تجنّب الخيار العسكري لمعالجة مُعضلة الوحدات الكردية، وما يترتّب عليه من مخاطر على صعيد عملية السلام الجديدة بين أنقرة وحزب العمّال الكردستاني، وعلى صعيد علاقتها مع إدارة ترامب. وثانياً، توفير ظروف مناسبة لإنجاح عملية الحلّ الجديدة مع الحزب العمّال، بالنظر إلى أن ملفّ الوحدات الكردية يُشكّل تحدّياً رئيساً لهذه العملية. وثالثاً، توفير العوامل المناسبة للرئيس أحمد الشرع لإعادة توحيد سورية، وتحقيق الاستقرار فيها، بأقل التكاليف، ولتجنّب عوامل ضغط جديدة على علاقة الإدارة السورية الجديدة بالدول الغربية، وفي مقدّمها الولايات المتحدة.
ساهمت ثلاثة سياقات مهمّة في إنتاج اتفاقية دمج “قسد” في الدولة السورية الجديدة. أوّلها الخطوات المتقدّمة التي حقّقتها عملية السلام بين تركيا وحزب العمّال الكردستاني، بدعوة عبد الله أوجلان أخيراً التنظيم إلى إلقاء السلاح وحلّ نفسه. والثاني المسار التفاوضي القائم بين أنقرة وإدارة الرئيس ترامب منذ تولّيه السلطة. والثالث المسار التفاوضي القائم منذ أشهر بين الشرع ومظلوم عبدي. وتبدو ديناميكيات هذه المسارات الثلاثة مؤثّرة في بعضها بعضاً. لذلك، يُمكن النظر إلى اتفاقية الدمج أنها نتاج مباشر لانخراط تركي أميركي في تشكيلها. ومن البديهي أن الشرع أخذ، بعين الاعتبارات، مصالح تركيا في مفاوضاته مع عبدي قبل الوصول إلى الاتفاقية.
حقيقةً، لا تزال النقاط الجوهرية في اتفاقية الدمج غير واضحة تماماً، وتحتمل كثيراً من التأويلات المتناقضة، فإن فرص نجاح الاتفاقية تتوقّف على مجموعة من العوامل، في مقدمها مسار عملية السلام الجديدة بين تركيا وحزب العمّال الكردستاني، وما إذا كانت التيّارات المناهضة لهذه العملية، سواء داخل الحزب أو داخل الوحدات الكردية، قادرة على التأثير السلبي في تحقيق الاندماج، فضلاً عن أن العوامل المُحرّكة للديناميكيات السورية المحلّية لا تزال غير مستقرّة تماماً، وستستغرق فترة كي تنضج بشكل واضح. في ضوء ذلك، يُمكن القول إن الاتفاقية ستُبعد خيارات الحسم العسكري التركي لحالة “قسد” في المستقبل المنظور. ومن شأن هذا الأمر أن يُوجِد هامشاً مناسباً أمام أردوغان للمضي في عملية السلام مع أوجلان، وفي تطوير الانسجام مع إدارة الرئيس ترامب، إلى انسجامٍ في أوسع في السياسات تجاه التحوّل السوري عموماً.
… لا تقتصر أهمية اتفاق دمج “قسد” على تعزيز فرص إعادة توحيد سورية، ومواجهة مشاريع التقسيم التي تُهدّدها في الأطراف في الشمال والساحل والجنوب، وهي مسألةُ تنظر إليها تركيا باهتمام كبير لتعزيز استفادتها من التحوّل السوري، بل تشمل أيضاً الجهود التركية لتعزيز القبول الدولي والغربي على وجه الخصوص بإدارة الرئيس أحمد الشرع، وتعزيز قدرة الأخير على التعامل مع التحدّيات الأمنية الداخلية، خصوصاً أن التمرّد الذي قادته خلايا النظام المخلوع في منطقة الساحل أخيراً، أظهر أن تحقيق الاستقرار الأمني الداخلي في نطاق واسع يواجه تحدّياتٍ كبيرة، ويُمكن لهذه التحدّيات في النهاية أن تشكّل تهديداً خطيراً لمساعي إعادة توحيد سورية ونجاح عملية التحّول. وتُظهر هذه الجوانب أن مقاربة تركيا لاتفاقية دمج “قسد” تتجاوز التعامل مع التهديد الذي تُشكّله الوحدات الكردية لها، إلى توفير العوامل المُساعدة للرئيس الشرع لتعزيز أركان السلطة الجديدة، ولتعزيز الهوامش لديه للتعامل مع تحدّيات مشاريع التقسيم وزعزعة استقرار المرحلة الانتقالية.
العربي الجديد
————————-
لماذا منح ترامب الضوء الأخضر لاتفاق الشرع وقسد؟/ دهام العزاوي
13/3/2025
في خطوة تاريخية محفوفة بالأمل والمستقبل المشرق، تمّ في العاصمة دمشق، توقيع اتفاق تاريخي بين الرئيس السوري أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية “قسد” مظلوم عبدي يوم الاثنين، 10 مارس/ آذار 2025.
هذا الاتفاق يعد بمثابة نقطة تحول هامة في تاريخ سوريا المعاصر، كونه يوحد الفرقاء ويضع الأسس لمصالحة وطنية مستدامة، وهو بمثابة رسالة قوية لكل من راهن على فشل الشعب السوري في تحقيق وحدته وأمنه، بعد سقوط نظام بشار الأسد.
وقد تزامن توقيع هذا الاتفاق مع لحظة فارقة في حياة الشعب السوري، بعد الأزمة الكبرى التي عصفت بمناطق الساحل السوري في محافظتي اللاذقية وطرطوس، حيث سعت الفلول الموالية للنظام السابق إلى إشعال فتنة طائفية تجرّ البلاد إلى حرب أهلية تهدد الجميع دون استثناء.
خلفية الاتفاق
بلا شك، لم يكن الاتفاق وليد اللحظة التي أعلن فيها. فالواضح أنه مرّ بمخاضات عسيرة ومباحثات سرية مطولة بين الجانبين، استمرت منذ سقوط نظام الأسد، حيث تم استقبال قائد “قسد” مظلوم عبدي في دمشق بمعية جنرال أميركي، رفض الشرع اللقاء به في حينه، وتم الاتفاق مع الكرد على مجموعة نقاط، والاختلاف على نقاط أخرى تبين أنها، تفصيلية تعلق بعضها بدمج القوات الكردية بوزارة الدفاع السورية، ورغبة الكرد بالحصول على اعتراف الحكومة السورية بالهوية الكردية في سوريا.
ولعل أعقد القضايا التي أجلت إعلان الاتفاق، كانت تتعلق بمستقبل سجون أفراد تنظيم الدولة الإسلامية، ولا سيما سجن “الهول” وسجن “الصناعة” في منطقة غويران بمدينة الحسكة، حيث يقبع الآلاف من أعضاء التنظيم، وبضمنهم قيادات مهمة في التنظيم، حيث بقي الموقف الكردي مترددًا في تسليم السجون، ومرتبطًا بموقف الإدارة الأميركية، والتي تعتقد أن النظام السوري الجديد، لم يقدم الضمانات الأمنية الكافية، التي تحمي تلك السجون وتمنع تعرضها لعمليات اختراق تؤدي لهروب مقاتلي تنظيم الدولة.
ولكن يبدو أن إعلان الإدارة الأميركية الجديدة عن نيتها سحب القوات الأميركية من شرق سوريا وتأييدها اتفاق السلام بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني، قد خفف العبء عن قائد قوات “قسد” مظلوم عبدي، ودفعه للموافقة على تسليم السجون، بعد أن كان قراره في السابق مرهونًا بالموافقة الأميركية.
ولا شك أن الاتفاق ستكون له انعكاسات مؤثرة على وحدة سوريا الوطنية، فهو سيعزز من قدرة النظام الجديد التفاوضية في جذب جماعات محلية أخرى، ما زالت ترى فيه تهديدًا لوجودها وهويتها، ولا سيما في مناطق الساحل العلوي، وكذلك في جبل العرب في السويداء حيث يشكل الدروز غالبية سكانه.
فالمؤمل أن ينبه الاتفاق الدروز إلى أنهم يجب ألا يكونوا الجيب المتمرد الذي تمرق منه دعوات تفكيك سوريا، ولا سيما من إسرائيل التي أعلن رئيس وزرائها قبل أسبوعين عن دعم ما يسمى (تحالف الأقليات)، الذي يضم الأكراد والدروز والعلويين وربما يشمل المسيحيين، لمواجهة النظام السوري الجديد.
كما سيعزز الاتفاق الحضور الشعبي لنظام الشرع، كونه يتوافق بكل تفاصيله مع أهداف الثورة السورية، وسعي الشرع لاستعادة وحدة سوريا، والبدء بعملية سياسية تستوعب الجميع، كما أنه جاء تأكيدًا لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني الذي عقد في فبراير/ شباط 2025، والذي أكد على وحدة سوريا وشعبها، وعلى حق الدولة وحدها في احتكار السلاح، وبسط نفوذها على كامل التراب السوري، وبناء دولة القانون التي يتساوى في ظلها الجميع.
المواقف الإقليمية والدولية
لا شك أيضًا أن الاتفاق لم يكن وليد اتفاق داخلي بين الشرع ومظلوم عبدي فحسب. فالنوايا الصادقة لا تشفع في تمرير اتفاق تاريخي له انعكاساته الإقليمية والدولية.
وعليه، فإن الأجواء الدولية كانت من أهم العوامل التي ساندت الاتفاق الحكومي الكردي. فالولايات المتحدة أعطت الضوء الأخضر لقائد قوات “قسد” بالمضي بالاتفاق، ودمج قواته في وزارة الدفاع السورية، كجزء من إستراتيجية ترامب في التخلص من الأعباء المالية لـ”قسد”، والتي تكلف الموازنة الأميركية ما يزيد عن 500 مليون دولار سنويًا، منذ تأسيسها أميركيًا عام 2015.
والواضح أن الرؤية الأميركية أخذت ومنذ سقوط الأسد، تركز على إعادة تأهيل سوريا لكي تكون فاعلًا أساسيًا في ترتيبات الشرق الأوسط الجديد، وأن إقامة نظام جديد في سوريا مرتبط، بتدفق النفوذ الأميركي في سوريا في المستقبل المنظور، لجهة التطبيع المستقبلي مع إسرائيل، ومحاصرة مهدداتها الأمنية المتمثلة بحزب الله اللبناني، أو لجهة تعزيز الامتيازات الاقتصادية للشركات الأميركية في سوريا، في قطاعي النفط والغاز والبنى التحتية.
وعليه، أعطت إدارة ترامب الضوء الأخضر لإعادة تأهيل ومساندة النظام السوري الجديد، وتسهيل سيطرة الجيش السوري على كامل الأراضي السورية، ولهذا فمن الراجح أن تشهد المرحلة المقبلة، توجهًا أميركيًا لتخفيف أو رفع العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية، وبما يساعد في تسهيل تعاملات المصارف الدولية مع سوريا، والبدء بعلاقات دبلوماسية تمكن القيادة السورية من ضبط الواقع الأمني، وإعادة دمج سوريا في المنظومة الدولية، بعد أن تضمن أن النظام الجديد لن يكون محطة لتصدير الإرهاب، كما كان يفعل نظام بشار الأسد.
أما تركيا، فرغم قبولها الحذر بالاتفاق، إلا أن الواضح أن الاتفاق جاء كنتيجة مباشرة للإعلان التاريخي المهم لحزب العمال الكردستاني التركي، بوقف نشاطاته العسكرية ضد الجيش التركي، مما شكل دافعًا لقادة سوريا الديمقراطية، للمضي بتوقيع الاتفاق، وتسعى تركيا إلى ألا يَضمن الاتفاق مستقبلًا، أي سيطرة سياسية وأمنية لـ”قسد” في مناطق شمال وشرق سوريا، وألا يرسخ أي نوع للحكم الذاتي لأكراد سوريا، يمكن أن يهدد مستقبلًا الأمن القومي التركي.
ألغام في طريق الاتفاق
كما أسلفنا فإن الاتفاق خطوة تاريخية مهمة في سبيل استعادة وحدة سوريا، وتوحيد جيشها وتقوية اقتصادها، فانضمام قسد إلى الجيش السوري، سيعزز من قدرات الجيش القتالية، فالمقاتلون الأكراد مدربون تدريبًا عاليًا على يد القوات الأميركية، ومجهزون بأحدث الأسلحة، كما أن استعادة ما يزيد عن 27% من الأراضي السورية، وما تحوي من ثروات نفطية وحقول غاز ومعابر حدودية ومياه، ستمكن النظام السوري الجديد، اقتصاديًا، وتعينه في معالجة الكثير من مشكلات الفقر والبطالة وتنمية الاقتصاد السوري، عبر تنشيط صناعة النفط والغاز والزراعة والصناعة في مناطق شمال وشرق سوريا.
ولكن كما يقال فإن النوايا الطيبة في السياسة لا تصمد، وعليه فإن استمرار هذا الاتفاق إلى نهايته محفوف بجملة من المخاطر، لعل أهمها ما يتعلق بإعادة دمج قوات قسد في صفوف الجيش السوري، فهل سيتم دمج كل عناصرها البالغ عددهم 120 ألف مقاتل، أم سيتم قبول مجموعات وتسريح مجموعات أخرى وإحالتهم لوظائف مدنية؟
وهل سيتم قبول المقاتلين الأكراد وتسريح المقاتلين العرب في قسد؟ ثم ماذا بخصوص الأسلحة الأميركية، فهل سيقبل النظام الجديد وكذلك تركيا باحتفاظ “قسد”، بأسلحتها الأميركية المتطورة أم سيصار إلى نزعها وتحويلها لبقية فصائل الجيش السوري؟ وهل سيتم توزيع قوات “قسد” على وحدات ومناطق انتشار الجيش السوري، أم ستبقى القوات الكردية متمركزة في مناطقها الحالية؟
أما من الناحية الاقتصادية، فرغم أن الاتفاق سيفتح آفاقًا اقتصادية مهمة للاستثمار الأجنبي، ويعين في تغيير بنية الاقتصاد السوري، عبر إلغاء القوانين الاقتصادية الاشتراكية القديمة والمعرقلة للاستثمار، فإن انتزاع سيطرة قوات “قسد” على مصادر التمويل المالي الكبيرة المتحصلة من تهريب النفط والغاز والزراعة والمعابر، ليس بالأمر الهين، في ظل وجود مافيا السلاح والجريمة والمخدِرات، وفي ظل وجود جماعات كردية رافضة للاتفاق، ومجموعات منفلتة لمقاتلين أجانب، استمرأت تجارة المخدِرات وتهريب النفط والسلاح عبر الحدود.
ولاشك أن التحدي الإسرائيلي لا يزال يشكل أهم العقبات المستقبلية لعرقلة الاتفاق، فالاتفاق أعاد الأكراد لحضن الدولة السورية، مما شكل ضربة لإستراتيجية تل أبيب في تحريك ملف الأقليات في سوريا، وإضعاف نظامها الجديد.
وعليه، فمن المرجح أن تعيد إسرائيل تفعيل إستراتيجيتها، عبر دعم بعض الأطراف الكردية وغير الكردية المتضررة من هذا الاتفاق.
ختامًا، يبقى هذا الاتفاق خطوة حذرة في مسار سياسي معقد، حيث سيتحدد مستقبله على قدرة الأطراف المعنية على الموازنة بين المصالح المتضاربة وإدارة التحديات الداخلية والخارجية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
كاتب سياسي عراقي ومؤلف كتاب “العولمة والتدخل الانساني لحماية الاقليات”
الجزيرة
———————–
سوريا بين الأيام الدموية في الساحل ولقاء الشرع وعبدي/ بكر صدقي
تحديث 13 أذار 2025
كانت نهاية دموية فاجعة تلك التي ختمت الأشهر الثلاثة الأولى من حكم السلطة الجديدة في دمشق، أكلت من الرصيد الإيجابي الكبير لحملة «ردع العدوان» التي أسقطت نظام الأسد بلا إراقة دماء تقريباً. مئات القتلى بين مدنيين أكثرهم من العلويين، وعناصر الأمن العام، نهب ممتلكات وإحراقها، إذلال وإهانات مصورة في مقاطع فيديو انتشرت على وسائل التواصل، إضافة إلى فبركات كثيرة وخطاب كراهية منتشر زادا النار أواراً. حرب أهلية مضغوطة في بضعة أيام ظن السوريون أنهم نجحوا في تجنبها في بداية عملية التحرير.
ثلاثة أشهر خسرتها سوريا بلا أي إنجاز يذكر على طريق بناء سوريا الجديدة المأمولة، وكأنها كانت في حاجة للمذبحة الكبيرة التي جرت فصولها المشينة في مدن الساحل وأريافها لتراجع السلطة نفسها وحساباتها. حكومة مؤقتة انتهى مفعولها منذ تشكيلها الأحادي، فشلت في كل شيء بما في ذلك فتح قناة تلفزيونية رسمية كمصدر موثوق لبياناتها وتصريحات أركانها وأعمالها، حتى لا نتحدث عن أي تحسين في حال الخدمات العامة كالكهرباء، بل إن الارتفاع الوهمي لسعر صرف الليرة السورية مع استمرار حالة التضخم وتفاقمها كان وبالاً على السوريين، إضافة إلى تسريح آلاف أو ربما عشرات الآلاف من وظائفهم والإلقاء بهم في هاوية الجوع. أما انعقاد ما سمي بمؤتمر الحوار الوطني فلم يتجاوز كونه بحثاً عن شرعية مصطنعة لم تكن السلطة في حاجة إليها. بالمقابل نسيت السلطة وعودها المتكررة بشأن تشكيل حكومة جديدة أوسع تمثيلاً في مطلع شهر آذار.
بالمقابل لا يمكن إنكار أن ثمة خططا مدبرة من الخاسرين من سقوط نظام الأسد، الفلول وإيران وإسرائيل نفسها، هي ما أوقعت السلطة في هذا الفخ الدموي. الكمائن التي نصبتها الفلول للأمن العام كانت الشرارة التي أطلقت سلسلة من الأخطاء كالنداء الذي أطلق للنفير العام وسمح بدخول الجهاديين الأجانب وبعض فصائل الشمال المنفلتة إضافة إلى متطوعين مدنيين ممن تحركهم أحقاد طائفية ارتكبوا بمجموعهم أكثر الفظاعات على ما تفيدنا شهادات متواترة. لقد زجت السلطة بشبان يفتقدون إلى الخبرة القتالية (الأمن العام) في معركة مطاردة شبيحة وضباط النظام السابق ممن لديهم خبرة كبيرة في القتال والانتهاكات، في مناطق جبلية يعرفون تضاريسها جيداً مقابل جهلها لدى عناصر الأمن العام الذين حصلوا على دورات عسكرية سريعة و«دورات شرعية»! فوقعوا في كمائن الشبيحة بسهولة.
أصابع إيران في تمرد الفلول لا تخفى، فقد دعا إليه المرشد علي خامنئي جهاراً نهاراً قبل أسابيع، وتم تشكيل «مقاومة شعبية» مزعومة و«درع الساحل» ومجالس عسكرية بقيادة ضباط معروفين كغياث دلا وإبراهيم حويجة ومقداد فتيحة وغيرهم. وثمة معلومات صحافية عن تنسيق محتمل مع كبار ضباط النظام الساقط الموجودين في موسكو وقد سمحت لهم السلطات الروسية باستخدام أرقامهم السورية على تطبيق واتس آب.
كان لافتاً، في هذا السياق الرسالة التي وجهها رامي مخلوف معلقاً على تلك الأحداث الدامية، فقد أشار إلى ضباط الفرقة الرابعة بصورة مباشرة متهماً إياهم بتأجيج الصراع و«المتاجرة بدماء العلويين» حسب تعبيره. وقال مخلوف إنه سيعود إلى المشهد السياسي مجدداً في الوقت المناسب وإنه على «تنسيق مباشر» في هذا الإطار من غير أن يوضح الجهة التي ينسق معها. فإذا أخذنا بسوابق من «تسويات الوضع» كحالة محمد حمشو أو فادي صقر وزير الداخلية السابق محمد الشعار، يخشى أن تكون السلطة بصدد «إدماج» مخلوف أيضاً في مرحلة «ما بعد الطوشة» في خطأ جديد لن تساهم في «طمأنة العلويين» كما قد تتوهم السلطة. فأمام هذه مروحة واسعة من الخيارات من شخصيات محترمة في «المجتمع العلوي» لم تتلوث بداء الأسدية إذا أرادت السلطة التباحث معهم بشأن تضميد الجراح وفتح صفحة جديدة. ولكن يبقى أن الطريق الأسلم إلى ذلك يمر عبر إتاحة الشروط اللازمة لقيام لجنة تقصي الحقائق بعملها بصورة جدية وأن تتمكن هذه اللجنة من تحديد المتهمين بالانتهاكات ثم تقديم هؤلاء إلى القضاء بلا أي تلاعب أو التفاف. على أن يكون هذا مقدمة لإقامة عدالة انتقالية لا يجوز تأخيرها أكثر مما حصل. فهذا هو الطريق لطي صفحة الماضي والبدء بترميم النفوس قبل إعادة إعمار المباني.
لقاء الشرع وعبدي في قصر الشعب: شكل هذا اللقاء الذي شهد توقيع الرجلين على اتفاق إطار بين السلطة المركزية وقوات سوريا الديمقراطية مفاجأة طيبة للسوريين المفجوعين بالدم الغزير الذي سال قبل أيام. فهذا الاتفاق يبشر بطي صفحة العقدة الأكثر صعوبة في بناء سوريا الجديدة، بالنظر إلى تداخل عوامل محلية وإقليمية ودولية فيها، وبالنظر إلى المساحة الجغرافية الواسعة التي تسيطر عليها قسد وتضم ثروات البلاد الزراعية والنفطية. حين انتشر خبر الاجتماع والتوقيع كان ثمة قلق بشأن الموقف التركي من هذا الحدث، لكنه سرعان ما تبدد من خلال تصريحات مؤيدة له على لسان الرئيس التركي بالذات، وهو ما لا يمكن فصله عن مسار الحل السلمي الذي تعمل عليه الدولة التركية بالشراكة مع عبد الله أوجلان الذي وجه حزب العمال الكردستاني بإلقاء السلاح وحل منظماته. يمكن القول إذن إن «طبخة» كبيرة نضجت ومن المحتمل أن تينع ثمارها سريعاً على خط دمشق ـ أنقرة ـ إيمرالي ـ قنديل مع مظلة دولية غير خافية من واشنطن وباريس. سنرى في الأسابيع القليلة القادمة كيف سينعكس ذلك إيجاباً على مختلف الملفات الداخلية في سوريا. ترى هل يتم حل «الجيش الوطني» بالتوازي مع حل «قسد»؟ هل يتم تسليم من قد تتهمهم لجنة تقصي الحقائق من عناصر فصائل الجيش الوطني للقضاء، أم نشهد صراعاً مسلحاً جديداً في الشمال لتحقيق ذلك بالقوة؟ وهل كان في تأخير تشكيل الحكومة الجديدة خيراً، وأنها قد تكون بتشكيلتها المأمولة من حيث الشمول مفاجأة ثانية تضاف إلى إنجاز الاتفاق الإطاري؟ وهل يحل مقاتلون من قسد محل شبان الأمن العام في محاربة الفلول في مناطق الساحل الوعرة، في ترجمة لأحد بنود الاتفاق الإطاري المخصص للتعاون بين الطرفين في محاربة الفلول؟
أسئلة بين أخرى كثيرة طرحها الواقع الجديد الذي ظهر بعد لقاء الشرع وعبدي، سنراقب الأجوبة عليها في الأيام والأسابيع القادمة.
الرحمة لشهداء الأيام السوداء في الساحل من مدنيين وأمن عام، القصاص العادل للقتلة.
كاتب سوري
القدس العربي
——————————-
سوريا تعيد رسم المعادلة الإقليمية: الأكراد جزء من الدولة والحلول وطنية/ بشار الحاج علي
2025.03.13
في العاشر من آذار 2025، شهدت الساحة السورية تطورًا بالغ الأهمية تمثل في الاتفاق الذي جرى بين السيد الرئيس أحمد الشرع والسيد مظلوم عبدي، وهو اتفاق يعيد صياغة المشهد السياسي السوري على أسس وطنية جامعة، ويبعث برسائل إقليمية ودولية تتجاوز حدود سوريا الجغرافية. فهذا الاتفاق، الذي يعزز وحدة البلاد، ويضمن الحقوق السياسية والاجتماعية لكل السوريين، ويؤسس إلى مرحلة جديدة من الاستقرار، يحمل أبعاداً استراتيجية تتعلق بأمن الإقليم ككل، وبتوازنات القوى الدولية في واحدة من أكثر المناطق حساسية وتأثيرًا على الأمن والسلم الدوليين.
انعكاسات الاتفاق على دول الإقليم: بين الفرص والتحديات
لا يمكن النظر إلى هذا الاتفاق بمعزل عن القضية الكردية في دول الجوار، حيث يشكل الأكراد جزءًا أساسيًا من النسيج السكاني في العراق، وإيران، وتركيا، وتواجه هذه الدول تحديات مماثلة تتعلق بإدارة التنوع القومي.
⁃ العراق، الذي يتمتع فيه إقليم كردستان بوضع خاص، لطالما شهد توترات بين بغداد وأربيل، سواء فيما يتعلق بالموازنة، وتقاسم الموارد، أو النفوذ السياسي. ويأتي الاتفاق السوري ليؤكد إمكانية دمج الأكراد ضمن الدولة الوطنية دون الحاجة إلى مشاريع انفصالية، وهو نموذج قد يشجع بغداد على تبني سياسات أكثر استيعابًا للمكون الكردي ضمن إطار الدولة العراقية.
⁃ إيران، التي تواجه تحديات مشابهة في مناطقها الغربية، تدرك أن هذا الاتفاق قد يكون إشارة إلى إمكانية معالجة المسألة الكردية بأسلوب سياسي متوازن. فرغم الحذر الذي قد تبديه طهران تجاه أي تحولات في شمال شرقي سوريا، إلا أن نجاح هذا النموذج السوري قد يدفعها إلى التفكير في حلول وطنية بديلة عن المقاربات الأمنية التقليدية.
– تركيا، التي لطالما رأت في القضية الكردية ملفًا أمنيًا، قد تجد في هذا الاتفاق فرصة لمراجعة سياساتها، لا سيما بعد خطاب زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان في شباط الماضي، والذي دعا إلى حل سياسي شامل للقضية الكردية داخل تركيا ومع تحول المزاج السياسي التركي نحو نهج أقل تصعيدًا، فإن نجاح هذا الاتفاق السوري قد يشكل نقطة انطلاق لمقاربات أكثر براغماتية في الداخل التركي.
إن أي خطوة تعزز الوحدة الوطنية، وتعيد دمج كل المكونات ضمن إطار الدولة، تعد أمرًا إيجابيًا في سياق الحفاظ على استقرار المنطقة ككل.
الترحيب العربي: دعم لوحدة سوريا وحماية الأمن القومي
يشكل هذا الاتفاق خطوة أساسية في الحفاظ على وحدة سوريا واستقرارها، وهو ما يلقى ترحيبًا عربيًا نظرًا لما تمثله سوريا من ركيزة أساسية في الأمن القومي العربي فمنذ اندلاع الثورة السورية، كانت هناك مخاوف عربية من تفتيت البلاد، وما قد يترتب على ذلك من تداعيات أمنية وجيوسياسية خطيرة. ومن هنا، فإن أي خطوة تعزز الوحدة الوطنية، وتعيد دمج كل المكونات ضمن إطار الدولة، تعد أمرًا إيجابيًا في سياق الحفاظ على استقرار المنطقة ككل.
إسرائيل واستغلال المظلومية الكردية
لطالما سعت دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى استغلال القضية الكردية كأداة لخلق بؤر توتر داخل الدول الإقليمية، وذلك في إطار استراتيجيتها القائمة على تفتيت المنطقة إلى كيانات ضعيفة ومتخاصمة. فمنذ دعمها لانفصال كردستان العراق عام 2017، مرورًا بمحاولاتها بناء علاقات مع بعض الفصائل الكردية في سوريا، وصولًا إلى تقديم نفسها كـ”مدافع” عن حقوق الأكراد، كانت إسرائيل تسعى لتوظيف المظلومية الكردية لخدمة مشروعها التوسعي.
لكن هذا الاتفاق يضع حدًا لهذه المحاولات، حيث يؤكد على دمج الأكراد في الدولة السورية، وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومكوناتها على أسس المواطنة المتساوية وبهذا تسقط ورقة طالما حاولت إسرائيل استغلالها، ويعاد ترسيخ مفهوم الحلول الوطنية كبديل عن التدخلات الخارجية المشبوهة.
الترحيب الدولي: استقرار سوريا في منطقة مفصلية للأمن العالمي
لا شك أن هذا الاتفاق سيحظى بترحيب دولي واسع، نظرًا للأهمية الجيوسياسية لسوريا في منطقة تعد إحدى أكثر المناطق تأثيرًا على الأمن والسلم الدوليين.
فمنذ اندلاع الأزمة السورية، كان المجتمع الدولي يدرك أن استقرار سوريا هو عامل حاسم في ضبط توازنات الشرق الأوسط، سواء فيما يتعلق بالحد من التهديدات الإرهابية، أو احتواء التدخلات الخارجية، أو ضمان تدفق الطاقة والتجارة العالمية.
إن تعزيز وحدة سوريا وإعادة دمج كل مكوناتها في إطار وطني جامع يوفر نموذجًا يمكن الاستفادة منه في حل النزاعات القائمة على الهويات الفرعية، ويمنح الدول الكبرى فرصة لدعم استقرار المنطقة دون الحاجة إلى تدخلات عسكرية أو سياسية مكلفة ،وبذلك يصبح هذا الاتفاق ليس مجرد خطوة داخلية، بل تحول استراتيجي يعيد رسم خريطة التأثيرات الإقليمية والدولية.
إن نجاح هذا الاتفاق لا يعني فقط انتصارًا لسوريا في مواجهة التحديات الداخلية، بل قد يشكل نقطة تحول في المشهد الإقليمي، حيث يمكن أن يكون نموذجًا لحلول وطنية تقوم على وحدة الدولة، واحتواء التنوع، ورفض التدخلات الخارجية.
فالمرحلة المقبلة تتطلب الالتفاف حول هذا المسار، ودعمه كخيار استراتيجي لاستعادة الاستقرار الوطني والإقليمي، بعيدًا عن المشاريع التي لا تخدم سوى مصالح القوى الخارجية، وإن مصير المنطقة لا تحدده العواصم الأجنبية، بل تصنعه إرادة شعوبها حين تضع مصلحة أوطانها فوق أي اعتبارات أخرى.
بهذا الاتفاق، تثبت سوريا مجددًا أن الحل يبدأ وينتهي وطنيًا، وأن وحدة البلاد هي الأساس في بناء مستقبل مستقر وآمن، ليس لسوريا فحسب، بل للمنطقة والعالم بأسره.
تلفزيون سوريا
—————————–
هآرتس: هل ينجح الشرع في ترميم سوريا بعد اتفاقه مع الأكراد والدروز؟
تحديث 13 أذار 2025
وقع أول أمس اتفاق بين مظلوم عبدي، زعيم قوات سوريا الديمقراطية، الذراع العسكري للإدارة الكردية في شمال شرق سوريا، مع الرئيس السوري أحمد الشرع. سيكون هذا الاتفاق وثيقة أساسية في دولة تناضل لإعادة بناء نفسها. انضم إلى هذه العملية أمس تقارير عن اتفاق مشابه مع الدروز في المحافظة الانفصالية السويداء جنوبي سوريا، وإن لم تتضح بعد طبيعة ودرجة قبوله في أوساط الطائفة.
إذا ما تحققت هذه الاتفاقات فستكون لها تداعيات ثقيلة الوزن على قدرة الشرع على إدارة الدولة والحصول على الشرعية، بالأساس بمساعدة دولية وعربية، وعلى مكانة تركيا في سوريا، وأيضاً تطلعات إسرائيل للاحتفاظ بمناطق محتلة في شرق هضبة الجولان وجنوبها. إضافة إلى ذلك، هذه الاتفاقات تظهر أن الشرع يعترف بصعوبة إقامة “دولة معظم أقلياتها” باستثناء الأقلية العلوية. سيطمح إلى إدارة دولته بالموافقة وليس السير في طريق الأسد الأب والابن.
لكن هناك عقبات كبيرة قابلة للانفجار، وكل منها قد تبقي هذه الاتفاقات بمثابة أوراق تاريخية تحتوي في داخلها لحظة من الاتفاق الذي لم يتحقق. الاتفاق مع الأكراد يشمل دمج كل المؤسسات العسكرية والمدنية، وكل آبار النفط والمطارات والمعابر الحدودية ووضعها تحت سيطرة الدولة. في المقابل، ربما يحصل الأكراد على حكم ذاتي ثقافي وحصة مناسبة في مؤسسات النظام ووظائف رفيعة في الجيش.
هذه العملية، التي سيحصل الجيش في إطارها على 100 ألف مقاتل كردي تقريباً، إذا انضم إليه المقاتلون الدروز، تعني إقامة جيش وطني موحد بقيادة وطنية متجانسة تضع حداً لمبنى مليشيات لقوات الأمن بقيادة الشرع. العائق الذي أخر انضمام الأكراد للجيش السوري بعد إسقاط نظام الأسد في كانون الأول، هو المطالبة بالحفاظ على إطار خاص بهم داخل الجيش السوري. من غير الواضح إذا تم الاستجابة لمطالب الأكراد، وماذا ستكون طبيعة خضوع القوات الكردية لقوات الجيش الوطني، وهل سيخدم جنودهم في المحافظات الكردية فقط كقوة دفاع أم سيعملون في أرجاء الدولة، وبالأساس كيف يمكن للاتفاق أن يدافع عن السكان الأكراد من هجمات تركيا، التي تعاملت أمس مع الاتفاق بـ “تفاؤل حذر”؟
هنا تكمن نقطة ضعف الاتفاق الأساسية؛ فهو غير منفصل عن الحاجة الكردية لتضمن لنفسها إطاراً دفاعياً ما دامت تركيا هي المسيطر على مناطق كردية وتهاجم أهدافاً ومواقع كردية. سيقتضي هذا الإطار اتفاقاً منفصلاً بين تركيا وسوريا، الذي سيحدد نطاق نشاطات تركيا وطبيعة هذه النشاطات وجدول زمني لانسحابها من سوريا. ساعدت تركيا الشرع بشكل مباشر ونشط في إسقاط نظام الأسد، وأيدته في فترة وجود “هيئة تحرير الشام”، واتحاد مليشيات المتمردين الذي أقامه الشرع وكانت قاعدته المركزية في إدلب. ثم تحولت لتكون حليفة في سوريا عندما جاءت مع رزمة وعود لمساعدة اقتصادية وبناء قوتها العسكرية.
لكن رغم الاتفاق مع الشرع، تعتبر تركيا هذه القوات الكردية التي تدعمها الولايات المتحدة، تنظيماً إرهابياً يهدد أمنها الوطني. وتطالب بنزع سلاحه وإبعاده عن مناطق الحدود. في الوقت نفسه، ثمة تقدير بأن تركيا كانت شريكة، بمعرفة وموافقة، في هذه العملية التي أدت إلى الاتفاق. يمكن الافتراض أيضاً أنها أيدتها لأنها تتساوق مع استراتيجية موازية تديرها. قبل شهر تقريباً، بدأت تركيا في عملية مصالحة مع “حزب العمال الكردستاني”، الذي يعدّ تنظيماً إرهابياً. وتدير ضده منذ الثمانينيات حرباً دموية قتل فيها 40 ألف شخص. قبل أسبوعين، في إطار عملية مصالحة، طالب رئيس حزب العمال الكردستاني، المحكوم بالمؤبد، عبد الله أوجلان، أتباعه بالتخلي عن سلاحهم وحل التنظيم الذي يعمل داخل تركيا ومن قواعد في العراق وشمال سوريا. وافقت قيادة التنظيم على وقف النار، لكنها لم توافق على نزع سلاحها، إلى حين مفاوضات تضمن حقوق الأكراد وتوقف مطاردتهم.
تعتقد تركيا أن إعلان أوجلان موجه للقوات الكردية السورية أيضاً، حيث تعتبرها جزءاً من “قوة الإرهاب” الكردية. ولكن الزعيم الكردي، عبدي، سارع إلى التوضيح بأن دعوة أوجلان لا تتعلق بهم، وأنهم سيواصلون القتال للدفاع عن أراضيهم وطائفتهم. ربما كان هذا رداً إعلانياً مطلوباً، لكن الأكراد في سوريا يعرفون جيداً أنه منذ تتويج ترامب رئيساً، فإن وقف دعم أمريكا لهم وانسحاب القوات الأمريكية من سوريا تبدو مسألة وقت. بدون المساعدة العسكرية والاقتصادية، وإزاء علاقات جيدة بين رئيس تركيا والرئيس الأمريكي، بات على عبدي أن يقرر بسرعة لحماية قواته والطائفة الكردية السورية بشكل عام.
هنا وجد لقاء مصالح بين تطلع الرئيس السوري لتوحيد الدولة وإقامة قوة عسكرية وطنية، وبين حاجات الحماية للطائفة الكردية السورية وقيادتها العسكرية والسياسية، حيث مصالح أمريكية وتركية. مصدر في الإدارة الكردية العراقية، قال إن أكراد سوريا يواجهون معضلة غير محتملة.
“هذه ليست معضلة أن يكونوا أو لا يكونوا، بل كيف سيكونون. واضح أن الركيزة الأمريكية ستتحطم في ظل ترامب، وستحصل تركيا على يد حرة للعمل في شمال سوريا، كما حصلت إسرائيل من ترامب على يد حرة للعمل في غزة”، قال. “المخرج الوحيد أمامهم هو التوصل إلى اتفاق مع النظام الجديد في سوريا، ومحاولة تحقيق كل ما يمكن تحقيقه وبسرعة”. يبدو أن تقدير المصدر الكردي تحقق جزئياً. بدون اتفاق إطار بين سوريا وتركيا وبدون تدخل أمريكا، لا سيما أمام تركيا، حيث يضمن سلامة الأكراد، من الصعوبة حينئذ رؤية كيف يمكن للأكراد تجسيد الإنجازات التي صيغت في الاتفاق الموقع عليه أول أمس.
قصة الاتفاق مع الدروز أيضاً، إذا تم التوقيع حقا على وثيقة رسمية بين قيادة الشرع وقيادتهم، لم تنته بعد. الموقف “الرسمي” الذي يطرحه حكمت الهجري، الذي يعدّ الزعيم البارز والمؤثر من بين الزعماء الثلاثة الروحانيين للطائفة في سوريا، أعلن تأييده لدولة سورية موحدة، ولا يؤيد إقامة كانتون درزي يتمتع بحكم ذاتي. ولكنه اشترط انضمام المليشيات الدرزية للجيش الوطني بأن يتم تشكيل جيش كهذا، مع صياغة دستور يضمن حقوق الدروز. يبدو أن مواقف القيادة الدرزية منقسمة وغير متجانسة، بينها وبين بعض قادة المليشيات الدرزية غير المستعدين لنزع سلاحهم والاعتماد على تعهدات الشرع، الذي عملت قواته ضد الطائفة الدرزية أثناء قيادته لجبهة النصرة.
لكن مؤخراً، أضيف للدروز “قيمة” استراتيجية قد تساعدهم في الحصول على تنازلات وإنجازات أكبر من الشرع. “الحماية” التي ألقتها عليهم إسرائيل بذريعة الدفاع عنهم، التي تستخدم أيضاً كذريعة لسيطرتها على مناطق في جنوب سوريا، تزيد قوة مساومتهم أمام الشرع.
في نهاية المطاف، في الواقع في بدايته، ترى الطائفة الدرزية نفسها جزءاً لا يتجزأ من دولة سوريا، ومستقبلها مرهون بعلاقاتها مع النظام وليس مع إسرائيل. والدليل ما نشر أمس بأن المئات من أبناء الطائفة قرروا التجند في الجيش السوري، وأجريت في الميدان الرئيسي بالسويداء مظاهرات تأييد للاتفاق الذي كما يبدو تم التوقيع عليه. والمطلوب فقط هو التعامل مع مظاهر التأييد بشكل مناسب من التشكك. فهي قد تتبدل بالاحتجاج والتمرد إذا تبين أن الورق الذي كتب عليه الاتفاق لا يترجم إلى إنجازات فعلية تضمن الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية، للدروز.
تسفي برئيل
هآرتس 12/3/2025
القدس العربي
———————-
عقبات مبكرة أمام اتفاق “قسد” ودمشق/ جابر عمر و سلام حسن
13 مارس 2025
لم يكد الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي يوقعان الاتفاق مساء الاثنين الماضي، حتى بدأت تظهر عقبات أمام إمكانية تطبيق اتفاق “قسد” ودمشق بحذافيره وبسرعة، إذ إن تركيا المتوجسة من قوات سوريا الديمقراطية، التي تعتبرها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، تمسكت بمواصلة العمليات ضد “قسد”، عبر شن غارات مكثفة على مواقع لهذه القوات في منبج، والتي كانت شنت حملة مداهمات في ريف دير الزور الشرق مستهدفة منازل شبان منضوين في صفوف الجيش السوري.
وبرز أمس الأربعاء تنفيذ سلاح الجو التركي غارات جوية باستخدام صواريخ شديدة الانفجار، استهدفت خلالها مواقع عسكرية تابعة إلى “قسد” في منطقة منبج بريف حلب الشرقي، شمال سورية، فيما أعلن مسؤول في وزارة الدفاع التركية، لوكالة رويترز، أن العمليات ضد المسلحين الأكراد في شمال سورية مستمرة. وقالت مصادر عسكرية، لـ”العربي الجديد”، إن الطائرات الحربية التركية استهدفت بنحو 10 غارات، استخدمت خلالها صواريخ شديدة الانفجار، مواقع عسكرية تابعة لـ”قسد” في قرية الشواخ بريف مدينة منبج شرقي محافظة حلب، ما أدى إلى وقوع قتلى وجرحى.
ولفتت المصادر إلى أن القصف التركي جاء رداً على اشتباكات عنيفة وقعت ليل الثلاثاء وفجر أمس الأربعاء بين “قسد” من جهة، وفصائل الجيش الوطني السوري المدعومة من تركيا من جهة أخرى، على جبهة جسر قره قوزاق وسد تشرين في محيط مدينة منبج، شرقي محافظة حلب. وكانت الطائرات الحربية التركية نفذت ليل الثلاثاء سبع غارات مستهدفة مواقع لـ”قسد” في محيط سد تشرين بريف حلب الشرقي، ما أسفر عن وقوع قتلى وجرحى في صفوف القوات المستهدفة.
وكانت “قسد” قد شنت حملة مداهمات في ريف دير الزور الشرقي، استهدفت منازل عدد من الشبان المنضمين إلى صفوف الجيش السوري. وقال الناشط في دير الزور وسام العكيدي، لـ”العربي الجديد”، إن اشتباكات اندلعت بين الأهالي وأفراد دورية تابعة لـ”قسد” عقب مداهمتهم منازل مقاتلين من الجيش السوري دخلوا من بادية الشامية التي تُسيطر عليها قوات الحكومة السورية، إلى مناطق سيطرة الأكراد (بادية الجزيرة) عبر ضفاف نهر الفرات، دون تنسيق مسبق مع القوات الكردية.
تواصل التوتر رغم اتفاق “قسد” ودمشق
وجاء تواصل التوتر على الرغم من توقيع الشرع وعبدي، في دمشق الاثنين الماضي، اتفاقاً يقضي بدمج كل المؤسسات المدنية والعسكرية شمال شرقي سورية في إطار الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية، والمطار، وحقول النفط والغاز، توجهت الأنظار إلى تركيا المعنية بشرق الفرات وتهدد دوماً بأعمال عسكرية تهدف إلى نزع سلاح “وحدات الحماية الكردية” باعتبارها امتداداً لحزب العمال الكردستاني وتحظرها في البلاد. التوقيع على اتفاق “قسد” ودمشق الذي وصف بالإنجاز المهم، لاقى رد فعل إيجابياً من قبل أنقرة، حيث اعتبر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في إفطار في أنقرة، أول من أمس الثلاثاء، أن تطبيقه سيكون في خدمة سورية.
وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في بيان أمس الأربعاء، إنّ “الولايات المتّحدة ترحّب بالاتفاق الذي تمّ الإعلان عنه مؤخراً بين السلطات السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية لدمج الشمال الشرقي في سورية موحدة”. وأكد دعم بلاده لعملية انتقال سياسي في سورية “تضمن حوكمة ذات مصداقية وغير طائفية”، باعتبارها المسار الأمثل لتجنب مزيد من الصراعات. وأضاف أن واشنطن ستواصل متابعة القرارات التي تتخذها الإدارة السورية، معرباً عن قلقه إزاء ما أسماه “أعمال العنف المميتة الأخيرة ضد الأقليات”.
ورحب مبعوث الأمم المتحدة غير بيدرسن، على منصة إكس أمس الأربعاء، بالاتفاق، معرباً عن أمله أن “يُسهم في عملية انتقال سياسي أوسع وموثوق وشامل، تماشياً مع المبادئ الأساسية لقرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 2254، بما في ذلك الدستور الجديد وإجراء انتخابات حرة ونزيهة”.
عناصر من قوات قسد في شمال شرق سورية، 25 يناير 2022 (فرانس برس)
مصادر تركية رفيعة المستوى تحدثت لـ”العربي الجديد” عن الرؤية التركية بشأن اتفاق “قسد” ودمشق خاصة أن أنقرة معنية به بأشكال عدة، وسبق أن كشفت عن خطط لتأهيل قوات الجيش السوري، مشيرة إلى أن الجو العام يفيد بتفاؤل إيجابي حذر، مشددة على أن أنقرة مهتمة بالتطبيق الكامل للاتفاق وما سيظهر على الأرض، أي أن النتائج هي الأهم. وأضافت أن “الاتفاق يتضمن الكثير من مطالب أنقرة، ولكن يجب ألا تبقى حبراً على ورق، بل يجب ترجمة ذلك على أرض الواقع”. وتابعت أن “موقف تركيا واضح، والتعويل على الطرف الموقع، وهو تنظيم مصنف أنه إرهابي لا يعول عليه ودائم التراجع عن تعهدات سابقة، ومن المهم معرفة رأي العناصر التركية في (حزب العمال) الكردستاني، مثل فهمان حسين (اسم الحركي باهوز إردال) والمرتبطين به، حيث تراقب أنقرة هذه المواقف، وهل ستكون هناك خطوات منسقة بين أطراف هذه التنظيمات”.
أنقرة مهتمة بالمادة الرابعة
وشددت المصادر على أن أنقرة مهتمة بالمادة الرابعة من اتفاق “قسد” ودمشق التي ترتبط باندماج جميع المؤسسات بالدولة السورية، على اعتبار ما تحمله من اعتراف بالحكم المركزي في دمشق، لكنها أشارت إلى أن هناك خشية من انتهاء “قسد” شكلياً وبقائها فعلياً بأشكال أخرى ما قد يؤدي إلى تقديمها مطالب تحت تهديد السلاح. ولفتت إلى أن أنقرة تراقب ما إذا ما كانت مسألة الاندماج العسكري ستراعي التراتبية العسكرية للقيادة من دون اللجوء إلى أي تحركات منفردة، مشددة على أن جميع هذه القضايا مهمة لمعرفة مسار التطبيق، موضحة أن دمشق لديها خطوط حمراء ترتبط بعدم وجود دولة داخل الدولة ولا جيش داخل الجيش، وهو ما تؤيده أنقرة.
وحول دور تركيا وموقفها في ما يتعلق بتأهيل الجيش السوري الجديد، قالت المصادر إن “مسألة إعادة تأهيل القوات المسلحة مسار مستمر ضمن مشاورات مع الحكومة في دمشق، وينتظر أن تقدم أنقرة على هذه الخطوات، وإن بدأت مسألة التأهيل ستكون لقوات الجيش (بمكوناته الحالية) لحين استكمال خطوات تنفيذ اتفاق “قسد” ودمشق وبناء عليه سيتم تطوير مواقف جديدة بخصوص تأهيل الجيش مع معرفة مصير القوى المسلحة لدى قسد”. وأكدت المصادر أن “المادة الأولى من الاتفاق أيضاً مهمة بالنسبة لتركيا، وهي مسألة ضمان حقوق الأعراق والأقليات، بسبب مطالبة قسد بمحاصصة في الحكومة في المؤسسات كما يحصل في العراق، وهذه المادة تقطع الطريق أمام هذا الأمر”.
أسباب فتحت الطريق أمام الاتفاق
ورأت المصادر أن هناك عدة أسباب فتحت الطريق أمام اتفاق “قسد” ودمشق بينها خطوات تركيا في مكافحة الإرهاب في العراق وسورية وقطع الطريق الواصل بين العراق وسورية أمام حزب العمال الكردستاني، فضلاً عن الواقع الجديد في سورية ودور العشائر وضغوطها على “قسد”، معتبرة أن الجهود الدبلوماسية التركية ساهمت بسحب الأوراق من قوات سوريا الديمقراطية، وخاصة في ما يتعلق بسجون تنظيم داعش، اضافة إلى أن اجتماع عمان لدول جوار سورية، وهي الأردن والعراق وتركيا ولبنان، أخيراً أدى دوراً مهماً في التنسيق بين الدول الخمس. واعتبرت أن كل هذه التطورات أجبرت عبدي على التوقيع على الاتفاقية بعد لقاء قائد قوات سنتكوم” الجنرال مايكل كوريلا.
ومن اللافت أن خطوة التوقيع على اتفاق “قسد” ودمشق جاءت بعد نحو أسبوعين من دعوة مؤسس حزب العمال الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان لحزب العمال الكردستاني بحل نفسه وإلقاء سلاحه، وهو ما اعتبرت السلطات التركية أنه يشمل “وحدات الحماية” الكردية في سورية، فيما ترك حزب “ديم” الكردي الأمر لقوات سوريا الديمقراطية. وعقب اتفاق “قسد” ودمشق قال الرئيس المشترك لحزب “ديم” التركي الكردي تونجر بقرهان، في مؤتمر صحافي في ديار بكر أول من أمس الثلاثاء، إنه “يمكن قراءة بناء سورية الديمقراطية في هذا الاتفاق، وهو ما سيجلب أكبر فائدة لتركيا”، موضحاً أن أعضاء في الحزب سيقومون بزيارة سورية قريباً، موضحاً أن اتفاق الشرع – عبدي سيسهل عليهم هذا الأمر.
وعن كيفية قراءة تركيا اتفاق الشرع – عبدي وإن كان لها دور فيه خصوصاً أنه يُنتظر منها إعادة هيكلة الجيش السوري الجديد، قال الكاتب والباحث طه عودة أوغلو، لـ”العربي الجديد”، إن اتفاق الشرع – عبدي “مهم ويمثل تحولاً استراتيجياً في المشهد السوري بتوقيته ودلالاته، فهو جاء بعد أيام قليلة من أحداث الساحل السوري، وإعلان أوجلان التاريخي”. وأضاف: “من دون شك تركيا كانت على اطلاع على اتفاق الشرع – عبدي والترحيب به جاء حذراً، لأن تركيا تنظر له بشكل إيجابي لكن الأهم هو تنفيذ آليات الاتفاق، والعديد من البنود”. وأوضح أن “أنقرة توقفت عند البند الرابع في الاتفاق الخاص بدمج المؤسسات في الدولة، لكنها ستنتظر الفترة المقبلة” لمعرفة كيفية التطبيق.
وعن كيفية تعامل تركيا مع عناصر “قسد” في حال اندمجوا في الجيش الجديد، وتبددت المخاوف التركية بهذا الاتفاق، أعلن عودة أوغلو أن “المخاوف التركية لم تتبدد حتى اللحظة، فهناك بعض الأمور الغامضة. الاتفاق جيد ولكن هناك تفاصيل غير واضحة بشأن آليات التطبيق والاندماج وعودة الحكومة” لشمال شرق سورية. وأضاف: “عموماً أنقرة تراه مكسباً لها، خاصة أنه تحقق بعد فترة من إعلان أوجلان، إلا أنها تتريث لرؤية النتائج وهناك خشية من كسب الوقت من قسد والإدارة الأميركية، في ظل لقاءات مستمرة تتناول هذا الموضوع”. واعتبر أن “العوامل الإقليمية والدولية ساهمت في التوصل إلى اتفاق الشرع – عبدي واعتقد أن تحديات كبيرة ستواجه الاتفاق والمتعلقة بالمطلب التركي بإبعاد العناصر الأجنبية في الكردستاني إذ إن عملية الدمج ستكون دقيقة جداً”.
من ناحيته، قال الكاتب الكردي فايق بولوط، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن “تركيا كانت مستاءة ولم ترغب بهذا الاتفاق، ولكنها وافقت، اعتباراً من فبراير/شباط الماضي وبوساطة أميركية وبريطانية، على الحوار بين الشرع وعبدي لحل المشاكل”. وتابع: “أعتقد أنه يوجد عناصر منفلتة من تركيا والجيش الوطني لا تريد اتفاق الشرع – عبدي لكن هذا الأمر لا يمنع تطبيق الاتفاق، عبر اعتماد نموذج كردستان (العراق)، حيث تتمركز القوات الكردية والعراقية في منطقة واحدة”.
العربي الجديد
———————–
كيف تنجو سوريا من «نظام الأبد»؟
شهدت سوريا، منذ السادس من الشهر الحالي، تدهورا أمنيا غير مسبوق، أدى إلى أسوأ موجة عنف منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون أول/ ديسمبر الماضي. بدأت الأحداث مع قيام مجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام السابق بهجمات واسعة منسقة مما أطلق عمليات دفاعية للقوات الحكومية شاركت فيها فصائل عسكرية محلية، وتنظيمات إسلامية أجنبية، بالإضافة إلى مجموعات محلية من المدنيين المسلحين الذين قدموا لدعم القوات الحكومية. تطوّرت عمليات ملاحقة المهاجمين من الموالين للأسد إلى مواجهات عنيفة ارتكبت خلالها انتهاكات جسيمة بطابع انتقامي وطائفي.
حسب «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» فقد كان للفصائل المحلية والتنظيمات الإسلامية الأجنبية التابعة شكليا لوزارة الدفاع الدور الأبرز في ارتكابها. شمل ذلك عمليات قتل جماعي ممنهجة، واستهداف المدنيين، بمن فيهم أفراد طواقم طبية وإعلامية وعاملين في المجال الإنساني، كما طالت الانتهاكات المرافق العامة وعشرات الممتلكات العامة والخاصة، متسببة في موجات نزوح قسري طالت مئات السكان، ووثقت الشبكة عدد القتلى بين 6 و10 آذار/مارس بـ 803 أشخاص قتلوا «خارج نطاق القانون» بينهم 39 طفلا و49 سيدة، و27 من الكوادر الطبية وذلك في محافظات اللاذقية وحماة وطرطوس وحمص، فيما قدّر «المرصد السوري لحقوق الإنسان» حصيلة القتلى، حتى أمس الأربعاء، بـ1383 «غالبيتهم العظمى من العلويين».
تمثّل أحداث العنف الجارية في سوريا انفجارا فظيعا، إلى حدّ كبير، لتفاعل عوامل تراكمت خلال أكثر من نصف قرن من حكم طغيان الأسدين، الأب حافظ، والابن بشار، و14 عاما من الإجرام المهول ضد الثورة الشعبية السورية عام 2011، شكّلت الطائفية إحدى أدواته التي استهدفت بشكل ممنهج ومتقصد المكوّن الاجتماعي السنّي الذي قتلت وعذبت واختطفت منه مئات الآلاف، ودمّرت حواضره ومدنه وبلداته وقراه، ودفعت الملايين إلى اللجوء والنزوح.
أدى هذا التسعير الطائفي للسياسة والاجتماع السوريين، وانعدام الأمل بحماية دولية للسوريين (وخصوصا بعد تراجع الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن «خطّه الأحمر» فيما يخص استخدام نظام الأسد الأسلحة الكيميائية) وإحباط جمهور الثورة من إمكانيات التغيير، في اشتداد نزعات التطرّف الديني، والوعي الطائفي، واستقواء الاتجاهات الجهادية الراديكالية، وتضافر ذلك مع عقابيل الاحتلال الأمريكي للعراق، والحرب الطائفية بين الشيعة والسنة التي تبعته، في تعزز شعبية تنظيم «القاعدة» وخلفه تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي اجتاح شمال شرق سوريا وأعلن «خلافة» في مدينة الرقة عام 2014.
معلوم أن الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع كان أحد «المجاهدين» الذين ذهبوا للعراق لقتال الأمريكيين وأنه بعد سجنه وإطلاق سراحه عاد إلى سوريا مع أشخاص قلائل حيث أنشأ تنظيما سلفيا مسلّحا («جبهة النصرة») ثم أعلن على التوالي انشقاقه عن تنظيمي «الدولة» و«القاعدة» (وحربه عليهما) واتخاذه اسم «هيئة تحرير الشام» التي صارت أكبر الفصائل التي حكمت محافظة إدلب وصولا إلى هجومها الكبير الذي قضى على نظام الأسد.
يظهر التدرّج الزمنيّ الآنف مسارا معقدا للتطوّر من «الجهاد ضد الاحتلال» والتطرّف السلفيّ المسلّح الكاره للعالم، إلى تصالح للتديّن الشعبي مع الوطنية السورية والعداء لنظام الأسد، وهو مسار ما زال يتطوّر باطراد، ولكن ليس من دون عوائق كبرى، داخلية، كما حصل في هجوم الفلول، أو خارجية، وهو ما تمثّله هجمات وتوغلات وتهديدات إسرائيل.
لا تصلح «جهادية» وسلفية «هيئة التحرير» والفصائل الإسلامية الأخرى، لتفسير ما يحصل حاليا، فنظام الأسد المخلوع، «العلماني» و«القومي» و«الحداثي» كما اعتادت أدبيات غربية وعربية على وصفه، كان، إضافة إلى تغوّله الطائفي، نظاما إباديا بالتعريف (يتحدث «حفار القبور» الذي شهد في محكمة ألمانية أن النظام كان يدفن قرابة 7000 شخص كل أسبوع يتم تجميعهم من سجونه ومراكز اعتقاله) كما أن أغلب التيارات السياسية العربية، قومية وشيوعية وإسلامية، تسببت بمجازر.
تشير الخطوات السريعة التي اتخذتها السلطات السورية الحالية، من إعلان لجنة للسلم الأهلي ولجنة للتحقيق في أحداث العنف الأخيرة، إلى افتراق ملحوظ عن النظام السابق، كما تشير الخطوات السياسية، السريعة أيضا، من إعلان اتفاق أولي مع الأكراد، و«محضر تفاهم» مع دروز السويداء، إلى اتجاه محمود إلى التعاطي مع المكونات السورية يقطع بشكل كبير مع ممارسات نصف القرن الماضي لحكم الأسدين.
يرغب السوريون في دولة تمثّلهم وتضمّهم جميعا، بمن فيهم العلويون والدروز والأكراد وباقي المكونات الدينية والإثنية، ويتحوّل فيها السنّة من طائفة وعصبية (بسبب مقتضيات الصراع) إلى جزء من المكوّن العام، يسهم في ضمان العدالة والتنمية والاستقرار، ليس بالمحاصصة واتفاقات الطوائف، بل بنظام مدني ديمقراطي ليعيد سوريا إلى سكّتها التاريخية العظيمة ويشرك الجميع في البناء ويوفر آليات الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي وينهي «نظام الأبد» الأسدي إلى الأبد.
القدس العربي
——————
اتفاق دمشق مع قسد.. تركيا حذرة ومستعدة ميدانياً/ فراس فحام
الخميس 2025/03/13
اتضحت كواليس توقيع الاتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حيث أوضح مسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية أن قائد القيادة الوسطى في الجيش الأميركي، ساهم بدفع قسد لتوقيع الاتفاقية، بالمقابل تدرّج الموقف التركي المعلن بين التفاؤل الحذر، وتأييد تطبيق الاتفاق واعتبار تنفيذه يصب في مصلحة السوريين.
مكاسب أولية تركية
وفقاً لما رشح من معلومات، فإن الجهد الذي بُذل من أجل التوصل إلى الاتفاق بين دمشق وقسد، كان أميركياً بالدرجة الأولى، ومرتبط بحسابات واشنطن ورغبتها في تعزيز الاستقرار من أجل خلق أرضية مناسبة لإعادة انتشارها في سوريا.
بالمقابل، فإن الترحيب الحذر التركي بالاتفاقية نابع من شعورها بتوفير الاتفاقية بعض متطلبات الأمن القومي التركي، حيث نصّ على وحدة الأراضي السورية، بالإضافة إلى الإشارة لاندماج قسد ضمن مؤسسات الدولة، وهي مطالب نادت بها أنقرة ودعمتها طيلة الفترة السابقة.
من جهة أخرى، فإن دفع واشنطن قائد قسد مظلوم عبدي للتوقيع مع أحمد الشرع بصفته رئيساً لسوريا، يعني بطبيعة الحال إقراراً أميركيا بالوضع الراهن في سوريا، وهذا تطور إيجابي بالنسبة لأنقرة التي تتعامل مع الإدارة السورية الجديدة على أنها صديقة، كما أنه يفتح الباب لموافقة واشنطن لاحقاً على تسلم الجانب الحكومي السوري لملف سجناء تنظيم داعش، وهي الورقة التي عملت قسد على ابتزاز المجتمع الدولي بها.
المكسب الثالث غير المباشر بالنسبة لأنقرة، تعزيز حالة الانقسام داخل قسد التي تضم أجنحة متعددة، حيث يُعتبر عبدي قريباً من واشنطن، ويسعى للتحرر من هيمنة عناصر حزب العمال الكردستاني، بالمقابل يوجد تيارات أخرى مثل شبيبة الثورة وجناح إلهام أحمد، وهؤلاء أقرب إلى موقف العمال الكردستاني.
وظهر الانقسام بشكل واضح من خلال تسيير مظاهرات في الرقة والحسكة مناهضة لحكومة دمشق، أشرفت عليها كوادر شبيبة الثورة، حيث تفيد المعلومات بأن الشبيبة نظرت إلى الاتفاقية على أنها تنازل من عبدي لصالح دمشق، خصوصاً فيما يتعلق باستعمال مصطلح “المجتمع الكردي” بدلاً من “الشعب الكردي”، وخلو الاتفاق من الإشارة إلى اللامركزية.
شكوك حول إمكانية التنفيذ
من الواضح وجود حالة من التشكيك بإمكانية تنفيذ الاتفاقية من طرف قسد، وهذا يتضح من خلال اللهجة التي رحبت بها تركيا بالاتفاقية، والسلوك الميداني.
وعلى الرغم من توقيع الاتفاقية التي تنص على وقف إطلاق النار في كامل الأراضي السورية، لكن الغارات الجوية والقصف المدفع التركي مستمر على مواقع قسد شمال شرق محافظة حلب، على المنطقة القريبة من سد تشرين بريف منبج.
وتفيد المعلومات بأن الحشود العسكرية التركية في المنطقة المذكورة لا تزال مستمرة، ولم يطرأ متغيرات على وضع غرفة العمليات المشتركة بين الجيش التركي والفصائل السورية المتحالفة مع أنقرة، والتي كانت تعمل سابقاً تحت مسمى الجيش الوطني السوري.
ويدور الحديث في الأوساط التركية عن وجود قرابة ألفي عنصر مرتبطين بحزب العمال الكردستاني، ضمن المناطق الخاضعة لسيطرة قسد، وبالتالي قد يتمكون بالفعل من إعاقة تنفيذ الاتفاق، كما أن أنقرة غير متأكدة فيما يبدو من الطريقة التي ستندمج بها قسد ضمن الجيش السوري، نظراً لخلو الاتفاق من تحديد آلية الاندماج، حيث ترفض أنقرة بقاء قسد كتلة واحدة ضمن الجيش، وترى أن حفظ أمنها القومي يتطلب حل التنظيم ودخوله أفراداً ضمن المؤسسات السورية.
السيناريو المرجح
في ظل المعطيات السابقة، فإن السيناريو المرجح بخصوص التعاطي التركي مع الاتفاق هو التأكيد على الموقف السياسي المرحب بحل معضلة شمال شرق سوريا سياسياً بما يحفظ وحدة الأراضي السورية، لكن بالمقابل استمرار النشاط العسكري والأمني الذي يستهدف كوادر حزب العمال الكردستاني بشكل أساسي، وهذا السلوك قد يحظى بالقبول لدى الجانب الأميركي لأنه سيساهم في إضعاف تيار العمال الكردستاني، وتحرير إرادة مظلوم عبدي بشكل أكبر وتسهيل تنفيذ المتفق عليه بشكل تدريجي، وضمن إطار زمني قد يمتد لأشهر أو أكثر من سنة.
المدن
—————————-
“كاميرا خفيّة” أم “جبر خواطر”؟/ أحمد عمر
13 مارس 2025
نام صاحبكم، في ساعات الفجر الثاني، ليلة الثامن من رمضان على كوابيس، وقد تقرّحت أجفانه بعد إعلان الفلول “درع الساحل”، وتردّد اسم إيران وروسيا، وأسماء دول عربية متربّصة بالثورة السورية المنتصرة، وهي دولٌ تعطينا من طرف اللسان حلاوةً، وتروغ منا كما يروغ الثعلب، وقرأ ذو الأجفان المسهدة في صفحات إعلاميين مشاهير، وصحافيين كبار، أن القيادة السورية وقعت في مصيدة الأقلّيات “المقدّسة”، وقرأ “المواطن الضلّيل” لرئيس تحرير صحيفة عربي تعليقاً بأنفاس رثاء الأندلس، قال فيه: وداعاً سورية، وسمع “تأبّط حزناً” تعليقات لمشاهير لهم أتباع ومشاهدين أكثر من مشاهدي الحلبة الإسبانية، بأنهم سيحرّرون دمشق من مغتصبيها، ويعيدونها إلى أيّام حكم الأسد السعيدة، وزمان الأمن والاستقرار، وتردّد خبر أن مجلس الأمن سيعقد قريباً لإصدار قانون قيصر 2، فابتهج القوم وصفّقوا، غير مبالين سوى بفقاعات القلوب في “فيسبوك”، حتى كشفت الوقائع أنهم ليسوا سوى عجيان يقدّمون عروض سيرك لا تحليلات سياسية.
استيقظ صاحبُكم في اليوم التالي ليجد إعلاناً رسمياً سورياً بانتهاء العمليات العسكرية، وتطهير الساحل من حيتان القرش وأسماك الصندوق السامة، وإعلان استباب الأمن من جديد. وفي مساء اليوم، جفل صاحبُكم من خبر سعيد، غير خبر صيد حيتان الساحل، وفشل عروض سيرك وسائل التواصل الاجتماعي، خبر توقيع الرئيس أحمد الشرع مع الجنرال مظلوم عبدي اتفاق اندماج، وتُظهر الأشعة السينية ظلال ترامب وأردوغان وراء التوقيع، وكنّا قد سمعنا عن اشتباكاتٍ بين مقاتلين (ليلة أمس) في الأشرفية، بين الجيش السوري ومقاتلين من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وقرأنا أخباراً عن إغاثة قسدية لفلول الأسد، فعجبنا أشدّ العجب، بل إنّ طلب مظلوم عبدي من الرئيس الشرع، قبل ليلة التوقيع، التحقيق في الانتهاكات، ظاهره الشماتة، وباطنه أيضاً، فمن يفسّر لنا “التكويع” الكبير؟
تساق تفسيرات لهذا الانعطاف المفاجئ، الذي أسعد السوريين عرباً وكرداً، وامتدّ إلى بلدان الوطن العربي، مثل تفسيره بالعزم التركي على تأمين حدوده، وعمله على أمنه القومي بالنيران والسياسة، ودأبه على حلّ مشكلة حزب العمّال الكردي، وبروز رغبة صادقة لدى ترامب بالانسحاب من سورية، وتخفيف تكاليف المهام الخارجية، وابتهاج الاتحاد الأوروبي بعمليات القيادة السورية الجديدة ضدّ الفلول المدعومة من إيران وروسيا المعاديتَين للغرب، وانحباس “قسد” في الجزيرة السورية بعد انقطاع الأجور والرواتب من المركز في دمشق الجديدة، وتململ أعضاء “قسد” العرب، وتعطّل دوائر الدولة والمؤسّسات الاجتماعية والتربوية، وهزيمة الفلول في الساحل، وتحطّم درع الساحل، وانكسار “قسد” في الأشرفية، وتداعيات خطاب أوجلان، الذي أمر أتباعه بحلّ الحزب، وخوف قيادات “قسد” من تغيّر الموقف الأميركي، الذي لا يزال فيه رمقٌ أخير، ووصية مسعود البارزاني، شيخ الكرد وكبيرهم، قادة “قسد” بحلّ مشكلتهم في دمشق، فسارعت قيادة “قسد” إلى الاستسلام للقيادة السورية، التي التفّ حولها الشعب السوري، يضاف إليه يقينٌ خفيٌّ لدى قادة “قسد” باضطراب الدعم الإسرائيلي الموعود وختله، فهو محفوفٌ بالغدر، فإسرائيل قتلت جنودها ومواطنيها في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول (2023)، حسب تحقيقات صحيفة إسرائيلية وصحيفة أميركية، وقد اجتمع الشعب السوري حول قيادته، وتطوّع عشرات آلاف من الشبان ليلة “درع الساحل” لمقاومة الفلول، الذين خسروا المعركة في مدّة قصيرة، وإن المتمرّدين هزموا وهم أبناء غابات وجبال ومغاور، فكيف ستكون الحرب في سهول الجزيرة المبسوطة كراحة اليد.
إمّا أن أحمد الشرع يدبّر برامج “كاميرا خفية” ثورية وسياسية ودولية، أو أنه يعمل برنامج “جبر خواطر” شعبي ودولي، وقد وجدنا فرحةَ سورية وبهجةً أكبر من فرحة يوم التحرير، إلا المكابرين المجاحدين من كهنة وسائل التواصل، الذين وجدوا أنفسهم في حيص بيص، وشرم برم معاً، فوقع الجاحدون في حيرة من أمرهم، عاجزين عن العودة إلى الخلف، في الشارع الضيّق “اتجاه واحد”، الذي حشروا أنفسهم فيه، إنّ بعد العسر يسراً، ثمّ إنّ بعد العسر يسرا.
إذا أقبلت باض الحمام على الوتد، وإذا أدبرت بال الحمار على الأسد. وقد أقبلت على الشعب السوري، وأدبرت للأسد، الذي صدق فيه عجز البيت الشعري المذكور.
العربي الجديد
——————————
“رويترز”: واشنطن دفعت “قسد” للاتفاق مع دمشق والبنتاغون بدأ بوضع خطط للانسحاب
2025.03.12
كشفت مصادر دبلوماسية واستخبارية أميركية وسورية وإقليمية أن الولايات المتحدة الأميركية لعبت دوراً محورياً في اتفاق “قوات سوريا الديمقراطية” مع الحكومة السورية، فيما ذكر مسؤولون أميركيون أن وزارة الدفاع الأميركية بدأت بوضع خطط لانسحاب محتمل من سوريا في حال صدرت الأوامر بذلك.
ونقلت وكالة “رويترز” عن ستة مصادر قولها إن الولايات المتحدة الأميركية شجعت حلفاءها الأكراد السوريين على التوصل إلى اتفاق تاريخي مع الحكومة السورية، في اتفاق قد يمنع مزيدا من الصراع في شمالي سوريا.
وقالت ثلاثة مصادر إن قائد “قوات سوريا الديمقراطية”، مظلوم عبدي، سافر إلى دمشق لحضور توقيع الاتفاق، مع الرئيس السوري، أحمد الشرع، على متن طائرة عسكرية أميركية.
وذكر ثلاثة مسؤولون أميركيون إن الولايات المتحدة شجعت “قوات سوريا الديمقراطية” على التحرك نحو اتفاق لحل وضعها في سوريا الجديدة، وهي محور المحادثات متعددة المسارات التي بدأت بعد الإطاحة برئيس النظام المخلوع، بشار الأسد، في كانون الأول الماضي.
وقال مصدر استخباري إقليمي كبير إن “الولايات المتحدة لعبت دورا حاسما للغاية”، في حين أشارت أربعة مصادر، من بينها مصدر مقرب من الحكومة السورية، إلى أن “العنف الطائفي كان له دور في تأخير التوصل إلى الاتفاق”.
وتوقع المصدر الاستخباري ودبلوماسي آخر مقيم في دمشق أن يخفف الاتفاق الضغط العسكري التركي على “قوات سوريا الديمقراطية”، التي تعتبرها أنقرة امتداداً لحزب “العمال الكردستاني”، رغم أنها رحّبت بالاتفاق.
وأكد مسؤول في الحكومة السورية لـ “رويترز” أن الرئاسة “ستعمل على معالجة القضايا العالقة بين قوات سوريا الديمقراطية وتركيا”.
البنتاغون بدأ بوضع خطط للانسحاب
من جانب آخر، قال مسؤولون أميركيون لـ “رويترز” إن وزارة الدفاع الأميركية بدأت في وضع خطط لانسحاب محتمل من سوريا، إذا ما صدر أمر بذلك، وذلك قبل اتخاذ أي قرارات سياسية بشأن سوريا.
ومع ذلك، قال مسؤول دفاعي أميركي للوكالة إنه “لا توجد أي مؤشرات على أن الانسحاب وشيك”.
وأضاف المسؤول الدفاعي الأميركي أن قائد القيادة المركزية الأميركية، الجنرال مايكل كوريلا، ساعد في دفع “قوات سوريا الديمقراطية” نحو الاتفاق، لكن الاتفاق يتحرك بالفعل إلى الأمام.
وقال المسؤول الدفاعي الأميركي إن “التفكير في الإدارة الأميركية هو أن قوات سوريا الديمقراطية من غير المرجح أن تحتفظ بأراضيها على المدى الطويل، إذا واجهت ضغوطاً من تركيا والحكومة السورية الجديدة مجتمعتين”.
ونقلت “رويترز” عن آرون لوند، من في مركز “سينشري إنترناشونال”، وهو مركز أبحاث مقره الولايات المتحدة، قوله إن “الولايات المتحدة تبحث عن سبل للانسحاب من سوريا دون فوضى أو عواقب وخيمة، وأفضل سبيل لتحقيق ذلك هو التوصل إلى اتفاق بين الفصائل السورية”.
وأوضح لوند أن “التسليم التفاوضي أمر منطقي بالنسبة للولايات المتحدة”، مشيراً إلى أنه “الخيار الأمثل لواشنطن لتجنب الصراع بين القوات التي يقودها الأكراد والحكومة الجديدة في دمشق، ولمنع أي هجوم تركي عبر الحدود”.
ورغم أن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، رحب بالاتفاق، رفض الجيش الأميركي التعليق على جميع جوانب الاتفاق، بما في ذلك أي دور ربما لعبه في تشجيع المحادثات، أو ما إذا كان قد قدم وسائل النقل إلى عبدي للوصول إلى دمشق.
وأكد الدبلوماسي التركي السابق والخبير في الشؤون السورية، إردم أوزان، أن الاتفاق يفيد الطرفين، مشيراً إلى أن “الشرع يكتسب مساحةً سياسيةً للتنفس بعد الاضطرابات الأخيرة في المنطقة الساحلية، في حين تتجنب قوات سوريا الديمقراطية الصدام المباشر مع تركيا، في وقتٍ لا تزال فيه السياسة الأميركية تجاه سوريا غامضة”.
—————————-
تشكيل اللجنة المركزية المعنية بتنفيذ اتفاق دمشق وقسد.. ماتفاصيلها؟
2025.03.13
قال مصدر خاص لموقع “تلفزيون سوريا” إن لجنة مركزية تضم ثمانية أعضاء، تشكلت لتنفيذ اتفاق الحكومة السورية مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد).
وأوضح المصدر أن اللجنة تنقسم مناصفة، حيث يمثل أربعة أعضاء الحكومة السورية، وأربعة يمثلون عن قسد، مشيراً إلى أن لجاناً تخصصية عسكرية وأمنية ومدنية ستنبثق عنها، وسيتم الإعلان عنها خلال الأيام المقبلة، وفقاً للمصدر.
قسد: الاتفاق يعزز وحدة سوريا ويضمن تمثيل الجميع
وكان الناطق باسم “قوات الشمال الديمقراطي” التابعة لقسد، محمود حبيب، أكد أن الاتفاق يشمل تشكيل ثماني لجان ستبحث القضايا الأمنية والعسكرية والإدارية والحكومية، مشيراً إلى أن الهدف هو الوصول إلى “نهاية تسعد الجميع، دون غالب أو مغلوب”.
وفي حديث لقناة “المملكة” الأردنية، شدد حبيب على أن الاتفاق يؤكد وحدة الأراضي السورية ووحدة القوة العسكرية، بعد إدماج قسد ضمن وزارة الدفاع السورية. واعتبر أن الترحيب الشعبي بالاتفاق ظهر خلال الاحتفالات في الشوارع، لما له من أهمية وطنية.
وأضاف أن قوات الشمال الديمقراطي ستكون جزءاً من وزارة الدفاع السورية، لافتاً إلى أن المنطقة التي تسيطر عليها قسد تضم قرابة ثلثي الأراضي السورية، وتحتوي على معتقلات لأفراد من تنظيم داعش ومخيمات لعوائلهم.
وأشار حبيب إلى أن المنطقة يقطنها نحو ستة ملايين شخص، ولها حدود مع العراق وتركيا، مما يتطلب إمكانيات عسكرية وأمنية كبيرة لتأمينها.
وكشف حبيب أن قسد طالبت بإنشاء محكمة دولية لمحاكمة أفراد تنظيم داعش المحتجزين لديها، لافتاً إلى أنهم ينتمون إلى 60 جنسية مختلفة، ويجب محاكمتهم على جرائم الإرهاب التي ارتكبوها.
تفاصيل الاتفاق بين دمشق وقسد
وأعلنت الرئاسة السورية، الإثنين الماضي، توقيع اتفاق بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن مؤسسات الدولة السورية، مع التأكيد على وحدة الأراضي السورية ورفض أي محاولات للتقسيم.
وشمل الاتفاق، الذي وقّعه الرئيس أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، ثمانية بنود رئيسية، منها ضمان تمثيل جميع السوريين سياسياً وفق الكفاءة، والاعتراف بالمجتمع الكردي كمكون أصيل في الدولة، وضمان حقوقه الدستورية.
كما نص الاتفاق على وقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد، ودمج المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز ضمن إدارة الدولة السورية، إلى جانب ضمان عودة جميع المهجّرين إلى مناطقهم مع توفير الحماية اللازمة لهم.
———————–
الصفقة مع “قسد” تطفئ نار مجلس الأمن…”اندبندنت عربية” تحصل على مسودة الجلسة المغلقة/ مصطفى الأنصاري
شدد القرار المرتقب على محاربة الإرهاب ووحدة البلاد وأغلق الباب أمام التدخل الدولي وثمن تشكيل لجنة التحقيق
الأربعاء 12 مارس 2025
علمت “اندبندنت عربية” من مصادر مطلعة على مداولات الجلسة السرية لمجلس الأمن حول الأحداث المأسوية في الساحل السوري بأن الدول المعنية توافقت على صيغة قرار كان يتوقع أن يكون شديد اللهجة، إلا أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية بتشكيلها لجنة تحقيق وإحرازها الصفقة المفاجئة مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) جميعها دفعت إلى تخفيف حدة الخطاب وأطفأت نيران الغضب الدولي.
وذكرت المصادر التي اطلعت على المسودة أن القرار، خرج بصيغة يغلب عليها “التوازن والإنصاف لجهود الحكومة السورية الموقتة”، على رغم إدانته لأعمال العنف غير الشرعية التي شهدتها مناطق غرب سوريا وراح ضحيتها المئات، وفق أرقام دمشق نفسها.
وحتى إن جاء القرار في سياق إدانة الانتهاكات، إلا أنه وفق ما توضح المسودة التي حصلت عليها “اندبندنت عربية” تضمن تأكيداً دولياً والتزاماً بـ”استقرار سوريا ووحدة أراضيها”، وهو أمر كثيراً ما كان نقطة مركزية في قرارات الدول العربية ومواقفها نحو سوريا، فضلاً عن حكومة الشرع الذي كان صريحاً في رفض الفيدرالية أو أي تنازل باتجاه تقسيم البلاد طائفياً أو عرقياً أو جغرافياً.
وكان دبلوماسيون قالوا الأحد الماضي إن الولايات المتحدة وروسيا طلبتا من مجلس الأمن الدولي عقد اجتماع مغلق أول من أمس الإثنين لبحث تصاعد العنف في سوريا، وهو الاجتماع الذي يترقب إعلان نتائجه اليوم.
إلى ذلك تناولت المسودة الجانب الأكثر حساسية في الملف السوري وهو “الإرهاب”، إذ أكدت ضرورة “محاربة الإرهاب في سوريا”، مما تقول الحكومة إنها تسعى إليه، إلا أن انتقادات دولية وإقليمية حاصرتها حيال صدقية ذلك التوجه وهي لا تزال تضم في صفوفها مقاتلين أجانب، بعضهم ينتمي إلى خلفيات متطرفة ذكر شهود عيان أنهم خلف بعض الانتهاكات التي حدثت، لكن التحقيقات النهائية هي التي ستسفر عن التصور الموثق.
وكانت الرئاسة السورية أصدرت قراراً الأحد الماضي بتشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل، فيما شدد الرئيس السوري أحمد الشرع على أن بلاده “لن تسمح لأي قوى خارجية أو محلية بجرّها إلى فوضى أو حرب أهلية”، متعهداً بأن إدارته ستقوم بـ”محاسبة كل من تسبب في أذى للمدنيين… وأنه لا يوجد خيار أمام فلول النظام السابق سوى الاستسلام على الفور”.
وتضمن قرار المجلس وفق مسودته التي اطلعت عليها “اندبندنت عربية” تثمين المجلس الخطوات التي اتخذتها دمشق في شأن إعلانها تشكيل لجنة تحقيق للمحاسبة. ولم يشِر البيان إلى أي تلميح أو تهديد بـ”تدخل دولي في سوريا”، مثلما ترغب أطراف موالية للنظام السابق تحت غطاء دعم الأقليات.
وكان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك حض في وقت سابق على تحقيق المساءلة عن جميع الجرائم المرتكبة على الساحل السوري، ورحب بإعلان سلطات تصريف الأعمال تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، داعياً إلى ضمان أن تبقى التحقيقات سريعة وشاملة ومستقلة ونزيهة.
ولضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات والتجاوزات المروعة، قال تورك إن “من الضروري للغاية أن تتماشى عملية التدقيق في الفصائل المسلحة ودمجها في الهياكل العسكرية السورية مع التزامات البلاد بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني” وأن تتناول بصورة كاملة مسؤولية جميع المتورطين في الانتهاكات السابقة أو الأخيرة لحقوق الإنسان في سوريا.
واستبق الاتفاق مع “قسد” قرار مجلس الأمن في أعقاب جلسته المغلقة إذ أعلنت الرئاسة السورية الاثنين الماضي أنها توصلت إلى اتفاق يقضي بدمج “كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز”.
توازن القرار له مغزى
في تصريح لـ”اندبندنت عربية”، أعرب عبدالعزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، عن أهمية قرار مجلس الأمن بشأن أحداث سوريا، مشددًا على “توازن القرار وإنصافه” في دعم جهود الحكومة السورية المؤقتة. وأوضح أن القرار “يدين الأعمال العنيفة غير الشرعية” التي أدانتها الحكومة، مؤكدًا على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية واستقرارها، مشيرًا إلى أن هذا التوجه يتماشى مع أهمية محاربة الإرهاب وفقًا لموقف الحكومة المؤقتة.
وأضاف بن صقر: “إن القرار يثمن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، بدءًا من إنشاء لجنة تحقيق ووصولاً إلى الوعود بمعاقبة أي طرف يرتكب الجرائم وضمان إرسال التعزيزات الأمنية لاستقرار الوضع”. ورجح أن تخفيف لهجة القرار كان له علاقة محورية بالوصول إلى اتفاق مع قوات قسد الكردية، مما يدل على أن التوازن في صياغة القرار ساهم في تعزيز الجهود الأمنية والتعاون اللازم لتحقيق الاستقرار في المشهد السوري.
الساحل لا يشكل تهديدًا
وفي تعقيب على ما تسرب من قرار المجلس، أكد المحلل السوري غسان إبراهيم في حديث مع “اندبندنت عربية” أن الوضع في سوريا معقد للغاية، وأن “حله ليس سهلاً بسبب تصادم الأطراف وانتشار الكراهية والطائفية”، مشيرًا إلى أن هذه المشكلات تحتاج إلى وقت لمعالجتها ولا يمكن التعامل معها بالاستعجال. وأوضح أن الرئيس الشرعي يتعامل مع الأوراق الداخلية بهدوء، “إذ يدرك أن التسرع لن يُثمر عن نتائج إيجابية، باستثناء ملف الأكراد الذي سارع في التعامل معه لإرسال رسالة واضحة للغرب بضرورة الانسحاب من سوريا وترك الشأن السوري للسوريين”.
وأضاف إبراهيم أن التحديات الأمنية في الساحل “ليست كبيرة نظرًا لقلة المقاتلين، إلا أن الاستعجال في معالجتها قد يؤدي إلى تسلل جماعات متطرفة وارتكاب جرائم تُورط النظام”. كما أشار إلى أن قضية الدروز ليست مقلقة؛ فهم لا يمتلكون هدفًا انفصاليًا ولا قوة عسكرية تهدد الاستقرار، مما يجعل الملف قابلاً للحل التدريجي.
وأوضح المحلل السوري أن التحدي الأكبر يكمن في التعامل مع الملفات الخارجية، خاصة مع الدول غير المتوافقة مع النظام؛ إذ إن استمرار العقوبات يؤدي إلى غياب إعادة الإعمار ويثير استياءً داخليًا نتيجة عدم تحقيق الوعود بتحسين الوضع الاقتصادي والخدمات. ومن هنا، يركز الشرع على تصفية هذه الملفات الخارجية باعتبارها المفتاح لرفع العقوبات، مما يعكس طبيعة “عقلية الشرع” البراغماتية في إدارة المشهد السوري.
———————-
مسؤول أميركي: إدارة ترامب أبدت اهتمامها في عقد صفقات تجارية مع الحكومة السورية
ربى خدام الجامع
2025.03.12
أفاد مسؤولان أميركيان بأن واشنطن عملت على مدار أشهر لإقناع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بالبحث عن سبل للتعاون مع الحكومة السورية الجديدة التي تولت السلطة في كانون الأول الماضي.
وكشف أحد المسؤولين الأميركيين لصحيفة “ميدل إيست آي” أن التدخل التركي كان جزءا من الترتيبات التي جعلت دعوة عبدالله أوجلان للقوات الكردية تأتي في سياق دفع قسد للانضمام إلى الحكومة السورية.
وأوضح المسؤول أن هذه الخطوة قد تعني تسليم السلاح وعدم السعي وراء الحكم الذاتي في المناطق التي تسيطر عليها قسد.
وأضاف أن إدارة ترامب كانت تسعى لعقد صفقات تجارية مع الحكومة السورية، تشمل الوصول إلى الموارد النفطية في شمال شرقي سوريا، كما أبدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب اهتماما بتطوير علاقات إيجابية مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، مما يجعل هذه الاتفاقية خطوة مهمة في هذا الاتجاه.
وخلال السنة الفائتة، أعلن وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أنه ينبغي على قوات سوريا الديمقراطية طرد جميع مقاتلي حزب العمال والانضمام إلى الدولة المركزية وذلك بهدف التوصل إلى حل سلمي مع أنقرة.
هذا وأعربت وسائل الإعلام والمحطات الإخبارية الموالية للحكومة التركية عن ابتهاجها بتوقيع الاتفاقية صباح يوم الثلاثاء، إذ أعلنت قناة TRT أن قسد خضعت لضغط تركي، في حين ذهبت صحيفة يني شفق التركية إلى القول بأن قسد وافقت على نزع السلاح.
ذكر مصدران تركيان مطلعان على طريقة تفكير الحكومة بأن الاتفاق بوسعه في نهاية المطاف تحقيق المطالب التركية، بما أنه لم يشر إلى أي حكم ذاتي أو أي دولة كردية فيدرالية ستقام في شمال شرقي سوريا، وذكر أحد المصدرين التركيين بأن الاتفاق: “يوحي إلى إمكانية قيام جيش سوري واحد موحد، بحيث يكون شمال شرقي سوريا جزءاً من دولة واحدة”.
في حين سارعت دول إقليمية مثل قطر والسعودية للترحيب بهذه الخطوة، تعين على تركيا التعليق بشكل رسمي على الموضوع، وذلك ما يعكس الحذر الذي تحس به أنقرة برأي المصدر التركي الثاني.
“نهاية مشروع الإدارة الذاتية”
من جانبه، وخلال عطلة نهاية الأسبوع، أعلن دولت باهتشلي، زعيم الحزب القومي التركي الذي أطلق حواراً مع أوجلان حول حل حزب العمال الكردستاني، بأنه ينبغي على قسد حل نفسها بموجب الدعوة التي أطلقها أوجلان.
يذكر أن أوجلان يعامل معاملة الزعيم الأيديولوجي لدى وحدات حماية الشعب الكردية التي تعتبر الجناح المسلح المهيمن على قسد.
في حين ذكر المصدر التركي الثاني بأن أنقرة ستتابع الاتفاق من كثب لتضمن طرد قسد لقوات حزب العمال الكردستاني بحسب ما تعهد به عبدي على الملأ، وأن القوات الكردية ستنضم إلى وزارة الدفاع السورية بوصفها قطعات مفردة لا قوات منفصلة.
وتعليقاً على الاتفاق، قال عمر أوزكيجيكجي، وهو أحد كبار الخبراء المختصين بالشؤون الإقليمية لدى مركز أبحاث المجلس الأطلسي: “عبر توقيع هذا الاتفاق، أعلن مظلوم عبدي عن نهاية مشروع الإدارة الذاتية في سوريا، وبذلك خفف من غلواء إحدى أهم الأمور المثيرة لقلق تركيا على أمنها القومي… فمنذ انهيار نظام الأسد، تغيرت الديناميات الإقليمية بشكل كبير لصالح تركيا، وهذا ما عزز موقفها الجيوسياسي، إذ يبدو أن كل الحظوظ أصبحت تصب في صالح تركيا”.
الضغط الأميركي
إلى جانب الدعوة التي وجهها أوجلان، ثمة عامل آخر دفع عبدي إلى توقيع هذه الاتفاقية، ألا وهو الوساطة والضغط الأميركي الذي مورس على قسد، وذلك بحسب ما أعلنه دبلوماسيون وخبراء في الشأن الإقليمي، وفي ذلك مؤشر على أن واشنطن ستسحب قواتها من سوريا خلال وقت قريب على الأرجح.
إذ أعلن مسؤولان أميركيان أن واشنطن بقيت تعمل طوال أشهر على إقناع قسد بالبحث عن مساحات للتعاون مع الحكومة السورية الجديدة التي تولت زمام البلد في كانون الأول الماضي.
وذكر مسؤول أميركي رفيع أن تركيا تدخلت ورتبت أمور الدعوة التي وجهها أوجلان مقابل تشجيع واشنطن لقسد على التعاون مع الحكومة السورية والانضمام إليها، وعلق هذا المسؤول بالقول: “قد يعني ذلك وضع السلاح وعدم التفكير بالحكم الذاتي أو ما شابهه في المناطق التي يسيطر عليها الكرد”.
وأضاف المسؤول أن إدارة ترامب أبدت اهتمامها في عقد صفقات تجارية مع الحكومة السورية الجديدة، وتشمل تلك الاتفاقيات ما يخولها الوصول إلى الموارد النفطية في شمال شرقي سوريا.
وذكر ذلك المسؤول أيضاً أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبدى اهتماماً في إقامة علاقات طيبة مع الرئيس رجب طيب أردوغان، وتعتبر هذه الاتفاقية خطوة في ذلك الاتجاه.
غير أن واشنطن أعربت عن قلقها تجاه مسألة حماية السجون التي تؤوي مقاتلي تنظيم الدولة وأهاليهم، بالإضافة إلى احتمال أن يؤثر دمج قسد في الجيش السوري سلباً على القدرة على مجابهة تلك الجماعة المقاتلة.
غير أن أنقرة أسست خلال الأسبوع الماضي منصة جديدة مع لبنان والأردن والعراق وذلك بهدف مواصلة وتنسيق القتال ضد تنظيم الدولة، وأبدت دمشق استعدادها لتولي أمور تلك السجون، وهذا ما ورد في أحد بنود الاتفاق.
الخطر الإسرائيلي
من جهته، أخذ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يدعو كرد سوريا لرفض التعاون مع تركيا، وهذا ما أغضب أنقرة على وجه الخصوص، وهنا تقول غاليا ليندينشتراوس، وهي باحثة بارزة لدى معهد دراسات الأمن القومي في إسرائيل: “في حال صمود الاتفاق، فإن موقف تركيا سيصبح أقوى بكثير بما يسمح لها بالتحكم بالتطورات في سوريا، كما سيصعب ذلك على غيرها من الجهات الفاعلة أمر رسم شكل تلك التطورات… وعلى أية حال، كان من المبالغة بالنسبة لإسرائيل أن تعمل في تلك المناطق [أي في الشمال] ولهذا لم تتغير الأمور كثيراً من الناحية العملية”.
بيد أن ليندينشتراوس أضافت أن الدينامية تختلف في الجنوب السوري حيث ظهرت محاولات إسرائيلية جلية لتحديد شكل الأوضاع، فقد قصفت طائرات حربية إسرائيلية مناطق في الجنوب السوري عند توقيع الشرع للاتفاق مع عبدي عشية يوم الإثنين.
وثمة مخاوف أخرى من أن تكون الخطوة التي قام بها عبدي محاولة أخرى لكسب الوقت في أثناء انصراف انتباه الأطراف الأخرى لأمور أخرى.
وهنا يتذكر سهيل الغازي وهو باحث قديم في الشؤون السورية بأن قسد وعبدي التقيا بمنافسهما، أي المجلس الوطني الكردي، مرات كثيرة، من دون أن تتمخض تلك اللقاءات عن أي شيء، وأضاف: “ما يزال المجلس الوطني الكردي عاجزاً عن العمل في شمال شرقي سوريا، وقد تعرض أعضاؤه للاعتقال خلال فترة من الفترات، كما أن لغة العقد فضفاضة للغاية، بحيث يمكن لكل طرف أن يفسرها على هواه، ثم إن مسألة تشكيل اللجان ليست يسيرة، وهذه الخطوة وحدها تحتاج إلى بعض الوقت”.
تلفزيون سوريا
————————–
العقوبات وتأثيرها.. كيف قد تسهل الولايات المتحدة وأوروبا انهيار سوريا المقبل؟
ربى خدام الجامع
2025.03.12
أنهى سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول لعام 2024 قرابة 54 عاماً من حكم آل الأسد والحكم الديكتاتوري لسوريا، إذ قبل عشرة أيام على ذلك، شن تحالف لفصائل المعارضة المسلحة التي تمركزت في شمال غربي سوريا هجوماً سعى لإحكام السيطرة على الريف الغربي لحلب، بيد أن هذا التحرك العسكري الجسور والمنضبط تسبب بانهيار سريع على خطوط جبهات النظام تباعاً، وفي نهاية الأمر سقط نظام بشار الأسد كقصر من ورق، بعد أن اعتراه الفساد والتشتت وأفرغ من محتواه.
بعد مرور قرابة 13 عاماً على النزاع المضني الذي كان شعار نظام الأسد خلاله: (الأسد أو نحرق البلد)، تحقق كل ما قيل في ذلك الشعار بأبشع الطرق، غير أن الحرب السورية وضعت أوزارها بطريقة مفاجئة وفجة.
فقبل أسابيع على ذلك، أخذت مجموعة تضم عشر دول أوروبية تقريباً ترأستها إيطاليا تضغط بشكل كبير على الاتحاد الأوروبي من أجل إجراء مراجعة شاملة للسياسة المعنية بسوريا ومن أجل العودة للتعامل مع نظام الأسد، إذ بعد تقييم الأزمة السورية واكتشاف أنها وصلت إلى مرحلة جمود دائمة، أخذت إدارة بايدن تبحث في السر عن فرصة لعقد اتفاق يقضي بتخفيف العقوبات على نظام الأسد، وكان أساس كل ذلك هو أنه منذ ربيع عام 2023 طبعت معظم دول الشرق الأوسط علاقاتها مع الأسد بعد أن خلصت إلى أنه خرج من الحرب السورية منتصراً، وبأن الطريق الوحيد لحل كثير من الآثار الجانبية المترتبة على الأزمة السورية يعتمد على إشراك النظام نفسه في الحل.
ولكن، وفي غضون عشرة أيام، بدأت من 27 تشرين الثاني وحتى الثامن من كانون الأول، انقلبت على أعقابها تلك التقييمات الأساسية التي حددت نهج معظم دول العالم تجاه سوريا، إذ بعد سنوات من التنديد بأزمة اللاجئين المستعصية والتي ضغطت على اقتصاد الدول الإقليمية وأثارت حفيظة السياسات الشعبوية في أوروبا، فضلاً عن السخط تجاه تجارة المخدرات التي كانت تدر على النظام البائد مليارات الدولارات، وتواصل العنف واستمراره، وتزايد الاحتياجات الإنسانية، أخذ المجتمع الدولي يراقب من بعيد كيف هرب الأسد فجأة ففتح بذلك الباب أمام تطورات هائلة، إن لم تحمل تلك التطورات حلولاً لكل تلك المشكلات دفعة واحدة.
ولكن، في الوقت الذي كان رحيل الأسد بشرى خير بالنسبة لكثيرين، فإن الانتقال الذي ترتب على ذلك والذي حدث بسرعة في دمشق تم بإدارة عنصر فاعل لم يختره سوى قليلون للعب هذا الدور، وهذا العنصر ليس سوى هيئة تحرير الشام، التي كانت في السابق فرعاً لتنظيم القاعدة الذي تشكل على أعقاب سلفه أي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، فقد أتت الهيئة وزعيمها، أحمد الشرع، حاملين في جعبتهم كثيراً من الأمور.
غير أن الهيئة في عام 2025 هي نتاج لثماني سنوات من التطور المنطقي غير المسبوق ضمن العالم السلفي الجهادي، إذ بعد أن أعلنت عن فك ارتباطها بتنظيم القاعدة في أواسط عام 2016، تقبلت الهيئة وجود القوات العسكرية التركية في أراضيها، ووافقت ثم التزمت بوقف إطلاق النار لسنوات طويلة بضمانة روسية-تركية، ثم نجحت بالقضاء على تنظيم الدولة والقاعدة ضمن أراضيها، وخلال السنوات القليلة الماضية، دعمت الجماعة “حكومة الإنقاذ” المؤلفة من تكنوقراط في شمال غربي سوريا والتي وفرت الخدمات العامة بشكل أكبر وبكفاءة أعلى مقارنة بمناطق سورية أخرى، في الوقت الذي أخذت قياداتها تتواصل بالسر مع حكومات الدول الغربية وتتعامل معها، وذلك على المستويين الدبلوماسي والأمني، وخلال تلك السنين، تغير التوجه الأيديولوجي للجماعة بشكل نهائي بعيداً عن التوجه المحلي والعالمي، فتخلت عن “الجهاد” واعتنقت “الثورة”، والعلم الأخضر للانتفاضة الشعبية السورية.
وعلى الرغم من تلك التغيرات الملحوظة، لم يتوقع أحد لأحمد الشرع أن يقف في يوم من الأيام في القصر الرئاسي بسوريا وهو يرتدي بزة رسمية ويضع ربطة عنق في أثناء ترحيبه بوزراء خارجية الدول الأجنبية والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كما لم يتخيل له أحد أن يصعد على متن طائرات الدولة الخاصة ليزور السعودية وتركيا، وأن تصله دعوة من باريس عبر الرئيس إيمانويل ماكرون. إذ بعد سنوات من الدبلوماسية والاجتماعات السرية مع الدبلوماسيين في تركيا، اعتلى وزير خارجية الشرع أسعد الشيباني (المعروف باسم زياد العطار) منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بتاريخ الثاني والعشرين من شهر كانون الثاني ليشارك في جلسة نقاش وجهاً لوجه مع طوني بلير.
في الوقت الذي سارعت الحكومات الإقليمية وأوروبا للتعامل مع فريق أحمد الشرع بدمشق، كذلك فعلت إدارة بايدن، إذ كانت بربارة ليف، مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، أول من التقى بهذا الفريق في دمشق في العشرين من كانون الأول، وبحسب الأخبار، فإن المبعوث الرئاسي لشؤون الأسرى، روجر كارستينس، وكبير المستشارين الذي عين حديثاً، دانييل روبنشتاين، كانا حاضرين في ذلك الاجتماع، ولكن بحسب ما ذكرته ثلاث شخصيات رفيعة من هيئة تحرير الشام، حضر الاجتماع “جنرال أميركي” أيضاً، ووفقاً لما ذكروه، ولما جاء على لسان الشرع نفسه، فإن الجنرال انفرد بالشرع بنهاية الاجتماع ووصف له كيف راقب المعركة بأكملها “عبر المسيرات والأقمار الصناعية” ووصفها بأنها أكثر عملية عسكرية “تميزاً” و”تنظيماً” شاهدها في حياته، ثم أخرج من جيبه ميدالية وقدمها للشرع مهنئاً إياه على نصره.
التعاون مع أميركا
وخلال الأسابيع التي تلت ذلك الحدث، أقامت الولايات المتحدة علاقة استخباراتية رسمية مع العملية الانتقالية التي تترأسها هيئة تحرير الشام، وذلك عبر وزارة الداخلية التابعة لها (والتي يرأسها أنس خطاب، الذي كان أمير تنظيم الدولة في العراق على الحدود السورية العراقية)، والنخبة من الأمن العام، فكانت أكبر مخططات تنظيم الدولة ارتكاب مجزرة بالمسلمين الشيعة في مقام السيدة زينب بدمشق، غير أن الأمن العام أحبط تلك العملية بفضل الاستخبارات الأميركية إلى جانب إحباطه لما لا يقل عن سبع مخططات أخرى بحسب المقابلات التي أجريت في دمشق. وبعيداً عن المستوى الاستخباراتي، مايزال الجيش الأميركي يتواصل بشكل منتظم مع العملية الانتقالية التي تترأسها الهيئة، وينسق عمليات لمحاربة تنظيم الدولة في البادية السورية، مع تسهيل المفاوضات الدورية الشخصية التي تتم بين شركاء أميركا من قوات سوريا الديمقراطية وقيادات الهيئة في قاعدة الضمير الجوية القريبة من دمشق. هذا ولقد سمح الجيش الأميركي للقرار الصادر عن شركاء أميركا من الجيش السوري الحر الموجود في قاعدة التنف بقبول الاندماج ضمن العملية التي تترأسها الهيئة والتي تسعى إلى تشكيل قوات مسلحة جديدة في سوريا.
وحالياً، ماتزال العملية الانتقالية التي تجري في سوريا اليوم تحت إدارة مجلس الوزراء وفريق من المحافظين يتألف جله تقريباً من قيادات هيئة تحرير الشام وحلفائهم الإسلاميين، وعلى رأسهم حركة أحرار الشام والجبهة الإسلامية، وبالنسبة لمعظم السوريين في مختلف أنحاء البلد، فإن هذه الحكومة المؤلفة من “لون واحد” تعتبر مصدراً للقلق، بما أن التنوع الكبير الموجود بسوريا بقي بلا أي تمثيل.
ولكن، في الوقت الذي خرج علينا الرئيس المؤقت لسوريا الذي نصب نفسه بنفسه كشخصية من المشاهير، اكتشفنا بأن شعبيته الحقيقية تتجلى من خلال حواره مع السوريين القادمين من مختلف أنحاء سوريا، فقد نشأ الشرع وترعرع ضمن بيئة دمشقية من الطبقة الوسطى العليا وكان يدرس في مدرسة خاصة بمنطقة المزة التي يسكنها النخبة، ولذلك عاد الشرع لشخصيته القديمة التي تترك أثراً آسراً على الناس، كما تحولت زوجته وأطفاله إلى شخصيات عامة اليوم، إلى جانب إظهاره لحنكة سياسية مؤثرة وتكيفه السريع مع الوضع عند تعرضه لانتقادات، وهنالك من يقول أنه عين “مستشاراً متخصصاً بالأزياء” حتى يرتب له ما ينبغي عليه ارتداؤه.
صبر السوريين لن يستمر إلى الأبد
بيد أن البراغماتية والفطنة السياسية لن تمضي معه أبعد من ذلك عندما يواجه هول التحديات التي تشهدها سوريا، إذ يقع الاقتصاد المنهار في عين كل معضلة، بعد أن دمر أكثر من 50% من البنية التحتية الأساسية لسوريا، ونزح أكثر من نصف سكان البلد، وأصبح 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر وخسرت الليرة السورية 99% من قيمتها، وبلغت حدة الأزمة الاقتصادية أعلى درجاتها، كما أن المساعدات الأممية المخصصة لسوريا قد تراجعت بشكل كبير منذ رحيل الأسد، في وقت تضاعفت الحاجة للمساعدات وأصبحت أعلى مما كانت عليه في السابق. وبما أن الفرحة العارمة التي أعقبت سقوط الأسد جعلت الشعب يصبر لفترة أطول بوجود سلطات تصريف الأعمال الجديدة في سوريا، فإن هذا الكبت والصمود لن يستمر إلى الأبد، إذ تبدو الوعود الطامحة والتطمينات المكرورة جيدة، بيد أن تحقيق تقدم مطلوب بات أمراً واجباً.
وفي خضم هذا الجو السائد، أحكمت العقوبات الأميركية والأوروبية الخناق على رقبة سوريا، إذ خلال الأسابيع الأخيرة لبايدن في الرئاسة، أعلنت إدارته عن رخصة عامة تمتد لستة أشهر وتسمح للطاقة وللحوالات النقدية بالوصول إلى سوريا لفترة مؤقتة، ولكن بحسب ما ذكره بعض رجال الأعمال السوريين الموسرين والحكومات الإقليمية الساعية للاستثمار في سوريا، فإن تلك الإجراءات المؤقتة لم تقدم سوى القليل لتهدئة المخاوف القديمة وإزالة صفة الخطر عن الأوضاع داخل المؤسسات المالية التي باتت بحاجة لتسيير تلك الصفقات المالية. وفي تلك الأثناء، أوحت أوروبا بأنها منفتحة على فكرة تخفيف العقوبات طوال أسابيع، من دون أن تتخذ أي خطوات فعلية. ولهذا، فإن أي أمل ببدء الاقتصاد السوري باستعادة عافيته مايزال حلماً بعيداً عن التحقق.
معضلة قسد وحلها
وعلى مقلب آخر، كشفت الاجتماعات التي عقدت مؤخراً مع المجتمع المدني من مختلف أنحاء سوريا مدى تراجع شعبية قوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر على شمال شرقي سوريا بإجماع السوريين من مختلف القطاعات، إذ جرى الحديث عن “احتلال” قسد لأراض سورية، و”سرقتها” للموارد الطبيعية في البلد (أي النفط والغاز والموارد الزراعية) كمشكلة تحتاج إلى حل فوري، ويفضل أن تحل بصفقة دبلوماسية أو بعمل عسكري إن لزم الأمر.
غير أن قسد ذات الغالبية الكردية عرض عليها الحصول على حقوق كاملة للمجتمع الكردي، كما عرض عليها أن تصبح الكردية اللغة الرسمية الثانية لسوريا، وأن تحظى قسد بتمثيل في جميع الجهات الحكومية الانتقالية، ولكن شريطة تسليم الموارد الموجودة ضمن المناطق الخاضعة لسيطرتها إلى دمشق، والأهم من ذلك أن تحل قسد نفسها وأن تضع مقاتليها الذين يقدر عددهم بالآلاف وبشكل كامل تحت إمرة القوات المسلحة الجديدة لسوريا، على أن يجري توزيع المقاتلين لتأدية خدمتهم في مختلف أنحاء البلد. وبعد أسابيع من مواصلة المحادثات وتوقفها ثم متابعتها من جديد، تم التوصل أخيراً إلى اتفاق بين قسد ودمشق في العاشر من آذار، وقعه في العاصمة السورية أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، وينص هذا الاتفاق على اندماج قسد ضمن الحكومة المؤقتة وتحت إمرتها. وفي الوقت الذي سيحتاج التنفيذ الكامل لبنود الاتفاقية إلى وقت، وفي الوقت الذي ماتزال كثير من العوائق تقف في الطريق، تحولت الاتفاقية إلى مصدر للاحتفال في عموم سوريا، كما أنها تعتبر إنجازاً مهماً للغاية بالنسبة للجيش الأميركي الذي بقي جزءاً لا يتجزأ من المفاوضات والاتفاقية.
احتمال الانهيار السوري الثاني
ومع تقدم العملية الانتقالية في سوريا، ظهرت أمامها تحديات جسيمة، إذ بالنسبة للمجتمع الدولي، فإن ضمان نجاح العملية الانتقالية يجب أن ينظر إليه على أنه فرصة تاريخية لإعادة رسم شكل الشرق الأوسط ولتوجيه ضربة قاصمة للأجندة الإقليمية الثورية التي تحملها إيران، ولكن في الوقت الذي تستعد المنطقة برمتها لتقديم دعم كبير لسوريا المدمرة التي أضحت بحاجة ماسة للمساعدة، ماتزال أوروبا بطيئة في هذا المضمار، أما إدارة ترامب فغائبة تماماً. ثم إن الحرية التي اكتشفتها سوريا منذ مدة قريبة قد تتعرض لمشكلات معقدة، وخاصة فيما يتصل بالدور القيادي الذي تلعبه هيئة تحرير الشام، غير أن الوقت ليس لصالح سوريا، ناهيك عن أن الوقت يمر بسرعة كبيرة. لذا في حال عدم رفع العقوبات، عندئذ يحق لنا أن نتهم الولايات المتحدة وأوروبا بتسهيل عملية الانهيار المحتمل بما سيفتح فصلاً آخر من فصول النزاع المرير وانعدام الاستقرار في سوريا.
وقد لمح العالم والشعب السوري شكل الانهيار الثاني في مطلع آذار من هذا العام، وذلك عندما تسببت الهجمات غير المسبوقة التي شنها مسلحون علويون موالون للأسد في إحدى الليالي بوقوع عنف مريع طوال يومين قتل خلالهما مئات المقاتلين والمدنيين في كل من اللاذقية وطرطوس. وتشير الأدلة الأولية التي تشتمل على محادثات تم اعتراضها ووثائق جرى ضبطها، إلى احتمال أن يكون لإيران دور في الهجمات الأولى، والتي كان هدفها الواضح إثارة حالة مجنونة من القتل بدافع الانتقام والثأر. وفي الوقت الذي عبرت محاولة الحكومة المؤقتة تشكيل لجنة تحقيق وآليات لإحقاق العدالة عن أولى البوادر الطيبة، فإن عجزها في السيطرة على الأحداث واحتمال تواطؤها في بعض الجرائم يمثل تهديداً وجودياً لحكمها. وفي الوقت الذي تتوق الغالبية الساحقة من السوريين للاستقرار، فإن وجود هؤلاء الأشخاص الحريصين على الرجوع إلى حالة الفوضى يجعل مستقبل البلاد في وضع متقلب لا يمكن لأحد أن يتوقع إلى أين سيفضي.
المصدر: Hoover Institution
تلفزيون سوريا
——————————
هل أنهى اتفاق الشرع وقسد مخاوف تركيا من التنظيمات الانفصالية؟!/ صالحة علام
13/3/2025
شهران كاملان من المفاوضات الصعبة أفضيا في نهاية المطاف إلى توقيع الاتفاق الذي وصف بأنه تاريخي بين رئيس المرحلة الانتقالية لسوريا أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، ليسدل الستار على كافة الاحتمالات التي رجحت إمكانية حدوث مواجهات مسلحة بين النظام السوري الجديد والمسلحين الأكراد، والذهاب في طريق تقسيم البلاد، واندلاع حرب أهلية بين مختلف القوميات والعرقيات التي يضمها المجتمع السوري.
النظرة المتشائمة لتطورات الوضع على الساحة السورية تعود إلى الجدل الذي اندلع عقب إعلان قوات سوريا الديمقراطية (قسد) رغبتها في الاندماج داخل مؤسسات الجمهورية الجديدة شريطة احتفاظها بقواتها ضمن تكتل واحد داخل الجيش السوري، وهو ما يعني فرض تحديد نمط من الإدارة اللامركزية على الدولة، يسمح لها بقدر من الإدارة الذاتية في مناطق الشمال الشرقي لسوريا.
وهو الطرح الذي لاقى معارضة شديدة من الحكومة الانتقالية، التي أعلنت في تصريحات لوزير دفاعها مرهف أبو قصرة رفضها التام لهذا الطرح، واستعدادها للقتال ضد أية جهة تسعى وراء تقسيم وحدة الأراضي السورية.
ثم أعلنت الرئاسة السورية فجأة التوقيع على اتفاق من ثماني نقاط، تم بمقتضاه تحديد وضع قوات سوريا الديمقراطية، ودمجها ضمن مؤسسات الجمهورية السورية الجديدة، وتحت إدارتها، بما في ذلك حقول النفط والغاز، والمطار، والمعابر الحدودية، والاتفاق على وقف إطلاق النار في جميع أنحاء البلاد، ودمج العناصر الكردية المسلحة التي تسيطر على حوالي ربع المساحة الجغرافية لسوريا ضمن مؤسساتها، ومساعدتها في المواجهات الدائرة بينها وبين فلول نظام الأسد.
مع التأكيد على ضمان حق جميع أطياف المجتمع السوري في المشاركة في العملية السياسية والتمثيل داخل مؤسسات الدولة بناء على مؤهلاتهم العلمية وخبراتهم العملية بغض النظر عن خلفياتهم العرقية والإثنية.
إعلان الاتفاق بين الشرع وقسد جاء بعد فترة وجيزة من الدعوة التاريخية التي أطلقها عبد الله أوجلان الزعيم الروحي ومؤسس حزب العمال الكردستاني لأعضاء حزبه، الذين طالبهم بإغلاق ملف العمليات العسكرية، ووقف أية أعمال هجومية ضد الدولة التركية، وإلقاء السلاح، والانخراط في عملية سياسية تفضي إلى تحقيق مكاسب للأكراد ودمجهم ضمن المجتمع التركي.
ورغم أن قائد قوات قسد مظلوم عبدي أصدر بيانا أوضح فيه أن دعوة أوجلان موجهة إلى أعضاء حزبه، ولا علاقة لقوات سوريا الديمقراطية بها، فإنه لا يمكن إنكار أن هذه الدعوة كان لها تأثير واضح في تغيير قسد لمواقفها المتشددة، وانفتاحها على المقترحات التي طرحتها إدارة المرحلة الانتقالية، بدعم من قيادات كردستان العراق، التي سبق أن حثت قائد قوات سوريا الديمقراطية على ضرورة المشاركة في العملية السياسية خلال المرحلة الانتقالية لضمان إمكانية تحقيق مطالبهم في المستقبل.
انصياع عناصر حزب العمال الكردستاني لدعوة عبد الله أوجلان، وقبولهم إلقاء السلاح، وبدء مرحلة من المباحثات السياسية مع الدولة التركية يعني خسارة قسد ماديا ومعنويا، وفقدها لجزء لا يستهان به من قوتها العسكرية، التي طالما ارتكزت على الدعم العسكري الذي قدمه لمقاتليها عناصر حزب العمال الكردستاني.
وتجميد الإدارة الأمريكية لما تقدمه من مساعدات خارجية مدة ثلاثة أشهر، أعاق الدعم المالي العسكري والأمني الذي تحصل عليه قوات سوريا الديمقراطية من وزارتي الدفاع والخارجية الأمريكيتين، إذ يستخدم الدعم المقدم من الأولى في دفع رواتب المجندين داخل التنظيم، وتوفير احتياجاتهم اللوجستية، بينما يستخدم الدعم المقدم من الثانية في دفع أجور القائمين على حراسة المعتقلات والمخيمات التي يُحتجز فيها عناصر وعائلات تنظيم داعش.
هذا إلى جانب رغبة واشنطن الملحّة في سحب جنودها المنتشرين في مناطق الشمال السوري، البالغ عددهم حوالي ألفي جندي، وتكرار الحديث عن قيام وزارة الدفاع الأمريكية بإعداد خطة لسحب جميع القوات من سوريا، سيتم تنفيذها على ثلاث مراحل، وتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أكد فيها أنه: “سيتخذ قريبا قرارا يتعلق ببقاء القوات الأمريكية الموجودة في سوريا، وأن بلاده لديها مشاكلها الخاصة، وما يكفي من الفوضى، ولا حاجة تقتضي تدخل بلاده هناك”.
تلك التصريحات أكدت لقسد أن دعم واشنطن والغرب عموما لمسألة انفصالها عن الدولة المركزية السورية لم يكن يوما أولوية لهم، ولم تتضمنه أجندتهم الخاصة بالشرق الأوسط قط، وأن الرابط الوحيد الذي ربط بينها وبينهم على مدى العقود الماضية لم يتخط في مجمله الرغبة في إيجاد عنصر على الأرض يمكن الوثوق به، والاعتماد عليه في القتال معهم ضد داعش، وتسليمه مهمة إدارة المعتقلات والمعسكرات المحتجز فيها عشرات الآلاف من مقاتلي التنظيم وأسرهم، الذين يصل عددهم إلى ما يقرب 50 ألف معتقل.
دعوة أوجلان، والموقف الأمريكي سواء المرتبط بالدعم المالي أو العسكري، أضعفا الموقف التفاوضي لقوات سوريا الديمقراطية مع الإدارة السورية المؤقتة؛ مما دفعها إلى التخلي عن تشددها، وتقديم عدد من التنازلات غير المعلنة حتى الآن، ومنحا في الوقت نفسه تركيا الفرصة الذهبية التي طالما انتظرتها للتخلص بصورة نهائية من التهديدات الانفصالية الكردية الداخلية منها والخارجية.
إذ أعرب الرئيس أردوغان عن تأييده المطلق للاتفاق الذي تم التوصل إليه بين رئيس المرحلة الانتقالية وقسد، مؤكدا أنه “خطوة في الاتجاه الصحيح”، مشيرا إلى أن التطبيق الكامل لجميع ما تم الاتفاق بشأنه أمر مهم لتحقيق الأمن والسلام سواء لسوريا وشعبها، أو لجيرانها ومحيطها الجغرافي، وأن بلاده تعطي أهمية بالغة للحفاظ على الوحدة الترابية للأراضي السورية.
على الرغم من إيجابية الموقف التركي المعلن رسميا من هذا التطور الكبير في العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية الجديدة، فإن هناك الكثير من المخاوف التي لا تزال تثير قلق أنقرة خاصة أن بنود الاتفاق الثمانية التي تم الإعلان عنها تبدو عمومية، وغير محددة الملامح بشكل دقيق.
فأردوغان يرغب في قيام حكومة أحمد الشرع بنزع سلاح التنظيم، وتفكيكه، وعدم الاكتفاء بمسألتي تحويل عائدات النفط والغاز إلى الحكومة المركزية في دمشق، ورفع العلم السوري رمزيا على مناطق نفوذه، مع احتفاظه بالسيطرة المطلقة على جميع موارد النفط، وعدم دخول الجيش السوري المناطق التي يفرض سيطرته عليها.
يبدو من المبكر الحكم على الاتفاق عموما، وتحديد مدى صلابته أو هشاشته قبل الإفصاح عن كافة التفاصيل الدقيقة له، وتحديد ما إذا كانت مخاوف أنقرة في محلها أم أنها مجرد أوهام لا محل لها من الإعراب، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الجانبين اتفقا على أن يتم تنفيذ بنوده على مراحل خلال العام الجاري، وخلال هذه الفترة الزمنية ستتضح كافة الحقائق خاصة تلك المرتبطة بعدد من الإشكاليات التي تمثل كل واحدة منها قضية بمفردها، كمسألتي مصير العناصر الأجنبية المسلحة التي تقاتل مع التنظيم، وتعد من أضلعه المهمة، وتحديد الجهة التي ستتولى مسؤولية إدارة المعتقلات والمخيمات الخاصة بداعش.
يحتاج الأمر إلى مزيد من الوقت حتى تتضح الصورة كاملة، ليمكن الحكم الصحيح على محتوى الاتفاق وبنوده، وما إذا كانت التنظيمات الكردية المسلحة الساعية للانفصال عن الحكومات المركزية في المنطقة قد أصبحت قضية منتهية فعلا أم أن لها فصولا جديدة سيتم كشف النقاب عنها لاحقا.
المصدر : الجزبرة مباشر
—————————
تركيا متمسكة بإخراج المقاتلين الأجانب من سوريا
أنقرة: «الشرق الأوسط»
13 مارس 2025 م
أكدت تركيا اليوم (الخميس) أنه يجب على «الإرهابيين» إلقاء السلاح، وضرورة إخراج المقاتلين الأجانب من سوريا، بعد اتفاق أبرمته السلطات السورية الجديدة مع «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) التي يقودها الأكراد، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».
وقال مصدر في وزارة الدفاع التركية: «نحن في تركيا ما زلنا مصممين على مكافحة الإرهاب». وأضاف: «لا تغيير في توقعاتنا بشأن إنهاء الأنشطة الإرهابية في سوريا، وإلقاء الإرهابيين أسلحتهم، وإخراج الإرهابيين الأجانب»، في إشارة خصوصاً إلى المقاتلين الأتراك من حزب العمال الكردستاني الناشطين في سوريا.
وتسعى السلطات السورية الجديدة بقيادة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، إلى حلّ الجماعات المسلّحة وبسط سيطرة الدولة على كامل أراضي البلاد منذ إطاحة بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) بعد حرب أهلية استمرت أكثر من 13 عاماً.
ووقّع الشرع وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» مظلوم عبدي، اتفاقاً الاثنين ينصّ على «دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز». ومن المفترض أن يدخل الاتّفاق حيّز التنفيذ بحلول نهاية العام.
وتسيطر «الإدارة الذاتية» الكردية المدعومة من الولايات المتّحدة على مساحات واسعة في شمال سوريا وشرقها، تضمّ أبرز حقول النفط والغاز.
و«قوات سوريا الديمقراطية» هي الذراع العسكرية لـ«الإدارة الذاتية» الكردية، وقد شكّلت رأس حربة في قتال تنظيم «داعش» إلى حين تمكنت من دحره من آخر معاقله في 2019.
ولطالما اتّهمت تركيا «وحدات حماية الشعب الكردية» التي تشكل عماد «قوات سوريا الديمقراطية»، بالارتباط بحزب العمال الكردستاني الذي تصنّفه أنقرة ودول غربية «منظمة إرهابية»، ويخوض منذ عام 1984 تمرّداً ضد الدولة التركية.
وفي فبراير (شباط) الماضي أطلق مؤسّس حزب العمال الكردستاني، عبد الله أوجلان، المسجون دعوة تاريخية حضّ فيها حزبه على إلقاء السلاح وحل نفسه.
وتضغط تركيا التي أقامت علاقات وثيقة مع الشرع، على السلطات السورية الجديدة لإيجاد حل لقضية «وحدات حماية الشعب الكردية».
وقال المصدر: «سنرى كيف سيُطبّق الاتفاق… ميدانياً»، مضيفاً: «سنتابع عن كثب نتائجه الإيجابية أو السلبية».
ورأى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الثلاثاء أن الاتفاق في سوريا «سيخدم السلام». وأضاف: «نعتبر كل جهد لتطهير سوريا من الإرهاب خطوة في الاتجاه الصحيح».
وذكر دبلوماسي تركي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن تركيا ستستضيف قمة إقليمية في أبريل (نيسان) المقبل لبحث العمليات ضد تنظيم «داعش»، مضيفاً أن مكان وزمان انعقاد القمة لم يتم تأكيدهما بعد.
———————————
الجيش التركي: نراقب تنفيذ «اتفاق الشرع – عبدي» من كثب
خبراء يتوقعون استمرار الضغط على «قسد» والتنسيق مع أميركا بشأن الانسحاب من سوريا
أنقرة: سعيد عبد الرازق
13 مارس 2025 م
أعلن الجيش التركي أنه سيراقب من كثب تنفيذ الاتفاق الموقع بين الإدارة السورية و«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» بشأن اندماجها في مؤسسات الدولة، مع التمسك بالمطالبة بحل «وحدات حماية الشعب» الكردية، ومكافحة الإرهاب في سوريا.
وقال مصدر مسؤول بوزارة الدفاع التركية: «سنراقب كيفية تنفيذ الاتفاق بين الإدارة السورية و(تنظيم «قسد» الإرهابي) من كثب، وسنتابع التطورات على أرض الواقع، وسنرى مخرجاته سواء كانت إيجابية أم سلبية».
وأكد المصدر، خلال إفادة أسبوعية لوزارة الدفاع التركية، الخميس، أن الاتفاق، الذي وقع يوم الاثنين الماضي بين الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي، «لم يُغير التزام تركيا بمحاربة الإرهاب في سوريا».
حل الوحدات الكردية
وأضاف: «نحن في تركيا مصممون على مكافحة الإرهاب، ولا نزال على النهج نفسه ونطالب بحل (وحدات حماية الشعب) الكردية (أكبر مكونات «قسد»)، ولا نزال ملتزمين بضمان وحدة أراضي سوريا وسلامتها الإقليمية والسياسية».
ولفت المصدر إلى استقبال وزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، الملحق العسكري التركي المُعين حديثاً في دمشق، الخميس، مضيفاً أن وفداً من وزارة الدفاع سيزور سوريا خلال الأيام المقبلة.
وكانت مصادر في وزارة الدفاع التركية قد أكدت، يوم الأربعاء، أن القوات التركية ستُواصل وجودها في سوريا، وستتابع التطورات بعد الاتفاق بين الإدارة السورية و«قسد»، وستراقب التطورات على الأرض، وعندما يكون هناك نشاط إرهابي فسوف تتدخل، ولن يتغير شيء في مفهوم القوات المسلحة التركية في مكافحة الإرهاب، الذي يقوم على القضاء على الإرهاب في منبعه.
وتابعت المصادر، وفق ما نقلت وسائل إعلام تركية قريبة من الحكومة، الأربعاء، أن عمليات القوات المسلحة التركية ضد «وحدات حماية الشعب» الكردية، التي تقود «قسد» مستمرة.
ولا تزال الاشتباكات والاستهدافات بين القوات التركية والفصائل السورية المسلحة الموالية لأنقرة و«قسد» على محاور شرق حلب، لا سيما في سد تشرين وجسر قره قوزاق، فضلاً عن القصف التركي على مواقع «قسد» في عين العرب (كوباني) مستمرة.
وشنَّت القوات التركية، الخميس، غارات جوية استهدفت ريف مدينة صرين في ريف عين العرب (كوباني).
موقف تركي حذر
ويرى خبراء أتراك أن الاتفاق بين الشرع وعبدي يُشكل «إطاراً» أو «إعلان نوايا»، وأن القضايا المثيرة للجدل، خصوصاً انضمام «قسد» إلى الجيش السوري والاندماج في مؤسسات الدولة، من المقرر حلها في مفاوضات تستمر حتى نهاية العام، وهو ما يجعل تركيا تنظر إلى الاتفاق بحذر رغم ترحيبها به.
ووفق مديرة برنامج السياسة الخارجية في مؤسسة أبحاث السياسة الاقتصادية التركية، غولرو جيزر، «لن تسمح تركيا بتكرار الأخطاء التي وقعت في العراق، وأن موقفها بشأن وحدة سوريا واضح وحازم».
ولفتت إلى أن تركيا ستكون قادرة دائماً على مواصلة عملياتها العسكرية ضد «قسد» إذا رأت ذلك ضرورياً، استناداً إلى حقها في الدفاع عن النفس الناشئ عن المعاهدة التأسيسية للأمم المتحدة.
وأشار الخبير المختص بشؤون تركيا، الباحث في المجلس الأطلسي للأبحاث في أميركا، عمر أوزكيزيلجيك، إلى أن تركيا تتعامل مع اتفاق «الشرع – عبدي» «بتفاؤل حذر»، وستواصل الضغط على «قسد» خلال هذه العملية، حتى لا تتمكن من التراجع عن خريطة الطريق التي حددها الاتفاق الواقع في 8 بنود.
ورأى أن أميركا طلبت من «قسد» التوصل إلى اتفاق مع دمشق قبل انسحابها من سوريا، وأن «دبلوماسية الباب الخلفي» تعمل بين أنقرة وواشنطن فيما يتعلق بهذه العملية، وأن تركيا ستكون «أكثر ارتياحاً» إذا انسحبت القوات الأميركية من سوريا.
ولفت الخبير في شؤون الشرق الأوسط، جمعة تشيشيك، إلى أن الاتفاق بين إدارة دمشق و«قسد» جرى من خلال عملية ظلت تركيا خارجها إلى حد ما، وأن التصريحات التي أوضحت أن أميركا وفرنسا وألمانيا توسطت في المفاوضات، كان تطوراً لم تتوقعه تركيا.
وأضاف أنه على الرغم من بقاء تركيا خارج العملية، فإن الأطراف أخذت حساسياتها في الاعتبار، وربما يكون أحد أسباب ترك قضايا كالحكم الذاتي والاتحاد وتقاسم السلطة مفتوحة هو القلق بشأن موقف تركيا، فلا دول المنطقة ولا أميركا، في وضع يسمح لها بالتخلي عن تركيا أو المضي قدماً رغماً عنها.
بدوره، رأى الأكاديمي التركي المختص في شؤون الشرق الأوسط، مصطفى آيدن، أن يد تركيا باتت ضعيفة، أو «مغلولة» بسبب الاتفاق بين إدارة دمشق و«قسد»، وأنها إذا أظهرت نيتها إطلاق عملية عسكرية ضدها، فإن أميركا والجهات الفاعلة الأخرى يمكن أن تمنعها، بحجة أن هناك عملية جارية، ويجب الانتظار حتى تكتمل، وأنه لا ينبغي التدخل الآن.
———————–
نداء أوجلان.. توقعات مرتفعة ومسار سياسي ينقصه الوضوح
13/3/2025
عادت مسألة حزب العمال الكردستاني وصراعه الممتد مع تركيا إلى الواجهة من جديد، إثر الدعوة التي وجهها مؤسس الحزب وزعيمه التاريخي عبد الله أوجلان في 27 فبراير/شباط 2025 لحل الحزب وإلقاء السلاح ووقف العمليات القتالية ضد أنقرة.
وتعد الدعوة -التي وُصفت بالتاريخية- الثالثة لأوجلان منذ اعتقاله عام 1999، وقد سبقتها دعوة أخرى في مارس/آذار 2013 ثم في الشهر ذاته عام 2015 بعد مسار تفاوضي سري قاده جهاز الاستخبارات التركي، وتوصل الطرفان بعده إلى إصدار ورقة من 10 مواد للوصول إلى اتفاق نهائي ينهي حالة المواجهة.
ولكن الاتفاق وصل إلى طريق مسدود بعد تطورات الأحداث في سوريا عام 2015 وإعلان حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي إدارة ذاتية بمنطقة شمال سوريا، بالتزامن مع إعلانات مشابهة في عدد من المدن شرقي تركيا وجنوبها الشرقي، مما دفع أنقرة إلى خوض حرب شوارع واستعادة السيطرة، ثم ضرب الحزب في سوريا والعراق.
وحول دلالات وتداعيات الإعلان الأخير، نشر مركز الجزيرة للدراسات ورقة تحليلية بعنوان “نداء أوجلان لحل حزب العمال.. توقعات مرتفعة ومسار سياسي ينقصه الوضوح” ناقش فيه الباحث المختص بالشأن التركي سعيد الحاج السياق الإقليمي والدولي لدعوة أوجلان وسقف التوقعات وراء المسار السياسي الجديد.
مبادرة سياسية دون تعقيب رسمي
شددت الحكومات التركية المتعاقبة بعد عام 2015 على أنه لن تكون هناك عملية تسوية جديدة بالتنسيق مع حزب العمال الكردستاني، وركزت على المواجهات الأمنية والعسكرية، وتقويض أي تطور إقليمي قد يخدم أجندة الحزب.
ولكن وساطة قيادة إقليم كردستان العراق ونداء قيادات كردية للرئيس التركي رجب طيب أردوغان “بإخراج العملية السياسية من الثلاجة” إلى جانب تطورات أخرى، عززت سبل إطلاق مسار سياسي جديد بخصوص المسألة الكردية في تركيا.
وجاء نداء أوجلان بمثابة تتويج لمسار غير معلن بدأ في أكتوبر/تشرين الأول الماضي بتصريح رئيس حزب الحركة القومية التركي دولت بهتشلي المتحالف مع أردوغان، دعا فيه للسماح لأوجلان بإلقاء كلمة أمام كتلة الحزب البرلمانية وإعلان حل حزب العمال الكردستاني والمرور إلى مرحلة “تركيا بلا إرهاب”.
ونفى المستشار القانوني للرئيس التركي أي نية لانتهاج “عملية تسوية” جديدة مع حزب العمال الكردستاني، في حين رحب أردوغان بمبادرة بهتشلي، وسمحت وزارة العدل بزيارة وفد من حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب -الذي يُوصف بأنه الواجهة السياسية لحزب العمال الكردستاني- بزيارة أوجلان في سجنه ونقل ما دار بينهما لأحزاب أخرى في البرلمان.
وتوالت زيارات الوفد إلى أوجلان ونقل في المرة الثالثة رسالة بعنوان “نداء السلام والمجتمع الديمقراطي” جاءت فيها الدعوة إلى عقد مؤتمر عام وإلقاء السلاح نهائيا وانتهاج العمل السياسي، مؤكدا تحمله المسؤولية التاريخية عن ندائه.
وبعد يومين من الرسالة، أعلنت قيادة حزب العمال الكردستاني موافقتها على “كل ما جاء فيها” على أن يشرف أوجلان بنفسه على المؤتمر بعد “تهيئة الظروف القانونية” وهو ما عززه بهتشلي بالاتصال مع رئيس حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب تونجار بكيرخان، ورئيس حزب الشعوب الديمقراطي السابق صلاح الدين دميرطاش للتأكيد على وقوفه وراء أي دور يخدم المسار السياسي.
طموح عالٍ
رفع نداء أوجلان الأخير من سقف التوقعات وراء العملية السياسية، فعلى عكس المبادرات السابقة لم تكتف هذا الدعوة إلى وقف القتال فحسب بل إلقاء السلاح وحل الحزب، وهو ما يمكن تصنيفه ضمن خانة المراجعات الفكرية لدى أوجلان بخصوص الهدف من وراء الحزب، فقد جاء في الرسالة أيضا تراجعه عن المشاريع الانفصالية والفدرالية والإدارة الذاتية.
وبالتزامن مع ذلك أوضح أوجلان استعداده للاضطلاع بدور إيجابي ولم يطرح أي شروط على الحكومة التركية، في حين اقتصرت رسالته على التوجه للحزب “الكردستاني” الذي لم يتأخر في تلبية النداء والموافقة على مضمون الرسالة.
وقد حظي نداء أوجلان بدعم أطراف وشخصيات فاعلة أخرى في المشهد الإقليمي الكردي مثل قيادة حزب الديمقراطية ومساواة الشعوب، والرئيس السابق لحزب الشعوب الديمقراطي، وقائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، ورئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان البارزاني، ورئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني.
وفي المقابل، تأتي رمزية بهتشلي -بوصفه حليفا لأردوغان وزعيم التيار القومي في البلاد مع علاقته الوطيدة بالدولة العميقة- ضمانا على الآمال المعلقة من وراء العملية السياسية الوليدة.
وقد فُهم من تصريح بهتشلي ودعوته لإطلاق أوجلان بأن هناك توجها لدى الحكومة أو الدولة التركية بخصوص المسار السياسي، قد تُرجم بسماح أردوغان لأوجلان باستقبال الزيارات العائلية والحزبية والسماح بإذاعة رسالته في الإعلام.
وكل ما سبق يشير إلى أن جميع الأطراف المعنية في تركيا والمنطقة ترغب في انتهاج مسار سياسي، ويوحي ذلك بوجود مفاوضات وتفاهمات سابقة على التصريحات الصادرة عن مختلف الأطراف لم يعلن عنها حتى الآن، خاصة مع تغير النظام في سوريا وتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بخصوص سحب قواته من البلاد.
آمال ولكن..
رغم التفاؤل بمستقبل المسار السياسي الوليد لحل المسألة الكردية فإنه من الصعب توقع حلول سريعة دون عقبات، مع تداخل العوامل الإقليمية والدولية، و”فاتورة ضحايا بعشرات آلاف” حسب الأرقام الرسمية التركية.
كما قللت قيادات من “العمال الكردستاني” في جبال قنديل شمالي العراق من أهمية ما يصدر عن أوجلان بوصفه “أسيرا لا يملك قراره” كما نفذ الحزب هجوما على شركة صناعات دفاعية اليوم التالي لتصريح بهتشلي.
ورغم موافقة اللجنة التنفيذية للحزب على مضمون الرسالة فإنها طالبت بإدارة أوجلان نفسه للمؤتمر وتنفيذ حل الحزب ونزع السلاح، داعية لتوفير “السياسة الديمقراطية والأرضية القانونية” للمسار الوليد، مما يعد رفعا مبكرا لسقف الشروط.
وتحتاج أنقرة بالرغم من ذلك لاستحقاقات قانونية وسياسية تمررها عبر البرلمان لإنجاح المسار السياسي الوليد، من قبيل كيفية التعامل مع هذه المنظمة وقياداتها وكوادرها وأنصارها، وخصوصا المتهمين منهم، فضلا عن مصير أوجلان نفسه، وهي مسارات شائكة قد لا تحظى بتأييد الشارع وبعض الأحزاب السياسية.
ويضاف إلى ذلك عدم إصدار الحكومة التركية أي مبادرة محددة أو ملامح مفصلة للمرحلة القادمة، فالمبادرة حتى الآن لا تزال حبيسة رد فعل أوجلان على تصريح بهتشلي مع بقاء أردوغان بعيدا عن التعقيب المباشر والتفصيلي عن مضمون المبادرة.
وفي المحصلة، تحظى هذه المبادرة بفرصة أعظم من سابقاتها خاصة بعد بيان اللجنة التنفيذية للعمال الكردستاني الذي أكد على زعامة أوجلان والامتثال الكامل لندائه، في حين تتموضع الحكومة التركية في مساحة أكثر أريحية تفتح لها أبواب إغلاق الملف الأكثر حساسية في التاريخ التركي، في وقت لم تعلن حتى الآن عن التخلي عن الخيار العسكري والحرب الاستباقية.
[يمكنكم قراءة الورقة التحليلية كاملة من هذا الرابط]
المصدر : الجزيرة
————————————
عن المرونة السياسية لأحمد الشرع وأسطورة الطائفية/ أحمد ماهر
الصورة الأوسع نطاقا لسوريا
12 مارس 2025
يبدو واضحا أن الرئيس السوري أحمد الشرع يعي تماما حقيقة أساسية وهي أن الوحدة الوطنية أمر بالغ الأهمية لبقاء بلاده بعد سقوط الديكتاتور بشار الأسد. فالمصالحة مع الأكراد والاجتماع مع زعماء الطائفة الدرزية أمر ضروري ليس من أجل الاستقرار السياسي لنظامه الجديد فحسب، بل أيضا من أجل عمليات إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد الصراع.
ومن خلال تصرفه السريع والحازم، أظهر الشرع قدرا كبيرا من المرونة السياسية. فهو يدرك التغير الطارئ في الرأي العام بعد ثلاثة أشهر فقط من الانقلاب الناجح على نظام الأسد، كما أنه يدرك جيدا القوى الجيوسياسية والدولية التي تراقب قراراته عن كثب.
وتتجلى هذه المرونة السياسية في خطاباته التصالحية وقراراته خلال الأيام القليلة الماضية، ومن بينها تشكيل لجنة لتقصي الحقائق في أعقاب الإعدامات الميدانية التي طالت عائلات علوية في الساحل السوري، وهو ما صورها الإعلام الغربي- كما هو متوقع– على أنها “عنف طائفي” في طبيعته وجذوره؛ وهو تصوير مفرط في التبسيط والسطحية لسوريا.
ففي حين أن العنف الطائفي هو بالفعل جانب مأساوي من حملة الأسد الوحشية على المتظاهرين السلميين ضد حكمه، فإنه ليس سوى وجه واحد من سيناريو أوسع بكثير تطور إلى حرب أهلية. فالصورة الأوسع نطاقا هي دائما سياسية لأنها تشمل ثلاثة عوامل رئيسة: السلطة والحقوق والموارد.
وقد عدّل الشرع بذكاء استراتيجياته وسياساته لإدارة الأزمة الناشئة، رافضا تصنيف السوريين في خطاباته على أنهم سنة أو “علويون” أو أكراد أو مسيحيون أو دروز.
وبذلك، يحاول الرئيس السوري دحض الأسطورة التي روّج لها نظام الأسد لعقود من الزمن بأن الصراع الطائفي أمر حتمي، وأن أي محاولات للتعايش السلمي أو المصالحة غير مجدية في حال الإطاحة به.
وتتجاهل المبالغة في تبسيط العنف في الساحل على أنه طائفي التنوع داخل هذه الجماعات ذاتها، كما أنها ترفض– بعمد أو غير عمد- الاعتراف بالعلاقات التاريخية المتبادلة والتحالفات السياسية التي تتجاوز هذه الهويات. فقبل الثورة التي تحولت إلى حرب أهلية، كان حزب “البعث”، الذي تعود جذوره إلى الطائفتين السنية والعلوية، يضم أعضاء من كلتا المجموعتين يعملون معا في مناصب مختلفة داخل الحكومة وهيكل الحزب، على الرغم من أن نظام الأسد أقرّ لاحقا سياسة مالت بشدة لصالح العلويين. بينما على مستوى المجتمع، كانت هناك العديد من حالات التزاوج بين العائلات السنية والعلوية.
فلطالما نبه مثقفون ومفكرون سوريون، مثل برهان غليون، بأن الطائفية ظاهرة مصطنعة تتأثر بالدولة والممارسات السياسية أكثر من كونها اختلافات دينية متأصلة.
وإذا نظرنا إلى الأزمة الحالية من منظور طائفي، نرى بوضوح تأثير القوى الخارجية في إصباغ الصراع والأزمات السياسية بصبغة طائفية. فقد دعمت الجهات الفاعلة الإقليمية، مثل إيران و”حزب الله” نظام الأسد، وصورته على أنه حامي الشيعة ضد التطرف السني. وقد ركبت إسرائيل هي الأخرى مؤخرا موجة الطائفية، واستخدمت التكتيك السياسي المتمثل في كونها “أقلية” في الشرق الأوسط و”حامية” الأقلية الدرزية في سوريا في ظل حكم الشرع وحكومته الإسلامية. كما قدمت تركيا، وهي دولة ذات أغلبية سنية، دعما استراتيجيا لـ”هيئة تحرير الشام” بزعامة الشرع في معارضتها الشرسة لنظام الأسد.
ولم يكن الشرع وحده الذي عكست قراراته الأخيرة فهما عميقا للديناميات الإقليمية والدولية.
ففي مقابلة مع “المجلة”، بعد الاتفاق التاريخي مع الشرع على دمج جميع المؤسسات العسكرية والمدنية في الدولة السورية، قال مظلوم عبدي، قائد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، التي يقودها الأكراد وتدعمها الولايات المتحدة، إن الشرع هو “الرئيس”.
كما قال عبدي، الذي يسيطر على منطقة استراتيجية في سوريا في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، والتي تحتوي على حقول نفط وغاز حيوية، إنه لا يريد تكرار الحكم الذاتي لكردستان العراق في سوريا. وهذا يدل على ذكائه السياسي في التعامل مع المعضلة الكردية-التركية، وربما لإنهاء استهداف أنقرة قوته ووقف توغلاتها العسكرية في الأراضي السورية.
وقد لقيت سياسة عبدي السريعة والمرنة التي اتبعها صدى طيبا لدى السوريين في العاصمة دمشق، مقر الحكم. فقد خرج السوريون في احتفالات عارمة وامتلأت الأجواء بشعور بالأمل في الوحدة، إذ يأملون أن الاتفاق يمكن أن يمهد الطريق لإعادة بناء الثقة، لذا فإن عبدي يخطب أيضا ودّ العامة حال إجراء انتخابات ديمقراطية.
ويتطلب الحكم المستقر في سوريا ممارسات مستدامة من جميع الأطراف السياسية المعنية بقيادة الشرع الذي شهد هو نفسه تحولا جوهريا في منظوره الأيديولوجي، مدركا أن التطرف والعنف لا يؤديان إلا إلى إدامة الانقسام والحروب في مجتمع متعدد الأعراق. فمرونته السياسية على وجه الخصوص، لكونه الرئيس المعترف به دوليا لسوريا الجديدة، تساعد بشكل أكبر في تقليص جاذبية الأيديولوجيات المتطرفة التي تهدد التنوع في سوريا، لا سيما بعد دحر “داعش” و”القاعدة”.
ولكن هناك سببا سياسيا رئيسا آخر وراء هذا التحول الأيديولوجي الهائل للشرع: صورته. فالحاجة إلى الاعتراف الدولي والشرعية الدولية في المشهد السياسي الحالي هي دافع مهم وراء تلك المرونة السياسية التي يتمتع بها الشرع، والذي ما فتئ يتلقى رسائل دعم دولية وإقليمية. فإعادة بناء بلد ممزق بسبب الحرب مثل سوريا مهمة اقتصادية ومالية شاقة لا يمكن القيام بها دون المجتمع الدولي لزيادة شعبيته جراء الأداء الاقتصادي، ولوأد الطائفية المُسيسة في مهدها.
————————————-
الاتفاق مع الأكراد يمهد الأرضية لاتفاقات مع المكونات السورية الأخرى
هل لعبت واشنطن دوراً في الاتفاق تفادياً لتكرار الانسحاب الفوضوي من أفغانستان؟
واشنطن: إيلي يوسف
12 مارس 2025 م
مما لا شك فيه أن الاتفاق الذي وقعه، يوم الاثنين، الرئيس السوري أحمد الشرع، مع مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، يعد تطوراً دراماتيكياً في المشهد السياسي لسوريا، رأى فيه البعض أنه يمكن أن يشكل مدخلاً للتعامل مع باقي الجماعات السورية، مثل الإعلان عن اتفاق أولي بين الحكومة السورية ووجهاء محافظة السويداء على دمج المحافظة ضمن مؤسسات الدولة، بما فيها الأجهزة الأمنية.
تآكل موقف «قسد»!
وعدّ الاتفاق انتصاراً كبيراً لدمشق في سعيها لتوحيد البلاد في لحظة حساسة، إثر الاضطرابات العنيفة التي اندلعت في الساحل الغربي، وأخذت طابعاً طائفياً في الأيام الأخيرة. في المقابل، عدّ «مخرجاً» لـ«قسد» ولإدارتها الذاتية في المناطق التي تسيطر عليها، خصوصاً أن البعض تحدث عن تنسيق أميركي ورعاية مسبقة له، وسط حالة عدم اليقين المتزايدة بشأن دور واشنطن في المنطقة، واحتمال سحب القوات الأميركية منها. ويرى هؤلاء أن القوات التي يقودها الأكراد ربما أدركت أن موقفها التفاوضي يتآكل.
ومساء الثلاثاء، رحبت الولايات المتحدة بالاتفاق، وقال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في بيان، إن الولايات المتحدة «ترحب بالاتفاق المعلن بين السلطات السورية المؤقتة وقوات سوريا الديمقراطية، لدمج شمال شرقي البلاد في سوريا موحدة». وأضاف روبيو أن الولايات المتحدة «تؤكد دعمها لانتقال سياسي يُظهر حوكمة موثوقة وغير طائفية كأفضل سبيل لتجنب المزيد من الصراع». وختم قائلاً: «سنواصل مراقبة القرارات التي تتخذها السلطات المؤقتة، ونلاحظ بقلق أعمال العنف الدامية الأخيرة ضد الأقليات».
دور إيران
يقول ديفيد داود، كبير الباحثين في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، المحسوبة على الجمهوريين، هناك فئات تحاول استغلال ما جرى في الساحل، وهذا سيلعب دوراً في عدم تقوية الاتفاق. وقال داود لـ«الشرق الأوسط»، إن إيران، وبعدما خسرت جراء سقوط الأسد وإضعاف «حزب الله»، كان من الواضح أن من مصلحتها محاولة إفشال الشرع. وبقدر ما يتم إضعافه يتم إفشال جهوده في إعادة بناء وتوحيد سوريا، في ظل ضعف تسليحه. ولكن في حال تمكن من ضم كل الإثنيات، سيكون أكثر قبولاً دولياً، ويظهر بأنه غادر تاريخه السابق.
ومنذ أن أطاح التحالف الذي يرأسه الشرع بسلطة بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، سعت الحكومة الجديدة إلى توحيد الجماعات المسلحة المنتشرة في جميع أنحاء سوريا، وأقواها القوات التي يقودها الأكراد في شمال شرقي البلاد الغني بالنفط. ومع ذلك، ظل الوضع الأمني غير مستقر، وكانت الميليشيات الكردية من بين أكثر الجماعات تحدياً في إخضاعها للحكومة الجديدة.
شروط ترمب
لا تزال الشكوك تحيط بوعود القيادة الجديدة بإنشاء حكومة شاملة، ويتساءل المتشككون عما إذا كان الشرع قد تخلى عن آرائه الجهادية المتشددة السابقة؛ إذ لا تزال إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ترهن تطوير علاقاتها مع الشرع ورفع العقوبات الشاملة عن سوريا، بتحقيقه تقدماً في العديد من الملفات؛ الداخلية والخارجية.
وبعدما ترددت معلومات بأن واشنطن كانت على دراية بالمفاوضات الجارية منذ مدة، بل رعتها بشكل مباشر، تحدثت تسريبات عن قيام ستيفن ويتكوف، المبعوث الرئاسي الخاص، بزيارة دمشق في الأسابيع الأخيرة. وقال داود إن إدارة ترمب «تحاول طمأنة الأكراد، لتجنب تكرار تجربة الانسحاب الفوضوي من أفغانستان». وأنها تريد ضمان مستقبلهم وتجنيبهم المجازر، والتنسيق مع تركيا، رغم إصرار أنقرة على مواصلة قتال «الإرهاب» في سوريا. وهو ما قد يكون محاولة من قبلها لمواصلة الضغط على «قسد» للاستفادة من حالة عدم اليقين التي تواجهها مع واشنطن.
ويضيف داود: «الإيرانيون لديهم مصلحة في تقويض سلطة الشرع وتوحيد البلاد، وإظهار أنه لا يزال إرهابياً، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى التأثير على علاقته بإدارة ترمب وعدم رفع العقوبات عن سوريا». لكنه يقول إنه «من غير المفهوم هذا التقاطع بين جهود إيران لتقويض سلطة الشرع، وجهود إسرائيل خصوصاً بعد تدخلها في قضية الدروز، فالمساهمة في عدم توحيد سوريا، يصب في مصلحة جهود إيران».
ولسنوات، كانت «قسد» التي يقودها الأكراد، الشريك الرئيسي للولايات المتحدة في القتال ضد تنظيم «داعش»، وحققت مكاسب مهمة وباتت تدير في مناطق سيطرتها دولة «بحكم الأمر الواقع» في شمال شرقي سوريا. ولطالما سعت إلى تصوير نفسها حاميةً للأكراد السوريين الذين يشكلون نحو 10 في المائة من سكان البلاد. كما توفر الأمن في معسكرات الاعتقال التي تضم آلاف أعضاء التنظيم وعائلاتهم.
ترمب… نهج جديد
ولكن وسط حالة عدم اليقين المتزايدة بشأن دور واشنطن، كان الدعم الأميركي للميليشيات الكردية أمراً بالغ الأهمية لمواردها المالية. فقد أنفقت الولايات المتحدة عليها نحو 186 مليون دولار في عام 2024. لكن الرئيس ترمب لم يلتزم بعد بمواصلة هذا الدعم، وبعد عودته إلى البيت الأبيض، ضاعف ترمب من شعاره «أميركا أولاً»، بحجة أن سوريا ليست معركة الولايات المتحدة. وكتب على منصته «تروث سوشيال» في ديسمبر (كانون الأول)، عندما كانت قوات المعارضة تقترب من دمشق: «سوريا فوضى، لكنها ليست صديقتنا»، وحث على اتباع نهج عدم التدخل.
أسئلة معلقة
بيد أن الاتفاق لم يجب عن أسئلةٍ لا تزال معلقة. فهل سيُسمح لـ«قسد» بالاندماج داخل القوات المسلحة السورية ككتلة عسكرية مميزة، وهي نقطة خلاف رفضتها حكومة الشرع في المفاوضات السابقة؟ وكيف سيتم تنفيذ الدعوة إلى «وقف إطلاق النار على جميع الأراضي السورية»، في الوقت الذي يتواصل فيه القتال في الشمال الشرقي بين «قسد» والجماعات المسلحة المدعومة من تركيا؟ كما تساءل البعض عمّا إذا كان هذا الاتفاق يمهد لإعادة النظر في العملية السياسية التي بدأتها حكومة الشرع وتعرضت للانتقاد، بسبب ما عده البعض «استئثاراً» بالسلطة.
الشرق الأوسط
—————————-
اتفاق الشرع – عبدي ومعطيات التوقيت سورياً وكردياً/ خورشيد دلي
تحديث 13 أذار 2025
كتب، وسيكتب الكثير عن الاتفاق الذي تم توقيعه بين الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، وقائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، في العاشر من آذار/مارس الجاري، كما سيثير هذا الاتفاق الكثير من الجدل بين مؤيد له وأخر معارض، ولعل هذا الجدل مرتبط بكيفية النظر إلى القضايا الكبرى التي لها علاقة بتطلعات الأطراف في بلدان تمر بأزمات وانقسامات في كل الاتجاهات.
ولا يخفى على أحد أن الاتفاق جاء في سياق تطورات ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، وعوامل دولية وإقليمية، ساهمت مجتمعة في التوصل إليه، بعد اجتماعات سرية بين قيادات من “قسد” والإدارة السورية الجديدة، حيث كان لكل من الشرع وعبدي الدور الأساسي في قيادة سفينة الحوار إلى بر الأمان.
دلالات التوقيت
ثمة من يرى أن توقيت التوصل إلى الاتفاق له علاقة بمجموعة من المعطيات لعل أهمها:
1- تطورات الوضع الداخلي السوري مع تفجر الأحداث الدموية في الساحل السوري التي راح ضحيتها المئات إن لم نقل الآلاف من المدنيين وسط ارتكاب مذابح وأعمال قتل على الهوية الطائفية، وهو ما شكل تحدياً مصيرياً ليس لإدارة الشرع فحسب، بل لكل القوى المعنية بمصير سوريا، وربما كان التحدي هنا في كيفية وقف الانزلاق نحو حرب داخلية مفتوحة، فكان جواب الشرع – عبدي هو الاتفاق عبر الحوار، حيث أحيا هذا الاتفاق آمال السوريين في الانتقال إلى عهد جديد، وإمكانية تكرار مثل هذا الاتفاق في أماكن أخرى، لاسيما السويداء.
2- منذ وصول دونالد ترامب إلى سدة البيت الأبيض من جديد، لا يتوقف الرجل عن التلويح بسياسة أميركية جديدة، لا تريد الحروب، وتتجه إلى الحد من الانفاق العسكري، وتقليص الوجود العسكري الأميركي في الخارج، دون أن يعني ما سبق خسارة مناطق استراتيجية مثل سوريا التي هي على حدود إسرائيل التي تشكل أس الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، وانطلاقاً من رؤية واشنطن التي تحاول ترتيب الوضع السوري بعد حربي غزة ولبنان وسقوط النظام السوري، ركزت الإدارة الأميركية على رعاية المفاوضات بين “قسد” والإدارة السورية من أجل اتفاق يوافق رؤيتها، وهي رؤية تقوم على توحيد الجهود السورية في محاربة “داعش”، والسعي إلى دولة مدنية تعددية، تعيش في سلام مع جيرانها، لاسيما إسرائيل، وهذه رؤية تشاركها فيها دول أوروبية كبرى، لاسيما فرنسا وألمانيا، وعليه لا يمكن النظر إلى اتفاق الشرع – عبدي بعيداً عن الجهد والرعاية والموافقة الأميركية.
3- دور مبادرة السلام التي أطلقها زعيم حزب العمال الكردستاني، عبدالله أوجلان، بعد دعوة دولت باهجلي له إلى إطلاقها، وهو ما أوحى بموقف تركي مغاير لما سبق، وإمكانية القبول بعملية سياسية بين الإدارة السورية و”قسد” تنتهي إلى اتفاق يرسخ الوحدة الجغرافية لسوريا، ويضع نهاية للمزاعم والمخاوف التركية من أن “قسد” منخرطة في أجندة انفصالية بعد أن روجت أنقرة لما سبق طويلاً، ولعل الموقف التركي الحذر من اتفاق الشرع – عبدي يوحي بأن تركيا قد تغير من سياستها تجاه “قسد” على وقع تنفيذ خطوات الاتفاق مع الإدارة السورية الجديدة، وتقدم عملية السلام مع أوجلان في الداخل التركي، دون أن يعني ما سبق التخلي عن خطابها التصعيدي لتحقيق أقصى ما يمكن من أجندتها.
الاتفاق كردياً
ثمة عبارة وردت في البند الثاني من الاتفاق، أثارت ردود فعل ناقدة في الشارع الكردي، تلك العبارة التي وصفت الكرد في سوريا بالمجتمع الكردي خلافاً لما هو السائد، أي الشعب الكردي، إذ ثمة فروق بين العبارتين، وهي فروق لها علاقة بالمفاهيم والتوصيفات القانونية والدستورية للحقوق القومية للشعوب والمكونات والمجتمعات الثقافية المختلفة، لكن بعيداً عن هذا الانتقاد يمكن التوقف كردياً عند أربع نقاط هي:
إن الاتفاق شكل منعطفاً في تاريخ الكرد في سوريا، إذ للمرة الأولى في التاريخ يجري التوقيع على اتفاق بين رئيس سوري وزعيم كردي سوري، كما للمرة الأولى يتم الاعتراف رسمياً بالكرد في سوريا، وحقوقهم الدستورية، وهو ما يعني أن هوية الكرد ولغتهم وثقافتهم ومشاركتهم في الحياة السياسية، ستصبح رسمياً جزءاً من الهوية السورية حين إنجاز الاستحقاقات السياسية المرتبطة بهذا الاتفاق وذلك بعد عقود من الإقصاء والتهميش، منذ الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958 وصولاً إلى عهد الأسدين.
أن الاتفاق أقر بالحفاظ على “قسد” كقوة عسكرية، سيجري ربطها بوزارة الدفاع السورية وفق هيكلية معينة، وهذا يشكل انجازاً حقيقياً للكرد بوصفهم جزءاً أساسياً من هذه القوة التي أثبتت نجاعتها في الدفاع عنهم، كما باقي شعوب شمال شرق سوريا، سواء في مواجهة “داعش” أو الفصائل العسكرية التابعة لتركيا.
إن الاتفاق فتح الباب أمام عودة النازحين واللاجئين من المناطق التي احتلتها تركيا، وتسيطر عليها الفصائل المسلحة بدعم تركي، فمن رأس العين إلى عفرين مروراً بتل أبيض، هناك مئات آلاف الكرد الذين أُرغموا على النزوح من مدنهم وبلداتهم وقراهم، وسط عمليات تغيير ديمغرافي، ونهب للممتلكات، وانتهاكات واسعة، إذ ضمن الاتفاق في بنده الخامس عودة هؤلاء إلى مناطقهم الأصلية وأن تقوم الدولة السورية بتأمين الحماية، وهذا إنجاز كبير في غاية الأهمية.
إن الاتفاق يضمن للمرة الأولى رسمياً مشاركة الكرد في الحياة العامة السورية، من خلال مشاركتهم في الحكومة والبرلمان والحياة الحزبية والسياسية، ولعل الامتحان هنا، يتعلق بدرجة مشاركتهم وإشراكهم في الحكومة المقبلة التي يبدو أنه تأجّل إعلانها في انتظار انجاز اتفاق الشرع – عبدي، بعد أن كان الإعلان مقرراً مطلع آذار الجاري مع انتهاء مدة الحكومة الانتقالية.
الاتفاق سورياً
شكلت الاحتفالات العامة التي جرت في مختلف المدن السورية تعبيراً عن الفرح بعهد جديد، إلى درجة أن البعض شبه هذه الاحتفالات بتلك التي جرت عقب سقوط نظام الأسد، كما أن توقيت الاتفاق جدد آمال السوريين بخلاص بلادهم من أزماتها بعد أن كادت تتلاشى على وقع المذابح وأعمال القتل والنهب التي ارتكبت في الساحل السوري، وعليه نبه الاتفاق إلى أن الحوار السوري- السوري وحده يمكن أن يكون مخرجاً لكل المأساة السورية، وأولى الخطوات الفعلية تكمن في وقف جميع الأعمال القتالية على كافة الأراضي السورية.
وأعطى الاتفاق قوة دفع كبيرة للعملية السياسية الجارية في سوريا، وفتح الباب أمام مشاركة كافة المكونات في هذه العملية، وهو ما سيوحد الجهود السورية على شكل بداية جديدة في التعايش المشترك، والحفاظ على وحدة الأراضي السورية، وتحديد الأولويات السياسية سواء في الداخل من خلال ترتيب البيت السوري لتجاوز التحديات، وترميم الجروح، ووضع خطة استراتيجية للنهوض بالبلاد، والأهم تقوية المناعة السورية في مواجهة المشاريع الإقليمية التي تستهدف سوريا، وخارجياً من شأن هذا الاتفاق، تقوية الدبلوماسية السورية، وزيادة الاهتمام والدعم الدوليين لسوريا في تجاوز أزماتها، وصولاً إلى إمكانية رفع العقوبات عنها، إذا ما انتهجت القيادة السورية خطوات واضحة وشفافة نحو دولة مدنية تعددية بعيداً عن البعد الأيديولوجي الذي ما زال يثير المخاوف لدى العديد من الدول في المنطقة والعالم، بل وحتى من قبل مكونات في الداخل السوري، خاصة بعد كل ما جرى في الساحل السوري.
من دون شك، الاتفاق الذي وصف بالتاريخي، وفّر فرصة تاريخية لخروج سوريا من أزماتها عبر الحوار، حوار عرف قيمته كل من الشرع القادم من عمق المنظمات الجهادية، وعبدي القادم من قلب الفكر اليساري، معادلة تشير إلى أن الاختلاف الأيديولوجي لا يحول دون بناء الدول إذا ما توفر قادة حقيقيون في قيادة بلادهم وشعوبهم رغم كل التحديات والعقبات.
—————————–
غموض استراتيجية واشنطن في سوريا: رؤيتان متناقضتان؟/ يحيى شمص
ثلاثة مطالب رئيسية تريدها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من حكومة أحمد الشرع كي تدعمها.
تحديث 13 أذار 2025
تتغير الرؤية الأميركية بشأن سوريا بشكل مستمر استجابة للمتغيرات السياسية والأمنية الطارئة، إذ أصبح الدعم العسكري الأميركي لقوات سوريا الديموقراطية (قسد) في الشمال حاجة ملحة تتماشى مع المصلحة الأميركية، رغم الاتفاق الأخير بين قسد والرئيس السوري احمد الشرع، والذي لم يبدأ الطرفان تنفيذه حتى الان.
ويتزامن التحرك الأميركي مع عمليات عسكرية إسرائيلية في الجنوب، ما يعكس، بحسب مراقبين، تنسيقاً مُسبقاً لتحقيق هدف مشترك: إعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط، بحيث تظل إسرائيل في المقدمة، مع تراجع أي نفوذ إقليمي أو دولي خارج نطاق السيطرة الأميركية – الإسرائيلية.
ومع تولي الشرع للسلطة، برزت تساؤلات عدة بشأن كيفية تغيّر سياسة أميركا تجاه سوريا، وعن استراتيجيتها الحالية وأهدافها ومصالحها، وعن مطالبها من الرئيس السوري الانتقالي، لا سيما بعد الاتفاق مع قسد في الشمال والتفاهمات مع القوى الدرزية في الجنوب، وترتيبات الساحل اثر المجازر الفظيعة هناك.
رؤيتان أميركيتان تجاه سوريا؟
كانت السياسة الأميركية في سوريا موضوعا للتباين في الآراء والمقاربات، وهذا يعكس عدم وجود رؤية واحدة لدى صناع القرار في واشنطن. وفي هذا السياق يسلط الكاتب والمحلل السياسي من واشنطن حسن منيمنة الضوء على رؤيتين رئيسيتين تجاه سوريا في الولايات المتحدة.
الرؤية الأولى تأتي من الطاقم السياسي القديم، الذي يركز على تحقيق الاستقرار من خلال دعم حكومة مركزية قادرة على التعامل مع الولايات المتحدة وفق معايير معينة وتحت رقابة مستمرة. وبناءً على هذا الأساس يتم الدعم ورفع العقوبات وتحقيق أمور إجرائية أخرى.
الرؤية الثانية تتبنى المنظور الإسرائيلي، وتقول إن “سوريا الأنفع” هي المشتتة والمفككة. هذا التوجه يدعم “قدس”، وربما يدعم قيام منطقة ذات وضع خاص في الجنوب السوري، وينظر بإيجابية إلى الحالة الخاصة بالساحل السوري.
وعلى الرغم من التناقض بين هذين التوجهين، يلفت منيمنة، في حديثه لــ”النهار”، إلى أن الولايات المتحدة تمضي قدما في اتباع كليهما، بحثا عن توازن يضمن لها دورا في مستقبل دمشق.
المعضلة الأساس في اتفاق الشرع وقسد؟
يرى منيمنة أن “قسد” ونظام الشرع يتمتعان بسمات مشتركة، إذ يعتمد كلاهما على قوة ذاتية مدعومة من أطراف خارجية، فبينما تعتمد “قسد” على حزب العمال الكردستاني في قضايا معينة، يعتمد نظام الشرع على القوى العسكرية الأجنبية مثل المجموعات الأوزبكية والأويغورية والشيشانية.
يحذر منيمنة من احتمال نشوب مواجهة بين “قسد” ووزارة الدفاع السورية (الفصائل التابعة للشرع)، وهو ما قد يضعف العنصر السوري في كلا الجانبين، أي يجعلهما مضطرين للاعتماد على دعم خارجي.
المعضلة الأساس تكمن في كيفية تنفيذ اتفاق الدمج بين الطرفين، والذي يتطلب موافقة جميع الأطراف المعنية، بما في ذلك الحكومة السورية. وفي حال تم تنفيذ الاتفاق بنجاح، قد يساهم ذلك في تغيير طبيعة الدولة السورية نحو دولة مركزية بدلاً من دولة إسلامية، ما يمنح الأكراد فرصة لتأمين مصالحهم بما يخدم وحدة سوريا.
يرفض منيمنة الربط بين الاتفاقات الأخيرة والمجازر في الساحل السوري، لكن توقيت هذه الأحداث قد يسهم في تسريع بناء التحالفات، ويؤكد أن نجاح الاتفاق يعتمد على نقطتين رئيسيتين:
أولاً: التحقيق الجاد في مجازر الساحل.
ثانياً: وقف المناوشات بين “قسد” ووزارة الدفاع السورية لا سيما في المناطق الكردية.
ماذا تريد واشنطن من حكومة الشرع؟
وهناك ثلاثة مطالب رئيسية تريدها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الحكومة السورية حتى تدعمها، وفق منيمنة، وهي:
1- المساهمة في تفكيك أي فصيل يمكن أن يصنف إرهابياً في الولايات المتحدة.
2- عدم الاعتراض على الاحتلال الإسرائيلي للجولان باعتبار أن الولايات المتحدة قد أقرت به، وعدم الاعتراض على الجنوب السوري كمنطقة نفوذ إسرائيلي.
3- سير الحكومة السورية الجديدة باتجاه تطبيع العلاقات مع إسرائيل.
تنازلات يسعى ترامب للحصول عليها من الإدارة السورية
الصحافي والكاتب المختص في الشأن الأميركي ستيفن صهيوني لا يرى صعوبة كبيرة أمام إدارة ترامب في صياغة استراتيجية جديدة تجاه سوريا. ومع ذلك، يجب عدم إغفال بأن “الرئيس الأميركي هو رجل أعمال أيضاً يسعى لتحقيق مكاسب اقتصادية من خلال تقديم تنازلات، سواء كانت تتعلق بعقود النفط والغاز أو بمعالجة القضية الفلسطينية وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، بالإضافة إلى المكاسب الاستراتيجية الأخرى”.
وتُعتبر الطاقة عاملا أساسيا في تحديد سياسة ترامب تجاه سوريا، يقول صهيوني لــ”النهار”، والجميع يدرك حجم الثروات النفطية والغازية في البحر الأبيض المتوسط. لذا، يجب أن يكون لدى دمشق موقف متعاون تجاه الإدارة الأميركية، ما يعني أن ترامب لن يسمح بإبرام عقود لإعادة الإعمار أو استخراج النفط والغاز، إلا تحت مظلة المصالح الأميركية.
وبرأيي صهيوني، فإنّ المكسب الوحيد الذي حققته السلطات السورية من اتفاق دمشق هو توقيته، إذ كان العالم أجمع يتحدث عن المجازر في الساحل السوري، أما الطرف الأكثر استفادة هم الأكراد الذين وافقوا على هذا الاتفاق بدعم أميركي، وهناك شروط في الاتفاق تحميهم من أي عملية عسكرية كبرى من قبل القوات التركية. وعليه، لا يستطيع الأتراك تنفيذ أي عملية عسكرية ضد الأكراد بعد هذا الاتفاق، بالإضافة إلى دعوة عبد الله أوجلان لهم بوقف القتال.
تنازلات قدمها الشرع لترامب؟
قدمت الإدارة الجديدة في دمشق تنازلات نتيجة الضغوطات الدولية على خلفية المجازر في الساحل السوري، من خلال تنفيذ مطالب الأميركيين في عدة ملفات، منها الملف الكردي المرتبط بالاتفاق الأخير، والتسوية مع الدروز، والعلاقة مع إسرائيل، ويحتمل أن يكون هناك ما يتعلق بملف التوطين. هذه التنازلات جاءت نتيجة الأخطاء والمجازر في الساحل السوري والضغوطات الدولية المتزايدة.
ويذكّر صهيوني بالدعوة الروسية – الأميركية لعقد جلسة لمجلس الأمن، وهو أمر لم يحدث منذ عدة سنوات، ما دفع الإدارة السورية إلى الإسراع في تدارك أي قرارات جديدة أممية قد تصدر ضدها، وبالتالي تقديم تنازلات عاجلة، بعضها سري، وقد يتم الكشف عن تفاصيلها في المستقبل.
ويعتبر تحقيق الاستقرار في سوريا مطلباً أميركياً قد يتطلب تنازلات معينة من الحكومة السورية الجديدة. وفي حال تم قبول نظام تقسيمي مستدام، تبقى احتمالات الهدوء والوحدة ضعيفة للغاية في ظل المشهد السياسي المتشرذم.
النهار العربي
———————-
متحدّياً طهران وتل أبيب: مظلوم عبدي ينتقم للشّرع/ سمير صالحة
تحديث 13 أذار 2025
من غير المستغرب أن تشتعل الأجواء في الساحل السوري ذي الكثافة السّكّانية العلويّة، وأن نرى ارتدادات هذا الاشتعال تتفاعل في أكثر من مكان، وأن يحمل معه هذا التفجير، برغبة إيرانية إسرائيلية وعبر ما بقي من فلول النظام السابق، نقاشات سياسية وإعلامية واسعة واكبتها اصطفافات وانقسامات حول مجريات الأحداث وتأثيرها على سوريا والمنطقة.
احتمال كبير أن تكون تركيا هي الدولة الثانية بعد سوريا الأكثر تفاعلاً مع اشتعال الوضع في الساحل السوري. السبب ليس فقط رقص إيران وإسرائيل على معزوفة واحدة، والتقاء مصالحهما وأهدافهما في الداخل السوري وفي مواجهة السياسة التركية، بل لوجود شريحة سكّانية واسعة من العلويين الأتراك الذين تربطهم قرابة بعلويّي الجانب الآخر من الحدود، وأقلقهم ما يجري في غرب سوريا، كما يقول رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.
يردّد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أمام منصّة دول الجوار السوري المجتمعة في العاصمة الأردنية أنّ “هناك من يريد إخراج سوريا عن مسارها الجديد عبر القيام بأعمال التحريض والاستفزاز”. ويعلن مساعد رئيس الجمهورية التركي جودت يلماز أنّ “محاولة عرقلة خروج سوريا من محنتها التي يقودها فلول النظام السابق وبعض من يتحرّك خارج القانون لن تنجح”. ما يقلق أنقرة ليس فقط ما يجري في مناطق الساحل السوري لأنّ الأوضاع سيتمّ تطويقها هناك، بل احتمال انتقاله إلى مناطق سوريّة أخرى في الجنوب والشرق تحت طابع مذهبي وعرقي، وهو ما يعقّد الوضع الأمنيّ والسياسي أكثر فأكثر، واستهداف سياسة تركيا السوريّة وعلاقاتها مع الحكومة السورية الجديدة التي تحوّلت إلى شراكة استراتيجيّة تثير غضب المتضرّرين من ذلك، وفي مقدَّمهم إيران وإسرائيل.
من غير المستغرب أن تشتعل الأجواء في الساحل السوري ذي الكثافة السّكّانية العلويّة، وأن نرى ارتدادات هذا الاشتعال تتفاعل في أكثر من مكان
مفاجأة كبرى
كان من المفترض أن تركّز هذه المادّة على مواصلة الحديث عن الخطر المحدق بسوريا بعد انفجار الأحداث في الساحل، وأن يدور الحديث عن الوضع الأمنيّ والسياسي الصعب الذي ينتظر سوريا الجديدة بعد إشعال جبهة الساحل، لكنّ الرئيس السوري أحمد الشرع دفعنا إلى تغيير المسار والحديث عن الإنجاز الثاني الكبير الذي يحقّقه خلال 3 أشهر على طريق بناء سوريا الجديدة عبر تفاهماته المفاجئة مع مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية التي قلبت الطاولة في اللحظة الأخيرة.
عندما كانت:
– نقابة محامي مدينة هطاي تستعدّ لتقديم شكوى ضدّ أحد الإعلاميين المقرّبين من حزب العدالة بسبب مقالته عمّا يجري في الساحل السوري بتهمة إثارة النعرات.
– وكانت قيادات حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض تعرب عن قلقها من “تصاعد العنف ضدّ العلويين في اللاذقية ومحيطها، وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، والمخاوف من ارتكاب مجازر ضدّ الأقلّيات”.
– العديد من الأصوات والمنظّمات الدولية كانت تدعو إلى إجراء تحقيقات فوريّة وشفّافة ونزيهة في جميع عمليات القتل والانتهاكات التي حدثت في الساحل السوري، ومحاسبة المسؤولين عنها.
– الخارجية الروسيّة كانت تضع اللمسات الأخيرة مع نظيرتها الأميركية على تفاهم الذهاب إلى مجلس الأمن الدولي لطرح مستجدّات الوضع الأمنيّ المتدهور في سوريا. ثمّ تعلن أنّ مبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وإفريقيا ميخائيل بوغدانوف استقبل السفير التركي في موسكو تانجو بيلغيتش بناء على طلبه، في لقاء جرى خلاله “تبادل معمّق لوجهات النظر حول الوضع في الشرق الأوسط مع التركيز على تطوّرات الوضع في سوريا”.
– وكان التصعيد الإعلامي والسياسي الإيراني الإسرائيلي في ذروته في محاولة للاستثمار في تلك الأحداث عبر تحريض الأقلّيات والترويج لـ”جبهة المقاومة الإسلامية في سوريا” وجماعة ” أولي البأس”.
– وكانت السيناريوهات التي تتحدّث عن دور “قسد” في مخطّط تفجير الوضع الأمنيّ السوري تتفاعل وتنتشر.
يردّد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أمام منصّة دول الجوار السوري المجتمعة في العاصمة الأردنية أنّ هناك من يريد إخراج سوريا عن مسارها الجديد
أعلنت رئاسة الجمهورية السوريّة توقيع اتفاقية بين الشرع وعبدي بعد أسابيع من المفاوضات انتهت بمفاجأة لا تقلّ قيمة عن رسالة أوجلان لعناصر حزب العمّال الكردستاني وداعميه في قنديل وشرق الفرات لترك السلاح وحلّ الحزب وإنهاء العمل المسلّح ضدّ القوات التركية.
حفرة السّاحل
تضمّ الاتفاقية ثمانية بنود أهمّها: الاعتراف بالمجتمع الكردي مكوّناً أصيلاً في الدولة السورية، وضمان حقوقه، ودمج كلّ المؤسّسات المدنية والعسكرية في شمال سوريا وشرقها ضمن إدارة الدولة السورية، وضمان عودة جميع المهجّرين السوريّين إلى مناطقهم مع توفير الحماية اللازمة لهم، ودعم الدولة السورية في مواجهة التهديدات التي تمسّ أمنها ووحدتها، ورفض دعوات التقسيم.
هناك مراعاة إقليمية ودولية في بعض بنود الاتّفاق للّاعبين المؤثّرين في الملفّ السوري. لكنّ الأهمّ هو ولادته بصناعة سورية – سورية تأخذ في الاعتبار مصالح سوريا وشعبها أوّلاً.
حتّى لو كانت الجهود التركية الأميركية العربية، بعيداً من الأضواء، هي المسهّل والمحرّك، وحتّى لو سبق هذا الإنجاز ما حقّقته أنقرة من خلال إقناع عبدالله أوجلان بالتخلّي عن مواقفه وطروحاته الكردية. وكان عبدي يعلن تبنّيه لما دعا إليه أوجلان قبل انعقاد مؤتمر حزب العمّال من خلال التراجع عن الكثير من المطالب والمواقف السياسية والعسكرية، مخيّباً آمال المراهنين على مشروع سياسي في إطار حكم ذاتي كردي في سوريا. وتسجّل التفاهمات بين دمشق والقامشلي في خانة الشرع الذي كانت طهران وتل أبيب تريدان رميه في حفرة الساحل السوري على أن لا يخرج منها.
أساس ميديا
————————————-
سوريا المستقبل… لا تقسيم ولا إيران/ خيرالله خيرالله
2025-03-13
يتغيّر المشهد الداخلي السوري بسرعة كبيرة. انتقل، في غضون ساعات، من الضربة القويّة التي تعرّض لها النظام الجديد الذي وقع في فخّ نصبته له إيران عبر استخدام “فلول النظام السابق” في الساحل السوري… إلى الاتّفاق الذي وقّعه الرئيس أحمد الشرع مع مظلوم عبدي القائد العامّ لـ”قوات سوريا الديمقراطية”.
وقّع الشرع اتّفاقاً مع الأكراد أقلّ ما يمكن وصفه بأنّه اتّفاق تاريخي يمثّل نقلة نوعية في مجال رسم الخطوط العريضة لسوريا المستقبل المتصالحة مع نفسها، أي مع السوريين من كلّ المذاهب والطوائف والمناطق والقوميّات.
يكفي التمعّن في النقاط الثماني التي تضمّنها الاتّفاق بين الشرع وعبدي للتأكّد من أنّ سوريا انتقلت إلى مرحلة مختلفة لا مكان فيها للتقسيم ولا للإقصاء، أقلّه من الناحية النظريّة. بات هناك اتّفاق خطّيّ يحمل توقيع “رئيس الجمهوريّة العربيّة السوريّة” يؤكّد “الاعتراف بالمجتمع الكردي جزءاً أصيلاً من الدولة السوريّة”.
الأكيد أن ليس في الإمكان تبرير ما تعرّض له العلويّون في الأيّام التي سبقت توقيع الاتّفاق مع الأكراد. تبيّن أنّ هناك فصائل تكفيريّة مسلّحة خارجة عن سلطة الدولة مستعدّة لارتكاب مجازر في حقّ الأقلّيّة العلوية التي لا يزال قسم منها يرفض، للأسف، الاعتراف بالواقع الجديد المتمثّل بسقوط نظام آل الأسد. حسناً فعل أحمد الشرع عندما سارع إلى تشكيل لجنة تحقيق، تضمّ عضواً علويّاً هو خالد الأحمد، من أجل تأكيد أنّ هذه الفصائل لا تمثّل الدولة، مبدياً استعداده لمحاسبة كلّ من على يده دماء بريئة. في النهاية، كان قسم من العلويّين من ضحايا آل الأسد، مثلهم مثل السوريّين الآخرين.
يبدو واضحاً من خلال تطوّر الأحداث في الساحل السوري أن لا رغبة دولية في تقسيم سوريا من جهة، وأنّ هناك معارضة غربيّة شديدة لأيّ عودة إيرانية إلى سوريا
رسالة للدّروز
الأكيد أيضاً أنّ من الضروري استخلاص العبر من أحداث الساحل السوري. في مقدَّم تلك العبر أنّ الغرب عموماً ليس مستعدّاً للدخول في لعبة التقسيم التي يراهن عليها الضبّاط الموالون للنظام السابق، والذين يلقون دعماً إيرانيّاً مباشراً أو عبر “الحزب” في لبنان والحكومة العراقية برئاسة محمّد شيّاع السوداني وفصائل من “الحشد الشعبي”، الذي هو جزء من تركيبة هذه الحكومة. ليس هناك في الغرب، خصوصاً في الولايات المتحدة، من يريد عودة “الجمهوريّة الإسلاميّة” إلى سوريا كما كانت عليه الحال أيّام بشّار الأسد لا يزال في دمشق. في طبيعة الحال، ليس في الغرب من يريد السماح لإيران بالعودة أيضاً إلى لبنان بعدما حوّل “الحزب”، في مرحلة معيّنة، بيروت إلى مدينة إيرانية على شاطئ المتوسّط.
من هذا المنطلق، كانت هناك لملمة سريعة لأحداث الساحل السوري. ليس صحيحاً أنّ الأمم المتّحدة بعثت بلجنة تحقيق إلى القرى التي وقعت فيها مجازر. يوجد بيان صادر عن “مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانيّة في سوريا” ينفي نفياً قاطعاً “زيارة الساحل السوري لإجراء تحقيقات في المنطقة”.
يبدو واضحاً من خلال تطوّر الأحداث في الساحل السوري أن لا رغبة دولية في تقسيم سوريا من جهة، وأنّ هناك معارضة غربيّة شديدة لأيّ عودة إيرانية إلى سوريا، سواء إلى الساحل أو دمشق أو الجنوب السوري، من جهة أخرى. أكثر من ذلك، يعتبر ما حدث في الساحل السوري رسالة إلى الدروز أيضاً الذين هم جزء من النسيج السوري. فحوى الرسالة أنّ الرهان على كيان درزي، حتّى لو دعمته إسرائيل، ليس رهاناً في محلّه. توجد معلومات عن التوصّل قريباً إلى اتّفاق مع المكوّن الدرزي على إدارة الدروز لمؤسّسات الدولة في السويداء على أن يفتح باب التطوّع لدروز السويداء في وزارة الدفاع السورية. وسيتضمّن الاتّفاق بنوداً أخرى في شأن ظروف انتشار الأمن السوري في السويداء وهو ما تم التداول به بين الشرع ووفد السويداء منذ أيام.
من الواضح أنّ أحداث الساحل السوري صارت من الماضي، خصوصاً إذا استطاع الحكم الجديد في سوريا ضبط الفصائل التكفيرية غير المنضبطة وتدجينها
تبدو أحداث الساحل السوري قابلة للمعالجة، خصوصاً في حال تبيّن أنّ أحمد الشرع مستعدّ للطلاق تماماً مع ماضيه القريب حين كان يُعرف بـ”أبي محمد الجولاني”. يشير الاتّفاق الذي وقّعه مع “قسد” (قوات سوريا الديمقراطية)، أي مع الأكراد، إلى أنّ الرجل مستعدّ للتأقلم مع الواقع القائم، بما في ذلك الاعتراف بأن ليس أمامه غير هذا الخيار في حال كان يسعى بالفعل إلى قيام سوريا جديدة، الدولة التي فيها مساواة بين كلّ المواطنين، سوريا المختلفة عن سوريا النظام العلويّ الذي أسّسه حافظ الأسد تحت عنوان “السجن الكبير”… والذي سمح لإيران بوضع يدها على البلد.
مستقبل جديد
يختزل الخيار المتوافر لأحمد الشرع البنود التي تضمّنها الاتّفاق مع الأكراد. مثل هذا الاتّفاق لم يكن ممكناً لولا الضوء الأخضر الأميركي. إنّه أيضاً اتّفاق يرضي تركيا التي لديها هاجسها الكردي. يتمثّل هذا الهاجس في قيام كيان كردي مستقلّ في سوريا تنتقل عدواه إلى تركيا نفسها.
من المفيد ملاحظة أنّ الاتّفاق بين الشرع وعبدي حظي بتشجيع من الزعيم الكردي مسعود بارزاني الذي قدّر تقديراً كبيراً الاعتراف بحقوق المواطن الكردي في سوريا. وجاء الاتّفاق بعد أيّام من إعلان عبدالله أوجلان زعيم حزب العمّال الكردي (PKK)، من داخل سجنه التركي، عن تخلّي حزبه عن الكفاح المسلّح في تركيا.
من الواضح أنّ أحداث الساحل السوري صارت من الماضي، خصوصاً إذا استطاع الحكم الجديد في سوريا ضبط الفصائل التكفيرية غير المنضبطة وتدجينها. من الواضح أيضاً أنّ الاتّفاق مع الأكراد يمثّل المستقبل، خصوصاً أنّه يتحدّث عن “دمج كلّ المؤسّسات المدنيّة والعسكريّة في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية”، وعن “رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بثّ الفرقة بين كلّ مكوّنات المجتمع السوري”.
تتطلّع سوريا، على الرغم من كلّ المشاكل التي تواجهها وخصوصاً في المجال الاقتصادي، إلى مستقبل آخر مختلف، بعيداً عن التقسيم وبعيداً عن إيران، التي لم يعد لها ما تستثمر فيه غير إثارة “المسألة العلويّة”. هذه صفحة طُويت، وطُويت معها صفحة استخدام الأراضي السوريّة لإغراق لبنان بالفتن عبر سلاح غير شرعي، ولا خلاص لهذا البلد من دون الخلاص منه نهائياً.
أساس ميديا
——————————-
لماذا وقّع أكراد سوريا اتفاقاً مع النظام الجديد؟/ حسناء بو حرفوش
2025-03-13
في 10 آذار، وقّعت “قوات سوريا الديموقراطية” اتفاقاً مع الحكومة السورية المؤقتة، يقضي بدمج قوة تضم 100 ألف مقاتل معظمهم من الأكراد، ضمن الجيش السوري الجديد. وجاءت هذه الخطوة كمفاجأة، نظراً الى الشكوك العميقة التي لطالما حملها أكراد سوريا تجاه الحكومة الجديدة.
وفي البداية، تعاملت “قوات سوريا الديموقراطية” بحذر، إذ شكك القادة الأكراد في قدرة زعيم جهادي سابق على تأسيس حكومة شاملة. فما الذي دفع هؤلاء الى قبول الاندماج في النهاية؟ التفسير الأكثر منطقية وفقاً لقراءة في موقع Long War Journal يكمن في ضمان أمني من تركيا. ففي 27 شباط، سمحت السلطات التركية للزعيم الكردي عبد الله أوجلان، بإصدار بيان عام يدعو إلى نزع سلاح حزب العمال الكردستاني وحله – وهو الحزب الذي أسسه أوجلان ويُعتبر المرجعية الأيديولوجية.
وربما تهدف المفاوضات مع أوجلان الى كسب دعم النواب الأكراد في البرلمان لتمرير تعديلات دستورية. وفي المقابل، قد يكون أوجلان طالب بضمانات دستورية للحقوق السياسية والثقافية للأكراد، إضافةً إلى تعهد تركيا بعدم مهاجمة “قوات سوريا الديموقراطية”.
مقامرة محفوفة بالمخاطر
قد يرى البعض أن الاتفاق بين “قوات سوريا الديموقراطية” والنظام السوري الجديد صفقة خطيرة. فمع احتمال انسحاب الولايات المتحدة من سوريا، تواجه “قوات سوريا الديموقراطية” واقعاً قاسياً: من دون الحماية الأميركية، هل قد تصبح عرضة لهجوم تركي شامل؟ وبالتالي، الاندماج في الجيش السوري قد يوفر لها حاجزاً مؤقتاً ضد العدوان التركي.
ومع ذلك، لا يزال مصير هذا الاندماج غير واضح. فإذا تم استهداف الأقليات أو إذا تعرض الأكراد للاضطهاد، فمن المحتمل أن تكون لدى “قوات سوريا الديموقراطية” خطط بديلة للانسحاب من الاتفاق. لكن في الوقت الحالي، يبدو أن هذا الاتفاق يعكس استراتيجية براغماتية لكنها محفوفة بالمخاطر، تهدف الى البقاء وسط صراع غير قابل للتنبؤ.
ووفقاً لقراءة في موقع “نيويورك تايمز”، يُمثّل الاتفاق “انتصاراً كبيراً لدمشق في سعيها الى توحيد البلاد، وسط استمرار الاضطرابات العنيفة في المنطقة الساحلية. ويشكل الاندماج مع الحكومة السورية الجديدة، اختراقاً كبيراً لدمشق في جهودها لتوحيد البلاد التي لا تزال تعاني من اضطرابات عنيفة.
وأُعلن مكتب الرئاسة السورية عن الاتفاق، ووقعه الطرفان، ونصّ على دمج “جميع المؤسسات المدنية والعسكرية” التابعة لـ “قوات سوريا الديموقراطية” المدعومة من الولايات المتحدة في الدولة السورية الجديدة بحلول نهاية العام، بما في ذلك سيطرتها على حقول النفط والغاز الاستراتيجية.
كما تضمّن الاتفاق التزام “قوات سوريا الديموقراطية” بمساعدة دمشق في محاربة فلول نظام الأسد، وأكد “حق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية”، في ظل تعهّدات القيادة الجديدة في سوريا بتشكيل حكومة شاملة بعد سنوات من الصراع الطائفي.
تعزيز موقف الحكومة الجديدة
وتزامن توقيع الاتفاق مع تصاعد الاشتباكات العنيفة في المنطقة الساحلية السورية، والتي أودت بحياة أكثر من 1,300 شخص، ما منح الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع لحظة استراحة في ظل الأزمة المتفاقمة.
ومنذ أن أطاحت قوات المعارضة بقيادة الشرع الرئيس السابق بشار الأسد، سعت الحكومة الجديدة إلى توحيد الجماعات المسلحة المتعددة التي تنشط في سوريا، وكان من بين أبرزها القوات الكردية المتمركزة في الشمال الشرقي الغني بالنفط. غير أن الوضع الأمني ظل هشاً، وكانت قوات سوريا الديموقراطية من أكثر الفصائل صعوبة في ضمها إلى الدولة الجديدة”.
أسئلة حول مستقبل الاتفاق
وعلى الرغم من التقدّم الذي أحرزه الاتفاق، لا يزال هناك العديد من التساؤلات الذي لم يجد إجابات واضحة. ولم يُعرف بعد ما إذا كانت “قوات سوريا الديموقراطية” ستُمنح الحق في العمل ككيان عسكري مستقل داخل القوات المسلحة السورية، وهي نقطة خلاف رئيسية في المفاوضات السابقة، حيث رفضت الحكومة هذا المطلب في الماضي. كما لم تحدد بصورة دقيقة كيفية تنفيذ البند المتعلق بـ “وقف إطلاق النار في جميع الأراضي السورية”.
وفي الوقت نفسه، استمرت الاشتباكات في الشمال الشرقي بين القوات الكردية والجماعات المسلحة المدعومة من تركيا، الحليف الرئيسي للحكومة الجديدة في دمشق. ولطالما نظرت تركيا إلى “قوات سوريا الديموقراطية” باعتبارها امتداداً لحزب العمال الكردستاني. وكانت الحكومة السورية الجديدة قد أمرت جميع الجماعات المسلحة بحلّ نفسها، وفي الأسابيع الأخيرة، وافقت عدة ميليشيات بارزة على العمل مع السلطات الجديدة، إلا أنه لم يتضح بعد ما إذا كانت هذه الجماعات قد اندمجت بالكامل في جيش وطني موحّد.
موقع لبنان الكبير
——————————————
اتفاق فضفاض بلا ضمانات: ما الذي ينتظر الأكراد؟/ الدكتور محمد نور الدين
13 أذار 2025
في وقت كانت فيه الأنظار مصوّبة إلى المجازر المرتكَبة بحقّ العلويين في منطقة الساحل، أبرمت «قوات سوريا الديموقراطية» ودمشق، اتفاق تسوية مفاجئاً بمضمونه كما بتوقيته. وجاء الاتفاق الذي وقّع عليه كلّ من مظلوم عبدي وأحمد الشرع، بينما كانت السلطات التركية، بمسؤوليها وإعلامها، تتّهم «قسد» ومن خلفها «حزب العمال الكردستاني»، بالتحريض المباشر على التمرّد ضدّ النظام في مناطق العلويين، والوقوف إلى جانب إيران وإسرائيل، علماً أن تقديرات سرت، بالتوازي مع ذلك، حول استحالة قبول الأكراد بتسليم سلاحهم بعد مجازر الساحل.
وإذ يكاد الاتفاق لا يخرج عن حدود الإنشائيات التي تحتاج إلى ترجمتها على أرض الواقع، فإن بيت القصيد، بالنسبة إلى الأكراد، يكمن في المادتَين الثانية والرابعة؛ إذ تتضمّن الأخيرة تنازلات نظرية «كبيرة جداً» من الجانب الكردي، من مثل تسليم المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز لقوات دمشق، فيما الفقرة الأهمّ فيه تشير إلى «دمج» المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة، من دون أن توضح طبيعة هذا «الدمج»، وما إذا كان يعني انخراط «قسد» الكامل في صفوف الجيش، أو بقاءها فصيلاً موازياً تحت إمرة مركزية واحدة، يكون الأكراد جزءاً منها.
ولا يقلّ البند الثاني أهميّة عمّا تقدّم، إذ يتمحور حول «الاعتراف» من جانب الرئيس الانتقالي، أحمد الشرع، بما سمّاه الاتفاق «المجتمع الكردي»، واعتبار هذا الأخير أصيلاً، وحماية حقّه في المواطنة، وحقوقه الدستورية الأخرى كافة. وإذا كانت المواطنة حقّاً طبيعيّاً لكلّ السوريين، فإن ترجمتها في نصّ دستوري يعدّ ذا أهمية بالنسبة إلى الأكراد، كون الدستور يفترض أن يتضمّن حقوقاً كاملة لهم في التحدّث والتعلّم بلغتهم في المدارس والجامعات الواقعة في مناطقهم.
على أيّ حال، يبقى واضحاً أن انخراط الأكراد في الدولة، بعد موافقتهم على حلّ فصائلهم المسلحة وتسليم المعابر وحقول النفط والمراكز العسكرية والمطارات والسجون وغيرها للدولة، لا يمكن أن يقابله ما هو أقلّ من الحقوق المشار إليها؛ وخلا ذلك، يكون الاتفاق مجرّد جس نبض لتطوّرات مستقبلية تعدِّل فيه أو ربّما تلغيه. أما في حال تطبيقه بتفاصيله المعلنة والمضمرة، فيشكّل خطوة كبيرة جداً نحو وحدة سوريا، وخصوصاً أن الدروز لا يمثلون محور ضغط كبير إلا عبر التهديدات الإسرائيلية، فيما العلويون تُركوا لمصيرهم من دون أيّ حماية لا داخلية ولا خارجية.
وثمّة مَن يتساءل في هذا الإطار: هل يعني تضمين الاتفاق، في بنده السادس، عبارة «دعم الدولة السورية في مكافحتها لفلول الأسد»، إشارة إلى اضطرابات محتملة على «الحدود الكردية» – السورية مع العراق، أم أن القوات الكردية قد تنتقل عند الضرورة لدعم قوات الشرع في ضرب الوجود العلوي في مناطق اللاذقية، رغم أن الأكراد و«حزب العمال الكردستاني» يشكّلون مع قسم كبير من العلويين الأتراك، جبهةً واحدة ضدّ الدولة التركية منذ 100 عام وحتى الآن؟ وهل يعني ذلك بداية شرخ في التحالف المشار إليه؟
لعلّ أبرز جوانب الضعف في الاتفاق، أن الدولة التي وقّعته لم تستقرّ بعد على أيّ أساس؛ فلا انتخابات ولا دستور ولا أيّ شيء آخر. ومن هنا، فإن ما أُعلن عنه لا يعدو كونه تفاهماً بين شخصين وفئتين من المجموعات السورية المسلحة، دوناً عن الآخرين من علويين ودروز ومسيحيين وكل السوريين غير المتشدّدين، والذين لا ينتمون إلى «هيئة تحرير الشام». ولذلك، لا يمكن للمكونات المختلفة أن تركن إلى وعود من الدولة، قبل أن ترتسم صيغة العقد الاجتماعي الجديد، بما يشمل ضمانات باحترام الحريات والهويات، وكتابة دستور عصري، وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية نزيهة، وهو ما يعدّ تحقيقه، في ظلّ طبيعة المجموعة الحاكمة، أمراً مشكوكاً فيه.
كما ثمّة نقطة أخرى تعكس توجُّساً مشروعاً، وهي مصير آلاف «الداعشيين» في السجون الكردية، والذين يقال إنه سيتمّ تسليمهم إلى الدولة، علماً أن هذا البند لم يتوضّح في الاتفاق، وربّما يكون مشمولاً بعبارة «دمج كل المؤسسات المدنية». ولعلّ مكمن الخطر هنا، أن هؤلاء المتطرّفين ينتمون إلى المدرسة نفسها التي تنتمي إليها الجهة التي ستتسلّمهم، ما يجيز طرح سؤال حول ما إذا كان أسرى «داعش» سيتحوّلون إلى جنود نظاميين في الجيش الجديد، على غرار وجود قيادات وأفراد فيه من جنسيات مختلفة، مثل الأويغور والتركمانستان والأوزبك، ليتّخذ الجيش المذكور صفة «العالمية» بدل أن يكون سوريّاً؟
أمّا على الصعيد الخارجي، فإن الانتقال إلى سلام بين مناطق الأكراد ومناطق حكم دمشق، يستدعي خروج القوات التركية من مناطق غرب الفرات كما شرقها، لانتفاء الخطر الذي يشكّله الأكراد السوريون عليها. لكن ذلك لا يعني أن الاتفاق تم رغماً عن تركيا، التي لم يبرز إعلامها، باستثناء صحيفة «حرييات»، الإعلان في صدر صفحاته الأولى، بل اكتفت الصحف الموالية بوصف الاتفاق بأنه بين الشرع و«المنظمة الإرهابية قسد»، كما لم تصدر تعليقات فورية من المسؤولين الأتراك ولا حتى من الكتّاب الموالين.
على أن أيّ اتفاق خطير كهذا، لا يمكن أن يخرج إلى الضوء من دون موافقة أنقرة، بل إنه قد يكون حصل على النحو الذي تريده تركيا، لتتفرّغ الأخيرة لتسوية المشكلة الأساسية التي تعاني منها مع «حزب العمال الكردستاني»، وإحكام تطويقها له، وإطلاق يدها في المرحلة المقبلة للقبول بنداء أوجالان، في مقابل منح الأكراد في تركيا حقوقاً لا تتجاوز بعض الفتات الثقافي.
كذلك، فإن الدور الأميركي واضح جداً؛ إذ لا يمكن للأكراد أن يتصرّفوا في أمر خطير كهذا، من دون علم واشنطن وموافقتها. وفي هذه الحالة، يفترض أيضاً أن يبادر الجنود الأميركيون، كما الأتراك، إلى الانسحاب من سوريا، ما يعني أن الاتفاق، في حال إتمامه، هو بمنزلة تسليم سوريا بالكامل لتركيا والولايات المتحدة، وخطوة على طريق سوريا خالية من أيّ بؤرة نفوذ لإيران وربما لروسيا. أمّا «المكاسب العربية» لكلّ من السعودية والإمارات أو حتى مصر، فليست معروفةً طبيعتها، إنْ وجدت أصلاً، فيما ستكون الحدود السورية مع العراق ولبنان موضع متابعة دقيقة.
——————————
اتفاق الشرع – عبدي: خطوة نحو تعزيز الوحدة الوطنية وترسيخ السلام في سوريا/ اكرم حسين
رؤية كردية
13 أذار 2025
في العاشر من آذار 2025، وفي وقت يشهد فيه الوضع السوري توترات معقدة، تم التوصل إلى اتفاق مبادئ ـ لم يعلن عن التفاصيل ـ بين الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، وهو اتفاق فاجأ البعض ، ولكنه كان متوقعاً لأولئك المتابعين لمحاولات إيجاد مخرج من أزمة سوريا المستمرة. هذه الخطوة تمثل محاولة جدية لفتح مسار جديد يجنّب البلاد خطر الانهيار، ويؤسس لمشروع وطني قائم على وحدة الدولة والمواطنة المتساوية.
الأساس الذي قام عليه الاتفاق هو إدراك الطرفين أن استمرار المواجهات العسكرية والانقسامات المؤسساتية وتكرار سيناريو الساحل السوري لن يؤدي إلا إلى مزيد من القتل والدمار. لذلك، كان قرار وقف إطلاق النار في جميع الأراضي السورية جزءاً أساسياً من الاتفاق، وهو أمر ضروري لوقف نزيف الدم وإنقاذ المدنيين. وقد عكس القرار اعترافاً ضمنياً بأن الحل العسكري لن يجدي نفعاً ، وأن أي محاولة لإقصاء الآخر ستؤدي إلى كارثة إنسانية مشابهة لما حدث في الساحل السوري.
يتضح البعد الإنساني للاتفاق من خلال التأكيد على عودة المهجرين إلى ديارهم وتوفير الحماية لهم. وهي وظيفة الدولة ومحاولة لإصلاح النسيج الاجتماعي السوري الممزق، وجزء من عملية إعادة التوازن وبناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، بما يعيد الشعور بالأمان والاستقرار للسوريين في وطنهم.
أما ضمان حقوق “المجتمع الكردي” كمكون أصيل في سوريا، فيشكل خطوة جديدة لكنها غير “مكتملة “في التعامل مع القضية الكردية التي كانت تعتبر شائكة سواء في عهد النظام البائد أو لدى المعارضة السورية ،وإذا تم الاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكردي ، فإنه لن يقتصر على تحقيق العدالة والمساواة فقط ، بل سيكون بمثابة إعلان عن الإرادة السياسية لبناء نظام جديد يتسع لجميع المكونات بعيداً عن سياسات الإنكار والتهميش التي سادت طوال حكم آل الأسد.
في حين ان دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية الجديدة سيوفر فرصة للكرد السوريين للعمل كجزء من مؤسسات الدولة، ويحدد مصير ومستقبل آلاف الطلبة الذين درسوا باللغة الكردية في مدارس وجامعات الإدارة الذاتية ولم يحصلوا بعد على اعتراف رسمي حتى الآن من أية جهة .
بينما تعكس مكافحة التهديدات التي تعرقل استقرار البلاد، مثل فلول النظام السابق والتنظيمات المتطرفة، نية حقيقية لتوحيد الجهود الأمنية والعسكرية من أجل تحقيق الأمن والاستقرار. في حين ان التنسيق بين قوات سوريا الديمقراطية والجيش السوري الجديد ، سيعيد للسوريين شعور الأمان الذي فقدوه طوال سنوات الحرب.
يحمل الاتفاق أيضاً بعداً فكرياً واجتماعياً من خلال رفض دعوات التقسيم ونبذ خطاب الكراهية. فمن غير المقبول الرهان على إثارة النزاعات بين المكونات المختلفة ، ومن الواضح أن النهج الجديد لبناء سوريا سيعتمد على المواطنة المتساوية كأساس لأي مشروع سياسي.
وعلى الرغم من الإيجابيات التي يحملها الاتفاق، فإن نجاحه سيتوقف على عوامل أساسية، أبرزها الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية لتنفيذه، والقدرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي قد تسعى لإفشاله. كما أن الدور الإقليمي والدولي سيكون حاسماً في تحديد مستقبل هذا الاتفاق، خاصة في ظل استمرار الصراعات الجيوسياسية في سوريا.
بينما سيكون تنفيذ بنود الاتفاق وفق الجدول الزمني المحدد قبل نهاية العام الحالي اختباراً حقيقياً لجدية الأطراف في تنفيذ وعودها. المسؤولية الآن لا تقع فقط على عاتق الرئيس أحمد الشرع وقائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، بل على عاتق جميع القوى السورية التي تتطلع إلى بناء دولة قوية وعادلة تشمل جميع أبنائها دون استثناء.
ان هذا الاتفاق يعبر عن إرادة وطنية تتجاوز الحسابات الضيقة والرؤى الإقصائية. فهو مشروع لبناء سوريا جديدة على أسس الشراكة والتعايش والسلام، بعيداً عن منطق القوة والغلبة.
مبروك للشعب السوري هذا الاتفاق، المطلوب الآن هو العمل بإخلاص لتنفيذه على أرض الواقع، ليكون نقطة انطلاق نحو بناء سوريا ،دولة ديمقراطية ، لامركزية ، وموحدة بحيث ، تضمن حقوق الجميع في إطار من العدالة والمواطنة المتساوية.
——————————-
=================================
====================
عن الأحداث التي جرت في الساحل السوري أسبابها، تداعياتها ومقالات وتحليلات تناولت الحدث تحديث 13 أذار 2025
تحديث 13 أذار 2025
———————-
لمتابعة مكونات الملف اتبع الرابط التالي
الأحداث التي جرت في الساحل السوري
———————————–
أحداث الساحل السوري… الخلفيات والتداعيات وردّات الفعل الدولية
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات
13 مارس 2025
شهدت مناطق الساحل السوري أحداث عنف طائفي دامية خلال الفترة 6 – 10 مارس/ آذار 2025، في أعقاب مواجهات عسكرية بين فلول من نظام الرئيس السابق بشّار الأسد وقوات الأمن التابعة للإدارة السورية الجديدة، أسفرت عن سقوط مئات القتلى من المدنيين، وقد يكون العدد تجاوز الألف، والعشرات في صفوف قوات الأمن العام، وكذلك من المتمرّدين المحسوبين على النظام السابق. تعد هذه الأحداث نقطة تحوّل، ويقرر اتجاهها سلوكُ القوى السياسية الفاعلة في سورية، ولا سيما الإدارة الجديدة بقيادة هيئة تحرير الشام.
خلفيات أحداث الساحل وتداعياتها
تصاعدت في الأسابيع الأخيرة الهجمات التي تشنها مجموعات من فلول النظام السابق ضد قوات الأمن العام التي تتبع الإدارة السورية الجديدة في مناطق الساحل السوري. وكانت هذه الإدارة، التي نجحت عشية سقوط النظام في تجنّب حصول تجاوزات طائفية على نطاق واسع، قد دعت فلول النظام إلى تسوية أوضاعهم وتسليم سلاحهم مباشرة بعد سقوطه. وقد استجاب عشرات الآلاف من منتسبي الجيش والأجهزة الأمنية ووزارة الداخلية التي جرى حلها فعليًّا لحظة سقوط النظام، ورسميًا في ختام “مؤتمر النصر” الذي عقدته الفصائل المسلحة في 29 يناير/ كانون الثاني 2025، واختارت خلاله أحمد الشرع رئيسًا انتقاليًا للبلاد. وقد مُنح هؤلاء بطاقات مؤقتة تسمح لهم بحرية التنقل، من دون إعفائهم من الملاحقة القانونية في حال ارتكابهم جرائم. وشملت التسويات أيضاً عدداً من كبار ضباط النظام ومسؤوليه، يعتقد أن بعضهم أبرم اتفاقات تسوية لتجنب القتال أثناء عملية ردع العدوان، مثل اللواء طلال مخلوف، قائد اللواء 105 في الحرس الجمهوري. وبحسب محافظ اللاذقية، بلغ عدد الذين تقدّموا بطلبات لتسوية أوضاعهم أكثر من 85 ألف عنصر، في حين رفض آلاف آخرون التسوية أو تسليم سلاحهم، ولجؤوا إلى الجبال عند دخول إدارة العمليات العسكرية مناطق الساحل السوري. ويُعتقد أن بعضهم مطلوب في جرائم كبرى ارتكبوها خلال الصراع الذي امتد أكثر من 13 عاماً، ومن ثمّ فهم لا يملكون خياراً سوى القتال أو مواجهة العدالة.
ظلت خطوة الحل الشامل وغير الانتقائي للجيش، وخطوات التخلص من عشرات آلاف الموظفين في مؤسسات الدولة إجراءات خلافية، ولا سيما أن الإدارة الجديدة ليست قادرة ولا لديها أو لدى الاقتصاد السوري حاليًا بدائل لاحتواء الضرر الناجم عنها، كما عبرت عن موقف مغترب عن مؤسسات الدولة عمومًا، لا النظام فحسب.
خلال الأسابيع الأولى بعد سقوط النظام، كانت هجمات الفلول ضد السلطات الجديدة تهدف إلى الضغط من أجل التوصّل إلى تسوية تفضي إلى إصدار عفو عام، لكن الأمور أخذت منحىً أكثر حدّةً وتنظيماً في الأسبوع الأخير، عندما شنّت هذه الفلول عملية عسكرية منسقة شارك فيها آلاف العناصر تحت قيادة ما سمّي بـ “المجلس العسكري لتحرير سوريا”، وهو إطار عسكري أعلن عن تأسيسه العميد غياث دلة، الضابط السابق في جيش النظام، وقائد ما يسمى “ميليشيا الغيث” العاملة في صفوف الفرقة الرابعة، التي كان يقودها ماهر الأسد، شقيق رأس النظام السابق. وردّت قوات الإدارة الجديدة بهجوم لم يستثن المدنيين. شمل هجوم الفلول مدن الساحل السوري الكبرى جميعًا (اللاذقية وطرطوس وجبلة وبانياس) في محاولة للسيطرة على مراكزها، كما جرت معارك طاحنة في ريف تلك المدن، أسفرت عن سقوط عشرات القتلى في صفوف قوات الأمن العام، معظمهم سقطوا في كمائن محكمة. وبسبب شراسة الهجمات وقلة عدد عناصرها اضطرّت الحكومة إلى الاستعانة بفصائل معارضة غير منضبطة لصدّ الهجوم، ارتكب بعضها مجازر طائفية في المناطق والقرى العلوية التي دخلتها. وشارك في ذلك أيضاً بعض الوحدات من قوات الأمن العام في سلوك انتقامي واضح. وأظهرت الصور مشاهد مروعة لقتل عائلات بأكملها، هذا عدا الإذلال على أساس طائفي. وقد بين هذا السلوك وجود فجوة كبيرة بين الخطاب الإعلامي للقيادة في دمشق وثقافة عناصر هيئة تحرير الشام؛ فهؤلاء لم يتحولوا إلى جنود مسؤولين في جيش وطني بمجرد اتخاذ قرار بتسميتهم جيشًا أو قوات الأمن العام. وكان كثير من المدنيين من محافظات إدلب وحماة وغيرها توجّهوا إلى المناطق الساحلية لمساعدة الحكومة في صد الهجوم في عملية تحشيد طائفي واضحة، وكانت التصريحات الأولى للمسؤولين مُرحبةً بها بوصفها تعبيراً عن وحدة الشعب والدولة. وقد أسفرت هذه المجازر عن سقوط مئات القتلى من الطائفة العلوية، بينهم نساء وأطفال، في حين فرّ الآلاف إلى الجبال أو عبروا الحدود مع لبنان. والحقيقة أن الأعداد الفعلية غير معروفة بعد فقد تتجاوز الألف، كما أن وسائل الإعلام منعت من التحرك والتغطية بحرية. وغالبية الفيديوهات التي يعتمد عليها صورها مقاتلو الهيئة بأنفسهم. واستهدف فلول النظام، بدورهم، العائلات على الطرقات العامة بين اللاذقية وإدلب.
وبهدف استمالة الطائفة العلوية، التي كانت تعتمد كليّاً على الدولة في الحصول على فرص عمل ومصادر دخل، استثمر المتمردون من فلول النظام السابق في مشاعر الخوف والإقصاء التي تنتشر في أوساط الطائفة العلوية بعد حلّ الجيش السابق وأجهزته الأمنية، إضافة إلى سياسات التسريح التعسفي التي تبنتها الإدارة الجديدة في إطار ما عدّته مكافحة الفساد والمحسوبية وتخفيف الأعباء المالية، مع أن الاعتبارات الطائفية كانت واضحة في عمليات التسريح، إلا أن نجاحهم ظل محدودًا.
مزالق الطائفية
ليست الطائفية مسألة جديدة أو طارئة أو استثنائية في سورية، وإن التعامل معها من هذا المنطلق هو عملية إنكار. وتُجنِّب عملية الإنكار القيادات السياسية والإعلامية والثقافية مواجهة خطرها. عرفت سورية تفجّر العنف الطائفي في كثير من المنعطفات في تاريخها، ولسنا بصدد مراجعة هذا التاريخ. ولكن الظاهرة تتخذ بعدًا خطيرًا في مرحلة انتشار الخطاب الشعبوي، ووسائل التواصل، والترحيب بالمشاركة الجماهيرية في الخطاب الثوري.
ليست مصادفة أن بدايات الثورة حملت شعارات صادقة مثل “لا للطائفية”؛ لأن الناشطين أدركوا خطرها وخوف الناس من تفجّرها إذا سقط النظام. فقد أدت سنوات طويلة من حكم عائلة الأسد، والطغمة التي تشاركها نِعَم الحكم من جميع الطوائف، إلى توظيف أوساط واسعة من المنتمين إلى الطائفة العلوية في أجهزة الدولة، ولا سيما الأجهزة الأمنية بدوافع الولاء. لم يكن غالبية هؤلاء من الحكام، بل من المحكومين. وفي ظل هذه العقود الطويلة من القمع، جرت عملية تدريجية لتحويل السوريين السنة إلى طائفة؛ طائفة الأغلبية المظلومة، لا سيما أن بعضهم كان يعتقد أن الحكام هم العلويون والمحكومون هم المسلمون السنة، مبسِّطًا طبيعة نظام الحكم إلى درجة التعمية والتجهيل، ومتجاهلًا الظلم اللاحق بالكرد والدروز والعلويين أنفسهم. ويذكّر ذلك بتحويل الشيعة العراقيين إلى طائفة مظلومة في ظل ما عُدّ حكم الأقلية السنية في العراق (وهو خطاب وجد قبولاً في الغرب أيضًا). ونشطت في المجتمع السوري قوى سياسية واجتماعية وثقافية من جميع الطوائف والانتماءات، قاومت هذه التعميمات، ومنها رجال ونساء قضوا عقودًا في سجون الأسد. وفي المقابل، كانت ثمة قوى سياسية منظمة تروج الخطاب الطائفي لأغراض التحشيد، تتراجع عنه أحيانًا، ثم تعود وتتبناه.
مع تحول الثورة إلى العنف المسلّح، جرت عمليات قتل على خلفية طائفية قامت بها مليشيات النظام، وكذلك فصائل معارضة. هذه الظاهرة ليست جديدة إذاً. ولكن القوى المؤيدة للثورة غالباً ما تجاهلت الخطاب والممارسة الطائفيين لدى الفصائل المسلحة، ولا سيما الإسلامية التي لم تتبنَّ أصلًا خطاب الثورة، خشية تفريق الكلمة وتقديم خدمة غير مباشرة للنظام.
وبعد انهيار النظام، انتشر شعور أن الحكم انتقل من الأقلية العلوية إلى الأكثرية السنية؛ وهو شعورٌ زائف. فالسنة محكومون حاليّاً أيضاً مثل بقية الطوائف. صحيح أن الحكام الحاليين سنة في أصولهم وعقيدتهم، ولكنهم يشكلون أقلية صغيرة عددًا ومذهبًا قياسًا بعدد السنة السوريين وتنوعهم الهائل. وعلى كل حال، لا يجوز قياس الأمور بهذه المعايير، ولكن من يستخدم الطائفية يقع في هذا التناقض. يجب وقف الترويج لهذه المقولات التي تهدف إلى جعل الطائفية السنية قاعدة النظام الرئيسة. فأولًا، لأن هذا لا يكفي؛ فالسنة لا يحيون على الهوية الطائفية، فهم يحتاجون إلى مصادر العيش الكريم وحقوق المواطنة. وقد تلهي الطائفية وسياسات الهوية عن المطالبة بها لفترة قصيرة فقط. ثانيًا، يقود هذا الخطاب الضاغط الإدارة الحالية إلى تبني مقاربة “نحن” و”هم” (مضمرة) تجاه بقية فئات الشعب السوري؛ ما يجعل من الدولة طرفاً اجتماعيّاً قبل أن تباشَر عملية بنائها، بعد أن هدمت غالبية مؤسساتها. فبدل العلاقة بين المواطن والسلطة، ومؤسسات المجتمع المدني والسلطة، تصبح المطالب نوعًا من الصراع. وهذا لا يُحلّ إلا بتسويات من دون عملية اندماج في “شعب سوري واحد” (كما في الشعار الشهير)، فلا يبقى منه سوى تسمية تطلق لتجمع “بالاسم” ما هو متفرّق في الواقع. ومن الضروري مواجهة هذا الخطر قبل أن يستفحل. ثالثًا، لا يجوز القول إن الإدارة لا تعترف بأكثرية وأقلية وتتعامل في الوقت ذاته على أنها هي الأكثرية والبقية أقليات. في هذه الحالة، تصبح المحاصصة الحل الوحيد؛ فلا يجوز فرض طابع بعينه على الدولة (يعدّه بعضهم طابعاً أكثريّاً، مع أنه ليس كذلك)، ثم مطالبة من أصبحوا “الآخرين” بالاندماج في ظله. فإما دولة مواطنة وإما محاصصة (مضمرة أو معلنة)، ومن لا يستطيع القبول بمصطلحات المواطن وأمة المواطنين، عليه أن يقبل بالمحاصصة. أخيراً، تعني الطائفية السياسية العنف الكامن، وتعبيره الرئيس هو الخوف الدائم الذي يعيشه الناس في بعض المناطق؛ لأنهم ليسوا آمنين على حياتهم وأملاكهم، والذي يمكن أن يخرج من الكمون في أزقة المدن ليلًا، أو في إغارات متبادلة بين قوى نائية، أو ينفجر في صورة مجازر دموية تشكل وصمة عار. والدليل على عمق الأزمة أن ثمّة من يدافع عما حصل أو يبرّره بعد انكشاف الحقائق.
ردّات الفعل الدولية
لاقت المجازر الطائفية التي شهدتها منطقة الساحل موجة استنكار واسعة عبّرت عنها خصوصاً القوى الدولية، ففي تغريدة على منصة إكس، قال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إن بلاده “تدين الإرهابيين الإسلاميين المتطرفين، بمن فيهم الجهاديون الأجانب الذين قتلوا الناس في غرب سورية في الأيام الأخيرة، وأن الولايات المتحدة الأميركية تقف مع الأقليات الدينية والإثنية في سورية، بما في ذلك المجتمعات المسيحية والدرزية والعلوية والكردية، وتقدّم تعازيها لأسر الضحايا”، وأنه “يتعين على السلطات المؤقتة في سورية محاسبة مرتكبي هذه المجازر ضد الأقليات”. أما روسيا فوصف وزير خارجيتها سيرغي لافروف ما حصل بأنه “انفجار للعنف غير مقبول تمامًا”، وأن روسيا “تشعر بالقلق إزاء كل ما يجري في سورية”، وأنها “تبذل جهودًا مع المجتمع الدولي لضمان الأمن لجميع الطوائف والفئات وجعل سورية خالية من التهديدات الإرهابية”، وأنها “تتشاور مع الولايات المتحدة في الأمم المتحدة”، حيث “يجري العمل على صياغة ردود فعل مناسبة”. وقد لجأ مئات المدنيين من الطائفة العلوية إلى قاعدة حميميم العسكرية الروسية في اللاذقية خلال الأحداث الطائفية. وفي حين عبّر المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تولك عن تلقّي الأمم المتحدة “تقارير مقلقة للغاية تحدثّت عن مقتل عائلات بكاملها تضم نساءً وأطفالًا، فإنه ينبغي إجراء تحقيقات سريعة وشفافة ومحايدة في كل الجرائم والانتهاكات الأخرى، ويجب محاسبة المسؤولين عنها انسجامًا مع معايير القانون الدولي وقواعده. والعدالة الانتقالية حاجة ملحة”. وعقد مجلس الأمن، في 10 مارس، جلسة مغلقة بطلب من روسيا والولايات المتحدة لبحث التطورات الأمنية في الساحل السوري، وسط دعوات “لمحاسبة المتورطين والدخول في عملية سياسية تضمن حقوق الأقليات”. أما الاتحاد الأوروبي فنشر بياناً عبّر فيه عن “إدانته الشديدة للهجمات الأخيرة على قوات الحكومة المؤقتة في المناطق الساحلية من سورية، والتي نسبتها تقارير إلى عناصر موالية للأسد، وجميع أعمال العنف ضد المدنيين”. وطالب بضرورة “حماية المدنيين في جميع الظروف مع الاحترام الكامل للقانون الإنساني الدولي”. كما دعا “جميع الجهات الخارجية الفاعلة إلى الاحترام الكامل لسيادة سورية ووحدتها وسلامة أراضيها”. وأصدرت ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا بيانات مماثلة، وألقت أخبار المجازر في الساحل السوري بثقلها على اجتماع دول جوار سورية الذي عقد في عمّان في 9 مارس، بمشاركة وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء هيئات الأركان ومديري أجهزة المخابرات في تركيا والأردن، ولبنان، والعراق، وسورية. وأكد الاجتماع أن “أمن سورية واستقرارها ركيزة للأمن والاستقرار في المنطقة”، ودان “المحاولات التي تستهدف أمن سورية والإرهاب بكل أشكاله، والتعاون في مكافحته عسكريًا وأمنيًا وفكريًا”.
أما إسرائيل، فقد استغلت هذه الأحداث وحاولت الاستفادة منها، إذ اتهم وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس قوات الحكومة السورية بارتكاب “فظائع ضد المدنيين العلويين”، وجدّد التأكيد على أن إسرائيل “ستحمي نفسها من أي تهديد قادم من سورية”، وأن “الجيش الإسرائيلي سيبقى في المنطقة العازلة وفي مرتفعات جبل الشيخ، وسيواصل حماية مستوطنات الجولان والجليل”، وأنه سيعمل على إبقاء جنوبي سورية خاليًا من الأسلحة والتهديدات، متعهدًا بـ “حماية السكان الدروز في المنطقة، ومن يمسّهم سيدفع الثمن”، على حد تعبيره.
خاتمة
ألحقت أحداث العنف الطائفي التي شهدتها مدن الساحل السوري وأريافه، وأسفرت عن مقتل المئات من المدنيين العزّل، أضراراً بالغة بمسار الانتقال السوري الذي بدأ بعد سقوط نظام الأسد، وما زالت وجهته غير معروفة؛ فلا إجابة عن سؤال: انتقال إلى ماذا؟ فقد عمّقت هذه الأحداث الشروخ بين فئات المجتمع السوري وأظهرت عجز الحكومة عن حماية مواطنيها، وبددت كل الجهود التي بذلتها على مدى ثلاثة أشهر منذ سقوط النظام للظهور بمظهر الحكومة المسؤولة والقادرة على تجنّب أعمال العنف الطائفي. فهي لم تتعامل مع أصل المشكلة المتعلقة بالطائفية التي تبدو أمرًا رائجًا ومصرحًا به في بعض الأوساط، بل ويتطابق مع دعم الإدارة الجديدة في نظر البعض. لا يجوز تجاهل قضية الطائفية، والمطابقة الموهومة للأكثرية الطائفية بالأكثرية السياسية، أو الحاكمة. ولا بد من مواجهة مسألة المواطنة السورية المتساوية التي تشمل المساواة في الحقوق وفي فرص المشاركة في مؤسسات الدولة، التي تبدو التعيينات جارية فيها على أساس الولاء لا الكفاءة. وقد تكون أحداث الساحل ألحقت ضررًا بالغًا بجهود الحكومة لرفع العقوبات، الأميركية خاصة، حيث تضع واشنطن حماية الأقليات شرطًا رئيسًا لرفعها. ويعد رفع العقوبات الأميركية ضروريًا للنهوض بالاقتصاد السوري الذي دمرته الحرب، ولإعادة الإعمار، ولنجاح الحكومة الجديدة في التعامل مع التحديات المعيشية الصعبة.
ورغم أن الحكومة السورية سارعت إلى احتواء الضرر، إذ اعترفت بوقوع انتهاكاتٍ طائفيةٍ، وتعهدت بالتحقيق في أحداث الساحل من خلال إنشاء لجنة تحقيق ومحاسبة المسؤولين، فإن استعادة ثقة السوريين تتطلب اتخاذ خطوات إضافية مهمة على رأسها إشراك كل فئات المجتمع في العملية السياسية، وتشكيل حكومة تمثيلية بعيدًا عن الإقصاء والاستئثار، وتجريم التحريض الطائفي، بما في ذلك الجاري دون توقف على وسائل التواصل، والتعامل مع كل السوريين باعتبارهم مواطنين متساويين في الحقوق والواجبات بغضّ النظر عن انتماءاتهم الطائفية والدينية والإثنية، والذي لا يجوز أن يبدو حسنة أو مكرمة، والإسراع في إطلاق مسار عدالة انتقالي يكفل محاسبة المجرمين، ويحدّ من عمليات الانتقام خارج إطار القانون، ويطوي صفحة النظام السابق وانتهاكاته.
العربي الجديد
———————————
قمعي وإبادي: نظرات في عنف الدولة في سوريا/ اسين الحاج صالح
على الدولة ألا تكون أهلية كي يكف المجتمع عن أن يكون أهلياً
12-03-2025
خبرنا في سورية خلال 14 عاماً ضربين من العنف، ضرب قمعي وضرب إبادي، يُسهِّل سياق صراعنا إدراك الفرق بينهما. فالعنف الإبادي، يقترن بـ«أهلنة» الدولة، أو بنمو الطابع الأهلي للفريق الممارس للعنف. العنف القمعي، بالمقابل، هو عنف الدولة العامة الذي يستهدف قوى أو أفعالاً دون تمييز يُحيل إلى المنبت أو الجذر الأهلي. بعبارة أخرى مألوفة أكثر، كلّما اتسعت مساحة التلاقي بين العنف والطائفية والدولة نما الطابع الإبادي لهذا العنف، وبالعكس يجنح العنف لأن يكون قمعياً أكثر وإبادياً أقل كلّما تقلصت هذه المساحة. وتحوز التشكيلات الطائفية المسلحة غير الدولتية طاقة إبادية على ما أخذنا نرى في عام 2013 وما بعد، وإن حدّت قدراتها المادية والتسليحية من هذه الطاقة بالمقارنة مع الدولة.
ويُفترض بالعنف القمعي في الحالة المثلى أن يكون منضبطاً بقواعد معلومة، متناسباً مع المخالفة أو الجريمة المفترضة، غير شخصي (أعمى عن حيثية الشخص)، وغير إذلالي بالتالي. العنف الإبادي، بالمقابل، فائض وغير متناسب، عشوائي ولا يمكن توقّع مقداره، إذلالي، وفي سياقنا يعامل الأشخاص كعيّنات عشوائية على جماعات أهلية هي المستهدفة بالإبادة.
وفي الربط بين العنصر الأهلي والعنف الإبادي منطق لا يصعب تبيّنه. فضروب التمايز الديني أو الإثني أو العرقي أو القومي، ومنها كذلك ما نسميه في سورية والمشرق التمايز الطائفي، هذه الضروب تسهّل نقل العلاقة بين الجماعات الأهلية، المتمايزة وفقاً لهذه الخطوط (الديني والعرقي…)، إلى نطاق العلاقة بين بشر ولا-بشر، أو بين مراتب في البشرية بعضها أقل شأناً وبعضها أرفع شأناً وقيمة، بما يحول دون التماهي أو الشعور بوحدة الحال بين منسوبي الجماعات، وما يبيح أو حتى يوجب التخلّص من أولئك اللا-بشر، أو البشر المنحطي المرتبة، على يد من هم أرفع قيمة واعتباراً. الإبادات الحديثة كلها تتضمن هذا البعد التقييمي الذي يثبّت مجموعة بشرية في صورة فاسدة أو شريرة، تمهد للتخلص منها. كان اليهود طفيليين فاسدين، يمتصّون دم العرق الآري، وينخرطون في مؤامرة يهودية بلشفية طعنت ألمانيا في ظهرها عند نهاية الحرب العالمية الأولى، لذلك وجب القضاء عليهم نهائياً في سياق الحرب العالمية الثانية. ووُصِف التوتسي في رواندا بأنهم صراصير وأجانب، ما خفض عتبة استهدافهم أثناء ما يوصَف بأنه الجينوسايد الأوسع قاعدة اجتماعية في التاريخ، لمشاركة قطاع واسع من الهوتو، أكثرية الروانديين، في قتل 800 ألف من جماعة التوتسي خلال 100 يوم فقط من عام 1994. ووصِف مسلمو البوسنة وكوسوفو بأنهم أجانب وبقايا محتلين أتراك، يعيشون دون حق في صربيا الكبرى، وهذا وقت كان قادة ديماغوجيون يرفعون من حرارة المشاعر القومية إلى درجة الحمى. في كل هذه الحالات وغيرها، القتل الخطابي يسبق القتل الفعلي ويمهد له.
وأقرب إلى سياقنا السوري بعد الثورة ثنائية إرهابيين وتنويعاتها (إمارات سلفية، دواعش، متخلفين، متعصبين…) وكفار وتنويعاتها (نصيرية، باطنيين…). ولضرب أمثلة عينية أكثر، كان يحدث أن توقِف حواجز النظام أشخاصاً لانحدارهم من محلة بعينها، ويُنادى على الشخص المعني: داريّا، انزل! أو: درعا، تفضل! يُعتقلون بعدها وقد لا يُعلم لهم مصير. اليوم بعد سقوط النظام يُسأل الناس في بعض المناطق بفجورٍ طائفي كامل: سنّي واللا علوي؟ وبالطبع العلوي هو الذي يتعرض للمخاطر. هذه نداءات إبادية.
سنوات ما بعد الثورة السورية، وبصورة أقل كثافة سنوات الحكم الأسدي كلها، هي سنوات أهلنة الدولة والمجتمع في سورية، أو تراجع طابعهما العام والجامع، ودرجة متقدمة من نزع المشتركات بين السوريين، المشتركات التي تصنع شعباً من أناس مختلفين. المنحى الإبادي في ما عرفته سورية من عنف يتصل بهذا الميل العام المديد. وهو ما كان يُخشى منه وقت سقوط النظام، وما أخذ يحدث بدءاً من يوم 6 آذار في مناطق الساحل السوري.
المستجد بعد الثورة دخول العنصر الجهادي، وهذا أجنبي في كل مكان، وأجنبيته مضاعفة: أجنبي عن منطق الدولة العامة مثل الجماعات الأهلية، ثم هو أجنبي أكثر منها لعدم ارتباطه بمجتمع وذاكرة وتاريخ ولغة وحساسية، ما يجعله يشغل موقعاً استعمارياً حيال المجتمعات المحلية التي يسيطر عليها. ومنذ الآن ينبغي القول إن الصحيح بخصوص هؤلاء الأجانب هو تجريد غير القادرين على العودة إلى بلدانهم من السلاح، وفرض إقامتهم في مواقع بعينها.
في العنف الممارس من قبل قوى الحكم الحالي في الساحل مكوّن قمعي، تمارسه القوى الأقرب للتكوين الدولتي (الأمن العام، وبعض الجيش الجديد)، ويتوجه ضد القوى الأسدية المسلحة، لكنه مخلوط بمكوّن أهلي إبادي بارز، يرجح لمرتكبيه المباشرين أن يكونوا قد اقترفوه بدوافع طائفية سنية و/أو جهادية. هذا يعود على الدولة بنزع صفتها العامة. لم ننتقل من الثورة إلى الدولة، مثلما قرر أحمد الشرع، بل إلى شكل مختلف عن الحكم الأسدي من الدولة الأهلية، وهذه حرب أهلية مستمرة، أو هي استمرار لحربنا الأهلية يحافظ على أهلنة الدولة والمجتمع.
ما يجري الآن في الساحل من حرب أهلية يجعل السلم الأهلي صعباً بعدها بالضبط بسبب العنصر الإبادي في هذه الحرب من طرف فريق «الدولة». كان كانط قد نصح المتحاربين بأن لا يرتكبوا في زمن الحرب ما يجعل السلم بعدها مستحيلاً، وفي باله وقتها، في الربع الأخير من القرن الثامن عشر، حروب الدول وما قد تشهده من فظائع. الحرب الأهلية في مجالنا، في سورية وقبلها في العراق ولبنان وغيرها، تعرض استعداداً خاصاً لأن تؤبّد نفسها عبر ارتكاب جرائم يتعذر نسيانها أو غفرانها، تسمّم العلاقة بين الأطراف إلى حد أن يستحيل السلم بعدها. بينما كانت تُرتكب فظائع في الساحل وتُقتل عائلات بأكملها، «غرّدت» السيدة عائشة الدبس، مسؤولة مكتب المرأة في الإدارة الحالية، تندد بـ«مرهفي الأحاسيس» الذين نسوا مجزرة الكيماوي، وألحقت التغريدة بصور أطفال من شهداء المجزرة. المجزرة الكيماوية هي بالفعل من الفظائع المشينة التي تُعسّر فرص السلم بعدها، لكن السيدة الدبس تستخدمها لإضفاء النسبية على جريمة جارية الآن، تشارك المجزرة الكيماوية في صفة تعسير السلم بعدها. في هذا ما يؤبد حالة الحرب الأهلية والاستعدادات الإبادية، وفيه فوق ذلك قلة احترام للضحايا، الضحايا القدماء وليس الجدد فقط، وذلك عبر الاستخدام الأداتي لهم لتبرير انحياز سياسي راهن.
ما تفتقر إليه سورية اليوم هو الدولة العامة. الدولة القائمة اليوم هي أقرب إلى دولة أهلية، والدولة الأهلية لا دولة في واقع الأمر، بل غَلَبة وشوكة وقهر. وهي، «دولة» اليوم، لم تبذل جهوداً متسقة لتجاوز الأهلي في تكوينها أو لمشاركة سياسية تحدّ منه. وبحكم موقعها العام تتحمل هي المسؤولية عن الوضع القائم اليوم. على الدولة ألا تكون أهلية كي يكف المجتمع عن أن يكون أهلياً، ومن أجل «السلم الأهلي». بالمناسبة، هذا التعبير الرائج في سورية في بضع الشهور الأخير متناقض ذاتياً، فالسلم لا يقوم على الانتظام الأهلي للمجتمع، على سورية يتجاور فيها دون أن يختلطوا فعلياً سنّيون وعلويون ودروز واسماعيليون وغيرهم، مسلمون ومسيحيون وغيرهم، عرب وكرد وغيرهم، بل على أشكال مدنية من الانتظام الاجتماعية تقوم على الطوعية واستقلال الأفراد والحريات العامة، بما فيها حرية التنظيم والكلام. الدولة العامة المدنية تقمع، وربما بقسوة، لكن عنفها ينضبط بمنطق عام، منطق المصلحة العامة (يُسمّى أحياناً منطق الدولة أو سبب الدولة raison d’etat). سحق قوى الفلول الأسدية المسلّحة يندرج ضمن عنف الدولة-الأمة القمعي.
الدولة الأهلية، بالمقابل، دولة غير عامة وغير عاقلة، مثلما يجدر بنا أن نعرف من سيرة الحكم الأسدي طوال 54 عاماً. وحين تغيب القوة العاقلة، الدولة العامة والمدنية، لا يسع المرء اليوم إلا الإهابة بالعقلاء من الوطنيين السوريين لبذل كل جهد ممكن لوقف العنف الإبادي، كما لتجنب وإدانة الخطابات الهائجة والتحريضية. العقلاء هم الدولة في غياب الدولة، كما في حضورها بشكل أهلي وغير عاقل.
موقع الجمهورية
——————————-
المواجهات في الساحل السوري.. التداعيات والمواقف
نشر في 11 آذار/مارس ,2025
مقدمة
انفجرت الأوضاع الأمنية في الساحل السوري، على إثر قيام مجموعة منظمّة في الساحل، بقيادة بعض ضباط النظام السابق، بمهاجمة قوات الأمن العام في الساحل، مما استدعى طلب تعزيزات من قوات الأمن العام، لضبط الأوضاع، ولكن ردّة الفعل جاءت واسعة وغير منظمة، حيث شاركت في العملية بعض فصائل الجيش الوطني المعروفة بسلوكها غير المنضبط، فضلًا عن حشودٍ غفيرة من مواطنين سوريين اندفعوا من مدن أخرى بأسلحتهم نحو الساحل، استجابةً لإطلاق بعض رجال الدين حملة نفير، من على منابر المساجد وعبر وسائل التواصل الاجتماعي. وأدت تلك العمليات على مدى عدة أيام، من 6 آذار حتى 8 آذار، بالإضافة إلى مقتل أكثر من مئة من عناصر الأمن العام، إلى مقتل أكثر من مئة من المسلّحين المتمرّدين، ومقتل نحو ألف شخص من المدنيين، قُتلوا انتقامًا بلا ذنب تحت تأثير ردّة فعل اتخذت طابعًا طائفيًا، وكان لذلك الأمر أثرٌ سيئ، داخليًا ودوليًا.
استغلّ بعض ضباط النظام القديم، ممن عُرفوا بارتكابهم جرائم سابقة، أوضاع الاحتقان التي تصاعدت على مدى الشهور الثلاثة الماضية إثر سقوط النظام، وجنّدوا بضع مئات من أبناء الساحل، حيث تصاعد الاحتقان بعد حل مؤسسات الجيش والأمن والشرطة، وفقد مئات الآلاف من عناصر هذه المؤسسات وظائفهم ومصادر دخلهم، وكان الجزء الأكبر منهم من أبناء الساحل، إضافة إلى عشرات الآلاف ممن سُرّحوا من وظائفهم من مؤسسات الدولة المدنية، من دون تأمين وظائف ومصادر دخل بديلة، ويضاف إلى ذلك آثار إجراءات التسوية التي فُرضت على جميع منتسبي مؤسسات الجيش والأمن والشرطة المنحلة، إذ أدت إلى تصاعد الشعور بالإهانة والحنق في صفوف هؤلاء، إضافة إلى العمليات التي تقوم بها مجموعات الأمن العام، ضمن ما يسمى “ملاحقة الفلول” التي لم تحدد قائمة متهمين محددين، بناءً على سياسة عامة محددة للعدالة الانتقالية، حيث لم تُشكل هيئة للعدالة الانتقالية، ولم تُحدّد إجراءات محددة للاتهام والاعتقال، ولا يوجد محاكمات، مما أطلق يد العناصر للتصرّف على نحو يخالف المبادئ التي تلتزم بها المؤسسات الحكومية عادة، ووصلت في العديد من الحالات إلى القتل. وقد خلقت كل هذه الأوضاع مناخًا ساعد مجموعة من الضبّاط السابقين في عهد الأسد، وهم ضبّاط مطلوبون لارتكابهم جرائم سابقة على مدى سنوات الحرب، في أن يجنّدوا معهم بضع مئات، وأن يقوموا بعملياتهم التي تهدف إلى زعزعة الاستقرار.
التصعيد العسكري في الساحل السوري: أحداث الأيام الأربعة الأولى
اليوم الأول: 6 آذار/ مارس 2025 – الهجوم المفاجئ
شنّ “لواء درع الساحل”، بقيادة مقداد فتيحة، هجومًا منسقًا على عدة مواقع عسكرية وأمنية في وقت واحد، وقد تزامن ذلك مع حملة إعلامية واسعة، وتظاهرات في بعض المناطق الساحلية مثل طرطوس، وكان الهدف من الهجوم السيطرة على نقاط عسكرية استراتيجية، حيث هاجمت مجموعات من “لواء درع الساحل” حواجز الأمن العام والمؤسسات المنتشرة في بانياس وجبلة واللاذقية، وتمكّنت من قتل 15 عنصرًا من الأمن العام، إلى جانب السيطرة على نقاط تفتيش على الطرق الرئيسية، ما أتاح للمجموعات المسلحة السيطرة على بعض القرى الجبلية في ريف اللاذقية لبعض الوقت.
بالتوازي مع ذلك، انتشرت عبر وسائل التواصل الاجتماعي أخبارٌ عن انتهاكات. وفي المقابل، دعوات إلى النفير العام في بعض المدن والبلدات السورية لنصرة قوات الأمن، فتوجهت فصائل عسكرية ومدنيّون من مختلف المناطق السورية، إلى الساحل، محمّلين بالسلاح، وبأعداد كبيرة تُقدّر بآلاف المقاتلين والمدنيين، وقد اتخذت تلك الحملة طابعًا طائفيًا، صبّ الزيت على النار، فبدلًا من أن يظهر الصراع أنه بين عصابات خارجة عن القانون وقوات الأمن العام، بدا وكأنه صراعٌ سنّي علويّ، وأدّى إلى فوضى في عمليات التعبئة، وعدم تنسيق الدعم العسكري من قبل وزارة الدفاع، الأمر الذي أسفر عن وقوع انتهاكات وحوادث قتل بحق بعض المدنيين.
اليوم الثاني: 7 آذار/ مارس 2025
مع تصاعد الهجمات وانتشارها، أعلنت الإدارة الجديدة إطلاق حملة أمنية واسعة لاستعادة السيطرة وفرض النظام، وأرسلت تعزيزات عسكرية، من محافظات إدلب وحماة وحمص وحلب، إلى مناطق الاشتباكات، وشنت قوات الأمن العام مع القوات العسكرية التي جاءت للمساندة مداهمات مكثفة في قرى ريف اللاذقية، طرطوس، وحماة، بهدف تعقب أفراد المجموعات المهاجمة، وأسفرت العمليات عن اعتقال مئات الأشخاص، بينهم مدنيون لم تثبت مشاركتهم في الهجمات، مما أدى إلى استياء شعبي واسع.
وبحسب بعض الروايات، تم تنفيذ إعدامات ميدانية بتهمة التعاون مع المسلّحين، وبحق مدنيين، ووفقًا لتقارير حقوقية، بلغ عدد القتلى 779 شخصًا، منهم ما يقارب 211 مدنيًا، خلال هذه العمليات[1]، مما أدى إلى انتقادات دولية واسعة، بسبب تلك الانتهاكات.
اليوم الثالث: 8 آذار/ مارس 2025
في صباح يوم 8 آذار/ مارس، أعلنت وزارة الدفاع السورية أن قواتها تمكّنت من استعادة السيطرة على معظم المناطق التي شهدت اضطرابات، خلال اليومين السابقين، وتم تنفيذ عمليات تطويق للمسلحين الفارّين، لمنعهم من إعادة تنظيم صفوفهم أو شنّ هجمات جديدة، وبالرغم من هذا الإعلان، استمرت حالات الكرّ والفرّ في بعض القرى الجبلية، مما يشير إلى أن الوضع لم يستقر تمامًا بعد.
خريطة رقم (1): النقاط التي هاجمتها العصابات التابعة للنظام بين 6-9 آذار / مارس 2025
للحصول على الخريطة بدقة عالية: الرابط
على الرغم من أن العمليات العسكرية استهدفت المسلّحين، فإن تقارير حقوقية أكدت وقوع انتهاكات عدة ضدّ المدنيين، وتم توثيق حالات اعتقال تعسفي، وعمليات قتل خارج نطاق القانون، وأدى ذلك إلى انتقادات دولية واسعة، وإلى فتح تحقيقات موسعة لمحاسبة جميع الأطراف المتورطة في هذه الانتهاكات. وأسفرت الاشتباكات عن نزوح مئات العائلات من المناطق المتضررة، إلى مناطق أكثر أمانًا، كما التجأ عدة آلاف إلى قاعدة حميميم، ولجأت عائلات كثيرة إلى لبنان، وزاد الضغط على البنية التحتية الضعيفة في المدن والبلدات المجاورة، وتأثرت الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه بشكل كبير، فتفاقمت معاناة السكان المدنيين الذين وجدوا أنفسهم وسط صراع لا يعترف بحيادهم.
أدت المعارك إلى تعطيل شبكات النقل والتجارة في المناطق المتضررة، وتسبب ذلك في ارتفاع أسعار السلع الأساسية، نتيجة انقطاع الإمدادات وتأثّر الأسواق المحلية، وتأثرت موانئ الساحل التي تعتبر مراكز اقتصادية حيوية، بسبب العمليات العسكرية، وتراجع النشاط الاقتصادي في المنطقة.
عززت المعارك حالة الاستقطاب الداخلي في سورية، حيث زادت المخاوف من تصاعد التوترات الطائفية والعرقية، ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا خطيرًا، حيث استغلّت بعض الجهات هذه الأحداث لنشر معلومات مضللة وإثارة الفتن، وقادت حسابات مرتبطة ببقايا نظام الأسد وخارجية حملة إعلامية ممنهجة، لنشر أخبار مضللة ومنسقة، تهدف إلى تشويه الحقائق والتأثير في الرأي العام، مستفيدة من غياب إعلام رسمي أو ناطق رسمي حكومي أو أي مصدر رسمي للمعلومات، ما ترك البابَ مفتوحًا لوسائل التواصل الاجتماعي، بما فيها من مساحة واسعة للشائعات.
تشكيل لجنة تحقيق وطنية
في 9 آذار/ مارس 2025، أصدر الرئيس أحمد الشرع قرارًا بتشكيل لجنة وطنية مستقلة، للتحقيق في الأحداث والانتهاكات التي وقعت في المناطق الساحلية منذ 6 آذار/ مارس 2025، وتألّفت اللجنة من خمسة قضاة وعسكري واحد ومحام واحد، وكُلِّفت بالكشف عن الظروف والأسباب التي أدت إلى هذه الأحداث، وتحديد المسؤولين عن الانتهاكات ضد المدنيين وعناصر القوات الأمنية، على أن يتم تقديم تقريرها خلال 30 يومًا.
في دمشق، نظّم ناشطون وقفة احتجاجية صامتة حدادًا على الضحايا المدنيين وعناصر الأمن الذين قُتلوا خلال الاشتباكات، ورفعوا لافتات كتب عليها “الدم السوري ليس رخيصًا”، لكن الوقفة شهدت مشادات مع متظاهرين مضادين، تطوّرت إلى اشتباكات بين الطرفين، فاضطرت قوات الأمن للتدخل وإطلاق النار في الهواء لتفريق الحشود.
وألقى الرئيس أحمد الشرع خطابين متلفزين متوجّهًا بهما إلى الشعب السوري، تناول فيهما التطورات الأخيرة وموقف الحكومة منها، وجاءت تلك الخطابات في توقيت حرج، حيث كانت البلاد تشهد توترًا غير مسبوق، ما جعل من الضروري توجيه رسالةٍ تطمئن المواطنين، وتؤكّد وحدة الدولة وسيادة القانون. وأدان الشرع بشدة أعمال العنف التي شهدتها مناطق الساحل، معتبرًا أنها تهدف إلى زعزعة استقرار البلاد، وإثارة الفتنة بين مكونات الشعب السوري، وشدد على أن الحكومة لن تتهاون مع أي محاولات للمساس بالسلم الأهلي، ورغم خطاب الرئيس الشرع فقد استمرت التوترات.
ردود الفعل الدولية
أعربت الأمم المتحدة عن قلقها البالغ إزاء التقارير التي تفيد بمقتل عائلات بأكملها، بما في ذلك نساء وأطفال، داعيةً إلى وقف فوري للعنف، وإجراء تحقيقات شفافة ومحايدة في هذه الجرائم، وأدانت واشنطن بشدة الهجمات التي استهدفت المدنيين، مؤكدةً وقوفها إلى جانب الأقليات الدينية والعرقية في سورية، وداعيةً السلطات الانتقالية إلى محاسبة مرتكبي هذه المجازر. لكن الاتفاق بين الحكومة الجديدة و (قسد) جاء ليؤكد أن أميركا داعمة للحكومة الجديدة، وأعربت لندن عن صدمتها من التقارير التي تتحدث عن مقتل أعداد كبيرة من المدنيين، وحثّت السلطات في دمشق على حماية جميع السوريين، وضمان مسار واضح للعدالة الانتقالية، وأكّدت برلين ضرورة منع وقوع مزيد من الهجمات، وأعربت عن استيائها من التقارير التي تتحدث عن عمليات قتل جماعي في الساحل السوري.
بتاريخ 10 آذار/ مارس، عقد مجلس الأمن اجتماعًا مغلقًا حول سورية، وقد استبقته المندوبة الأميركية في المجلس بتصريحٍ لافتٍ، حيث أكدت أن هناك دلائل واضحة على النفوذ الخبيث لإيران وسعيها لإعادة ترسيخ وجودها في سورية من خلال مجموعات تحظى بالدعم المالي واللوجستي الإيراني، وأن المجتمع الدولي سيدعم الحكومة السورية.
أما الدول العربية، فقد أعربت كل من القاهرة وبغداد عن قلقهما البالغ إزاء التطورات الأمنية في الساحل السوري، مؤكدتين رفضهما القاطع لاستهداف المدنيين، وداعيتين إلى ضبط النفس واتباع الحلول السلمية بدلًا من التصعيد العسكري. وأدانت كلٌّ من السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين الجرائمَ التي ترتكبها مجموعات خارجة عن القانون في سورية، وأكّدت وقوفها إلى جانب الحكومة السورية في جهودها لحفظ الأمن والاستقرار، وشدّدت الأردن على دعمها للإجراءات التي تتخذها الحكومة السورية لحماية أمن البلاد واستقرارها، وأدانت محاولات زعزعة الأمن ودفع سورية نحو الفوضى.
وعلّقت وزارة الخارجية التركية على التطورات، مشدّدة على ضرورة عدم السماح لمثل هذه الاستفزازات بأن تصبح تهديدًا للسلام في سورية والمنطقة، ووصف حزب العدالة والتنمية أحداث الساحل السوري بأنها “هجوم إرهابي يستهدف وحدة سورية واستقرارها”، رافضًا أي محاولات لزعزعة الاستقرار في المنطقة.
في يوم 9 آذار/ مارس 2025، عقد في عمّان اجتماع لدول جوار سورية، بحضور وزراء الخارجية والدفاع والمخابرات في دول جوار سورية، وأصدر المجتمعون بيانًا يؤكد الوقوف إلى جانب الحكومة السورية، والحرص على أمن سورية، ومنع التدخلات الخارجية بشؤونها، والعمل المشترك لمحاربة الإرهاب.
من جانب آخر، عبّرت روسيا عن قلقها إزاء تدهور الوضع في سورية، ودعت جميع القادة السوريين إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لوقف إراقة الدماء وحماية المدنيين، مشدّدة على أهمية تعزيز الوئام الوطني واحترام حقوق جميع المواطنين بغض النظر عن انتماءاتهم، وتسعى روسيا منذ سقوط نظام الأسد إلى الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في الساحل السوري، حيث توجد قاعدة حميميم وميناء طرطوس، وتحاول موسكو التأقلم مع الواقع الجديد عبر مفاوضات مع الإدارة الجديدة لضمان استمرار وجودها العسكري.
من جهة إيران، أصدر المرشد الأعلى علي خامنئي تصريحات تحريضية مباشرة ضدّ الإدارة الجديدة، معتبرًا أن ما يجري هو “مؤامرة ضد محور المقاومة”، وكانت إيران تحاول في الفترة الأخيرة إعادة تموضع أدواتها هناك، وربما استغلت حالة الاحتقان لدى بعض العلويين لتأجيج الصراع.
ومن خلال تحليل المواقف الدولية من الأحداث، يتبين أن بعض الدول الغربية تدين العنف وتطالب بالتحقيق، لكنها لا تعلن دعمًا مباشرًا للحكومة الجديدة، وأن الدول العربية منقسمة، فبعضها يدعم الحكومة صراحةً، وبعضها يكتفي بالدعوة لضبط النفس، في حين إن تركيا كانت داعمة للحكومة الجديدة في دمشق، وحذر وزير خارجيتها إيران مراتٍ من اللعب في سورية، أما روسيا وإيران فإنهما تحاولان حماية مصالحهما الاستراتيجية، لكن بطرق مختلفة، حيث تعتمد روسيا على التفاوض السياسي، وتلجأ إيران إلى التصعيد الإعلامي والتحركات الميدانية.
قد تؤدي الانتهاكات التي حصلت إلى تصاعد الضغوط الدولية على الحكومة السورية، وقد تستخدم بعض الدول الغربية ملفّ الانتهاكات كورقة ضغط لإبطاء عملية رفع العقوبات عن سورية، ما يعني أن هذه الأحداث قد تؤثر في مستقبل الاقتصاد السوري، وكانت الحكومة السورية تأمل في تخفيف العقوبات الدولية تدريجيًا، لكن الأحداث الأخيرة قد تعرقل هذه الجهود، خاصة مع تصاعد الانتقادات الدولية بشأن الانتهاكات، واستمرار المواجهات قد يدفع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى تمديد أو حتى تشديد العقوبات، ما قد يزيد من الأعباء الاقتصادية على الإدارة الجديدة.
أثارت هذه المواجهات قلقًا دوليًا، بسبب بعض الانتهاكات، وهو ما يضع الحكومة أمام اختبار صعب في تحقيق التوازن بين فرض الأمن وضمان العدالة والمحاسبة، وفي الوقت نفسه، أظهرت هذه الأزمة خطورة المعلومات المضللة في تأجيج النزاع، ما يعكس الحاجة الملحّة إلى تطوير آليات تحقق أكثر صرامة، ومكافحة التضليل الإعلامي الذي أصبح أحد أدوات الصراعات الحديثة.
سياسيًا وإقليميًا، فرضت هذه الأحداث على الدول الفاعلة في الملف السوري إعادة تقييم مواقفها، حيث انقسمت بين مؤيدة للحكومة الانتقالية، ومطالبة بمحاسبة الأطراف المسؤولة عن التصعيد، هذا التفاعل الإقليمي والدولي يعكس حقيقة أن استقرار سورية لا يعتمد فقط على التوازنات الداخلية، بل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمتغيرات الجيوسياسية والعلاقات الإقليمية، ما يجعل ترسيخ الاستقرار مرهونًا بالتفاهمات الدولية بقدر ما هو مرهون بالوضع الداخلي.
مقترحات:
تكتسب الأحداث الأخيرة أهمية كبيرة ودلالات خطيرة، تستوجب على الحكومة الوقوف والنظر من علٍ إلى مجمل المشهد السوري، لمنع تكرار ما حدث من جهة، ولاستخلاص الدروس ولامتصاص مفاعيل ما حدث، حيث تحتاج المرحلة الحالية إلى إجراءات عملية وحاسمة، لضمان الاستقرار وبناء سورية الجديدة على أسس عادلة ومستدامة:
– تعدّ إعادة كسب ثقة المجتمع أمرًا جوهريًا، فالشعب هو خط الدفاع الأول ضد الفوضى والجريمة، يجب أن تكون هناك إجراءات واضحة تعزز دور المواطنين في رفض العصابات التي تعبث بالاستقرار، بحيث يصبح الوعي المجتمعي جزءًا من الأمن الوطني، لا يمكن تحقيق هذا الهدف من دون برامج تواصل مجتمعي فعالة ومبادرات تعزز الشعور بالمشاركة والمسؤولية لدى المواطنين.
– تفعيل الحوار الوطني، وتشكيل هيئة وطنية تضمّ شخصيات ذات خبرة تمثل مختلف المناطق والمكونات السورية، مع تشكيل هيئات مماثلة في جميع المحافظات، هذا الحوار لا ينبغي أن يكون مجرد حدث شكلي، بل عملية حقيقية تستمر لعدة أشهر، يتم فيها مناقشة قضايا أساسية، بدءًا من الأحياء الصغيرة وصولًا إلى المستوى الوطني، مثل هذه العملية ستنتج أفكارًا مفيدة للسلطة، وستسهم في إعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوري.
– تشكيل فرق عمل مختصة لوضع استراتيجيات واضحة، في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية، لذا يجب إعادة الكوادر المدنية إلى مواقعها، ويجب أن تقدّم السلطة الجديدة وعودًا واضحة بمعالجة أوضاع الموظفين الذين تم الاستغناء عنهم في الإدارات المدنية، مع إعادة من لم تثبت إدانتهم بالفساد أو الجرائم إلى مواقعهم، مما يحقق نوعًا من العدالة الوظيفية، ويعزز استقرار الجهاز الإداري في الدولة، كذلك، يجب استعادة الكفاءات السورية من الداخل والخارج، فالكثير من الخبراء مستعدون للمساهمة في إعادة بناء سورية، لكنهم بحاجة إلى بيئة عمل تشجع على ذلك.
– تشكيل هيئة للعدالة الانتقالية أصبح ضرورة ملحة، حيث يجب وضع إجراءات شفافة وواضحة تضمن أن الاعتقالات تتم بناءً على أدلة كافية، مع استهداف كبار قادة النظام السابق، وإعلان أسمائهم بشكل واضح، وقد أثبتت تجربة الدول التي خرجت من حروب داخلية أن التوسع في المحاسبة العشوائية قد يؤدي إلى حروب أهلية مستمرة، ويجب أن تتم محاكمة المعتقلين في محاكم علنية عادلة، لضمان نزاهة العدالة وعدم تحوّلها إلى أداة للانتقام، على أن تشمل العدالة الانتقالية الجناة من كل الأطراف.
– لا بد من تجاوز مبدأ “الانسجام” الذي يترجم بالولاء على حساب الكفاءة، وهو ما انعكس سلبًا على الأداء الحكومي في المراحل السابقة، وتحقيق العدالة والمساواة في تولي المناصب يجب أن يكون وفقًا لمعايير واضحة، وليس بناءً على الانتماءات السياسية أو العائلية، هذا ما عكسه الرئيس أحمد الشرع في خطابه، عندما أكد أن “سوريا لجميع أبنائها”، ومن الضروري تجسيد هذا المبدأ في تشكيل المجلس التشريعي والحكومة، وإعادة العديد من الكوادر التي أُقصِيت.
– أن يصدر الإعلان الدستوري في أسرع وقت ممكن، وأن يكون ملبيًا لتطلعات الشعب السورية وتطلعه للحرية والديمقراطية.
– الإسراع بتشكيل حكومة تجمع بين التمثيل المتوازن والكفاءة، وأن تملك الصلاحيات والإمكانيات، وأن تسعى للحصول على مساعدات من الدول الصديقة، بما يمكنها من تغطية النفقات الإضافية الناتجة عن إعادة هيكلة المؤسسات وتطوير الخدمات الأساسية، وتوفير هذه الموارد سيساعد في توسيع السوق المحلية وتشجيع الإنتاج والاستثمار، وفي خلق فرص عمل جديدة تسهم في إعادة تنشيط الاقتصاد الوطني.
– إعادة هيكل القضاء، ليكون مؤسسة مستقلة قادرة على تحقيق العدالة، بعيدًا عن أي تدخلات سياسية، مع تعزيز مبدأ الشفافية والمحاسبة، لضمان عدم تكرار الأخطاء السابقة، ومنع أي تجاوزات قد تؤثر على ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
– الحرص على أن تنجز لجنة التحقيق في الانتهاكات الأخيرة مهمّتها بشفافية ومهنية وسرعة، وأن يُحال جميع المنتهكين إلى العدالة، وأن تُعلن نتائج التحقيق، مما سيكون لها عدة آثار إيجابية، داخليًا وخارجيًا.
– أن يظهر الإعلام الرسمي إلى الوجود بأسرع وقت، وأن يكون هناك ناطق رسمي يخرج إلى الناس بفترات متقاربة.
– تنفيذ قرار حل الفصائل المسلحة، ودمجها في الجيش الجديد، مع توزيع أفرادها على وحدات عسكرية مختلفة، لمنع بقاء نفوذ بعض الفصائل التي عُرفت بفسادها، هذه الخطوة ستسهم في إنهاء حالة الانقسام داخل المؤسسة العسكرية وتحقيق الانضباط المطلوب في القوات المسلحة.
– من الضروري إعادة دعوة الضباط المنشقين الراغبين والقادرين على الخدمة للانضمام إلى الجيش الجديد، حيث يحمل هؤلاء خبرات عسكرية وانضباطًا قد يُسهم في إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وتعزيز فاعليتها
– الإعلان بقوة عن ملاحقة من ينشر خطاب الكراهية في المجتمع، حيث إن التحريض الطائفي والعرقي يشكل وقودًا للصراعات الجديدة، ويؤدي إلى زعزعة الاستقرار.
– أن تتوقف إجراءات التسوية القائمة حاليًا، إذ إنها توحي بأن جميع الأفراد متّهمون وعليهم إثبات براءتهم، وهو نهج يزيد من الشعور بالإهانة والغبن، ويعمّق الانقسامات داخل المجتمع، بدلًا من ذلك، يجب أن يكون هناك نهج جديد يقوم على إعادة دمج الأفراد في المجتمع، مع الأخذ بعين الاعتبار الأخطاء التي ارتكبها البعض أثناء فترة حكم النظام السابق، من دون أن يتحول ذلك إلى عقاب جماعي دائم.
– لا يمكن الاستغناء عن جهاز الشرطة السابق بمجمله، لأن خبرته أساس في ضبط الأمن الداخلي، ولا يمكن استبداله بقوات أخرى خلال فترة قصيرة، كما تحاول الحكومة الحالي، ويجب دعوة عناصر الشرطة للعودة إلى عملهم، مع ضبط أي انتهاكات سابقة، لضمان أن يصبح هذا الجهاز أكثر مهنية وفاعلية.
– أن تولي السلطة الجديدة أهمية خاصة لرفع العقوبات، والعمل الجاد على رفعها، فبدون رفعها لن يكون ثمة استثمار ولا إعادة إعمار ولا عودة لاجئين.
إن مصلحة سورية وشعبها اليوم تكمن في العمل على بناء دولةٍ لجميع أبنائها، تتحقّق فيها القيم الإنسانية التي ثار السوريون من أجلها، وتسمح بحرية التنظيم وحرية التعبير وحرية الاعتقاد، وتعزز المواطنة المتساوية، دولة بإدارة حكومية ذات كفاءة ومسؤولية، تعمل لخلق بيئة سليمة تزدهر فيها قدرات السوريين أفرادًا وجماعات.
[1] تغريدة لمدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، على منصة X، بتاريخ 10، آذار/ مارس 2025، الرابط: https://bit.ly/4iEE8WD
تحميل الموضوع
مركز حرمون
———————————-
أمّ أيمن: حارسة جثث أبنائها في الساحل السوري/ مناهل السهوي
13.03.2025
لا شيء في هذا العالم يُمكن أن يبرّر مشهد أمّ في السادسة والثمانين من عمرها، واقفة أمام جثث أبنائها، وحدها في وجه القسوة، تتكئ على نفسها، تُصارع الانكسار، وتُجادل قتلة سرقوا منها كل شيء إلا صمودها، لتقول لهم بما تبقى لها من قوة: “فشرت”.
أمّ أيمن، السيدة زرقة سباهية لم تكن مجرّد أمّ ثكلى، بل حارسة ألم عميق وذاكرة قسوة بالغة. أربعة أيام قضتها بجوار جثث أبنائها وحفيدها، الذين قتلهم مسلحون متشدّدون في قريتها، تحاول منع القتلة والكلاب الشاردة من انتهاك جثثهم، بعدما منعها المسلحون من دفنهم. جلست تحرس ما تبقى من وجودهم، كما لو أن بقاءها قربهم يردّ عنهم قسوة الموت الثاني.
القتلة وثّقوا جريمتهم بالفيديو، متباهين بشماتتهم بالسيدة التي تقف مكلومة قرب جثامين أبنائها.
لا شيء في هذا العالم يُمكن أن يبرّر مشهد أمّ في السادسة والثمانين من عمرها، واقفة أمام جثث أبنائها، وحدها في وجه القسوة، تتكئ على نفسها، تُصارع الانكسار، وتُجادل قتلة سرقوا منها كل شيء إلا صمودها، لتقول لهم بما تبقى لها من قوة: “فشرت”.
وقعت الجريمة في السابع من آذار/ مارس، حين اقتحمت مجموعات أمنية، كان بعض عناصرها مكشوفي الوجوه وآخرون ملثمين، منزل العائلة في قرية قبو العواميد في ريف القرداحة، وفقاً لما روته ابنة السيدة زرقة للمرصد السوري لحقوق الإنسان. لم يكتفِ القتلة بإزهاق الأرواح، بل حرموا الأمّ من حقّ دفن أبنائها. تروي الابنة: “كانت تناوب على حراستهم ليلاً ونهاراً”.
ومنذ 6 آذار / مارس تُرتكَب مجازر بحق الطائفة العلوية، وكل من يحميها في الساحل السوري، على يد فصائل مسلحة تابعة الإدارة الجديدة، وبحسب ما قالت ابنة زرقة للمرصد السوري، قام المسلحون بتفجير أقفال المنزل بالقنابل، قبل أن ينهبوا محتوياته، ويجبروا الشبان الثلاثة على الخروج.
وقالت الابنة: “سألهم المسلحون: “أنتم علوية أم سنية؟ لا تهمّهم الاجابة: بكل الأحوال سوف تُقتلون، قالوها ثم أطلقوا النار عليهم، رغم تأكيد الشبان أنهم مدنيون، ويُدرّس اثنان منهم اللغة الإنجليزية في الجامعة”.
في الفيديو الذي انتشر على نطاق واسع، يوجّه أحد المسلحين كلاماً ساخراً للأمّ: “هذول ولادك… نحن عطيناكم الأمن بس أنتم غدارين”، لتصرخ في وجهه: “فشرت”.
لا شيء يُمكن أن يبرر وقوف أمّ مكسورة أمام جثث أبنائها، بينما يضع غريب قدمه على رأس أحدهم، متباهياً بقوته العسكرية والطائفية. هذه ليست حرباً فقط، بل سقوط أخلاقي مدوٍّ، تتشابه فيه الأدوار، فيما تبقى الأمّهات السوريات وحدهن في ساحة الفقدان.
مشهد الأمّ المنكوبة أمام جثث أبنائها وحفيدها هو التجسيد الأقسى للحقد الطائفي – السياسي في سوريا. أمّ مكلومة يُطلب منها أن تسلُّم جثث أبنائها، في صورة تُعيدنا إلى أمهات فقدن أبناءهن خلال الثورة، حينما اتصل أمن الأسد بعائلاتهم، وطلبوا منهم أن يأتوا ليستلموا جثث أبنائهم بعدما نكلوا بهم.
أمّ أيمن، التي لم يكفِها فقدان منزلها في زلزال 6 شباط/ فبراير 2023، وجدت نفسها أمام فقدان أشدّ قسوة… فقدان أبنائها. تعيش في بيت متواضع، تعمل مع عائلتها في الزراعة، تُكافح كما تُكافح آلاف الأمّهات السوريات لإبقاء الحياة قائمة رغم كل شيء. أحد أبنائها الذين قُتلوا كان مترجماً وكاتباً، والآخر عسكرياً أجرى تسوية قبل ثلاثة أشهر.
ليست هذه القصة استثناء، بل صورة مصغّرة عن سوريا كلها. هذه العائلة تُشبه كثيراً من العائلات السورية في الجنوب والشمال، عائلات أنهكها الفقر، لكنها لم تستسلم، عائلات دفعت أبناءها نحو التعليم مهما كان الثمن، رغم العوز والقهر.
“هذول ولادك… نحن عطيناكم الأمن بس أنتم غدارين”، لتصرخ في وجهه: “فشرت”.
من يقتل السوريين اليوم ليس غريباً، رغم وجود المقاتلين الأجانب الذين يرتكبون انتهاكات جسيمة بلا شك، لكن يكفي متابعة فيديو الأم زرقة وسماع اللهجة لندرك أن القاتل سوري، قاتل ربما كان قبل أشهر فقط ضحية، ليجد نفسه اليوم في موقع لا يختلف عن مكان من كانوا يظلمونه.
والأكثر قسوة من الجريمة ذاتها، هو أننا بدل أن نحزن مع هذه الأمّ ونواسيها، ننشغل بالبحث في هويّات الضحايا، كأننا بحاجة إلى إثبات أنهم ليسوا من فلول النظام كي نُبرّر تعاطفنا معهم، لكن حتى لو كانوا كذلك، هل يُعاقَب الأبناء بالموت، وتُعاقَب الأمّهات بالتشفّي؟
هذه ليست مجرّد معركة أخلاقية خاسرة، بل سقوط في دوامة استرخاص للألم السوري، وللأمّهات السوريات اللواتي دفعن أثمان الثورة منذ أربعة عشر عاماً، وحتى اليوم. كأننا نُعيد إنتاج منطق الجلاد نفسه، ولكن بثوب مختلف، حيث يُقاس الحزن ويُفلتر التعاطف وفقاً للانتماءات، لا وفقاً للإنسانية.
لماذا يجب أن نبرهن أن أبناءها ليسوا فلولاً؟ لماذا نصرّ على تصنيف الموت قبل أن نسمح لأنفسنا بالحزن؟ كأننا نختار الأمهات اللواتي يستحققن التعاطف، ونتجاهل حزن الأخريات عمداً، كأن الفقدان نفسه يحتاج إلى شهادة حسن سلوك.
للحقيقة، يجب أن تكون هذه الجريمة لحظة يقظة، أن تحوّل أنظارنا جميعاً إلى المكان الصحيح، لنرى بوضوح نتائج العنف والتجييش الطائفي، ونُدرك إلى أين أوصلتنا هذه الدوّامة القاتلة. يجب أن تكون صرخة تجمعنا في موقف واحد ضد وحشية القتل، لكننا، مرة أخرى، على ما يبدو، أضعنا البوصلة.
وبدل ذلك، تحوّلت الأنظار نحو أسئلة من قبيل “إنهم من فلول النظام”، “لولا فلول الأسد لما حدث ذلك”، “هذه الصورة مزيّفة”، “نعم، قُتل علويون، لكن ليس بهذه الأعداد”، “دعهم يذوقون معاناتنا”… كلها حجج لا تدافع عن الحقيقة، بل تكشف عن خوفٍ عميق لدى أصحابها، من أن يكونوا قد تحوّلوا، دون أن يدركوا، إلى الوجه الآخر للأسد.
التبرير هو أسوأ ما يُمكن أن يحدث اليوم في سوريا، ليس فقط لأنه يعكس نهج الأسد وأتباعه في تبرير المجازر وإنكارها، بل لأنه يمثّل انحرافاً متعمداً عن الحقيقة، بهدف حماية وُجهات النظر والمعتقدات، حتى وإن كان ذلك على حساب العدالة والضحايا.
سهيل ريحان ابن زرقة وإحدى الجثث التي تكوّمت أمامها، كتب في 8 كانون الأول/ ديسمبر محتفلاً بسقوط الأسد: “وطن واحد شعب واحد، مع فجر يوم جديد، فلنوحّد جهودنا لخدمة الناس وسوريا الواحدة الموحّدة، فليكن هدفنا الأسمى بناء سوريا الجديدة في هذا العهد الجديد”.
لكن “سوريا الجديدة” قتلت سهيل، سهيل الذي وقف إلى جانب انتصار سوريا، الذي هتف لها وظنّ أنه جزء من ملامحها المقبلة. لم يُقتل لأنه قاتل ضدها، بل لأنه لم يُثبت بما يكفي أنه ليس علوياً مؤيداً للأسد، وكأن مجرّد انتمائه الطائفي بات تهمة تستوجب التصفية.
السيدة أم أيمن ليست مجرد أمّ مفجوعة، بل هي صورة لكل أمّ سورية، لكل امرأة حملت أبناءها في قلبها، قبل أن تحملهم على يديها. لهذا رأينا الكثير من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تشبّهها بأمهاتنا، فهي ليست غريبة عنا، بل نسخة من وجوه الأمهات اللواتي كبرنا في دفء أذرعهن.
تُشبه أم أيمن كل أمهاتنا، بوشاح الرأس المربوط بإحكام، والثوب الطويل، والجاكيت الصوفي الذي ربما حاكته بنفسها في ليالي الشتاء الطويلة، تماماً كما تفعل أمهاتنا. لها الاتكاءة نفسها، الحزن المكابر نفسه، والحب نفسه الذي لا يتزحزح أمام الموت والخذلان.
تقول الصحافية والناشطة مزنة أصلان التي فقدت والدها على يد قوات نظام الأسد وتهجّرت من القصير هي وعائلتها: “متضامنة مع خالة أم أيمن الي ذكرتني بـ 2011 لما فاتت قوات النظام لبيتنا واعتقلت خيي عمره 16 سنة من قدام عيونا وقعدوا يلدوعوه بالسجاير قدام الماما”.
لم يعد الموقف السياسي أو الفعل هو ما يحدّد مصير الإنسان في هذه الحرب، بل اسمه، طائفته، جذوره، نظرة الآخر إليه. هكذا، تحوّلت البوصلة الأخلاقية لكثيرين إلى الطائفة، لا أكثر ولا أقل، وكأن العدالة لم تكن يوماً هدفاً، بل مجرّد سلاح آخر في يد المنتصر.
وسط هذه المذبحة، تُهمَّش أصوات الأمّهات، تُقصى نساء سوريا عن القرار، كأن الحرب شأن رجالي بحت، وكأن الأمّهات لسن صاحبات الحق الأول في تحديد مصائر أبنائهن. هل سألهن أحد إن كنّ يُردن الاستمرار في هذا الطريق الدموي؟ أكاد أجزم أنه لو كان القرار بيد الأمّهات، لما وصلنا إلى هذا الخراب، لما كان هناك كلّ هذه القبور المفتوحة، ولا كلّ هذه الدموع التي لا تجد من يمسحها.
وكما كتبت الشاعرة وداد نبي: “ليس للأمهات طائفة أو دين، انتموا إلى دموع أمّهاتكم، لننجو معاً”.
درج
——————————-
سورية بين الأمل وخيبته/ حسان الأسود
13 مارس 2025
لا يكتفي البشر بما بين أيديهم، فطبيعتهم مختلفة عن بقيّة الكائنات الحيّة. لذلك تراهم يتطوّرون باستمرار، والتطوّر يبدأ عندهم بفكرة أو بخيال أو بحلم، ومن الأفكار جاءت العلوم، بينما ولّد الخيالُ الآدابَ والفنون، وكان نصيب الأحلام أن تخلق الثورات والحروب. يسعى الإنسان، على الدوام، إلى ما لا يمتلكه، فتراه يجوب البحار ويشقّ الفضاء ويغوص في مكنونات المادّة والنفس البشرية. يخرق الإنسان الحدود ويوسّع دوائر معارفه، ثمّ يضبطها في حيّز ليستوعبها، فاكتشف القوانين ليضبط فيها عقله المتمرّد قبل الأشياء والعوالم، ولكي يعيد دمج ذاته بالطبيعة اخترع الأديان، ثمّ اهتدى إلى وجود الخالق. ولمّا عجز عن ربط المحسوسات بالغيبيات اخترع الفلسفة، فبدأ حرفة التعميم من الجزئيات إلى الكليّات.
كانت ثورتنا السورية حلماً بمستقبل أفضل، مرّ في نومنا الذي امتدّ منذ 8 مارس/ آذار 1963، فأيقظ فينا حماسةً لا تخبو، وعزيمةً لا تلين، فصمدنا بوجه أعتى نظام بطشٍ عرفته البلاد في طول تاريخها، وانتصرنا رغم وقوف كلّ جناة الأرض في طريقنا، فكان 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024 يوم الحسم مع الاستبداد بلا رجعة، وكان التحرير بداية القيامة السورية الجديدة. ولأننا دفعنا الغالي والنفيس للوصول إلى هذا اليوم، نحن نطمح إلى الكثير والأفضل. من هنا تأتي نقاشاتنا المستمرّة حول مسارات بناء سورية الجديدة، ومن هنا يأتي الثناء على كلّ إيجابية، والنقد لكل سلبية أو خطأ أو انحراف. جاء انهيار النظام نتيجة حتمية لعوامل النخر الداخلي التي صنعها بذاته، وتضافرت معها ظروفٌ إقليمية ودولية عديدة، فكانت الفصائل العسكرية القوى الوحيدة القادرة على ملء الفراغ الأمني والعسكري، وهذا أورث شرعية ثورية لا تكفي بذاتها لتغطية الفراغ الدستوري والسياسي والإداري في البلاد. حاولت السلطة الجديدة التأسيس لشرعيةٍ مقبولةٍ شعبياً ودولياً، فحكمتها توازناتُ القوى الداخلية بدايةً، الأمر الذي تمثّل بمؤتمر إعلان النصر، الذي ضمّ غالبية الفصائل العسكرية.
فرحنا بالتحرير الذي حفظ الدماء والممتلكات، تفاعلنا مع مؤتمر إعلان النصر الذي نصّبت فيه الفصائل العسكرية رئيساً خلال المرحلة الانتقالية، تساجلنا كثيراً بشأن مؤتمر الحوار الوطني، فكان فريقٌ منا يراه كافياً وقد حقّق النتائج المرجوّة منه بالتأسيس لمشروعية شعبية تغطّي ضرورات المرحلة، وتؤسّس لإعلانٍ دستوري وحكومة انتقالية ومجلس تشريعي مؤقّت. بينما رأى فريقٌ آخر أنّه قزّم من مؤتمر سوري كبير تأسيسي ثانٍ ليأتي على شكل ورشة عمل مشابهة لما تقوم به أيّ منظمة مجتمع مدني. رأي الفريق الأول أنّ الظروف الإقليمية والدولية استدعت الاستعجال، بينما رأى الثاني أنّ الظروف ذاتها تقتضي تعميق الحوار البيني السوري للوصول إلى عقد اجتماعي جديد، وعهد وطني دائم. وفي كل الأحوال، لا يمكن لنا معرفة الصواب من الخطأ في كلا الرأيين، والتاريخ سيحكم علينا وعلى ما قمنا به.
قبل أيّامٍ، ناقشنا الإعلان الدستوري واللجنة المكلّفة بكتابة مسوّدته، واختلفنا على كيفية تشكيل اللجنة، وعلى صلاحياتها وطبيعة مُخرجات عملها، وعلى موضوع الإعلان الدستوري وجوهر موادّه والجهة المختصّة بإصداره. ليس هذا الاختلاف ترفاً ولا تزيّداً، بل هو وضع صحّي، يدلّ على حراك مجتمعي قويّ يتابع الانخراط في الشأن العام. لقد ولّى الزمن الذي كان الشعب فيه مقصىً عن المشاركة في رسم مسارات حياته، وجاء اليوم الذي سنشارك فيه بصناعة حاضرنا ومستقبلنا من دون خوفٍ أو تردّد. بمرور الأعوام الأربعة عشر على اندلاع الثورة السورية، باتت البلاد حُطاماً على حطام، فلا بنية تحتية ولا اقتصاد ولا موارد مالية ولا قوى بشرية عاملة، تُضاف إلى ذلك عقوبات اقتصادية خانقة. أدّت الحرب التي شنّها النظام على الشعب إلى تذرّر العقد الاجتماعي وتفتت الهُويَّة الوطنية، وهذا عزّز الهُويَّات الفرعية، التي لم تكن دائماً على توافق مع الهُويَّة الوطنية السورية.
نناقش اليوم ما يحصل في الساحل السوري، وانقسمنا هنا أيضاً بين مُنكرٍ وجود مشكلةٍ من أساسها حاصراً الأمر بفلولٍ مجرمة، لا تريد القبول بانتصار الثورة، وتصرّ على إعادة عقارب الزمن إلى الوراء، ومدّعٍ وجود حرب إبادة جماعية على الأقلّية العلوية من الدولة وأجهزتها الأمنية والعسكرية. صوت الحقيقة غائبٌ عن المشهد، فصوت الرصاص والشعبوية والخوف والتخوين أعلى من صوت العقل.
لا يماري أحدٌ بأنّ التحرير كان سلساً، ولم تقع فيه انتهاكاتٌ، أو تجاوزاتٌ بحقّ العلويين، فقد كانت أرتال السيارات المحمّلة بضباط الجيش والمخابرات وعائلاتهم تمرّ أمام قوات ردع العدوان متّجهة من دمشق وحمص وحماة وحلب إلى الساحل، من دون أن تتعرّض لها الأخيرة بالأذى. كان خطاب رئيس البلاد الجديد واضحاً أننا سنذهب إلى محاسبة الجناة من دون المساس بالأبرياء، لكنّ المتضرّرين من هذا الأمر كثيرٌ عديدهم، فكل من تلوّثت يداه طوال 14 عاماً سيكون عرضة للملاحقة، والحلّ الأمثل في رأيه استمرار الفوضى والحرب، إن لم يكن إعادة الحال إلى ما كان عليه وإسقاط العهد الجديد. المتورّطون في الجرائم بالآلاف، بل بعشرات الآلاف، فكيف لنا أن نصدّق ركونهم وقبولهم بالهزيمة؟
لكنّ النفوس محتقنة، وجاءت بعض ممارسات الإدارة الجديدة مخيّبة للآمال بالنسبة لأهالي الضحايا، فإجراء التسوية مع عدنان مخلوف وأمثاله، وإبقائهم طلقاء، شكّل صدمة كبيرة لدى الناس، وولّد شعوراً بأنّ المجرمين سيفلتون من العقاب، وهذا أدّى إلى فورة من الغضب تجلّت بالحشود الشعبية الكبيرة التي تشكلت عفوياً للتصدّي لهجمات الفلول في الساحل.
تعامل الرئيس بمسؤولية كبيرة مع هذه التطوّرات، فخطب بالشعب مرّتَين خلال 48 ساعة، وأصدر الأوامر باتباع القانون وتعليمات القادة، وعدم ارتكاب الجرائم، ووعد بمحاسبة المنتهكين. وشكّل لجنةً لتقصّي الحقائق وأخرى للسلم الأهلي، وهذه استجابة سريعة ومسؤولة، على عكس ما كان يصدُر من رأس النظام البائد، الذي تأخّر أسبوعين، قبل أن يخطب في مجلس الشعب ضاحكاً ساخراً من دماء السوريين. يبقى أن نرى وقفاً لمشاركة الفصائل غير المنضبطة، وإحالة العناصر الذين ارتكبوا التجاوزات إلى القضاء، والسماح للهلال الأحمر والدفاع المدني والإسعاف بالدخول إلى الساحل لمساعدة الناس المنكوبين هناك. يجب أن يسمح للصحافة والإعلام بالدخول أيضاً لإظهار الحقائق كما هي، فقد ولّى زمن التعتيم والتغطية على التجاوزات والجرائم. سورية اليوم في مفترق طرق، وأهلها يراوحون بين الأمل وخيبته، وعسى ينتصر الأول وتولّي الثانية بغير رجعة.
العربي الجديد
—————————–
في المظلومية السنية و العلوية السياسية/ عبد الناصر كحلوس
هي مقالتي الأولى في سوريا الحرية بعد التحرر والانعتاق، بعد النصر وهروب الجزار… بعد حوالي 62 سنة من سرقة البلاد واستلاب العباد، منذ انقلاب 63 وتوغل النظام العسكرتاري في حياتنا وأحلامنا وشراييننا… هي الحرية التي حلمنا بها وتمنيناها.
كثيرًا ما يردد الناس المثل: “كلمة الحق بتقهر”، فهل هي فعلًا كذلك؟! وكيف يرى الناس ذلك على الأرض، بعيدًا عن الميديا وثرثرتها، وعن حديث النخب وفلسفة المثقفين والمتثاقفين؟
ربما لأننا اعتدنا على المجاملات أو على النفاق وتمسيح الجوخ، بات الحق مكروهًا، والحقيقة موجعة مؤلمة، أو ربما هي تجلٍّ لمقولة عمر بن الخطاب: “ما ترك لي الحق من صاحب”. وعليه، سأتكلم بصراحة دون مواربة، حتى لو كانت جارحة.
فلا سكوت بعد اليوم، بعد الثمن الباهظ الذي دفعناه جميعًا، يجب أن نتكلم ونسمي الأشياء بمسمياتها، ونفتح كل الجروح ونعقمها حتى لو آلمتنا، وننبش كل الألغام وننزع فتيلها، حتى نبني سوريا بقواعد سليمة وعلى أرضية صحيحة نظيفة، كما نتمنى ونشتهي.
باتت مفردة “الأقليات” الكلمة الأكثر تداولًا وانتشارًا بعيد التحرير، وصار الحديث بها وعنها “ترند” كما يقال بلغة الميديا. وحاولت جاهدًا ألّا أتحدث عنها، لكن غلبتني شهوة الكتابة بعد الحرية أولًا، واللغط الذي قد يحدث شررًا قد لا تحمد عقباه ثانيًا، فرأيت أن أدلي بدلوي فيما أعتقد.
هناك فهم خاطئ، سهوًا أو عمدًا، لمفهوم الأقلية والأكثرية، حين يكون المعيار هو الكم والعدد، لا الفعل وقوة التأثير. فالطائفة السنية أو السنة في سوريا هم أقلية منذ انقلاب 63 وتسلم اللجنة العسكرية وبداية تحييد المكون السني من مراكز القرار والفعل، ومن المناصب الفعلية السيادية، والإبقاء على ديكورات سنية كركوزاتية هنا أو هناك. وتبعها لاحقًا تحييد مكونات أخرى كالدروز مثلًا (حركة تسريح الضباط الدروز بعد قتل حاطوم)، ثم العمل على “علونة” الدولة، وزج الطائفة العلوية كواجهة لحكم عائلة الأسد (وهو أحد أسباب الخلاف مع صلاح جديد ورفاقه وحبسهم)، فيما سمي بـ “الحركة التصحيحية”.
ما جعل كل الإدارات الهامة والحساسة، كالجيش والأمن والمخابرات، تدار بقيادات علوية، حتى وإن بدا في الواجهة ضباط سنة. ولا يختلف الأمر كثيرًا في كافة مناحي الحياة السورية من مدراء ووزراء ومحافظين، مع إطلاق يدهم بلا رادع ولا قانون في النهب والفساد والإفساد، لا بل وزاد على ذلك استصدار قوانين تحميهم من الملاحقة القانونية أو العقابية، إضافة إلى قوانين الإيجار والاستيطان في المدن الكبرى، ونقل النفوس والخلط واللغط لصالح الدوائر الانتخابية… إلخ، مما عرفه السوريون وعاشوه وعانوه.
وجاءت مجزرة حماة وأحداثها والاستهداف السني “المظلومية السنية ” . لتكرس العلوية السياسية وهي وليدة توظيف العصبية الطائفية في لعبة السلطة و تحولت اللهجة العلوية وطريقة نطق حرف القاف إلى جواز مرور، وصار البعض من غير الطائفة يستخدمه على مبدأ التقية، وباتت اللهجة العلوية ومكان قيد النفوس في البطاقة الشخصية (إن كان “من فوق، من الضيعة أو محيطها”) جواز مرور دبلوماسي في دوائر الدولة ومفاصلها، يضفي حصانة ورهبة لحامله.
واستمر الحال على ذلك حتى بداية الثورة السورية، آذار 2011، حين قرر بشار الأسد الحرب على السوريين، وأعاد الاعتبار للمكون السني وجعله الأكثرية!! فكانت أكثرية المدن التي دمرت سنية، وأكثرية الشهداء من السنة، وأكثرية المعتقلين من السنة، والمهجرين من السنة، والمفقودين والملاحقين من السنة، وأعيد الاعتبار لهم ولكن بأكثرية الموت.
هل يعني ذلك أن كل الطائفة العلوية كانت مع الأسدين؟ لا أبدًا، فهناك مهمشون وفقراء ومعارضون علويون دفعوا أثمانًا من حياتهم في معارضة الأسد، ومنهم من القرداحة نفسها، معقل حافظ الأسد. وإن كانت غالبية الطائفة العلوية قد تم اختطافها عبرتفقيرقراها وتغييب أي خدمات أو فرص عمل، لزجهم بطريق واحد هو الدولة والقائد.
قد يخطر لسائل : ألم تشارك باقي المكونات بالثورة ؟ الجواب : نعم شاركوا وقدموا شهداء على مذبح الحرية، كما كل مكونات الوطن السوري، وكل أصيل وحر، ومنهم من العلوية أيضًا. ولكن كانت مشاركاتهم فردية، على كثرتها أو قلتها، ولم تتحول لحالة جمعية أو تترافق ببيان من مجموعة أو كتلة ما أو جهة ما أو كنسية ما , هذه الحالات (طبعا لها أعذارها ومبرراتها). ولا ينفي ذلك وطنيتها وسعيها للحرية ونصرة أبناء وطنها.
وجاء يوم 8/12/2024، وهرب الأسد، وانتصر البلد، وتحقق الحلم و أكثر، فعموم السوريين أنهكهم التعب، وتسلل لقلوبهم اليأس من فشل المحاولات خلال 14 سنة للإطاحة بالأسد، ولكن الفجر انبلج وسوريا حرة بدون الأسد… حصلت المعجزة والمفاجأة للناس والدول معًا، كيف حدث ذلك بدون أي تدخل خارجي أو تقسيم أو وصاية وبأيدي أبنائها؟! وأخيرًا تنفس السوريون الحرية.
وبدأ السوريون كمن خرج للضوء بعد سنين في العتمة، وظهر ذلك جليًا في تعبيراتهم عن الحرية وانفعالاتهم في الساحات. فقبل أن يفرغ أهالي المعتقلين من البحث عن ذويهم، أو أن يأخذ السوريون حيزًا لحزنهم والبكاء على من فقدوا، خرجت أصوات تتساءل عن شكل الدولة، وعن النسوية، وعن الدستور، وعن المحاسبة والقصاصوعن وعن !! مما أثار موجة غضب بين عموم السوريين المكلومين، خصوصًا بعد كشف أسرار السجون والمعتقلات والمسالخ البشرية، وعلى رأسها سجن صيدنايا.
وهُنا، وبسببِ الاستقطابِ الرهيبِ والاحتقانِ بين المظلومية السنية والعلوية السياسية ، اعتقدَ الكثيرونَ أنَّ العلويينَ سينكفئونَ في مدنِهم وقُراهُم، وسيخبُو صوتُهم ولو لفترةٍ حتى تهدأَ النفوسُ وتمضيَ الأيامُ الأولى فالمشهد عظيم ومهول…. إلَّا أنَّ العكسَ حدث.
وبدأتِ القصةُ حينَ أعطتِ السلطةُ الجديدةُ مهلةً لتسويةِ أوضاعِ العسكريينَ أو المقاتلينَ أو فلولِ النظامِ وتسليمِ أسلحتِهم، وبعدَ مضيِّ المهلةِ وبدءِ التمشيطِ وحدوثِ بعضِ التجاوزات، خرجَ بيانٌ يدَّعي تمثيلَ العلويينَ أشعلَ النارَ. فقد كان ينبغي أن يُعلنَ، وبِلُغةِ التسامحِ ولهجةِ التوددِ، اعتذارَ الطائفةِ للشعبِ السوريِّ عن تحكُّمِ عائلةِ الأسدِ بها، وتجنيدِ غالبيتِها لخدمةِ بطشِه، وعن إدانتها لكلِّ من تلطَّختْ أيديهِ بدماءِ السوريينَ، واستعدادِها لتسليمهِ لقضاءٍ عادلٍ نزيهٍ، وأنَّها كانتْ مغلوبةً على أمرِها ومختطَفةً من الأسدِ.
لكنَّ ذلكَ لم يحصلْ، بل جاءَ الخطابُ بفوقيةٍ ولهجةِ السلطةِ وفرضِ الشروطِ، وليُختتمَ بالوعيدِ والتهديدِ!! وتتابعتْ بعدَه بعضُ الحوادثِ في الساحلِ، وبياناتٌ أخرى ادَّعى مُطلقوها أنَّهم مشايخُ الطائفةِ، وتطوَّرَ الأمرُ معهم من التهديدِ إلى طلبِ الحمايةِ الدوليةِ والتدخُّلِ الخارجيِّ، ما دفعَ بعضَ المكوناتِ أيضًا لطلبِ العونِ حتى من إسرائيلَ!!
ويجدرُ التنويهُ أنَّ هذا الطرحَ لا يُمثِّلُ الطائفةَ ولا بقيَّةَ المكوناتِ، فقد ظهرتْ أصواتٌ علويةٌ وطنيةٌ غلَّبتْ سوريَّتَها على طائفيَّتِها، ورفضتْ ذلكَ جملةً وتفصيلًا، لا بل وهاجمتْه، وطالبتْ أن تُحلَّ مشاكلُنا تحتَ سقفِ سوريَّتِنا، وأنْ ينضويَ الجميعُ تحتَ سلطةِ الدولةِ، وأن الخلاص من الأسد خلاص للجميع وأن مستقبل سوريا الحرة هدفنا و كلُّنا سوريونَ أولًا وقبلَ كلِّ شيءٍ.
مما أوردْنا أعلاهُ نلحظُ أنَّ الأسدَ نجحَ إلى حدٍّ ما في ترسيخِ فكرةٍ لدى عمومِ السوريينَ أنَّ العلويةَ والسلطةَ والاستبدادَ والقمعَ والأسدَ واحدٌ، وأنَّ المستهدَفَ هو الأكثريَّةُ العدديَّةُ السُّنيَّةُ، دونَ أنْ يُعفيَ باقي المكوناتِ من الضررِ أيضًا. وهُنا توجَّبَ على الجميعِ التحلِّي بأخلاقِ وشعاراتِ الثورةِ: واحد واحد، الشعبُ السوريُّ واحد، وأنْ تكونَ العدالةُ الانتقاليةُ هي المقدِّمةَ نحوَ السِّلمِ الأهليِّ، دونَ أنْ يُعفيَ ذلكَ المكوناتِ جميعًا من استحقاقاتٍ تتمثلُ بـ:
- هناكَ فلولٌ للنظامِ السابقِ ومنتفِعونَ ومهرِّبونَ وتجارُ مخدراتٍ سيضربونَ على وترِ السِّلمِ الأهليِّ، كما أنَّ هناكَ خلايا لدولٍ لا يعجبُها التحريرُ، وهناكَ ميليشياتٌ نائمةٌ، وهناكَ وهناكَ… الكلُّ يتربَّصُ بسوريا وحريتِها، فيجبُ الوعيُ والحذرُ.
- يجبُ أن يتحلَّى المكونُ السُّنيُّ بخُلقِ الثورةِ وتعاليمِ شريعتِهِم بالعدلِ والإحسانِ والتسامحِ، وأنَّه لا تزرُ وازرةٌ وِزرَ أخرى، وأنَّ خسارتَهُ الكبيرةَ كانتْ مِهرًا للحريةِ، وأنَّ الآخرينَ خسروا أيضًا، وإنْ بنسبةٍ أقلَّ، لكنها كبيرةٌ نظرًا لصِغرِ مكوِّنِهم، والابتعادِ عن روحِ التشفي والانتقامِ والثأرِ وفكرةِ المظلوميةِ حتى نَبنيَ وطنًا، لأنَّ ذلكَ لا يُفضي إلَّا إلى الخرابِ والدمارِ والخسارةِ للجميعِ.
- أن يُبادرَ العلويونَ أفرادًا أو كياناتٍ إلى الاعتذارِ من الشعبِ السوريِّ، والاعترافِ بجرائمِ النظامِ، والاعترافِ بزجِّ الطائفةِ معه في حربِه، وتوجيهِ الأصابعِ إلى من ساندهُ منهم، وذكرِ أسماءِ من ساعدَهُ في القتلِ وسفكِ الدمِ، وتسليمِهم، والإرشادِ عنهم، ودعوةِ العقلاءِ منهم لضبطِ النفسِ حيالَ كلامِ التعميمِ من البعضِ والخلطِ بينَ النظامِ والعلويينَ تدريجيًّا سيزول ، لنمنح الوقت لاستتبابِ الأمنِ والعدالةِ الانتقاليةِ التي تُنصفُ الجميعَ، وتقبُّلِ فكرةِ أنَّ العلويينَ اليومَ مواطنونَ عاديونَ، وليسوا سادةً أو قادةً أو أصحابَ امتيازاتٍ، وأنَّ لهم حقوقًا وعليهم واجباتٌ أسوةً بكلِّ سوريٍّ في الوطنِ.
- الحفاظُ على النصرِ والدفاعُ عنهُ، والعملُ على التنميةِ والنهوضِ بالبلدِ، وأنَّ الإصلاحَ درجةٌ درجةٌ ويحتاجُ إلى وقتٍ.
يجب ان نعي أن سوريا فعليًّا فيها طائفتانِ:
طائفةُ القتلِ والإجرامِ، وتتمثَّلُ بالنظامِ وكلِّ من وقفَ معهُ وساندَه وشاركه بأي شكل.
طائفةُ الشرفاءِ، وهي كلُّ من عارضَ الأسدَ، وظُلمَ، وأيَّدَ الثورةَ، ووقفَ معها ودعمها .
كلُّنا سوريونَ، وكلُّنا عانينا من تسلُّطِ وبطشِ النظامِ، وإنْ بدرجاتٍ متفاوتةٍ. لا فضلَ لأحدٍ على أحدٍ في الثورةِ، ولا لمدينةٍ على مدينةٍ… كلٌّ قدَّمَ على قدرِ استطاعتِه ونحن ننظر للمستقبل… سورية لوحة جميلة بكل ألوانها.
انتصرَتْ ثورتُنا، ويجبُ أنْ ننتصرَ نحنُ على خلافاتِنا وعلى وجعِنا، وأنْ نمضيَ قُدُمًا نحوَ سوريا الجديدةِ، وأنْ نحيا من اليومِ
مواطنينَ لا رعايا شركاءَ لا أُجراءَ أحرارٍ لا عبيدَ
————————————
سورية ما بعد الأسد في امتحان المواطنة الجديدة/ دلال البزري
13 مارس 2025
مشكلة “الأقلّيات” في سورية، على مختلف ألوانها، كانت جليّةً منذ سقوط بشّار الأسد وتولّي أحمد الشرع زمام السلطة. كانت مع الأكراد، الأقلّية العرقية الأولى، ثمّ كانت مع الدروز، والآن العلويين، ومعارك دارت في قلب منطقتهم الساحلية بقراها وبلداتها، في اللاذقية وجبلة وطرطوس، سُجّلت فيها انتهاكاتٌ مروّعةٌ بحقّ مدنيين علويين، وأرواحهم وممتلكاتهم وكرامتهم، بلغ عدد ضحاياها ألف قتيل. وبرز خلال المعارك اسما غياث الدلّة وإبراهيم حويجة، المرتبطين بأجهزة القتل السورية في ظلّ حكم بشّار الأسد. وهذه واحدةٌ من مؤشّرات شراسة المعركة، والمقبل منها. وقد تنجح السلطة الجديدة الشرعية بكبح جِماح قادتها، في المديَين القصير أو المتوسّط، ولكنّ انتصاراتها ستكون أمنيةً – عسكريةً وحسب. أمّا الباقي، أي الشروط السياسية والمعنوية والقانونية والدستورية التي ستحمي هذا الانتصار، فيعوزها كثيرٌ من التغيير، وإلا عادت الأقلّية العلوية، وغيرها من أقلّيات، إلى خوض معارك حقوقها المهدورة في حصّتها من السلطة الجديدة.
ما يُحرّك أولئك المتمرّدين، ما يؤمّن لهم حاضنةً شعبيةً، أو بيئة حصينة، الحقوق التي يرونها آخذةً في النقصان، من يوم حيازة الشرع السلطة، وما يُعزّز إحساسها هو المناخ المفعم بالأفعال والأقوال المنثورة بطريقة منظّمة وفوضوية، في آن معاً، أن السُنّة السوريين (وهم الغالبية) انتصروا على العلويين، وأن عليهم استعادة حقّهم في الحكم. من الطبيعي أن تبدأ المعارك بتلك “الهبّة” الجهادية، التي أطلقها مشايخ إدلب لـ”جهاد” ضدّ العلويين، لنجدة جيش الإدارة الجديدة، والخروج من المساجد في مناطق أخرى لإطلاق صيحات “الله أكبر”، والمطالبة الجماهيرية بحمل السلاح ضدّ العلويين المنتفضين، ناهيك عن تعبيرات سبقت ذلك كلّه، خلال الأشهر الثلاثة الأولى لحكم أحمد الشرع، تشي بأن جماهير غفيرة من السوريين منضوية تحت ثأر تاريخيٍّ، حان الآن قطافه. شعاراتٌ من نوع “إقصاء العلويين”، ورميهم بأوصاف قذرة، أو ربطهم بـ”اجتثاث البعث”، وتعرّض العلويين أفراداً وأبناءَ قرى (ريف حماة خصوصاً) لمضايقاتٍ لفظيةٍ وجسديةٍ عشيّة الحدث، عند الحواجز والطرقات وفي داخل القرى، وضغوط من نوع مواعظ لبس الحجاب، كأنّها ردّ على نزعه أيام رفعت الأسد… وغيرها من الممارسات والشعارات الرائجة وسط أفراد الفصائل والجماهير “المؤمنة” بالشرع.
تلك هي الملامح العريضة لـ”البيئة” السُنّية الجماهيرية في سورية بعد تولّي الشرع رئاستها. ويمكن أن تكون إيران ومليشياتها على صلةٍ بهذه الثورة المضادّة، على درجةٍ متساوية، أو أقلّ أو أكثر من تدخّل إسرائيل في السويداء واستغلالها رفض الدروز السلطة الجديدة بطابعها السلفي، الأنتي علماني، أو من تدخّل أميركا لحماية الأكراد، في وجه العداء المطلق بينهم وبين تركيا. وهذه الأخيرة تنتظر من الشرع تسديد ديونه بدعمها حركته، أو من مؤازرة الروس المدنيين العلويين اللاجئين إلى قاعدتها العسكرية في حميميم، هرباً من مجازر تعرّض لها جيرانهم في أنحاء اللاذقية القريبة، أو المسيحيين الموزّعين في أنحاء سورية، الذين لا يملكون أرضاً ينطلقون منها للتعبير عن خوفهم من الدولة السلفية، ولكنّهم يتمرّدون بالهجرة من سورية بأعداد متزايدة، وبمساعدة الكنيسة.
في خطابه إلى المنتفضين من العلويين، يقول أحمد الشرع: “أنتم اعتديتم على كلّ السوريين، وارتكبتم جريمة لا تُغتفر، فكان ردّنا عليكم، ولم تتحمّلوه. ألقوا سلاحكم، وسلّموا أنفسكم قبل أن يفوتكم الوقت”. لم يتحدّث بلهجة سلمية، لأنه مثل جماهيره، أو انسجاماً مع جماهيره، يأخذ الثأر بعين جدّية. يزيد الثأر من شعبيّته في وسطهم، وهو لا يحتاج إلى غيرهم. والثأر يعفيه من التفكير بالبراغماتية التي تتسم بها كلّ صلاته مع الخارج ومع الداعمين. وقبل ذلك، كان ما تفوّه به كلّه عبارات عامّة، تشبه البيان الختامي الذي خرج به “مؤتمر الحوار الوطني”، وقد جمع شخصياتٍ سوريةً بارزةً، اختارها بنفسه، فكان شبيهاً بالمؤتمرات العربية، غارقاً في عموميّاته عن “وحدة سورية”، و”تعزيز الحرّية”، و”حقوق الإنسان”، و”ترسيخ المواطنة”، و”نبذ أشكال التمييز على أساس العرق والدين والمذهب”، وتحقيق “مبدأ تكافؤ الفرص بعيداً من المحاصصة العرقية والدينية”. يفترض بهذه التوصيات أن تكون الأكثر انفتاحاً على مبادئ الحداثة السياسية، وموضوع الأقلّيات، ولكنّها مجرّد توصيات، يمكن أن تتكرّر عشرات السنوات، من دون أن تتكلّم أبداً عن “الكيفية”، أي كيف تكون “المواطنة”، و”الحرّية” و”نبذ أشكال التمييز”… إلخ. فرجال الشرع الذين ينفّذون قراراته، جاؤوا من تجربة حكم سلفي عمرُه عشر سنوات، وهذا الحكم انتصر، وبقوا على سلفيّتهم، على قِصاصاتهم ضدّ المدنيين، محكوميهم في إدلب. قرارات الإعدام “الديني” التي نفّذوها، وفرمانات الموت والجهاد لديهم… كلّها لم تتغيّر، بل لم يُسمح بتناولها، إما بتغطيةٍ من الحماسة الشعبية، التي رأت في سقوط بشّار معجزةً إلهيةً، أو بالمنع المُبهم في تناول سيرة أصحاب هذه التجربة السلفية الحاكمة، فكيف يكون بذلك تنفيذ توصيات مؤتمر عن “المواطنة” و”الحرية”… إلخ؟
قد تكون المجازر المرتكبة بحقّ المواطنين السوريين المدنيين العلويين هي من قرارات هؤلاء الرجال لابسيّ ربطة العنق والطقم، لكن المؤكّد أن منفّذي المجازر بحقّ العلويين هم من أصناف المذكورين أعلاه القادمين من إدلب، والمعارك التي سينتصرون فيها أمنياً على البؤر المتمرّدة ستعجلهم أكثر تمسّكاً بعقيدة انتصارهم (السلفية)، النمط الذي لا يقبل اختلافاً وتعدّداً، لا في الآراء ولا في الطوائف، والذي يستوحي قوانينَه ممّا يفهمه من الشريعة. تبيّن أن أحمد الشرع عبقري في البراغماتية، استطاع أن يقنع العالم كلّه بأنه تخلّى عن تنظيم القاعدة وهيئة تحرير الشام، وصار الآن رجل دولة، وهذه حالة تجدها في مدّونات التاريخ، فيتحوّل صاحب الدور الأكبر إلى عكس ما كان عليه، مع إضافة أن ثمّة مسافة طويلة بين ما كان عليه الشرع وما يريد أن يصبح اليوم، من سلفيٍّ إلى عصري، يقنع العالم بأنه يريد العمل لدولة الحقوق والمواطنة. استطاع الشرع أن يتغيّر، وأن يتكلّم بلسان معاصريه، ولكن كيف لرجاله أن ينتقلوا من ذهنيةٍ سلفيةٍ، هي حكماً طائفية، إلى ذهنية المواطنة؟ وهل الإجابة عن هذا السؤال كافية لتحديد مصير الانتفاضات المقبلة، أم أن الحلّ الأمني سوف يطغى على غيره، فنكون في بداية طريقنا نحو ما يشبه دولة “البعث” الأسدية؟
سورية مثل لبنان، بحاجة أولاً إلى بناء دولتها. لا تبنيها براغماتية رئيسها وحسب، التي لا نعرف حتى الآن إلا سطحها، إنما رؤية صريحة متينة، أساسها الحرّية والمساوة، لا تخرقها طموحات هذه الدولة أو تلك، أو مظلوميات يمتزج فيها الحقّ بالباطل.
العربي الجديد
—————————–
عن إدارة الشرع وقدرته على اقتناص الفرص/ محمود علوش
2025.03.13
كان التمرد الذي قادته خلايا نظام المخلوع بشار الأسد في مناطق الساحل في السادس من مارس آذار الجاري اختباراً صعباً للرئيس أحمد الشرع على عدّة مستويات.
وحقيقة أن أهداف مؤامرة التمرد تتجاوز إخراج الدولة من مناطق الساحل إلى إسقاط الدولة السورية الجديدة وإشعال صراع طائفي وتأجيج مشاريع التقسيم التي تُهدد سوريا على الأطراف (قسد، الساحل، الجنوب) جعلت تعامل الشرع مع هذا الاختبار حاسماً ليس فقط على صعيد إظهار قدرة الدولة الجديدة في التعامل مع التحديات الأمنية الكبيرة، بل أيضاً على صعيد قدرتها في مقاربة التحدي الأمني من منظور المخاطر التي يجلبها على استقرار المرحلة الانتقالية ووحدة سوريا.
وهنا لا بُد من تسجيل بعض الخلاصات المُهمة لأحداث الساحل. الأولى أن الحكومة الجديدة ورغم أنها تبني سوريا من الصفر خصوصاً على مستوى المؤسستين العسكرية والأمنية قادرة على على التعامل بفعالية مع المخاطر الأمنية الكبيرة. والثانية، أن الحزم الذي أظهره الشرع في قمع تمرد الساحل أظهر إدراكه لمخاطر هذه المؤامرة وأهدافها الرامية إلى إشعال حرب أهلية تبدأ في الساحل وتنتشر في عموم سوريا وإلى تأجيج مشاريع التقسيم. والثالثة أن الانتهاكات المروعة التي ارتكبت بحق المدنيين في الساحل أظهرت فشل الدولة الجديدة في التعامل الاستباقي والفوري مع العوامل الذاتية التي تُساعد الأعداء الواضحين على تحقيق أهدافهم. مع ذلك، تُظهر إدارة الرئيس الشرع لاختبار الساحل براعته في تحويل الأزمات إلى فرص.
فمن جانب، نجح الشرع في تحويل مؤامرة الساحل من مؤامرة لإسقاط الدولة الجديدة إلى مؤامرة تستهدف إشعال حرب أهلية في سوريا وتُحاول توظيف المكونات السورية المختلفة كوقود لها. كما أن تأكيده على الحاجة للوحدة الوطنية وحماية السلم الأهلي كان موجّهاً بدرجة رئيسية إلى هذه المكونات لإظهار حجم المخاطر التي تُهددها. ومن جانب آخر، فإن إقرار الشرع بحدوث انتهاكات مروعة بحق المدنيين في الساحل ومسارعته إلى تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة بها وتوعّده بمحاسبة المسؤولين عنها حتى لو كانوا أقرب الناس إليه، ساعداه أولاً في التأكيد على أن هذه الانتهاكات لم تكن سياسة دولة مُمنهجة، وثانياً في إظهار التزام الدولة بالتعامل مع أحداث الساحل من منظور عقلية الدولة وليس من منظور عقلية الثأر والانتقام.
علاوة على ذلك، فإن مسارعة الشرع إلى إبرام اتفاقية مع مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية لدمجها في الدولة الجديدة ثم إبرام اتفاقية مع وجهاء وأهالي محافظة السويداء الجنوبية لدمجها في الدولة أيضاً بالتزامن مع انتهاء العمليات العسكرية في الساحل، أظهرت براعته في تحويل التداعيات السلبية لأحداث الساحل على صورته وعلى صورة الدولة الجديدة إلى فرص لإظهار أن هذه الإدارة تعمل على تقليص عوامل الفوضى في سوريا لا تأجيجها، وهذا يُرسل رسائل طمأنة لبعض المكونات الداخلية المتوجسة من الإدارة الجديدة خصوصاً في الشمال والساحل والجنوب، ورسائل طمأنة أيضاً للمجتمع الدولي الذي يُراقب عن كثب كيفية إدارة الشرع لسوريا في هذه المرحلة الحساسة ولكيفية تعامله مع التحديات التي تُهدد السلم الأهلي والمجتمعي.
إن الجرائم المرتكبة بحق المدنيين في الساحل أضرت بالشرع والدولة السورية الجديدة أكثر من أي طرف آخر. ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم حاجة للشرع قبل أي طرف آخر ليست فقط من أجل إعادة ترميم صورة الشرع داخلياً وخارجياً، بل أيضاً من أجل تدشين ملف العدالة الانتقالية والمصالحة المجتمعية. إن نهج الشرع علاوة على أنه يُقدم فرصاً جديدة للتحول السوري لتحقيق أقصى مشاركة وطنية فيه ولتحقيق المصالحة المجتمعية، ساعد في إسقاط مشاريع تقسيم سوريا مثل أحجار الدومينو بعد إفشال مؤامرة إسقاط الدولة ونجاح الشرع في تمكين السلطة الجديدة. واتفاقات دمج السويداء في الدولة بعد قسد خطوة إضافية نحو تفكيك مشاريع التقسيم. ويُظهر هذا النهج أن الشرع يُدير التحديات الداخلية الهائلة والتحديات الخارجية المُحيطة لسوريا من منظور الفرص قبل المخاطر.
جلبت أحداث الساحل فرصاً مُتعددة للشرع إذا ما أحسن استثمارها. على المستوى. الداخلي، تعزيز القبول الداخلي بالسلطة الجديدة لأنها السبيل الوحيد لمواجهة مشروع الحرب الأهلية وتقديم الدولة الجديدة كدولة لجميع السوريين من خلال تحويل الأزمة إلى فرصة للشروع في تحقيق المصالحة المجتمعية ومعالجة مظالم الحرب. تفكيك مشروع “الصراع الوجودي للأقليات” وهذا يترتب عليه خطوات جريئة خارج الصندوق. وكذلك التخلص من العوامل التي ما تزال تُفسد اعتدال الشرع وثقافة الدولة. وعلى المستوى الخارجي، فإن استثماراً داخلياً صحيحاً للأحداث، يُمكّن الشرع من تعزيز القبول الدولي به كضامن لمنع انزلاق سوريا إلى حرب أهلية ومن استثمار مشروع الفوضى لإقناع المُترددين بالتعامل معه في الخارج (الولايات المتحدة خصوصا) بأنه إدارته ضمانة لمنع عودة استثمار إيران وحلفائها الإقليميين في سوريا.
إن التوجه الدولي العام في سوريا هو لدعم إدارة الشرع. في الغالب، يُنظر في الخارج إلى أحمد الشرع على أنه الزعيم السوري الوحيد القادر على قيادة سوريا إلى الوحدة والاستقرار ومنع تحولها إلى بلد مضطرب ومصدر تهديد للأمن الإقليمي والعالمي. ما يهم العالم قائد قوي يفهم طبيعة سوريا وبراغماتي. ومن مفارقات الحالة السورية أن الإرث الثقيل الذي ورثه أحمد الشرع عن المخلوع الفار إلى موسكو، تعمل كمُحفزات قوية لإنجاح تجربته وليس العكس. قدرة الشرع على استثمار هذا الإرث بشكل صحيح تُحدد حجم الفرص التي يوجدها له. وحتى الآن، يُمكن القول إنه بارع في تحويل الإرث إلى فرص.
تلفزيون سوريا
———————
كيف تنجو سوريا من «نظام الأبد»؟
رأي القدس
تحديث 13 أذار 2025
شهدت سوريا، منذ السادس من الشهر الحالي، تدهورا أمنيا غير مسبوق، أدى إلى أسوأ موجة عنف منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون أول/ ديسمبر الماضي. بدأت الأحداث مع قيام مجموعات مسلحة مرتبطة بالنظام السابق بهجمات واسعة منسقة مما أطلق عمليات دفاعية للقوات الحكومية شاركت فيها فصائل عسكرية محلية، وتنظيمات إسلامية أجنبية، بالإضافة إلى مجموعات محلية من المدنيين المسلحين الذين قدموا لدعم القوات الحكومية. تطوّرت عمليات ملاحقة المهاجمين من الموالين للأسد إلى مواجهات عنيفة ارتكبت خلالها انتهاكات جسيمة بطابع انتقامي وطائفي.
حسب «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» فقد كان للفصائل المحلية والتنظيمات الإسلامية الأجنبية التابعة شكليا لوزارة الدفاع الدور الأبرز في ارتكابها. شمل ذلك عمليات قتل جماعي ممنهجة، واستهداف المدنيين، بمن فيهم أفراد طواقم طبية وإعلامية وعاملين في المجال الإنساني، كما طالت الانتهاكات المرافق العامة وعشرات الممتلكات العامة والخاصة، متسببة في موجات نزوح قسري طالت مئات السكان، ووثقت الشبكة عدد القتلى بين 6 و10 آذار/مارس بـ 803 أشخاص قتلوا «خارج نطاق القانون» بينهم 39 طفلا و49 سيدة، و27 من الكوادر الطبية وذلك في محافظات اللاذقية وحماة وطرطوس وحمص، فيما قدّر «المرصد السوري لحقوق الإنسان» حصيلة القتلى، حتى أمس الأربعاء، بـ1383 «غالبيتهم العظمى من العلويين».
تمثّل أحداث العنف الجارية في سوريا انفجارا فظيعا، إلى حدّ كبير، لتفاعل عوامل تراكمت خلال أكثر من نصف قرن من حكم طغيان الأسدين، الأب حافظ، والابن بشار، و14 عاما من الإجرام المهول ضد الثورة الشعبية السورية عام 2011، شكّلت الطائفية إحدى أدواته التي استهدفت بشكل ممنهج ومتقصد المكوّن الاجتماعي السنّي الذي قتلت وعذبت واختطفت منه مئات الآلاف، ودمّرت حواضره ومدنه وبلداته وقراه، ودفعت الملايين إلى اللجوء والنزوح.
أدى هذا التسعير الطائفي للسياسة والاجتماع السوريين، وانعدام الأمل بحماية دولية للسوريين (وخصوصا بعد تراجع الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن «خطّه الأحمر» فيما يخص استخدام نظام الأسد الأسلحة الكيميائية) وإحباط جمهور الثورة من إمكانيات التغيير، في اشتداد نزعات التطرّف الديني، والوعي الطائفي، واستقواء الاتجاهات الجهادية الراديكالية، وتضافر ذلك مع عقابيل الاحتلال الأمريكي للعراق، والحرب الطائفية بين الشيعة والسنة التي تبعته، في تعزز شعبية تنظيم «القاعدة» وخلفه تنظيم «الدولة الإسلامية» الذي اجتاح شمال شرق سوريا وأعلن «خلافة» في مدينة الرقة عام 2014.
معلوم أن الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع كان أحد «المجاهدين» الذين ذهبوا للعراق لقتال الأمريكيين وأنه بعد سجنه وإطلاق سراحه عاد إلى سوريا مع أشخاص قلائل حيث أنشأ تنظيما سلفيا مسلّحا («جبهة النصرة») ثم أعلن على التوالي انشقاقه عن تنظيمي «الدولة» و«القاعدة» (وحربه عليهما) واتخاذه اسم «هيئة تحرير الشام» التي صارت أكبر الفصائل التي حكمت محافظة إدلب وصولا إلى هجومها الكبير الذي قضى على نظام الأسد.
يظهر التدرّج الزمنيّ الآنف مسارا معقدا للتطوّر من «الجهاد ضد الاحتلال» والتطرّف السلفيّ المسلّح الكاره للعالم، إلى تصالح للتديّن الشعبي مع الوطنية السورية والعداء لنظام الأسد، وهو مسار ما زال يتطوّر باطراد، ولكن ليس من دون عوائق كبرى، داخلية، كما حصل في هجوم الفلول، أو خارجية، وهو ما تمثّله هجمات وتوغلات وتهديدات إسرائيل.
لا تصلح «جهادية» وسلفية «هيئة التحرير» والفصائل الإسلامية الأخرى، لتفسير ما يحصل حاليا، فنظام الأسد المخلوع، «العلماني» و«القومي» و«الحداثي» كما اعتادت أدبيات غربية وعربية على وصفه، كان، إضافة إلى تغوّله الطائفي، نظاما إباديا بالتعريف (يتحدث «حفار القبور» الذي شهد في محكمة ألمانية أن النظام كان يدفن قرابة 7000 شخص كل أسبوع يتم تجميعهم من سجونه ومراكز اعتقاله) كما أن أغلب التيارات السياسية العربية، قومية وشيوعية وإسلامية، تسببت بمجازر.
تشير الخطوات السريعة التي اتخذتها السلطات السورية الحالية، من إعلان لجنة للسلم الأهلي ولجنة للتحقيق في أحداث العنف الأخيرة، إلى افتراق ملحوظ عن النظام السابق، كما تشير الخطوات السياسية، السريعة أيضا، من إعلان اتفاق أولي مع الأكراد، و«محضر تفاهم» مع دروز السويداء، إلى اتجاه محمود إلى التعاطي مع المكونات السورية يقطع بشكل كبير مع ممارسات نصف القرن الماضي لحكم الأسدين.
يرغب السوريون في دولة تمثّلهم وتضمّهم جميعا، بمن فيهم العلويون والدروز والأكراد وباقي المكونات الدينية والإثنية، ويتحوّل فيها السنّة من طائفة وعصبية (بسبب مقتضيات الصراع) إلى جزء من المكوّن العام، يسهم في ضمان العدالة والتنمية والاستقرار، ليس بالمحاصصة واتفاقات الطوائف، بل بنظام مدني ديمقراطي ليعيد سوريا إلى سكّتها التاريخية العظيمة ويشرك الجميع في البناء ويوفر آليات الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي وينهي «نظام الأبد» الأسدي إلى الأبد.
القدس العربي
—————————-
حين يصبح الإنكار جريمة ثانية.. السادس من آذار وعودة سوريا لدائرة الدم/ إبراهيم زرقة
2025.03.13
كنا، أنا ورفاقي، ننتظر شهر آذار بلهفة مليئة بالأمل، عازمين على أن نجعل من هذا الشهر مناسبة لتخليد ذكرى من رحلوا، أولئك الذين كانوا ضحايا الألم السوري المستمر طوال أربعة عشر عاماً. حلمنا أن نلم جراح الوطن، أن نخفف عمن فقد أحبته، عمن لم يجد حتى الآن رفات أعز الناس إليه، وعمن عاد من نزوحه الطويل ليجد منزله قد صار حطامًا.
ولكن السادس من آذار لم يكن كما أردناه؛ جاء قاسياً، كطعنة في جرح لم يندمل. يوم بدأ كأنه إعادة لمشهد قديم، ذلك الجرح المفتوح منذ أول قطرة دم سالت على تراب سوريا. انتشرت روايات كثيرة عمّا حدث، ولم يكن يهمني حينها أن أصدق أو أن أشكك. كما لم تكن تساؤلاتي حول من أطلق الطلقة الأولى عام 2011، بل كانت عن كيف لتلك الطلقة أن تجرّ بلدًا بأكمله إلى أعماق مأساة لم تنتهِ بعد.
ذلك اليوم الأسود جعلني أتمنى لو أن بصيرتي قد خانتني حين أخبرت صديقتي وأهلي منذ فترة أنني أرى بركاً من الدماء في شوارع سوريا. وما كنت أخشاه تحقق؛ الشوارع اغتسلت بالدماء، الجثث تراكمت، والمشهد كان أشبه بصدى أبواب جهنم تُفتح أمامنا. الحرائق بدأت تشتعل في المناطق واحدة تلو الأخرى، والرصاص صار لغتنا اليومية.
وبدأت الفاجعة، نداءات المتطرفين علت، وتصاعدت أصوات على السوشيال ميديا تطالب الناس بحمل السلاح والالتحاق بالقتال. قبل أن نلتقط أنفاسنا، وصل إلى الساحل آلاف المقاتلين، بعضهم منضبط وبعضهم فاقد السيطرة. ثم بدأت المقتلة الكبرى.
كل صورة وفيديو وصلنا كان يعيد إلينا مشاهد السنوات الأربع عشرة الماضية، كأن شبح النظام وشبيحته لم يغادروا. تكدست الكوابيس على واقعنا، ونحن لا حول لنا ولا قوة سوى أن نقف أمام هذا المشهد المفجع نتساءل: أين نهاية هذا العذاب الذي نعيشه؟
تمر الساعات والجثث تتساقط على وقع كلمات بعض الناشطين الإعلاميين والمحرضين، كلمات تُشعل الحرائق في القلوب كما اشتعلت البيوت والأراضي وانتهكت الحرمات. يغضّون الطرف عن الأبرياء، يكذبوننا في كل كلمة نقولها، ويتهموننا بالفلول. ومع كل كلمة تُنشر، تتقوض مضاجعنا، وتحترق أرواحنا بلا رحمة. ليخرج بعدها رئيس المرحلة الحالية معترفاً بما جرى وواعداً بمحاسبة الجناة. ورغم ذلك، فإن المطبلين الجدد، وكثير منهم كانوا شبيحة للنظام المخلوع، ما زالوا ينكرون الحقيقة، ليزيدوا الجرح نزفًا، ويغرسوا سكينًا في قلوب الضحايا وأحبائهم.
حاولت استيعاب ما يحدث، لكنني بقيت عاجزًا عن التصديق. تتصل بي صديقتي، صوتها مشحون بالبكاء، تلحّ عليَّ أن أفعل شيئًا، أي شيء، لإيقاف القتل. يا لعجزي! كل شيء أعادني إلى ذكريات حربنا مع بشار الأسد؛ نحصي القتلى، نتأكد من الناجين، نبحث عن ملاذات آمنة، ونبكي بصوتٍ خافت. لكن الآن، بكاؤنا أصبح علنيًا ومليئًا بالقهر. والهوية باتت سيفاً مسلطًا يحدد مصيرنا، أي انكسار هذا الذي جعلنا أسرى لهذا الخوف الجديد؟
كتب لي أصدقاء كثر يعرضون إخراج عائلتي من القرية. لكن أي عائلة يقصدون؟ هل يقصدون عائلتي الضيقة؟ أم أقربائي؟ أم قريتي كلها؟ تخيلت لحظة أن أكون أنانيًا، أفكر فقط في سلامة عائلتي، لكن هناك من لم يجد سوى العراء ملاذًا، يتوسل رحمة من قلوب متحجرة لا تعرف الشفقة. ومع كل هذا، أدركت أن ما أعيشه اليوم هو ما تشاركته مع كثير من السوريين على مدى أربعة عشر عامًا. لكن الألم، حين يقترب من دائرتك الضيقة، له طعم آخر. ولربما حان الوقت لأن ننحني أمام الدماء، نصمت، نعلن الحداد على وطننا. نشعل شموعًا لذكراهم، أن نبكي لأول مرة بصوت واحد. ونترك الأمهات الثكالى يبكين ألمهن الذي يعود لعقود، ألم دفنوه خوفًا من أن يراه أحد.
أنا الذي عمل كصحفي متخفٍ تحت أسماء مستعارة، أخفي هويتي خوفًا من الاعتقال، أجد نفسي اليوم عاجزًا عن الكتابة، عاجزًا عن التعبير. الكلمات تخونني، والمشاعر تتناثر دون أن أستطيع ترجمتها. لا شيء يصف الفاجعة، ولا شعور يصف هذا العجز الذي يطاردني منذ أربعة عشر عامًا، منذ أن بدأ السوريون يُقتلون في المعتقلات، وفي ساحات المعارك، وفي بيوتهم، وفي كل مكان تطؤه أقدامهم. اليوم، الكتابة باتت عبئًا ثقيلًا. لمن سأكتب؟ ومن سيقرأ؟ أولئك الذين سأكتب عنهم ينامون في العراء، ينتظر بعضهم أن يُدفن بكرامة، بينما يخشى آخرون العودة خوفًا من الموت مجددًا. وفي الوقت ذاته، أسمع أصواتًا تنكر المجزرة! تخيلوا كم كان صعبًا علينا عندما أنكر شبيحة الأسد مآسينا وقتلانا. واليوم، تعاد المأساة في ظل غياب إعلام واضح ومحايد. هذا الإنكار أشبه بقتل الضحية مرتين.
وأخيرًا، اتفق الشرع وعبدي، ذلك الاتفاق الذي حلمنا به، لكنه جاء في وقت غارق بالحزن. الانتصارات عمّت الشوارع، وأُعلن عن حفلة في اللاذقية، في مدينة تنزف دما. كنت مذهولًا من هول الصدمة. عادت إلى ذاكرتي مجازر الغوطة وداريا وغيرها، وعلى بعد أمتار، كانت ساحات الدبكة في الأمويين تحتفل بانتصار الأسد على جثثنا. إذن، لم نصبح سوريين بعد لنحترم مأساة بعضنا البعض.، ولا أتحدث هنا فقط عن مأساة المدنيين، بل عن عناصر جهاز الأمن الذين زُجّ بهم في مواجهات لا خبرة لهم فيها. أمهات هؤلاء أيضًا يبكين أبناءهن، ويحق لهن دقائق صمت واحترام لحضرة الموت. كل الأفراح يجب أن تؤجل حتى نلملم جراحنا، وإلا فنحن نرتكب المجزرة مرتين.
لن أكرر الروايات التي تحدثت عن الساحل الذي احتضن أهلنا المهجرين الهاربين من بطش الأسد، ولا عن قصص التعايش التي عاشوها هناك. لكن الساحل والجبال كانا وما زالا رمزًا للبساطة والدفء وطيبة القلب. الساحل ليس فقط صحن برغل بحمص أو قرص شنكليش وزيت زيتون أصلي. إنه أكبر من ذلك بكثير. إنه أهازيج العتابا التي نحب، والدبكة التي نرقصها، وحكايات أجدادنا عن تاريخنا، وعيد الرابع الذي نحتفل به مع الأكراد،، وعيد البربارة الذي ننشاركه مع المسيحيين، وقصص معتقلي الثمانينات من قرانا، وقصص الحصاد والتعب لتأمين لقمة العيش.
منذ سقوط النظام، وأنا أقول إنني لن أشهد سوريا التي أحلم بها. لكنني سأعمل جاهدًا لتعيش أجيالنا القادمة في الوطن الذي نحلم به. اليوم، أعلم أن واجبنا أن نعمل كثيرًا كيلا يذوق أبناؤنا ما ذقناه من قهر وجوع وتشرد واعتقال وقصف وفقر. لعلنا يومًا نغني “موطني” بفخر، بجنسية سورية يتساوى فيها الجميع على أرض هذا الوطن، الذي كُتب له أن يُروى بدمائنا منذ بدء التكوين وحتى يومنا هذا
تلفزيون سوريا
—————————-
سوريا بين الأيام الدموية في الساحل ولقاء الشرع وعبدي/ بكر صدقي
تحديث 13 أذار 2025
كانت نهاية دموية فاجعة تلك التي ختمت الأشهر الثلاثة الأولى من حكم السلطة الجديدة في دمشق، أكلت من الرصيد الإيجابي الكبير لحملة «ردع العدوان» التي أسقطت نظام الأسد بلا إراقة دماء تقريباً. مئات القتلى بين مدنيين أكثرهم من العلويين، وعناصر الأمن العام، نهب ممتلكات وإحراقها، إذلال وإهانات مصورة في مقاطع فيديو انتشرت على وسائل التواصل، إضافة إلى فبركات كثيرة وخطاب كراهية منتشر زادا النار أواراً. حرب أهلية مضغوطة في بضعة أيام ظن السوريون أنهم نجحوا في تجنبها في بداية عملية التحرير.
ثلاثة أشهر خسرتها سوريا بلا أي إنجاز يذكر على طريق بناء سوريا الجديدة المأمولة، وكأنها كانت في حاجة للمذبحة الكبيرة التي جرت فصولها المشينة في مدن الساحل وأريافها لتراجع السلطة نفسها وحساباتها. حكومة مؤقتة انتهى مفعولها منذ تشكيلها الأحادي، فشلت في كل شيء بما في ذلك فتح قناة تلفزيونية رسمية كمصدر موثوق لبياناتها وتصريحات أركانها وأعمالها، حتى لا نتحدث عن أي تحسين في حال الخدمات العامة كالكهرباء، بل إن الارتفاع الوهمي لسعر صرف الليرة السورية مع استمرار حالة التضخم وتفاقمها كان وبالاً على السوريين، إضافة إلى تسريح آلاف أو ربما عشرات الآلاف من وظائفهم والإلقاء بهم في هاوية الجوع. أما انعقاد ما سمي بمؤتمر الحوار الوطني فلم يتجاوز كونه بحثاً عن شرعية مصطنعة لم تكن السلطة في حاجة إليها. بالمقابل نسيت السلطة وعودها المتكررة بشأن تشكيل حكومة جديدة أوسع تمثيلاً في مطلع شهر آذار.
بالمقابل لا يمكن إنكار أن ثمة خططا مدبرة من الخاسرين من سقوط نظام الأسد، الفلول وإيران وإسرائيل نفسها، هي ما أوقعت السلطة في هذا الفخ الدموي. الكمائن التي نصبتها الفلول للأمن العام كانت الشرارة التي أطلقت سلسلة من الأخطاء كالنداء الذي أطلق للنفير العام وسمح بدخول الجهاديين الأجانب وبعض فصائل الشمال المنفلتة إضافة إلى متطوعين مدنيين ممن تحركهم أحقاد طائفية ارتكبوا بمجموعهم أكثر الفظاعات على ما تفيدنا شهادات متواترة. لقد زجت السلطة بشبان يفتقدون إلى الخبرة القتالية (الأمن العام) في معركة مطاردة شبيحة وضباط النظام السابق ممن لديهم خبرة كبيرة في القتال والانتهاكات، في مناطق جبلية يعرفون تضاريسها جيداً مقابل جهلها لدى عناصر الأمن العام الذين حصلوا على دورات عسكرية سريعة و«دورات شرعية»! فوقعوا في كمائن الشبيحة بسهولة.
أصابع إيران في تمرد الفلول لا تخفى، فقد دعا إليه المرشد علي خامنئي جهاراً نهاراً قبل أسابيع، وتم تشكيل «مقاومة شعبية» مزعومة و«درع الساحل» ومجالس عسكرية بقيادة ضباط معروفين كغياث دلا وإبراهيم حويجة ومقداد فتيحة وغيرهم. وثمة معلومات صحافية عن تنسيق محتمل مع كبار ضباط النظام الساقط الموجودين في موسكو وقد سمحت لهم السلطات الروسية باستخدام أرقامهم السورية على تطبيق واتس آب.
كان لافتاً، في هذا السياق الرسالة التي وجهها رامي مخلوف معلقاً على تلك الأحداث الدامية، فقد أشار إلى ضباط الفرقة الرابعة بصورة مباشرة متهماً إياهم بتأجيج الصراع و«المتاجرة بدماء العلويين» حسب تعبيره. وقال مخلوف إنه سيعود إلى المشهد السياسي مجدداً في الوقت المناسب وإنه على «تنسيق مباشر» في هذا الإطار من غير أن يوضح الجهة التي ينسق معها. فإذا أخذنا بسوابق من «تسويات الوضع» كحالة محمد حمشو أو فادي صقر وزير الداخلية السابق محمد الشعار، يخشى أن تكون السلطة بصدد «إدماج» مخلوف أيضاً في مرحلة «ما بعد الطوشة» في خطأ جديد لن تساهم في «طمأنة العلويين» كما قد تتوهم السلطة. فأمام هذه مروحة واسعة من الخيارات من شخصيات محترمة في «المجتمع العلوي» لم تتلوث بداء الأسدية إذا أرادت السلطة التباحث معهم بشأن تضميد الجراح وفتح صفحة جديدة. ولكن يبقى أن الطريق الأسلم إلى ذلك يمر عبر إتاحة الشروط اللازمة لقيام لجنة تقصي الحقائق بعملها بصورة جدية وأن تتمكن هذه اللجنة من تحديد المتهمين بالانتهاكات ثم تقديم هؤلاء إلى القضاء بلا أي تلاعب أو التفاف. على أن يكون هذا مقدمة لإقامة عدالة انتقالية لا يجوز تأخيرها أكثر مما حصل. فهذا هو الطريق لطي صفحة الماضي والبدء بترميم النفوس قبل إعادة إعمار المباني.
لقاء الشرع وعبدي في قصر الشعب: شكل هذا اللقاء الذي شهد توقيع الرجلين على اتفاق إطار بين السلطة المركزية وقوات سوريا الديمقراطية مفاجأة طيبة للسوريين المفجوعين بالدم الغزير الذي سال قبل أيام. فهذا الاتفاق يبشر بطي صفحة العقدة الأكثر صعوبة في بناء سوريا الجديدة، بالنظر إلى تداخل عوامل محلية وإقليمية ودولية فيها، وبالنظر إلى المساحة الجغرافية الواسعة التي تسيطر عليها قسد وتضم ثروات البلاد الزراعية والنفطية. حين انتشر خبر الاجتماع والتوقيع كان ثمة قلق بشأن الموقف التركي من هذا الحدث، لكنه سرعان ما تبدد من خلال تصريحات مؤيدة له على لسان الرئيس التركي بالذات، وهو ما لا يمكن فصله عن مسار الحل السلمي الذي تعمل عليه الدولة التركية بالشراكة مع عبد الله أوجلان الذي وجه حزب العمال الكردستاني بإلقاء السلاح وحل منظماته. يمكن القول إذن إن «طبخة» كبيرة نضجت ومن المحتمل أن تينع ثمارها سريعاً على خط دمشق ـ أنقرة ـ إيمرالي ـ قنديل مع مظلة دولية غير خافية من واشنطن وباريس. سنرى في الأسابيع القليلة القادمة كيف سينعكس ذلك إيجاباً على مختلف الملفات الداخلية في سوريا. ترى هل يتم حل «الجيش الوطني» بالتوازي مع حل «قسد»؟ هل يتم تسليم من قد تتهمهم لجنة تقصي الحقائق من عناصر فصائل الجيش الوطني للقضاء، أم نشهد صراعاً مسلحاً جديداً في الشمال لتحقيق ذلك بالقوة؟ وهل كان في تأخير تشكيل الحكومة الجديدة خيراً، وأنها قد تكون بتشكيلتها المأمولة من حيث الشمول مفاجأة ثانية تضاف إلى إنجاز الاتفاق الإطاري؟ وهل يحل مقاتلون من قسد محل شبان الأمن العام في محاربة الفلول في مناطق الساحل الوعرة، في ترجمة لأحد بنود الاتفاق الإطاري المخصص للتعاون بين الطرفين في محاربة الفلول؟
أسئلة بين أخرى كثيرة طرحها الواقع الجديد الذي ظهر بعد لقاء الشرع وعبدي، سنراقب الأجوبة عليها في الأيام والأسابيع القادمة.
الرحمة لشهداء الأيام السوداء في الساحل من مدنيين وأمن عام، القصاص العادل للقتلة.
كاتب سوري
القدس العربي
——————————-
امتحان الإسلاميين في سوريّا/ سهيل كيوان
تحديث 13 أذار 2025
لم يسبق لدولة عربية أن وصل فيها إلى سدّة الحكم تنظيمٌ إسلامي، باستثناء حركة الإخوان المسلمين التي وصل رئيسها المرحوم محمد مرسي من خلال الانتخابات في مصر، حكم خلالها لفترة ثلاثة عشر شهراً فقط، ثم جرى الانقلاب على الرئيس وشيطنة الحركة وإخراجها عن القانون وزجُّ عشرات الآلاف من أبنائها في السّجون.
مرّة أخرى يمرُّ أحد تيارات الإسلام السياسي في امتحان صعب، في بلد مركزي عربيّاً وإقليمياً، وله أهميته الدولية. لم يكن وصول هذا التّيار سهلا، فقد سقط في الطريق ملايين الضحايا من السّوريين، بين قتيل وجريح ومتشرّد، قبل أن يولي رئيس النّظام الأدبار ويهرب إلى روسيا.
يمرُّ التيار الإسلامي في طبعته السُّورية الحالية، بامتحان ستكون له إسقاطاته على المنطقة العربية كلِّها، فهل سينجح هذا التيار في إدارة البلد؟ وهل سيُخرجُ النّاس من حالة اليأس الطويلة، إلى فسحة من الأمل؟ هل سينجح في إدارة البلد ذي التعدّدية الكبيرة، وهل ستكون الفرص متساوية لجميع الناس! بلا شك أنَّ هناك من يسعى، وسوف يسعى إلى إفشال هذا التّيار، وهؤلاء كثيرون، من داخل سوريا وخارجها. هناك تخوّفات مشروعة لدى أبناء مذاهب وطوائف معيّنة، وهناك أصحاب منطلقات فكريّة لن يروا في حكم الإسلاميين إلا الشّر مهما حاول هذا النظام أن يبدي مرونةً. هناك عداءٌ متأصّل لدى بعض التيارات السّياسية مثل التيارات القومية والاشتراكية والليبرالية واليسارية للتّيارات الإسلامية، مثلما أنه متأصّل لدى التيارات الإسلامية ضد هذه القوى، ويرى فيها خصوماً أيديولوجيين يصعب ترويضهم ولا يؤتمن جانبهم. هنالك من لن يهدأ له بال ما لم تشتعل الحرب الأهلية في سوريا من جديد، ويروّجون ويبشّرون لهذه الحرب، ونستطيع أن نرى ذلك من خلال التجييش الطائفي، وإذكاء الصراعات والتخويف من المقبل.
هنالك فلول النّظام البائد التي لن تسلّم بهزيمتها، ومحاولة الانقلاب الأخيرة تشهدُ على أنّ الفلول ما زالت قوّة قادرة على التّخريب، وعلى إشعال نيران الفتنة، وليس لديهم ما يردعهم، ومستعدون للتضحية بعشرات آلاف أخرى من السوريين، إذا ما كان هذا يضمن لهم العودة إلى السُّلطة، وهم مستعدون لأية تحالفات ممكنة مع أي جهة كانت. فلول النّظام البائد من القيادات العسكرية الذين يتحملون مسؤولية عما كان يجري من انتهاكات ومجازر بحق السّوريين خلال سنوات الحرب الأهلية، يدركون أنّه لا سبيل لهم في النجاة من عقوبة قاسية قد تصل إلى الإعدام، إلا من خلال اختلاق الفوضى واستعادة زمام المبادرة، وسوف يحاول هؤلاء جرّ قوات النّظام الجديد إلى ردود أفعال قاسية، كي يثبتوا أنّه نظام عاجز عن إدارة البلد، وعن حماية المدنيين في وقت الأزمات، وقد يبادر هؤلاء لعمليات فظيعة بحق المدنيين وإلصاقها بالنظام الجديد. يحاول هؤلاء القادة الهاربون من العدالة ربط مصير الأبرياء من أبناء طائفتهم بمصيرهم هم، وإظهار أنفسهم كمنقذين لأبناء الطائفة، وبأنّ السُّلطة الجديدة تضمر شرّاً لجميع العلويين، ولا تميّز بهذا بين مدنيٍّ ومقاتل، حتى إنّها مستعدة لقتل وإذلال أولئك الذين رحّبوا بها في بلداتهم من أبناء الطائفة العلوية. من خلال الفوضى تسعى الفلول للحصول على شرعية ودعم عربي ودولي، معلن أو غير معلن لإفشال السُّلطة الجديدة. سوف يمارس هؤلاء أعمال التّخريب قدر الممكن، بالاعتداء على مؤسسات الدولة، والممتلكات العامة والخاصة، وتنفيذ اغتيالات لإثارة البلبلة وعدم الاستقرار.
دولة الاحتلال الإسرائيلي من جانبها تتدخّل في محاولة لرسم الخريطة السّورية الجديدة، وتدفع باتجاه الحرب الأهلية والانقسامات، لأنّ تقسيم أي بلد عربي يعود عليها بالفائدة، وتستطيع تجييره لصالحها، والعكس صحيح، فوحدة أي بلد عربي واستقراره تزعجها، خصوصا إذا كان بلداً تحتلُ أجزاءً منه، ولها أطماع في أجزاء أخرى. إسرائيل تصف السُّلطات السّورية الجديدة كمجموعة إرهابيين، بهدف ابتزازها، ودفعها إلى تغيير موقفها ولهجتها تجاه الاحتلال، والسّير في ركب التطبيع، مقابل مساعدتها في رفع العقوبات الأمريكية والغربية عنها، وشرعنتها. وأهم من جميع أعداء الإسلاميين، يتعلّق نجاح التجربة بهم هم أنفسهم، بقيادتهم التي يقف على رأسها أحمد الشّرع. هل تستطيع القيادة الجديدة أن تطبّق الدستور الجديد المقترح، وأن تفي بالبنود، التي جاءت فيه كما نُشر في المُسوّدة، خصوصا في موضوع حرية التعبير والحرّية الشّخصية وحرية العبادة! هل ينجحون بالفعل أن يُشعروا جميع السُّوريين بأنّهم يعيشون في ظلّ قانون واحد يطبّق على الجميع من غير تفرقة! هل سيمنحون الحريّات الشّخصية مساحة كافية ليشعر الناس فيها بأنّهم تحرّروا بالفعل من دولة المخابرات المُزمنة، وأنَّ المواطن قادرٌ على انتقاد السُّلطة وأن يدلي برأيه المعارض والنّاقد وأن يبوح بأفكاره، من غير التعرّض إلى المساءلة أو المسّ بمصدر معيشته! هل سيُشعرُ السُّوريين كلُّهم بأنهم تحرّروا من أحكام الطوارئ التي لاحقتهم جيلا بعد جيل! وهل ستعود خيرات بلدهم عليهم ويحظون بحياةٍ كريمةٍ بعد سنوات، بل عقود عجاف! هل ستنجح في أن يكون القرار السّوري متحرِّرا من التأثيرات أو التدخّلات الأجنبية، كما يليق بالدولة السُّورية.
نجاح التجربة قد يكون نموذجاً للتقليد، بسبب تعطش الشّعوب العربية إلى العدالة ودولة جميع المواطنين، وهذا ما يخشاه كثيرٌ من الأنظمة العربية التي تعمل ألف حساب للتيارات الإسلامية، لقدرتها على التنظيم والانتشار لأسباب عقائدية وتاريخية وإمكانيات تنظيمية، ورغبة في تجربة مختلفة عن تجارب الأنظمة، التي تعيد إنتاج نفسها، تحت مسميات مختلفة ولكنها واحدة في جوهرها القمعي. تعرّضت التيارات الإسلامية إلى هجمات مستمرّة وقاسية، وتصعب إزالة ما علق بها من تشويهات وشيطنات، بعضها تتحمّل هي مسؤوليته، بسبب ممارسات بعض فصائلها، كذلك فإنّ الكثير منها فبركات، والذكاء الاصطناعي تطوّر وقادر على ما هو أخطر. أعداء هذا التيار كثيرون من خارجه، وكذلك وفي أحيان كثيرة، بل والأخطر يأتي من بين صفوفه. أحد أهم البنود التي جاءت في مسودة الدستور هو، استقلال القضاء، واعتباره هيئة فوق جميع الهيئات وهذه قضيّة جوهرية، في دولة قانون. الدستور المقترح كما نُشرت مسوّدته، يعتبر جيداً جداً في ظروف سوريا وما نجم عنها بعد الحرب الأهلية، ولكن يبقى التطبيق هو الأهم، فهنالك دولٌ تتغنّى بالدّيمقراطية في دساتيرها، ولكنّها فاشلة في التطبيق، وهناك من يعطّلون الدستور في أقرب فرصة. حتى في دول عريقة في الديمقراطية، لا يطبّق القانون على جميع الناس بصورة متساوية، خصوصاً في القضايا السّياسية، مثلا في تعامل الشّرطة الألمانية مع مناصري فلسطين، أو في تعامل السُّلطات الأمريكية مع الطالب العربي محمود خليل من جامعة كولومبيا.
هنالك تساؤل عن دور الفرد في التاريخ وما هي قدرته على التأثير في مساره، في الحالة السّورية الراهنة بمقدور القائد الحالي أحمد الشّرع، أن يغيّر مسار تاريخ المنطقة، وأن يدحض ما بنته الدعاية والتحريض ضد الإسلاميين على مدار عقود، إذا ما حقّق أحلام السوريين كلهم في الوحدة والكرامة والعدل، فيصبح نموذجاً يحتذى، ولكنه إذا فشل بسبب داخلي من خلال إساءة إدارة السّلطة، ممّن هم حوله، أو من خلال تقوقع فكري أو طائفي، فستكون هذه خيبة كبيرة، وربّما آخر محاولة للتيارات الإسلامية في الوصول إلى السّلطة والقيادة.
كاتب فلسطيني
القدس العربي
——————————
سوريا الواقع والافتراض/ طارق الحميد
12 مارس 2025 م
أحسن الرئيس أحمد الشرع في الخطوات التي اتخذها من أجل نزع فتيل أزمة خطرة، تهددت سوريا في بضعة أيام بشكل لافت ودراماتيكي، لأن مستصغر الشرر بأحداث الساحل وقفت خلفه رياح عاتية من التحريض والتضليل.
ولا يمكن الاستخفاف بالدم والقتل والأعمال الانتقامية، ولو وقعت بحق إنسان واحد، وليس مائة، أو مئات، فحقن الدماء مقدم على كل شيء، وأياً كانت الدماء سواء لمواطنين أو رجال أمن، كما أن نبذ الطائفية أمر واجب في الدولة، أي دولة.
نزع الرئيس الشرع فتيل الأزمة، واتخذ إجراءات مهمة فاقت تصور داعميه من السوريين، وهي إجراءات عقلانية لخَّصها بقوله إن المخطئ سيُحاسب ولو كان قريباً منه، وتوَّج جهوده تلك بحكمة نتج عنها إبرام اتفاق مع «قسد».
وهو ما يعني أن الشرع، وبكل حكمة، استعاد جغرافياً ثلث الدولة، وبتوقيت مهم، ورغم أن أصواتاً كثراً كانت تطالبه بمواجهة الأكراد، فإنه فضَّل الحكمة والمفاوضات. والإشكالية أن كل ذلك لا يعني أن سوريا قد تجنبت الأزمات.
والسبب أن هناك واقعاً بسوريا، وأن هناك عالماً افتراضياً يؤطر الأحداث فيها. والقصة ليست قصة وسائل التواصل، أو الإعلام، بل أكبر. فمنذ اندلاع أحداث الساحل السوري أجد سؤالاً واحداً على لسان كل مَن ألتقيه أو أتواصل معه.
والسؤال هو: «ما حقيقة ما يحدث بسوريا»؟ وعندما تشرح تأتي الإجابة أيضاً واحدة: «الآن فهمت». وهو سؤال السعودي، والسوري، واللبناني، والمصري، والغربيين. وقد يقول القارئ: ومَن يقول إنك تملك الإجابة الصحيحة؟
وهذا سؤال مهم، والسبب أن التضليل على سوريا كبير، وهو استمرار لما شهدناه من تضليل فيما عُرف زوراً بـ«الربيع العربي»، بل وتطور في آليات التضليل. فمنذ «الربيع العربي»، وبقيادة الرئيس الأميركي الأسبق أوباما، بدأ التضليل حول سوريا حين سمّاها «الحرب الأهلية».
ورغم أن السوريين لم يرفعوا السلاح، وإنما كانت مطالبهم مشروعة، إلى أن بدأ «القمع الأسدي»، ثم التدخل الإيراني و«حزب الله» وكذلك التدخل الروسي، وباقي القصة معروف. ومن حينها لم يتوقف التضليل تجاه سوريا.
واختلطت الأوراق عندما اعتقد البعض أن هناك «كتالوج» موحد للمنطقة، وكل ما له علاقة بالإسلام السياسي، والدليل أن أحداً لم يلحظ كيف صمت الإسلاميون حول التدخلات الإسرائيلية بسوريا، بينما هَبُّوا بقصة تهجير غزة!
وعليه، هناك واقع في سوريا اليوم يتم تجاهله، وهناك عالم افتراضي يتم تداوله، والأمثلة كثيرة، فرغم كل ما قدمت سوريا الجديدة من خطوات إيجابية، وفي ظرف 3 أشهر، فإننا نجد تشكيكاً ممنهجاً.
يخرج فلول الأسد بالسلاح، وبمساعدة من «حزب الله» وإيران، وبالأشكال كافة، ومنها الإعلامي، فتجد صوتاً عالياً يحدثك عن «مجزرة» و«طائفية»، وتنتشر الصور المزيفة بوسائل التواصل، وتنطلق المطالبات بتدخل خارجي.
ومطالبات بإطالة أمد العقوبات، وزيادتها، ومن أشخاص طالما أشغلونا بالمواطنة، واستعادة الدولة، ووقفنا معهم سابقاً، وتحديداً في العراق ولبنان، لكن اتضح أنهم ينطلقون من منطلقات طائفية، وتحت غطاء «حماية الأقلية».
وعليه، فخير ما يمكن فعله لسوريا اليوم هو دعمها، بحمايتها من تدخل بعض دول الجوار. وهذا يتطلب موقفاً حقيقياً من أصدقاء سوريا الجديدة.
الشرق الأوسط»
——————————-
هل ثمّة صراع بين إيران وتركيا؟/ زياد بركات
13 مارس 2025
ليس ثمّة ما هو أسوأ لإيران من أن تجد نفسها وإسرائيل في الموجة نفسها في الشأن السوري. وهو كاشفٌ وفاضح، فبينما تسعى تلّ أبيب جهراً إلى استغلال المرحلة الانتقالية في سورية، يبدو أن طهران منشغلة بالأمر نفسه، وهو العودة بأيّ ثمن إلى ما كانت عليه قبل فرار المخلوع، وإذا تعذّر الأمر فلا بأس من التخريب، وهو كثيرٌ (للأسف!)، رغم أنه لا يعود عليها بنتائج حقيقية لحسن الحظّ.
على إيران أن تُسلّم أن نفوذها العابر للحدود ضُرِب في مقتل بفرار الأسد واغتيال حسن نصر الله، وأن عليها أن تُعنى بشؤونها، خاصّة أن النار تقترب منها هذه المرّة، بعد عقود من أحزمة الصدّ التي أنشأتها في بلاد المشرق العربي واليمن، وأن تعرف أن علاقاتٍ ندّيةً ما أمكن مع “مستعمراتها” القديمة (والوصف على تطرّفٍ وسخرية)، أفضل لها وللمنطقة، وأن التغيّرات العاصفة والمفاجئة في جوارها قد تتركها في عزلةٍ خانقةٍ كلّما سعت إلى التخريب أو استعادة دور انتهت شروطه وأسبابه.
لم يخطئ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في تشخيصه وضع إيران في المنطقة، في حواره مع قناة الجزيرة، فالسياسة التي تعتمد على فصائل مسلّحة (في دول الجوار) خطيرة، ومن شأنها الانقلاب ضدّك، وإذا كنتَ تحاول إثارة التوتّر في دولة ثالثة، فإن دولة أخرى تستطيع إزعاجك داخل حدودك بدعم جماعات ضدّك في بلادك.
ومعلومٌ أن تصريحات الوزير التركي لم تكن عفو الخاطر، بل تعني كثيراً في وقتٍ بدأت فيه بلاده بملء الفراغ الذي نشأ بخروج إيران من سورية، وتلك من طبيعة معادلات القوة والنفوذ في العالم، وإيران ليست استثناءً هنا، خاصّة أن تدخلها تسبّب في تمزيق مجتمعات المنطقة وتطييفها، وإعادتها إلى القرون الوسطى، فطهران ليست قوةً حداثيةً، ولم تنقل لهذه المجتمعات إرثاً في الموسيقى والفلسفة والآداب والأزياء عندما تغلغلت فيها، بل سرطنتها بمفاهيم محض طائفية ولا تنتمي إلى العصر، ولا حتى إلى القرن التاسع عشر.
ولم تفعل هذا وحسب، بل حوّلت هذه المجتمعات دروعاً بشرية لها، تحارب بها وبنخبها، وعندما يحين وقتُ المذبحة تنأى بنفسها. وما حدث مع حزب الله كان درساً لمن يريد أن يتعلّم، ففي اللحظة الحاسمة جرى فصل مسارات الصراع فتُرك الحزب يواجه وحدَه حرب إسرائيل عليه، بينما تفرّغ مسعود بزشكيان للتودّد إلى الولايات المتحدة.
… هل ثمّة صراع في الأفق بين إيران، التي تنسحب من المشهد، وتركيا التي بدأت تتصدّره؟ … الصراع لم يغب يوماً حتى نُفاجأ به، فإيران عملياً دخلت منذ الثمانينيّات في خطّ نفوذ الأتراك ومجالهم الحيوي في المنطقة، فالتداخل الإثني والديني التركي أكبر من الإيراني، وإرثُه ممتدٌّ إلى الدولة العثمانية، مقارنةً بطهران التي اكتشفت أن الطائفة حصان طروادة لاختراق المنطقة، وهو ما تيسّر لها لهشاشة دول المنطقة وغياب إجماعاتها الوطنية، لا لعبقرية المؤسّسة الإيرانية.
لا يعني هذا في حال ترحيباً بمستعمرٍ جديد، وأنقرة أكثر ذكاءً من تسويق نفسها على هذا النحو، بل مقارنةً بين دولةٍ تلعب دوراً في مجال حيوي لها، وأخرى أوجدت مجالها وأقحمته في المعادلات، وكان أن انهار بين ليلةٍ وضحاها بغياب أدواتها أو ضعف هذه الأدوات. وكان عليها أن تعترف بخساراتها وتنسحب وتُعنى بشؤونها، لكنّ من شأن إنكارها الوقائع الجديدة إضعافها أكثر، وقطع الطريق عليها لإنشاء علاقات جديدة وصحية مع دول المنطقة، تكون فيه جاراً طيّباً يصدّر الكافيار (إذا شاء) إلى هذه الدول، ويقيم أسابيع سينمائية في عواصمها.
في ردود بعض المسؤولين الإيرانيين على تركيا، ثمّة من يذهب إلى أنها (تركيا) تتعامى عن الأيادي الأميركية والإسرائيلية السرّية والخفية في تطوّرات المنطقة، وهو ما قاله المتحدّث باسم الخارجية الإيرانية في “إكس”، لكنّه أغفل أن بلاده ترغب بمصافحة الأيادي الأميركية لا غيرها، وذلك ما فعلته عندما تخلّت عن حزب الله، حليفها وأداتها الرئيسة في المنطقة، وهو يُدَّك ويُباد، مراهنةً على أن دور العاقل الذي يكبح صبيان الحي قد يجلب لها المنافع، فما حمت حليفها ولا كسبت رضا الأميركيين، الذين كلما تنازلتَ لهم طالبوك بما هو أكثر، وأن إضعاف العهد الجديد في سورية، واللعب على تناقضات المكوّنات المجتمعية، يجمعها مع إسرائيل أكثر من تركيا، ويجعلهما في صفّ واحد، وإن اختلفت الدوافع.
العربي الجديد
———————-
لوموند: الانتقال بسوريا في خطر
تحديث 13 أذار 2025
تحت عنوان “الانتقال في سوريا مهدّد”، قالت صحيفة لوموند في افتتاحية عددها اليوم الخميس، إن سوريا قدّمت خلال الأيام القليلة الماضية وجهين: الوجه الأسوأ، ثم وجه الأمل.
فقد بدأ كل شيء يوم الخميس 6 مارس/ آذار الجاري بهجوم استهدف قوات الرجل الجديد القوي في البلاد، الرئيس الانتقالي أحمد الشرع. وقد شنت الهجوم ميليشيات ما تزال وفية للدكتاتور بشار الأسد، الذي أُطيح به في ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وذلك في المعقل الساحلي للأقلية العلوية التي ينتمي إليها، توضّح الصحيفة الفرنسية.
هؤلاء الموالون لديهم كل ما يخشونه من سوريا متصالحة مع ذاتها، حيث سيكون عليهم الرد على الجرائم التي ستظل الديكتاتورية مرتبطة بها إلى الأبد. لكن الانتقامات الدموية التي نفذها بعض رجال السلطة السورية الجديدة ضد الأقلية العلوية أعادت إحياء شبح انزلاق البلاد إلى أعمال عنف طائفية لا نهاية لها، يغذيها تطرف إسلاموي كان أحمد الشرع أحد أتباعه قبل أن يبتعد عنه، تُضيف لوموند.
فأمام أول اختبار كبير له منذ وصوله إلى السلطة، تحرك أحمد الشرع بسرعة متعهداً بالعثور على مرتكبي الانتهاكات ومعاقبتهم. لم يكن لديه خيار آخر، فسلطته وصورته على المحك. وتعد اللجنة التحقيقية التي تم تشكيلها (بمشاركة أعضاء علويين) خطوة أولى، لكن يجب أن تسفر عن نتائج، ويجب تحقيق العدالة، حتى لو كان ذلك ضد من اعتمد عليهم الشرع في الماضي، تتابع صحيفة لوموند في هذه الافتتاحية.
وما إن عاد الهدوء بالكاد إلى المعقل العلوي حتى تم الإعلان عن اتفاق واعد في دمشق يوم الاثنين الماضي على الجبهة الطائفية الثانية التي تواجهها السلطات الجديدة. يتعلق الأمر بالاتفاق الذي توصّل إليه الشرع وقائد القوات الكردية التي تسيطر على شمال شرق البلاد، مظلوم عبدي. وهو ما يبعد في المدى القريب خطر التفكك الذي سيحكم على سوريا بالبقاء لعبة في أيدي القوى الإقليمية الرئيسية، سواء كانت تركيا أو إيران أو إسرائيل، توضح الصحيفة الفرنسية.
وبالطبع، ما يزال هذا الاتفاق المبدئي بحاجة إلى تطبيقات دقيقة، من دمج الميليشيات الكردية ضمن قوات الأمن التابعة للنظام الجديد إلى تقاسم عائدات الإنتاج النفطي والغازي المتواضع لبلد دمرته الحرب الأهلية والعقوبات الدولية.
ومع ذلك، فإنه يمثل قطيعة كبيرة مع النهج الذي تعاملت به عائلة الأسد مع الأقلية الكردية لعقود. ولا شك في أن إعلان زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون، عبد الله أوجلان، تخليه عن السلاح في تركيا يوم 27 فبراير/ شباط الماضي، قد ساهم في تحقيق هذا الاختراق.
هاتان الصورتان لسوريا تثيران بلا شك تساؤلات كبرى لدى الدول التي يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي على مستقبلها. وتحديداً، تلك القادرة على التأثير في قرار الإبقاء على العقوبات المرتبطة بالنظام السابق أو رفعها، والتي ما يزال البلد يدفع ثمنها، تقول صحيفة لوموند، موضّحة أنه من المفهوم أن هذه الدول تفضل التريث لتقييم مدى جدية أحمد الشرع في استعادة السيطرة على الوضع وضمان العدالة فيما يتعلق بالجرائم التي ارتُكبت في الأيام الأخيرة.
لكن هذه الموجة من العنف تؤكد أيضاً أن أيّ غياب لتحسين الأوضاع المعيشية للسوريين سيفيد أولئك الذين لا يريدون نجاح الانتقال الجاري. ومع ذلك، فإن الفشل في تحقيق ذلك سيضمن استمرار معاناتهم، تقول الصحيفة الفرنسية.
————————
الصفقة مع “قسد” تطفئ نار مجلس الأمن…”اندبندنت عربية” تحصل على مسودة الجلسة المغلقة/ مصطفى الأنصاري
شدد القرار المرتقب على محاربة الإرهاب ووحدة البلاد وأغلق الباب أمام التدخل الدولي وثمن تشكيل لجنة التحقيق
الأربعاء 12 مارس 2025
علمت “اندبندنت عربية” من مصادر مطلعة على مداولات الجلسة السرية لمجلس الأمن حول الأحداث المأسوية في الساحل السوري بأن الدول المعنية توافقت على صيغة قرار كان يتوقع أن يكون شديد اللهجة، إلا أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة السورية بتشكيلها لجنة تحقيق وإحرازها الصفقة المفاجئة مع “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) جميعها دفعت إلى تخفيف حدة الخطاب وأطفأت نيران الغضب الدولي.
وذكرت المصادر التي اطلعت على المسودة أن القرار، خرج بصيغة يغلب عليها “التوازن والإنصاف لجهود الحكومة السورية الموقتة”، على رغم إدانته لأعمال العنف غير الشرعية التي شهدتها مناطق غرب سوريا وراح ضحيتها المئات، وفق أرقام دمشق نفسها.
وحتى إن جاء القرار في سياق إدانة الانتهاكات، إلا أنه وفق ما توضح المسودة التي حصلت عليها “اندبندنت عربية” تضمن تأكيداً دولياً والتزاماً بـ”استقرار سوريا ووحدة أراضيها”، وهو أمر كثيراً ما كان نقطة مركزية في قرارات الدول العربية ومواقفها نحو سوريا، فضلاً عن حكومة الشرع الذي كان صريحاً في رفض الفيدرالية أو أي تنازل باتجاه تقسيم البلاد طائفياً أو عرقياً أو جغرافياً.
وكان دبلوماسيون قالوا الأحد الماضي إن الولايات المتحدة وروسيا طلبتا من مجلس الأمن الدولي عقد اجتماع مغلق أول من أمس الإثنين لبحث تصاعد العنف في سوريا، وهو الاجتماع الذي يترقب إعلان نتائجه اليوم.
إلى ذلك تناولت المسودة الجانب الأكثر حساسية في الملف السوري وهو “الإرهاب”، إذ أكدت ضرورة “محاربة الإرهاب في سوريا”، مما تقول الحكومة إنها تسعى إليه، إلا أن انتقادات دولية وإقليمية حاصرتها حيال صدقية ذلك التوجه وهي لا تزال تضم في صفوفها مقاتلين أجانب، بعضهم ينتمي إلى خلفيات متطرفة ذكر شهود عيان أنهم خلف بعض الانتهاكات التي حدثت، لكن التحقيقات النهائية هي التي ستسفر عن التصور الموثق.
وكانت الرئاسة السورية أصدرت قراراً الأحد الماضي بتشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق وتقصي الحقائق في أحداث الساحل، فيما شدد الرئيس السوري أحمد الشرع على أن بلاده “لن تسمح لأي قوى خارجية أو محلية بجرّها إلى فوضى أو حرب أهلية”، متعهداً بأن إدارته ستقوم بـ”محاسبة كل من تسبب في أذى للمدنيين… وأنه لا يوجد خيار أمام فلول النظام السابق سوى الاستسلام على الفور”.
وتضمن قرار المجلس وفق مسودته التي اطلعت عليها “اندبندنت عربية” تثمين المجلس الخطوات التي اتخذتها دمشق في شأن إعلانها تشكيل لجنة تحقيق للمحاسبة. ولم يشِر البيان إلى أي تلميح أو تهديد بـ”تدخل دولي في سوريا”، مثلما ترغب أطراف موالية للنظام السابق تحت غطاء دعم الأقليات.
وكان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك حض في وقت سابق على تحقيق المساءلة عن جميع الجرائم المرتكبة على الساحل السوري، ورحب بإعلان سلطات تصريف الأعمال تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، داعياً إلى ضمان أن تبقى التحقيقات سريعة وشاملة ومستقلة ونزيهة.
ولضمان عدم تكرار مثل هذه الانتهاكات والتجاوزات المروعة، قال تورك إن “من الضروري للغاية أن تتماشى عملية التدقيق في الفصائل المسلحة ودمجها في الهياكل العسكرية السورية مع التزامات البلاد بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني” وأن تتناول بصورة كاملة مسؤولية جميع المتورطين في الانتهاكات السابقة أو الأخيرة لحقوق الإنسان في سوريا.
واستبق الاتفاق مع “قسد” قرار مجلس الأمن في أعقاب جلسته المغلقة إذ أعلنت الرئاسة السورية الاثنين الماضي أنها توصلت إلى اتفاق يقضي بدمج “كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز”.
توازن القرار له مغزى
في تصريح لـ”اندبندنت عربية”، أعرب عبدالعزيز بن صقر، رئيس مركز الخليج للأبحاث، عن أهمية قرار مجلس الأمن بشأن أحداث سوريا، مشددًا على “توازن القرار وإنصافه” في دعم جهود الحكومة السورية المؤقتة. وأوضح أن القرار “يدين الأعمال العنيفة غير الشرعية” التي أدانتها الحكومة، مؤكدًا على ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي السورية واستقرارها، مشيرًا إلى أن هذا التوجه يتماشى مع أهمية محاربة الإرهاب وفقًا لموقف الحكومة المؤقتة.
وأضاف بن صقر: “إن القرار يثمن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، بدءًا من إنشاء لجنة تحقيق ووصولاً إلى الوعود بمعاقبة أي طرف يرتكب الجرائم وضمان إرسال التعزيزات الأمنية لاستقرار الوضع”. ورجح أن تخفيف لهجة القرار كان له علاقة محورية بالوصول إلى اتفاق مع قوات قسد الكردية، مما يدل على أن التوازن في صياغة القرار ساهم في تعزيز الجهود الأمنية والتعاون اللازم لتحقيق الاستقرار في المشهد السوري.
الساحل لا يشكل تهديدًا
وفي تعقيب على ما تسرب من قرار المجلس، أكد المحلل السوري غسان إبراهيم في حديث مع “اندبندنت عربية” أن الوضع في سوريا معقد للغاية، وأن “حله ليس سهلاً بسبب تصادم الأطراف وانتشار الكراهية والطائفية”، مشيرًا إلى أن هذه المشكلات تحتاج إلى وقت لمعالجتها ولا يمكن التعامل معها بالاستعجال. وأوضح أن الرئيس الشرعي يتعامل مع الأوراق الداخلية بهدوء، “إذ يدرك أن التسرع لن يُثمر عن نتائج إيجابية، باستثناء ملف الأكراد الذي سارع في التعامل معه لإرسال رسالة واضحة للغرب بضرورة الانسحاب من سوريا وترك الشأن السوري للسوريين”.
وأضاف إبراهيم أن التحديات الأمنية في الساحل “ليست كبيرة نظرًا لقلة المقاتلين، إلا أن الاستعجال في معالجتها قد يؤدي إلى تسلل جماعات متطرفة وارتكاب جرائم تُورط النظام”. كما أشار إلى أن قضية الدروز ليست مقلقة؛ فهم لا يمتلكون هدفًا انفصاليًا ولا قوة عسكرية تهدد الاستقرار، مما يجعل الملف قابلاً للحل التدريجي.
وأوضح المحلل السوري أن التحدي الأكبر يكمن في التعامل مع الملفات الخارجية، خاصة مع الدول غير المتوافقة مع النظام؛ إذ إن استمرار العقوبات يؤدي إلى غياب إعادة الإعمار ويثير استياءً داخليًا نتيجة عدم تحقيق الوعود بتحسين الوضع الاقتصادي والخدمات. ومن هنا، يركز الشرع على تصفية هذه الملفات الخارجية باعتبارها المفتاح لرفع العقوبات، مما يعكس طبيعة “عقلية الشرع” البراغماتية في إدارة المشهد السوري.
———————-
مخاوف من اضطرابات في لبنان بعد وصول سوريين هاربين من “العنف الطائفي“
الحرة – واشنطن
13 مارس 2025
موجة لجوء جديدة شهدها لبنان بعد أن عبر الآلاف من السوريين العلويين الحدود مع لبنان في أعقاب الأحداث الأخيرة التي شهدتها منطقة الساحل السوري.
وتثير حركة النزوح هذه العديد من المخاوف ليس فقط جراء الضغط الهائل على مناطق شمال لبنان التي تعاني أصلا من تدهور في الأوضاع المعيشية، وإنما بسبب مخاوف تتعلق بحزب الله اللبناني، والقلق من اندلاع أعمال عنف على أساس طائفي في المناطق ذات الغالبية السنية مثل طرابلس.
أطراف سياسية اعتبرت أن موجة النزوح الجديدة تبدد الرهان على إمكانية عودة اللاجئين السوريين في لبنان بعد سقوط نظام الرئيس الأسد في 8 ديسمبر 2024، فيما ذهبت أطراف أخرى إلى إبداء مخاوفها من تغيير في التركيبة السكانية.
في وقت أكد آخرون أنه وسط هذه المخاوف، استغل “حزب الله”، المصنف على قوائم الإرهاب في أميركا، التطورات في سوريا وانعاكاستها على لبنان، لتحقيق مصالح ومكاسب داخلية، وإبعاد الأنظار عن مساعيه لتعزيز حظوظه في الحصول على السلاح بعد أن قطع سقوط حليفه الأسد طرق إمداده عبر سوريا.
ضمان عودة السوريين بعد زوال الأسباب
النائب اللبناني السابق مصطفى علوش من طرابلس وصف الوضع في سوريا بـ “المأساة الحقيقية”، مشيرًا إلى أن عدد السوريين الذين عبروا الحدود اللبنانية الشمالية إلى طرابلس يُقدّر بـ “بضعة آلاف”.
وأضاف أن هذا الرقم يبقى ضئيلًا مقارنةً بـ “مليون ونصف مليون سوري هربوا سابقًا بسبب خوفهم من بطش نظام الأسد”.
وتابع علوش قائلاً إن هؤلاء السوريين، بغض النظر عن دينهم أو مذهبهم، يُعتبرون لاجئين يمرون بأزمة حقيقية، وبالتالي من الضروري أن يتحرك لبنان لدعم الاستقرار في سوريا، كما أنه يجب ألا تتم إعادتهم دون ضمانات توفر لهم الأمان في وطنهم.
ولكنه أشار إلى أن موجة النزوح هذه تمثل “معضلة جديدة تواجه السلطات اللبنانية”، خاصة في ظل المخاوف الأمنية من تسلل عناصر بين النازحين لهم “خلفيات استخباراتية أو خبيثة”، وترغب في إشعال الفتن والنعرات الطائفية وأعمال الشغب في لبنان.
وأوضح علوش أنه يجب أن يكون هناك انتشار للجيش اللبناني على الحدود لضمان الأمن، مؤكداً أن الهدف الرئيس للسلطات اللبنانية يجب أن يكون الحفاظ على أرواح الناس وضمان عودة السوريين إلى بلادهم بعد زوال الأسباب التي أجبرتهم على اللجوء.
من جهة أخرى، عبّر النائب اللبناني السابق فارس سعيد من بيروت عن مخاوفه من وصول السوريين “العلويين” إلى طرابلس، المدينة التي قال إنها شهدت لسنوات طويلة “اقتتالًا طائفيًا” بين منطقة جبل محسن ذات الغالبية العلوية ومنطقة باب التبانة ذات الغالبية السنية.
وأضاف سعيد أن هناك خوفًا من عودة “الأمور إلى ما كانت عليه سابقًا”، ومن أجل منع تكرار تلك الأحداث، كشف سعيد عن عقد اجتماع يوم الجمعة للاتفاق على “إعلان طرابلس” بمشاركة شخصيات سنية وشيعية ومسيحية، “لتأكيد الحفاظ على السلم الأهلي والعيش المشترك بين كافة الطوائف اللبنانية”.
وأشار إلى أن الخطر في مدينة طرابلس لا يكمن في استقبال السوريين ، وإنما في إمكانية “ان يستفيق شمال لبنان بظهور الشياطين القدامى” الذين قد يثيرون الفتن.
وردًا على القلق من احتمال استغلال حزب الله للوضع، قال سعيد “كلما كانت الدولة اللبنانية قوية وكان جيشها حازمًا، كلما قلت إمكانية استغلال حزب الله للوضع من أجل العودة إلى المسرح السياسي وإعادة تعزيز نفوذ إيران في المنطقة”.
وعبر رجال ونساء وأطفال سوريون أحد الأنهار بحثا عن الأمان في لبنان، الثلاثاء، لينضموا إلى المئات الذين فروا إلى الدولة المجاورة خوفا على حياتهم وهربا من عمليات قتل طائفية تستهدف العلويين.
كذلك لجأ آلاف النازحين العلويين إلى قاعدة حميميم الجوية الروسية على الساحل السوري بعد المجازر. ووفق المرصد، السوري لحقوق الإنسان، ترفض عائلات احتمت في القاعدة الروسية الخروج منها والعودة إلى منازلها، خوفا من تعرّضها لانتهاكات أو لكون منازلها قد دمّرت.
وقتل 1383 مدنيا على الأقل غالبيتهم العظمى من العلويين جراء أعمال عنف شهدتها منطقة الساحل في غرب سوريا اعتبارا من السادس من مارس، بحسب حصيلة جديدة كشف عنها المرصد السوري لحقوق الإنسان، الأربعاء.
وقتل هؤلاء في “عمليات إعدام على يد قوات الأمن ومجموعات رديفة لها”، وفقا للمرصد الذي أوضح أن هذه العمليات تركزت “يومي 7 و8 مارس”.، وأن الحصيلة تواصل الارتفاع لأن “توثيق أعداد القتلى لا يزال مستمرا”.
وبدأت أعمال العنف تتصاعد في منطقة الساحل السوري التي يقطنها عدد كبير من العلويين، الخميس، عندما قالت الحكومة السورية إن قواتها تعرضت لهجوم من قبل مؤيدين للرئيس المخلوع بشار الأسد، وهو من الطائفة العلوية.
وتعهد رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع، الاثنين، بمعاقبة المسؤولين عن هذه الجرائم، بمن فيهم حلفاؤه إذا لزم الأمر.
الحرة – واشنطن
—————————
رئيس لجنة تقصي الحقائق في الساحل السوري لـ”الحرة”: لدينا لوائح بالشهود والمتهمين المحتملين
13 مارس 2025
قال المتحدث باسم لجنة تقصي الحقائق في الساحل السوري، ياسر الفرحان، لقناة “الحرة”، الخميس، إن “اللجنة تباشر عملها على الأرض ولديها لوائح بالشهود والمتهمين المحتملين”.
وأكد الفرحان في المقابلة التي أجراها مع قناة “الحرة” أن “اللجنة ستقوم بالتحقيق بكل العمليات التي وقعت بالساحل” وأن “موقف السلطة السورية جاء من خلال تشكيل لجنة التحقيق بقضية انتهاكات ضد المدنيين”.
وقال: “نحن لجنة تقصي حقائق نقوم بعملنا التحقيقي ونسلم التحقيق” للرئيس الانتقالي، أحمد الشرع.
وشدد الفرحان على أن “اللجنة ستحيل من يثبت تورطهم بالهجمات إلى النيابة العامة”.
وقتل 1383 مدنيا على الأقل غالبيتهم العظمى من العلويين جراء أعمال العنف التي شهدتها منطقة الساحل في غرب سوريا اعتبارا من السادس من مارس، على ما أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان في حصيلة جديدة، الأربعاء.
وبدأ التوتر في السادس من مارس في قرية ذات غالبية علوية في ريف اللاذقية على خلفية توقيف قوات الأمن مطلوبا.
وسرعان ما تطور الوضع إلى اشتباكات بعد إطلاق مسلحين علويين، قالت السلطات إنهم من الموالين للرئيس المخلوع بشار الأسد، النار على عناصر قوات الأمن في أكثر من مكان، وفق المرصد السوري.
وتحدث المرصد عن عمليات “إعدام ميدانية” بحق مدنيين خصوصا من الأقلية العلوية التي ينتمي إليها الأسد.
وفي أحدث حصيلة للمدنيين، أحصى المرصد مقتل 1383 شخصا غالبيتهم الساحقة من العلويين، خصوصا في محافظتي اللاذقية وطرطوس في “عمليات إعدام على يد قوات الأمن ومجموعات رديفة لها”.
وأوضح أن هذه العمليات تركزت “يومي 7 و8 مارس”، مشيرا إلى أن الحصيلة تواصل الارتفاع لأن “توثيق أعداد القتلى لا يزال مستمرا”، على الرغم من توقف أعمال العنف.
وقتل العديد من الأشخاص داخل منازلهم أو في الحقول، وفقا لمدير المرصد، رامي عبد الرحمن.
وروى كثر من سكان المنطقة الساحلية لوكالة فرانس برس تفاصيل مروعة عن المعارك وعمليات التمشيط الأمنية وعمليات قتل لمدنيين.
ونشر مقاتلون وناشطون والمرصد السوري منذ بدء التصعيد مقاطع فيديو تظهر عمليات إطلاق رصاص بشكل مباشر على أشخاص عزل بملابس مدنية، وأخرى تظهر فيها عشرات الجثث بملابس مدنية مكدس بعضها قرب بعض على الأرض. ولم تتمكن فرانس برس من التحقق من مقاطع الفيديو.
ونددت الأمم المتحدة، الثلاثاء، بحجم العنف “المروع” في منطقة الساحل، مشيرة إلى توثيق العديد من حالات الإعدام التعسفية ومقتل عائلات بأكملها بمن فيهم نساء وأطفال وأفراد عاجزون عن القتال.
وأعلنت الرئاسة السورية، الأحد، تشكيل لجنة تحقيق “للكشف عن الأسباب والملابسات التي أدت إلى وقوع تلك الأحداث، والتحقيق في الانتهاكات بحق المدنيين وتحديد المسؤولين عنها”.
وأكدت اللجنة، الثلاثاء، عزمها على ترسيخ العدالة و”منع الانتقام” خارج نطاق القانون.
وأعلنت السلطات توقيف سبعة أشخاص على الأقل منذ الاثنين، قالت إنهم ارتكبوا “انتهاكات” بحق مدنيين في الساحل، وأحالتهم على القضاء العسكري.
الحرة – دبي
———————-
العقوبات وتأثيرها.. كيف قد تسهل الولايات المتحدة وأوروبا انهيار سوريا المقبل؟
ربى خدام الجامع
2025.03.12
أنهى سقوط نظام بشار الأسد في الثامن من كانون الأول لعام 2024 قرابة 54 عاماً من حكم آل الأسد والحكم الديكتاتوري لسوريا، إذ قبل عشرة أيام على ذلك، شن تحالف لفصائل المعارضة المسلحة التي تمركزت في شمال غربي سوريا هجوماً سعى لإحكام السيطرة على الريف الغربي لحلب، بيد أن هذا التحرك العسكري الجسور والمنضبط تسبب بانهيار سريع على خطوط جبهات النظام تباعاً، وفي نهاية الأمر سقط نظام بشار الأسد كقصر من ورق، بعد أن اعتراه الفساد والتشتت وأفرغ من محتواه.
بعد مرور قرابة 13 عاماً على النزاع المضني الذي كان شعار نظام الأسد خلاله: (الأسد أو نحرق البلد)، تحقق كل ما قيل في ذلك الشعار بأبشع الطرق، غير أن الحرب السورية وضعت أوزارها بطريقة مفاجئة وفجة.
فقبل أسابيع على ذلك، أخذت مجموعة تضم عشر دول أوروبية تقريباً ترأستها إيطاليا تضغط بشكل كبير على الاتحاد الأوروبي من أجل إجراء مراجعة شاملة للسياسة المعنية بسوريا ومن أجل العودة للتعامل مع نظام الأسد، إذ بعد تقييم الأزمة السورية واكتشاف أنها وصلت إلى مرحلة جمود دائمة، أخذت إدارة بايدن تبحث في السر عن فرصة لعقد اتفاق يقضي بتخفيف العقوبات على نظام الأسد، وكان أساس كل ذلك هو أنه منذ ربيع عام 2023 طبعت معظم دول الشرق الأوسط علاقاتها مع الأسد بعد أن خلصت إلى أنه خرج من الحرب السورية منتصراً، وبأن الطريق الوحيد لحل كثير من الآثار الجانبية المترتبة على الأزمة السورية يعتمد على إشراك النظام نفسه في الحل.
ولكن، وفي غضون عشرة أيام، بدأت من 27 تشرين الثاني وحتى الثامن من كانون الأول، انقلبت على أعقابها تلك التقييمات الأساسية التي حددت نهج معظم دول العالم تجاه سوريا، إذ بعد سنوات من التنديد بأزمة اللاجئين المستعصية والتي ضغطت على اقتصاد الدول الإقليمية وأثارت حفيظة السياسات الشعبوية في أوروبا، فضلاً عن السخط تجاه تجارة المخدرات التي كانت تدر على النظام البائد مليارات الدولارات، وتواصل العنف واستمراره، وتزايد الاحتياجات الإنسانية، أخذ المجتمع الدولي يراقب من بعيد كيف هرب الأسد فجأة ففتح بذلك الباب أمام تطورات هائلة، إن لم تحمل تلك التطورات حلولاً لكل تلك المشكلات دفعة واحدة.
ولكن، في الوقت الذي كان رحيل الأسد بشرى خير بالنسبة لكثيرين، فإن الانتقال الذي ترتب على ذلك والذي حدث بسرعة في دمشق تم بإدارة عنصر فاعل لم يختره سوى قليلون للعب هذا الدور، وهذا العنصر ليس سوى هيئة تحرير الشام، التي كانت في السابق فرعاً لتنظيم القاعدة الذي تشكل على أعقاب سلفه أي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق، فقد أتت الهيئة وزعيمها، أحمد الشرع، حاملين في جعبتهم كثيراً من الأمور.
غير أن الهيئة في عام 2025 هي نتاج لثماني سنوات من التطور المنطقي غير المسبوق ضمن العالم السلفي الجهادي، إذ بعد أن أعلنت عن فك ارتباطها بتنظيم القاعدة في أواسط عام 2016، تقبلت الهيئة وجود القوات العسكرية التركية في أراضيها، ووافقت ثم التزمت بوقف إطلاق النار لسنوات طويلة بضمانة روسية-تركية، ثم نجحت بالقضاء على تنظيم الدولة والقاعدة ضمن أراضيها، وخلال السنوات القليلة الماضية، دعمت الجماعة “حكومة الإنقاذ” المؤلفة من تكنوقراط في شمال غربي سوريا والتي وفرت الخدمات العامة بشكل أكبر وبكفاءة أعلى مقارنة بمناطق سورية أخرى، في الوقت الذي أخذت قياداتها تتواصل بالسر مع حكومات الدول الغربية وتتعامل معها، وذلك على المستويين الدبلوماسي والأمني، وخلال تلك السنين، تغير التوجه الأيديولوجي للجماعة بشكل نهائي بعيداً عن التوجه المحلي والعالمي، فتخلت عن “الجهاد” واعتنقت “الثورة”، والعلم الأخضر للانتفاضة الشعبية السورية.
وعلى الرغم من تلك التغيرات الملحوظة، لم يتوقع أحد لأحمد الشرع أن يقف في يوم من الأيام في القصر الرئاسي بسوريا وهو يرتدي بزة رسمية ويضع ربطة عنق في أثناء ترحيبه بوزراء خارجية الدول الأجنبية والمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كما لم يتخيل له أحد أن يصعد على متن طائرات الدولة الخاصة ليزور السعودية وتركيا، وأن تصله دعوة من باريس عبر الرئيس إيمانويل ماكرون. إذ بعد سنوات من الدبلوماسية والاجتماعات السرية مع الدبلوماسيين في تركيا، اعتلى وزير خارجية الشرع أسعد الشيباني (المعروف باسم زياد العطار) منصة المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بتاريخ الثاني والعشرين من شهر كانون الثاني ليشارك في جلسة نقاش وجهاً لوجه مع طوني بلير.
في الوقت الذي سارعت الحكومات الإقليمية وأوروبا للتعامل مع فريق أحمد الشرع بدمشق، كذلك فعلت إدارة بايدن، إذ كانت بربارة ليف، مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، أول من التقى بهذا الفريق في دمشق في العشرين من كانون الأول، وبحسب الأخبار، فإن المبعوث الرئاسي لشؤون الأسرى، روجر كارستينس، وكبير المستشارين الذي عين حديثاً، دانييل روبنشتاين، كانا حاضرين في ذلك الاجتماع، ولكن بحسب ما ذكرته ثلاث شخصيات رفيعة من هيئة تحرير الشام، حضر الاجتماع “جنرال أميركي” أيضاً، ووفقاً لما ذكروه، ولما جاء على لسان الشرع نفسه، فإن الجنرال انفرد بالشرع بنهاية الاجتماع ووصف له كيف راقب المعركة بأكملها “عبر المسيرات والأقمار الصناعية” ووصفها بأنها أكثر عملية عسكرية “تميزاً” و”تنظيماً” شاهدها في حياته، ثم أخرج من جيبه ميدالية وقدمها للشرع مهنئاً إياه على نصره.
التعاون مع أميركا
وخلال الأسابيع التي تلت ذلك الحدث، أقامت الولايات المتحدة علاقة استخباراتية رسمية مع العملية الانتقالية التي تترأسها هيئة تحرير الشام، وذلك عبر وزارة الداخلية التابعة لها (والتي يرأسها أنس خطاب، الذي كان أمير تنظيم الدولة في العراق على الحدود السورية العراقية)، والنخبة من الأمن العام، فكانت أكبر مخططات تنظيم الدولة ارتكاب مجزرة بالمسلمين الشيعة في مقام السيدة زينب بدمشق، غير أن الأمن العام أحبط تلك العملية بفضل الاستخبارات الأميركية إلى جانب إحباطه لما لا يقل عن سبع مخططات أخرى بحسب المقابلات التي أجريت في دمشق. وبعيداً عن المستوى الاستخباراتي، مايزال الجيش الأميركي يتواصل بشكل منتظم مع العملية الانتقالية التي تترأسها الهيئة، وينسق عمليات لمحاربة تنظيم الدولة في البادية السورية، مع تسهيل المفاوضات الدورية الشخصية التي تتم بين شركاء أميركا من قوات سوريا الديمقراطية وقيادات الهيئة في قاعدة الضمير الجوية القريبة من دمشق. هذا ولقد سمح الجيش الأميركي للقرار الصادر عن شركاء أميركا من الجيش السوري الحر الموجود في قاعدة التنف بقبول الاندماج ضمن العملية التي تترأسها الهيئة والتي تسعى إلى تشكيل قوات مسلحة جديدة في سوريا.
وحالياً، ماتزال العملية الانتقالية التي تجري في سوريا اليوم تحت إدارة مجلس الوزراء وفريق من المحافظين يتألف جله تقريباً من قيادات هيئة تحرير الشام وحلفائهم الإسلاميين، وعلى رأسهم حركة أحرار الشام والجبهة الإسلامية، وبالنسبة لمعظم السوريين في مختلف أنحاء البلد، فإن هذه الحكومة المؤلفة من “لون واحد” تعتبر مصدراً للقلق، بما أن التنوع الكبير الموجود بسوريا بقي بلا أي تمثيل.
ولكن، في الوقت الذي خرج علينا الرئيس المؤقت لسوريا الذي نصب نفسه بنفسه كشخصية من المشاهير، اكتشفنا بأن شعبيته الحقيقية تتجلى من خلال حواره مع السوريين القادمين من مختلف أنحاء سوريا، فقد نشأ الشرع وترعرع ضمن بيئة دمشقية من الطبقة الوسطى العليا وكان يدرس في مدرسة خاصة بمنطقة المزة التي يسكنها النخبة، ولذلك عاد الشرع لشخصيته القديمة التي تترك أثراً آسراً على الناس، كما تحولت زوجته وأطفاله إلى شخصيات عامة اليوم، إلى جانب إظهاره لحنكة سياسية مؤثرة وتكيفه السريع مع الوضع عند تعرضه لانتقادات، وهنالك من يقول أنه عين “مستشاراً متخصصاً بالأزياء” حتى يرتب له ما ينبغي عليه ارتداؤه.
صبر السوريين لن يستمر إلى الأبد
بيد أن البراغماتية والفطنة السياسية لن تمضي معه أبعد من ذلك عندما يواجه هول التحديات التي تشهدها سوريا، إذ يقع الاقتصاد المنهار في عين كل معضلة، بعد أن دمر أكثر من 50% من البنية التحتية الأساسية لسوريا، ونزح أكثر من نصف سكان البلد، وأصبح 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر وخسرت الليرة السورية 99% من قيمتها، وبلغت حدة الأزمة الاقتصادية أعلى درجاتها، كما أن المساعدات الأممية المخصصة لسوريا قد تراجعت بشكل كبير منذ رحيل الأسد، في وقت تضاعفت الحاجة للمساعدات وأصبحت أعلى مما كانت عليه في السابق. وبما أن الفرحة العارمة التي أعقبت سقوط الأسد جعلت الشعب يصبر لفترة أطول بوجود سلطات تصريف الأعمال الجديدة في سوريا، فإن هذا الكبت والصمود لن يستمر إلى الأبد، إذ تبدو الوعود الطامحة والتطمينات المكرورة جيدة، بيد أن تحقيق تقدم مطلوب بات أمراً واجباً.
وفي خضم هذا الجو السائد، أحكمت العقوبات الأميركية والأوروبية الخناق على رقبة سوريا، إذ خلال الأسابيع الأخيرة لبايدن في الرئاسة، أعلنت إدارته عن رخصة عامة تمتد لستة أشهر وتسمح للطاقة وللحوالات النقدية بالوصول إلى سوريا لفترة مؤقتة، ولكن بحسب ما ذكره بعض رجال الأعمال السوريين الموسرين والحكومات الإقليمية الساعية للاستثمار في سوريا، فإن تلك الإجراءات المؤقتة لم تقدم سوى القليل لتهدئة المخاوف القديمة وإزالة صفة الخطر عن الأوضاع داخل المؤسسات المالية التي باتت بحاجة لتسيير تلك الصفقات المالية. وفي تلك الأثناء، أوحت أوروبا بأنها منفتحة على فكرة تخفيف العقوبات طوال أسابيع، من دون أن تتخذ أي خطوات فعلية. ولهذا، فإن أي أمل ببدء الاقتصاد السوري باستعادة عافيته مايزال حلماً بعيداً عن التحقق.
معضلة قسد وحلها
وعلى مقلب آخر، كشفت الاجتماعات التي عقدت مؤخراً مع المجتمع المدني من مختلف أنحاء سوريا مدى تراجع شعبية قوات سوريا الديمقراطية التي تسيطر على شمال شرقي سوريا بإجماع السوريين من مختلف القطاعات، إذ جرى الحديث عن “احتلال” قسد لأراض سورية، و”سرقتها” للموارد الطبيعية في البلد (أي النفط والغاز والموارد الزراعية) كمشكلة تحتاج إلى حل فوري، ويفضل أن تحل بصفقة دبلوماسية أو بعمل عسكري إن لزم الأمر.
غير أن قسد ذات الغالبية الكردية عرض عليها الحصول على حقوق كاملة للمجتمع الكردي، كما عرض عليها أن تصبح الكردية اللغة الرسمية الثانية لسوريا، وأن تحظى قسد بتمثيل في جميع الجهات الحكومية الانتقالية، ولكن شريطة تسليم الموارد الموجودة ضمن المناطق الخاضعة لسيطرتها إلى دمشق، والأهم من ذلك أن تحل قسد نفسها وأن تضع مقاتليها الذين يقدر عددهم بالآلاف وبشكل كامل تحت إمرة القوات المسلحة الجديدة لسوريا، على أن يجري توزيع المقاتلين لتأدية خدمتهم في مختلف أنحاء البلد. وبعد أسابيع من مواصلة المحادثات وتوقفها ثم متابعتها من جديد، تم التوصل أخيراً إلى اتفاق بين قسد ودمشق في العاشر من آذار، وقعه في العاصمة السورية أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي، وينص هذا الاتفاق على اندماج قسد ضمن الحكومة المؤقتة وتحت إمرتها. وفي الوقت الذي سيحتاج التنفيذ الكامل لبنود الاتفاقية إلى وقت، وفي الوقت الذي ماتزال كثير من العوائق تقف في الطريق، تحولت الاتفاقية إلى مصدر للاحتفال في عموم سوريا، كما أنها تعتبر إنجازاً مهماً للغاية بالنسبة للجيش الأميركي الذي بقي جزءاً لا يتجزأ من المفاوضات والاتفاقية.
احتمال الانهيار السوري الثاني
ومع تقدم العملية الانتقالية في سوريا، ظهرت أمامها تحديات جسيمة، إذ بالنسبة للمجتمع الدولي، فإن ضمان نجاح العملية الانتقالية يجب أن ينظر إليه على أنه فرصة تاريخية لإعادة رسم شكل الشرق الأوسط ولتوجيه ضربة قاصمة للأجندة الإقليمية الثورية التي تحملها إيران، ولكن في الوقت الذي تستعد المنطقة برمتها لتقديم دعم كبير لسوريا المدمرة التي أضحت بحاجة ماسة للمساعدة، ماتزال أوروبا بطيئة في هذا المضمار، أما إدارة ترامب فغائبة تماماً. ثم إن الحرية التي اكتشفتها سوريا منذ مدة قريبة قد تتعرض لمشكلات معقدة، وخاصة فيما يتصل بالدور القيادي الذي تلعبه هيئة تحرير الشام، غير أن الوقت ليس لصالح سوريا، ناهيك عن أن الوقت يمر بسرعة كبيرة. لذا في حال عدم رفع العقوبات، عندئذ يحق لنا أن نتهم الولايات المتحدة وأوروبا بتسهيل عملية الانهيار المحتمل بما سيفتح فصلاً آخر من فصول النزاع المرير وانعدام الاستقرار في سوريا.
وقد لمح العالم والشعب السوري شكل الانهيار الثاني في مطلع آذار من هذا العام، وذلك عندما تسببت الهجمات غير المسبوقة التي شنها مسلحون علويون موالون للأسد في إحدى الليالي بوقوع عنف مريع طوال يومين قتل خلالهما مئات المقاتلين والمدنيين في كل من اللاذقية وطرطوس. وتشير الأدلة الأولية التي تشتمل على محادثات تم اعتراضها ووثائق جرى ضبطها، إلى احتمال أن يكون لإيران دور في الهجمات الأولى، والتي كان هدفها الواضح إثارة حالة مجنونة من القتل بدافع الانتقام والثأر. وفي الوقت الذي عبرت محاولة الحكومة المؤقتة تشكيل لجنة تحقيق وآليات لإحقاق العدالة عن أولى البوادر الطيبة، فإن عجزها في السيطرة على الأحداث واحتمال تواطؤها في بعض الجرائم يمثل تهديداً وجودياً لحكمها. وفي الوقت الذي تتوق الغالبية الساحقة من السوريين للاستقرار، فإن وجود هؤلاء الأشخاص الحريصين على الرجوع إلى حالة الفوضى يجعل مستقبل البلاد في وضع متقلب لا يمكن لأحد أن يتوقع إلى أين سيفضي.
المصدر: Hoover Institution
تلفزيون سوريا
——————————
إيران في سوريا بعد الأسد: محاولات يائسة لاستعادة النفوذ وعودة إلى سياسة الفوضى
2025.03.12
إسطنبول – حسام الملحم
مع سقوط نظام بشار الأسد في 8 من كانون الأول 2024، لم تستوعب إيران الصدمة. فالحدث الذي أفرح الشعب السوري وخلّص المنطقة والإقليم من نظام حكم دموي عاش لعقد ونصف على تجارة المخدرات، أقلق إيران وأخرج سوريا من فلكها ومن محورها، ودمّر مشروعها الذي عملت على إطالة حكم بشار الأسد في سبيله، لتنتقل طهران من العمل العلني إلى الاشتغال في كواليس المشهد السوري.
ومنذ الأيام الأولى لإسقاط الأسد والإطاحة بمنظومة حكمه، لم تقدّم إيران رسائل إيجابية تجاه دمشق، فاتهم رأس الهرم فيها، المرشد علي خامنئي، أمريكا وإسرائيل وتركيا بالتخطيط للأحداث التي أسقطت الأسد، وقال: “إن ما جرى في سوريا كان لدولة مجاورة (في إشارة إلى تركيا) دور واضح فيه، لكن أمريكا وإسرائيل هما السبب الرئيس لذلك”.
كما اعتبر أن قوى المعارضة السورية تسعى لاحتلال سوريا، مضيفاً أن المقاتلين (في إشارة للفصائل السورية المعارضة) يسعون إلى احتلال الأرض من شمال سوريا إلى جنوبها، في الوقت الذي تسعى فيه إيران لترسيخ وجودها في المنطقة، مهدداً باستعادة “الشباب الغيور” لـ”المناطق المحتلة”.
وفي وقت لاحق، وصف خامنئي انتصار الثورة السورية بـ”الفوضى”، وتوعد بهزيمة إرادة الشعب السوري الذي أسقط الأسد، وقال: “ليس لدى الشاب السوري ما يخسره، فماذا يفعل؟ يجب عليه أن يقف بإرادة قوية أمام أولئك الذين خططوا ونفذوا لهذه الحالة من انعدام الأمن”.
التصريحات الإيرانية هذه قابلها رفض رسمي من دمشق لأول مرة منذ عقود، جاء على لسان وزير الخارجية أسعد الشيباني، الذي حذّر إيران من نشر الفوضى في سوريا، ودعاها لاحترام إرادة السوريين وسيادة سوريا. كما قوبلت برفض عربي جماعي اعتبر التصريحات الإيرانية تجاه سوريا تأجيجاً للفتن بين أبناء الشعب السوري.
تلويح بحرب أهلية في سوريا
ورغم أن طهران خففت دبلوماسياً من لهجتها ضد دمشق، حين تحدث وزير خارجيتها عن أن القرار بشأن مستقبل سوريا مسؤولية السوريين وحدهم، عادت إيران إلى سيرتها الأولى بضخ التصريحات العدائية حيال دمشق على لسان مسؤولين عسكريين في “الحرس الثوري الإيراني”، وصولاً إلى تصريحات مستشار خامنئي للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، الذي قال في 4 من آذار: “إن هناك احتمالية لاندلاع حرب أهلية في سوريا في أي لحظة”، كما تحدث عن أدلة تراها إيران تشير إلى وجود مقدمات لتفكك الدولة السورية، من منظوره.
الموقف الإيراني من دمشق لم يقابل برفض سوري وعربي فقط، إذ انتقد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، نهج إيران في إدارة السياسة الخارجية عبر ميليشيات في دول إقليمية، واصفاً إياها بأنها “سياسة عالية المخاطر”، وتفرض أعباء هيكلية كبيرة على المدى الطويل على النظام الإيراني والمنطقة. ما قابله رد إيراني غير ودي، ودعوة علي أكبر ولايتي للمسؤولين الأتراك للالتزام بـ”الآداب الدبلوماسية”، على اعتبار أن طهران “لن تصمت أمام مبالغات أنقرة”، وفق قوله.
وفي خطوة تصعيدية إضافية، استدعت الخارجية الإيرانية السفير التركي في طهران للاحتجاج على تصريحات فيدان، بعدما وصفتها بأنها “غير بناءة للغاية”، لترد أنقرة باستدعاء القائم بالأعمال الإيراني لديها.
إيران لن تتوقف عند هذا الحد، وهي مسألة متوقعة سياسياً، وحذّرت منها الولايات المتحدة لمرتين في شباط، على لسان القائمة المؤقتة بأعمال الممثل الدائم لها في مجلس الأمن، دورثي شيا، التي حذّرت في 22 من شباط الماضي من محاولات طهران إعادة ترسيخ نفوذها في سوريا، وقالت: “إن مؤشرات تحذيرية لنفوذ إيران الخبيث وعزمها على إعادة ترسيخ وجودها في سوريا واضحة”.
كما قالت شيا أمام مجلس الأمن في 12 من الشهر نفسه: “نحن نشعر الآن بالقلق إزاء التقارير التي تتحدث عن تشكيل مجموعات جديدة في سوريا تحرض على العنف، بما في ذلك من خلال محاولة جر إسرائيل إلى صراع مباشر، وتتحدث التقارير عن أن هذه المجموعات تتلقى الدعم المالي واللوجستي من إيران، حتى بعد مغادرة هذه الأخيرة للبلاد”.
عودة إلى “لغة الميليشيات”
وخلال الفترة الماضية، تشكّلت عدة ميليشيات مسلحة خارجة عن القانون في الساحل السوري، تدين بالولاء للنظام السابق، وعملت على ضرب السلم الأهلي واستهداف قوات الأمن العام التابعة للحكومة السورية، من خلال كمائن غادرة، وصولاً إلى إعلان إيران ومباركتها تشكيل ما قالت إنه “جبهة المقاومة الإسلامية” في سوريا، تحت مسمى “أولي البأس”.
وإلى جانب أن شعار الميليشيا المذكورة قريب بالشكل من شعارات كل الميليشيات التي شكلتها إيران في المنطقة، فالفصيل اتخذ لنفسه ذات الاسم الذي أطلقه أمين عام “حزب الله” اللبناني، نعيم قاسم، على المعركة مع إسرائيل، إثر اغتيال الأمين العام السابق، حسن نصر الله.
وسائل إعلام إيرانية، منها وكالة “مهر”، نقلت عن القائد العام لـ”الجبهة”، دون أن تسميه، أن هذه الخطوة “رد فعل طبيعي وشرعي لمواجهة محاولات التقسيم والتهجير التي تتعرض لها البلاد”.
كما ذكرت أن “الجبهة خرجت من رحم الشعب السوري لمواجهة أي محاولات للمساس بأمن البلاد في ظل غياب القوى السياسية والاجتماعية التي كانت تدير سوريا سابقاً”، ما يضع إيران في حالة إنكار ورفض اعتراف مستمر بالإدارة السورية الجديدة، في خطوة تتعارض مع مخرجات اجتماعات الرياض الدولية بشأن سوريا، ومؤتمر باريس الدولي بشأن سوريا، حين نصّ بياناهما الختاميان على دعم الحكومة الانتقالية في سوريا، ودعم عملية الانتقال السياسي وصولاً إلى حكومة تشاركية تمثّل مختلف أطياف الشعب السوري.
وفي 6 من آذار، بدأت فلول نظام الأسد والميليشيات المشكلة تحت نفس الراية باستهداف أرتال لقوات الأمن السوي الحكومي في الساحل السوري أوقعت خلال يومين أكثر من 100 قتيل من عناصر الأمن، ما قابلته الحكومة بإطلاق حملة أمنية ما تزال مستمرة لتطهير المنطقة من الفلول بعد حالة الفوضى التي سببوها على المستوى الإنساني والخدمي.
ويرى المحلل السياسي العراقي المقيم في واشنطن، هيثم هيتي، أن بقايا محور إيران في المنطقة لها دور كبير في العملية ضد الحكومة الجديدة في سوريا، رداً على سرعة إثبات الحكومة الجديدة نفسها وظهورها بصورة إيجابية جداً، أمام العرب والمجتمع الدولي، فجاءت هذه الخطوة لتوريط الحكومة السورية بأعمال بشعة نوعاً ما في سبيل تشويه صورتها وإسقاط الصورة الإيجابية التي كونتها في ثلاثة أشهر.
وقال المحلل السياسي لموقع “تلفزيون سوريا”، إن إيران الآن لا تقبل أن تكون سوريا بالكامل محط نفوذ تركي، ما يعني دعم طهران لـ”قسد” أو الفلول، فإن لم تحصل على كل سوريا، فيمكن من منظورها أن تحصل على جزء عبر سعيها إلى زعزعة الوضع، أو فدرلة سوريا، رداً على تركيا، وهي خطوة تحمل مخاطر لإيران في الوقت نفسه.
استقرار سوريا يهدد مصالح إيران
الباحث السياسي المختص بالشأن الإيراني وقضايا الشرق الأوسط، وجدان عبد الرحمن، أوضح لموقع “تلفزيون سوريا” أن سوريا كانت العمق الاستراتيجي الأهم لإيران، وفقدان السيطرة عليها يُشكل ضربة قوية لاستراتيجيتها الإقليمية. فسوريا هي الممر الأساسي برياً الذي يسمح لطهران بتزويد “حزب الله” بالسلاح، وتعزيز نفوذها في المنطقة عبر التمويل، وحتى من خلال تجارة المخدرات مثل “الكبتاغون”، الذي كان يُصنع في سوريا ويمثل مصدر دخل مهم لتمويل أنشطتها، ما يجعل خسارة سوريا خسارة كبرى للنظام الإيراني، ولهذا لن تسمح طهران بوجود استقرار حقيقي في سوريا، لأن استقرارها لا يخدم مصالحها، ويهدد نفوذها الإقليمي.
كما أن الوجود الإيراني في المنطقة مبني على خلق الفوضى وعدم الاستقرار، لأنه كلما استقرت الأوضاع في الدول المجاورة، زادت الضغوط على الداخل الإيراني، ما قد يؤدي إلى نقل المعركة إلى داخل إيران نفسها. لذلك، من المتوقع أن تواصل إيران محاولاتها لإعادة فرض نفوذها في سوريا، سواء من خلال الميليشيات التابعة لها أو عبر عرقلة أي حلول سياسية حقيقية.
وبالنسبة لتقديم إيران تصريحات دبلوماسية قبل العودة للهجة التهديد، بيّن الباحث أن تضارب التصريحات جزء من النهج السياسي لطهران منذ تأسيس “الجمهورية الإسلامية” ولا يقتصر على الخلاف بين المؤسستين السياسية والعسكرية، بل يمتد إلى داخل كل منهما، لتظهر تصريحات متناقضة بين السياسيين أنفسهم، وبين القيادات العسكرية أيضاً، دون أن يعني ذلك تبايناً في مراكز القرار، على اعتبار أن المادة 110 من الدستور الإيراني تنص على أن المرشد الأعلى هو واضع السياسات العامة للدولة داخلياً وخارجياً، وصاحب الكلمة الأخيرة في القضايا الاستراتيجية.
وبناء على ذلك، فما يبدو تضارب تصريحات هو جزء من تكتيك سياسي إما للمناورة أو لتمرير رسائل متعددة لجهات مختلفة.
وطالما اعتمدت إيران على الميليشيات التابعة لها في سوريا ولبنان وأذرعها في سوريا لتنفيذ أجندتها الإقليمية، لكن مع التراجع الحاد في قوة هذه الميليشيات تراجع تأثير إيران وتحديداً داخل سوريا، حيث لم يتبقى لها سوى بعض الخلايا المتفرقة التي لا تستطيع فرض واقع جديد.
الحملة الأمنية والعسكرية ضد فلول النظام أنهتها وزارة الدفاع السورية في 10 من آذار، وكانت هجوم الفلول والحملة التي أعقبته 803 قتلى، بينهم 172 عنصراً من قوات الأمن العام و211 مدنياً، قتلوا بإطلاق نار مصدره فلول الأسد.
وتخلل الحملة انتهاكات من قبل أفراد عسكريين دفعت الرئيس السوري إلى تشكيل لجنة تقصي حقائق، وأخرى للسلم الأهلي.
وفي مقابلة أجراها مع وكالة “رويترز” في 10 آذار، حمّل الرئيس السوري، أحمد الشرع، الفرقة العسكرية التي كان يقودها ماهر الأسد شقيق بشار (الفرقة الرابعة) ودولة أجنبية متحالفة معها، المسؤولية عن إراقة الدماء في الساحل السوري.
ورغم أن الشرع لم يذكر إيران بالاسم، لكنه أشار إليها بأنها جهة تضررت من التغيير الذي جرى في سوريا، وليس هناك خسارة بحجم خسارة إيران بعد سقوط النظام وفرار بشار الأسد.
مع سقوط نظام الأسد وخروج ميليشيات إيران عن الخدمة في سوريا، باستثناء من تحاول دعمهم في الساحل أو شمال شرقي سوريا، انقطع الطريق البري بين ميليشياتها في العراق ولبنان. وهذا يعني بالضرورة قطع خط الإمداد الإيراني عبر البر لـ”حزب الله”، كما أن الخيار الجوي غير متاح طالما أن مطار رفيق الحريري في بيروت تحت أنظار إسرائيل. وبالتالي، فالتركيز على الساحل السوري يعني تركيزاً على طريق بحري تتمناه إيران، فالبر مغلق، ولا وجود لقبول شعبي أصلاً لإيران في الأراضي السورية، حيث يعتبرها الشعب السوري شريكة للأسد بالقمع والقتل والتدمير عبر أذرع طائفية حاولت من خلالها تغيير صورة البلاد على مختلف المستويات، وهو ما نسفه بلمح البصر انتصار الثورة في سوريا.
تلفزيون سوريا
————————————-
مجموعة الأزمات: في خضم كل المخاطر سوريا ما تزال تتحسس طريقها بعد سقوط الأسد
ربى خدام الجامع
2025.03.12
تواجه الحكومة السورية المؤقتة أكبر تحد لها منذ سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، إذ في السادس من آذار، نفذت قوات شبه عسكرية موالية للنظام المخلوع هجمات نسقت لتنفيذها سلفاً ضد قوات الأمن العام في كل من جبلة وبانياس على ساحل المتوسط، فدفع هذا الهجوم إلى قيام هجوم مضاد سريع وفوضوي شنته قوات الأمن وغيرها من الفصائل المسلحة التي تدعم الحكومة، وهكذا وقعت اشتباكات عنيفة في كل من اللاذقية وطرطوس وحماة وأسفرت عن كثير من القتلى بين صفوف قوات الأمن، إلى جانب مقتل عدد كبير من المتمردين الجدد، وفي الوقت الذي لم يتم التحقق من أعداد القتلى بدقة، تشير التقارير إلى مقتل مئات المدنيين أيضاً في تلك الأعمال الوحشية الصادمة التي شملت إعدامات ميدانية نفذتها بعض العناصر التابعة للحكومة. ويبدو بأن جميع الضحايا المدنيين من الطائفة العلوية التي تنتشر في مدن الساحل السوري وقراه، أي للطائفة التي تنتمي إليها عائلة الأسد، كما أن معظم المجندين في جيش النظام البائد ومخابراته منها.
تعتبر هذه المرحلة مرحلة خطرة لبلد يعاني الأمرين وهو يحاول الخروج من الحكم الاستبدادي لنظام الأسد والحرب المدمرة التي امتدت لعقود، وينطبق الأمر ذاته على الحكومة المؤقتة التي يتعين عليها أن تكون موضع ثقة للشركاء الأجانب، حتى يرفعوا عنها العقوبات التي أصابت اقتصاد البلد في مقتل، إلى جانب إقناعهم بمساعدتها في إعادة الإعمار. فالسلطات الجديدة تُقلق سوريين ومن هم في الخارج، ولا يمكنها تحمُل تبعات جرائم جديدة تنفذ بحق الشعب السوري. ولهذا أعلن الرئيس المؤقت أحمد الشرع بأن حكومته ستحاسب: “كل من تورط في سفك دماء المدنيين” وأضاف بأنه: “لا أحد فوق القانون”، ولذلك ينبغي على دمشق أن تتحرك بسرعة وبشكل حاسم فتفصل العناصر المسلحة المتهمة بارتكاب فظائع من الخدمة الفعلية مع ضمان بقاء أشد عناصرها انضباطاً في المناطق الحساسة، كما ينبغي عليها أن تقوم وعلى الفور بكبح جماح جميع الفصائل المسلحة وضمها جميعاً تحت لواء قيادة صارمة، وأن تعقب ذلك بخطوات أولية لإقامة عدالة تقوم على الشفافية وتعمد لمحاكمة المتهمين بارتكاب أعمال القتل الأخيرة وكذلك أي مرتكب لأي جريمة قد تحدث مستقبلاً، وينطبق الأمر ذاته على الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد وغيره خلال الحرب، إلى جانب التنسيق من أجل إجراء حوار يمكن للسوريين من مختلف المشارب أن يناقشوا من خلاله مخاوفهم وأولوياتهم مع السلطات ومع بعضهم بعضاً، على أن يكون هذا الحوار أشد مصداقية وأوسع مشاركة من الذي يجري التحضير له اليوم.
التوتر الذي وصل إلى ذروته
إن اندلاع العنف في السادس من آذار أوصل التوتر الذي كان يحتدم شيئاً فشيئاً طوال أشهر إلى ذروته وذلك ضمن أجزاء من الساحل السوري والمناطق الرئيسية الموجودة فيه حيث يعيش معظم أبناء الطائفة العلوية. إذ بعد انهيار نظام بشار الأسد، تعهد قادة العلويين بدعم الحكومة الانتقالية التي تترأسها هيئة تحرير الشام الإسلامية. وبالمقابل، تعهدت الهيئة بحماية الطائفة من كل من يسعى للانتقام من أجل المظالم التي وقعت خلال حقبة الأسدين. ولكن القلق ظل يساور أغلب العلويين الذين جندوا بأعداد هائلة ضمن قوات النظام، وكان الأسد يستعين بهم على الدوام كوقود للحرب، ولهذا اعتقدوا بأنهم جميعاً سيجبرون على دفع ثمن ما نفذه النظام البائد من أعمال تخريبية، كما خافوا أن يحرموا من مقدرات البلد الاقتصادية ومن المشاركة السياسية في ظل القيادة الجديدة.
قبل العنف الذي قام في بداية آذار في كل من اللاذقية وغيرها، رشحت أخبار حول حدوث هجمات متفرقة استهدفت علويين وجرى تداول ذلك عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ومعظم تلك الأخبار نشرتها حسابات يديرها معارضون للسلطات الجديدة، ولكن من الصعب التحقق من صحتها. وبعض مقاطع الفيديو التي نشرت إما أعيد تدويرها كونها حدثت في زمان أو مكان آخرين، أو أنها مجرد فبركات صريحة، ويرى البعض بأن بعض تلك الحوادث وقعت بالفعل، ومن الواضح بأنه لا يوجد انضباط أو قيادة أو تحكم بين بعض العناصر التابعة لقوات الحكومة، وخاصة تلك العناصر التابعة لفصائل مسلحة أخرى غير الهيئة والتي أصبحت تتبع للحكومة الآن.
بيد أن تواصل تلك الحوادث واستمراريتها غذى الإحساس بانعدام الأمان، وخلق تهديداً وجودياً بين عدد من أفراد الطائفة العلوية الذين بلغ منهم التوتر كل مبلغ بعد الانهيار المفاجئ لنظام الأسد. فأصبح العلويون أشد قلقاً من غيرهم، نظراً للدور الذي لعبه كثير منهم في جيش النظام البائد ومخابراته والقوات الرديفة له والتي انحلت إثر انهيارها، بما أن عناصر تلك القوات لم تعد تحصل على راتب من الدولة، ثم إن التوتر الكبير الذي تحس به الطائفة العلوية تجاه نوايا الحكومة الجديدة سمح لأصوات موالية للأسد بأن تردد أفكارها بين أبناء الطائفة، وبعض هؤلاء الموالين تمنوا للنظام البائد بأن يعود، في حين أن بعض الضباط وقادة الميليشيات السابقين حافظوا على علاقاتهم مع الجماعات المسلحة الموجودة خارج سوريا، وعلى رأسها حزب الله في لبنان، والدول الأجنبية مثل إيران. ولهذا ولكل تلك الأسباب مجتمعة، توفرت ظروف قيام تمرد واستمراره، وخاصة في المنطقة الجبلية الممتدة على الساحل السوري.
نظام جديد يسعى لتحقيق الاستقرار
إن ظهور تمرد منظم يهدد جهود هيئة تحرير الشام في ترسيخ سيطرتها وحكمها ونشر الاستقرار في سوريا بما يساعد هذا البلد الذي مزقته الحرب وأفقرته على إعادة البناء. إذ عندما وصلت الهيئة إلى دمشق في مطلع شهر كانون الأول الماضي، كان تعداد مقاتليها قد وصل إلى ثلاثين ألفاً، في حين أن بقية فصائل الثوار مجتمعة كان لديها نحو ثمانين ألف مقاتل، ومعظم هؤلاء المقاتلين ينتمون إلى الجيش الوطني السوري الذي تدعمه تركيا، وهو عبارة عن مجموعة من الميليشيات التي تتفاوت في انضباطها ولا تجمعها قيادة موحدة. فما كان من الحكومة المؤقتة إلا أن عدلت وضع الجماعات التابعة لها وحشدتها تحت لواء الهيئة ضمن ما يعرف بعملية الدمج الجديدة للأمن العام، وسعت لنشر قطعات تلك القوات في مختلف أنحاء المناطق التي تسيطر عليها من سوريا، مع سعيها في الوقت ذاته لتجنيد متطوعين جدد، وإعادة فلول عساكر النظام وعناصره الأمنية إلى بيوتهم من دون أن تدفع مستحقاتهم. وهكذا أصبح بوسع قوات الأمن العام الجديدة أن تنتشر بسرعة في مناطق عدة بالبلد، وخاصة في العاصمة وكبرى المدن مثل حلب وحماة، فأعادت الثقة بها وحافظت على الهدوء في تلك المناطق، غير أن العساكر الجدد الذين لم يتلقوا سوى الحد الضئيل من التدريب، لم يكن لهم دور فاعل في المناطق التي فرزوا إليها، وعلى رأسها حمص. كما أن معظم الفصائل المسلحة واصلت نشاطها بشكل شبه مستقل عن قيادة الأمن العام.
في المناطق التي تعرض الأمن العام لضغط شديد، مثل حمص المدينة والريف، إلى جانب ريف حماة، أخذت الاضطرابات تستعر منذ سقوط الأسد، فقد خلفت الحرب إرثاً ثقيلاً من العنف الطائفي في تلك المناطق التي تتسم بتنوعها السكاني الكبير، واليوم، شهدت حالات قتل انتقامية عديدة، إلى جانب حالات الخطف، التي كانت من أجل فدية في بعض الأحيان، ما خلق إحساساً بالغضب العارم بين عامة الناس، ولم يتضح الدافع وارء كل عملية عنف، بيد أن العلويين كانوا الطرف الذي تلقى معظم تلك العمليات، بما أن أغلبها وقع في الساحل وفي حمص أو حماة. ولذلك أضحت السلطات الجديدة في دمشق تعاني وهي تحاول إعادة الأمان للشارع، إما بسبب عدم توفر إمكانيات لديها لتحقيق ذلك أو بسبب عدم قلقها حيال ذلك، وهذا ما أسهم في تغذية الإحساس باضطهاد الدولة وظلمها بين صفوف العلويين بشكل خاص.
وإلى جانب العنف، تلوح قضية مستقبل العلويين في الدولة السورية الجديدة، فقد سعت قوات الأمن التابعة للحكومة المؤقتة للتخفيف من مخاوف الطائفة عندما قدمت نفسها بأنها ليست طائفية، وخلال حملات الاعتقال التي نفذها الأمن العام، سعى للقبض فقط على الأشخاص المتورطين بجرائم لصالح نظام الأسد البائد. أما عملياً، فقد كان لدى العلويين مبرر للشك بتلك التطمينات، لأنهم تعرضوا لإقصاء كبير من الأطر السياسية والعسكرية الجديدة على سبيل المثال، كما لم تقدم الحكومة أي خطة لإدماج من سرحوا من العساكر في جيشها الجديد، وعللت ذلك بالجروح الغائرة التي خلفتها الحرب بالإضافة إلى رفض معظم مقاتلي الثوار للخدمة إلى جانب أعدائهم السابقين. وقد خشي معظم الشارع السوري من توظيف ضباط النظام السابقين أو مسؤوليه الحكوميين الذين يعتبرونهم عناصر مكنت النظام البائد من ممارسة عنفه المفرط. ويعتبر انعدام الأمان على المستوى الاقتصادي تحدياً هائلاً هو أيضاً، إذ في الوقت الذي أضر تسريح أعداد هائلة من الموظفين بالقطاع الحكومي الشعب بكامله، كان العلويون أشد من تضرر ضمن النصف مليون الذين سرحوا من القطاع الأمني، إذ خسر غالبيتهم السكن الذي قدمته له الدولة، كما تعرضت زوجات ضباط الأمن اللواتي وظفن في القطاع العام للطرد أيضاً، لأنهن اعتبرن مذنبات هن أيضاً أو غير جديرات بالثقة نظراً لارتباطهن بأزواجهن.
وسرعان ما تحولت المظالم المترتبة على ذلك والإحساس بانعدام الأمن إلى عنف، فخلال أول شهرين من حكم الحكومة المؤقتة، بدأت فلول نظام الأسد التي لجأت إلى المناطق الجبلية، وأغلبها علوي، والقريبة من الساحل، بشن هجمات على قوات الأمن الجديدة في محاولة صريحة لإبداء حالة انتقام قاسية قد تدفع أهالي المنطقة إلى الوقوف في صفهم. ففي الثالث من آذار مثلاً، قتل متمردون عنصرين من الأمن العام في هجوم مباغت على حي الدعتور باللاذقية، ما دفع السلطات إلى شن عملية للقبض على الجناة الذين قتلوا أربعة مدنيين. وعموماً، فإن الجهود التي بذلوها لاستدراج الأمن العام وكسب تأييد الشارع لم تحقق سوى نجاحات محدودة، بما أن أهالي المناطق العلوية تعاونوا في أغلب الحالات مع قوات الأمن بدلاً من أن يحموا المتمردين. ومع ذلك أصبحت حركة التمرد الناشئة أشد تنظيماً، فنفذت عدداً أكبر من الهجمات التي وصلت إلى ذروتها في أحداث السادس من آذار.
دفعت هجمات المتمردين إلى قيام تعبئة عامة في عموم البلد وذلك لعناصر الحكومة إلى جانب العناصر الفاعلة المسلحة الموالية لها والتي تعمل على ما يبدو خارج سيطرة حكومة دمشق، فردت تلك القوات بشكل خطر وبوحشية كبيرة، وأخذت تتبادل إطلاق النار مع المتمردين الذين واصلوا عمليتهم، غير أن تلك القوات قتلت مدنيين في مدينة بانياس على الساحل السوري القريبة من مدينة اللاذقية، وكذلك في قرية المختارية الواقعة على الطريق الدولي بين اللاذقية وحلب، إلى جانب مناطق أخرى. فما كان من قوات الأمن العام الخاضعة لسيطرة دمشق إلا أن اتخذت خطوات بناءة في بعض المناطق، وذلك عندما عمدت مثلاً لحماية أحياء العلويين في مدينة حمص عبر تشكيل جدار بشري لصد كل من يحاول الانتقام، لكنها فشلت في مناطق أخرى في منع وقوع المجازر التي ارتكبت باسم الحكومة.
اللعب بالنار
قد يتعرض النظام السوري الجديد لمعضلة حقيقية في حال لم تفكر الحكومة المؤقتة بطريقة للتعامل بشكل أفضل مع التمرد الذي زاد ضدها، بعد أن أثر العنف بشكل سلبي حتى الآن على مكانة الحكومة في الداخل والخارج، كما شككت القوى الإقليمية بالسلطات الجديدة، وعلى رأسها إيران وإسرائيل، بما أن لدى كل منهما أجندتها الخاصة بسوريا، ومن المرجح لكلتيهما أن تعتبر تدهور الأوضاع في سوريا بمثابة دليل على استمرار وجود طموحات جهادية لدى الحكومة المؤقتة، كما قد تسعى كل منهما لاستغلال الانقسامات الطائفية في البلد. أما الولايات المتحدة التي خلفت عقوباتها أقسى وطأة على سوريا، فمن المرجح أن يشتد رفضها لفكرة الرجوع عن تلك العقوبات.
وهنا ينبغي على دمشق أن تتصرف بحكمة وسرعة، لأن القمع التعسفي من شأنه أن يزيد من الدعم الشعبي للعناصر الموالية للأسد، فيدفعها لتنفيذ مزيد من العمليات، وهذا ما سيوقع سوريا في دائرة جديدة من القمع والعنف. وبوسع سوريا أن تستلهم ما يحذرها من تلك المغبة من الدروس المستفادة من جارها العراق، إذ بعد إسقاط الولايات المتحدة لصدام حسين، تسبب تهميش السنة العرب الذين اعتبرهم حكام العراق الجدد مسؤولين عن جرائم النظام السابق، بانعدام الاستقرار واستمرار العنف في العراق لعقد من الزمان، قامت خلاله حرب طائفية لمدة ثلاث سنوات. وقد تظهر حالة مماثلة في سوريا اليوم، وذلك لأن أحداثاً دموية مثل التي وقعت في مطلع آذار لن تتسبب في جعل العلويين وحدهم يشعرون بالعزلة والغربة في بلدهم، بل قد تدفع أيضاً بقية الأقليات إلى الشعور بذلك، وعلى رأسهم المسيحيون والشيعة والإسماعيليون والدروز والكرد.
ولكن السرعة في معالجة الأمور تصب في جوهر الحل، إذ في الوقت الذي يفتقر المتمردون للإمكانيات التي تجعلهم يمثلون خطراً عسكرياً حقيقياً خارج الجبال الساحلية، يمكن أن تخرج أجزاء من البلد عن سيطرة الحكومة تحت وطأة لسلسلة من الهجمات المتواصلة على قوات الأمن العام، وبفضل الدعم الذي قد يصل إلى الفلول من عناصر فاعلة خارجية مثل إيران وحزب الله، إلى جانب الرد العسكري المنهك للأمن العام بقوة مفرطة، وفي حال حدوث هذا السيناريو، سيصعب على الحكومة المؤقتة أن تخضع جماعات أخرى لسيطرتها.
يبدو بأن الشرع مدرك لخطورة المرحلة، إذ بعد أن ألقى نصائح عامة تحث قوات الأمن على التصرف وفقاً للمبادئ الأخلاقية في خطابه الذي ألقاه في السابع من آذار، عبر عن رؤية أبعد من ذلك في خطابه الثاني، وذلك عندما شدد على المحاسبة، لتشمل محاسبة العناصر التابعة للحكومة، وأعلن عن تشكيل لجنتين، إحداهما لتقصي الحقائق والأخرى من أجل السلم الأهلي. وستقوم اللجنة الأولى بالتحقيق في أسباب الاضطرابات وتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم، وسيشمل ذلك العناصر التابعة للحكومة الذين تورطوا في أعمال عنف ضد المدنيين إلى جانب أولئك الذين هاجموا قوات الأمن. أما اللجنة الثانية فستركز على التقرب من الطوائف والاستماع لمخاوفهم، وتقديم الدعم والحماية، وتعزيز التماسك الوطني، أي بالعموم، وبالإضافة إلى ما قامت به الحكومة المؤقتة في أحداث العنف التي وقعت في مطلع آذار، يتعين عليها أن تتصرف بسرعة فيما يخص محاسبة الجماعات المسلحة المتحالفة والمسؤولة عن ارتكاب العنف والتنكيل بالمدنيين.
أما على مستوى العمليات، فيجب على قيادة الأمن العام أن تضطلع بمسؤولية مباشرة عن حملة إعادة النظام للبلد، وضمان توقف العمليات الانتقامية. كما يجب توقيف الجماعات والأفراد المتهمين بأعمال عنف، وعرضهم على التحقيق، على أن تقوم القيادة المشرفة على التحقيق بفرز القطعات التي تلقت أفضل تدريب إلى مناطق مثل محافظة اللاذقية بما أن هذه المحافظة هي أكثر محافظة مهددة بمزيد من الاضطرابات. ويتعين على هذه القيادة أيضاً أن تحشد عدداً من الفصائل المسلحة التابعة للحكومة المؤقتة، مع التأكد من إتباع قادتها لأوامر القيادة والتحقيق مع من لا ينصاعون للأوامر، ومن يتجاوزون سلطاتهم أو من يفعلون ما هو أسوأ من كل ذلك. ويجب على الحكومة أن تضع خطة لمشاركة العلويين وغيرهم من الطوائف بشكل فاعل ضمن الجهود الساعية لحفظ الأمن، وذلك عبر إقامة حالة تعاون وثيقة مع زعماء الطائفة. كما بوسعها تجنيد العناصر الذين خضعوا لفحص أمني من جهاز الشرطة القديم، والذين لم يتورطوا بالعنف الذي مارسه نظام الأسد البائد بشكل كبير.
أما قضية العدالة بالنسبة للفظائع التي ارتكبت خلال الحرب فهي قضية أشد تعقيداً، نظراً لمطالبة السوريين بمحاسبة النظام على جرائمه أشد المحاسبة. ولعل عدم القيام بأي إجراء على هذا الصعيد حتى الآن قد أسهم في دفع المدنيين للاقتصاص بأنفسهم، الأمر الذي لابد أن يذكي المخاوف بين الطوائف من شر الوقوع ضحية لهذا القصاص. وبالمقابل، فإن تلميح الشرع بأنه يعتزم محاسبة مسؤولي النظام السابق قد يؤجج مقاومة المتمردين بشكل كبير، ومن حيث المبدأ، لابد من ترك القضايا الخلافية المعنية بالعدالة الانتقالية لتناقش ضمن حوار وطني، ولتبت بأمرها حكومة تقوم على مشاركة أكبر، وكل ذلك يجعل من عملية إقامة حوار أشد مصداقية أمراً غاية في الأهمية. وإلى أن يحين ذلك، وفي حال قبضت الحكومة على ضباط النظام السابقين، فينبغي عليها أن تقوم بذلك بطريقة شفافة، عبر تحديد هوية من تم القبض عليهم وعلى أي أساس تم توقيفهم، إلى جانب توفير الإجراءات القانونية بحق كل من يجري احتجازه.
ولعل الأهم من كل ذلك هو أن توجه الحكومة مؤشرات واضحة بأن للعلويين مستقبل سياسي واقتصادي في سوريا الجديدة، لأن ذلك يعتبر أفضل طريقة للتعبير عن عدم اعتبارهم جميعاً مسؤولين عما ارتكبه نظام الأسد، ولعل قيام حوار وطني تشاركي يشمل جميع الأطياف قد يكون بداية طيبة، إذ عندئذ سيتسنى لجميع السوريين من كافة البيئات التعبير عن مظالمهم، ومنها تعرضهم للتهميش بعد سقوط الأسد، إلى جانب التعبير عن آمالهم بالمستقبل، لأن هذه الإجراءات من شأنها تبديد الشكوك بين الطوائف، ويجب أن يتم ذلك بشكل عاجل وعلى المدى القريب، لأنها ستزيد ثقة السوريين بالنظام الجديد كما ستطمئن العلويين على وجه الخصوص من أن الحكومة الجديدة ستلتزم بما قطعته على نفسها فيما يتصل بضمان توفير الأمن ونشر المساواة بين الجميع.
المصدر: The International Crisis Group
تلفزيون سوريا
————————————-
نازحون في أحراج الساحل السوري… وشكاوى من اعتداءات/ حسام رستم
13 مارس 2025
على الرغم من انخفاض حدة العمليات العسكرية في مدن وقرى الساحل السوري وحالة شبه الهدوء التي تعيشها المنطقة أخيراً، إلا من بعض الانتهاكات والاعتداءات، لا يزال كثيرون من المدنيين بعيدين عن منازلهم وقراهم، وبعضهم لجأ إلى الأحراج والغابات رغم تطمينات الحكومة السورية ودعوتهم للعودة. وبعد إعلان وزارة الدفاع السورية يوم الاثنين الماضي انتهاء العملية العسكرية في الساحل السوري ضد فلول النظام السابق، لوحظ توقف الحملات العسكرية على قرى طرطوس واللاذقية، وترافق ذلك مع إقامة حواجز عسكرية لقوى الأمن العام في الطرقات الرئيسية المؤدية لهذه المناطق، لا سيما طريق طرطوس ـ اللاذقية الدولي. ولم تسجل اشتباكات مع مسلحين موالين للنظام السابق، ولم يعلن رسمياً عن سقوط أي قتلى من الأمن العام أو قوات وزارة الدفاع.
الانتهاكات في الساحل السوري
وقال المواطن بشار عيسى من ريف طرطوس لـ”العربي الجديد”، إن “الانتهاكات التي كان يرتكبها الجيش السوري ومسلحون موالون له توقفت بالمجمل في طرطوس، باستثناء مناطق قرفيص وحريصون والسن”، وهي قرى سكانها من الطائفة العلوية، موضحاً أن هناك مناشدات من الأهالي بوجود “فصيل متشدد” من مقاتلين أجانب هم من يقوم بعمليات سلب وحرق في المنطقة. وأضاف أن بعض حالات السرقة وإحراق الممتلكات سجلت بعد إعلان انتهاء العملية العسكرية في قرية حمام واصل بريف القدموس. وحول عودة الأهالي النازحين من قراهم في طرطوس، قال عيسى إن غالبية الأهالي لا يزالون في الأحراج منذ عدة أيام خوفاً من عمليات قتل، وسط غياب لكل مقومات الحياة من كهرباء ومياه ومواد غذائية.
من جانبه، قال محمد قاسم وهو من سكان مدينة بانياس، جنوبي طرطوس، التي شهدت انتهاكات في حي القصور طاولت مدنيين من الطائفة العلوية، إن الوضع ضمن المدينة عاد إلى الهدوء. وفي الريف، زار أنس عيروط، وهو أحد أعضاء لجنة السلم الأهلي التي عينها الرئيس السوري أحمد الشرع أخيراً، قرى تعنيتا وبارمايا واسقبلوه واستمع لشكاوى أهالي القرى، كما أوصل الخبز للمدنيين بعد أيام من انقطاعه عنهم. ورغم إعلان توقف العمليات العسكرية في الساحل السوري إلا أن آلاف المدنيين يقيمون في قرى اللاذقية بشكل متفرق في الأحراج البعيدة عن الطرق، خوفاً من تجدد الانتهاكات.
وحول استمرار وجود بعض الانتهاكات في هذه القرى، رغم قرار وقف العمليات العسكرية، قال أنس عيروط، وهو عضو في لجان المصالحة التي عيّنها الرئيس السوري أحمد الشرع لـ”العربي الجديد”، إن المجموعات التابعة لوزارة الدفاع انسحبت، وربما من غير المستبعد أن تكون بعض الانتهاكات ارتُكبت في هذه القرى من مقاتلين من خارج المنطقة. وشدّد على أنه “سيجري التحقق من هذه الانتهاكات وملاحقة كل المسؤولين”، مؤكداً أن هناك جهوداً كبيرة يبذلها الأمن العام حالياً لإعادة الأمن لجميع أرجاء المنطقة.
عناصر أمنية في جبلة، 10 مارس 2025 (عمر حاج قدور/فرانس برس)
وقالت الصحافية هند عباس، وهي من أهالي بلدة القطيلبية بريف جبلة، لـ”العربي الجديد”، أمس، إن المدنيين يتوزعون في الأراضي الزراعية والأحراج لليوم الرابع، من دون طعام أو شراب أو وسائل اتصال. وأكدت أن القرى الممتدة من حريصون حتى السن، مروراً بالقطيلبية، الراهبية، السلاطة تتعرض لاعتداءات متفرقة ومتواترة يتم فيها إحراق المنازل من قبل مجموعة مسلحة قالت إنها تابعة للجيش السوري. كما أكدت أن قرى الشير والشلفاطية بريف اللاذقية تشهد نقصاً كبيراً في كل المقومات الأساسية (طعام وحليب أطفال وملابس) بسبب احتراق المنازل، وهروب الأهالي إلى الأحراج والأراضي الزراعية.
والاثنين الماضي، ظهر محافظ اللاذقية محمد عثمان في مقطع مصور خلال زيارة قريتي صنوبر وإسطامو في ريف جبلة، ودعا جميع المدنيين للعودة إلى قراهم. وأكد أن الأمن العام لن يعتقل من خضع للتسوية سابقاً، والمطلوبون هم فقط من شاركوا في الأيام الأخيرة بالاعتداء على عناصر الأمن العام وقوات وزارة الدفاع. كما أجرى وزير الداخلية السوري، علي كدة، أول من أمس الثلاثاء، زيارة إلى مدينة جبلة وحي الدعتور في اللاذقية، والتقى عدداً من الأهالي والوجهاء للاطلاع على أوضاعهم والاستماع إلى شكاواهم. ومنذ اندلاع المعارك في الساحل السوري قبل نحو أسبوع، اختار مئات من سكان مدينة جبلة وقراها من الطائفة العلوية، اللجوء إلى قاعدة حميميم العسكرية الروسية. وزارت القاعدة خلال اليومين الماضيين عدة وفود رسمية وعسكرية تابعة للحكومة السورية من أجل إقناع الأهالي بمغادرتها والعودة إلى منازلهم بعد إعلان انتهاء العمليات العسكرية، وسط رفض معظمهم ومطالبتهم بحماية روسية لهم أو حماية دولية.
وقال مدير منطقة جبلة، أمجد سلطان، لـ”العربي الجديد” إن من بين الموجودين في قاعدة حميميم عسكريين رموا ملابسهم وأسلحتهم بعد الغدر والاعتداء على دوريات الأمن العام ومع اقتراب القوات الأمنية منهم لجأوا إلى القاعدة. وأكد سلطان أنهم أوصلوا تطمينات للأهالي ونقلوا لهم صورة الواقع الحالي في الخارج، مضيفاً أن نحو 3500 شخص دخلوا القاعدة وبدأ بعضهم الخروج على دفعات إلى منازلهم ومن بينهم مصابون ومرضى تم نقلهم لمستشفيات اللاذقية للعناية بهم. ونظم النازحون في القاعدة الروسية تظاهرة الأحد الماضي، طالبت بالحماية الروسية على منطقة الساحل أو تنفيذ الحماية الدولية. وقال المحامي السوري أمجد الغريب، في حديث لـ”العربي الجديد”، إن البعض بات يستغل قضية وجود القاعدة الروسية في الساحل السوري لترويج مطالب التدخل الروسي في المنطقة، مع بث الكثير من الشائعات التي تطالب النازحين إلى القاعدة بعدم مغادرتها حتى تحقيق مطلب الحماية الدولية.
إعادة الثقة وإزالة الخوف
وأكد الغريب أن هناك حاجة كبيرة حالياً لإعادة الثقة وإزالة الخوف من قلوب المدنيين من الطائفة العلوية بعد أن ترك الكثير منهم منازلهم وأحياءهم، والأمر يحتاج لأكثر من مجرد الزيارات الرسمية والعمل على إغاثتهم بداية وإطلاق حملات مساعدة لهم من محافظات أخرى، وتعزيز هذه الإجراءات بسياسة صارمة على الأرض تمنع عودة الانتهاكات، وتجرم الأعمال الطائفية. وأكد أن المضي في محاسبة مرتكبي الانتهاكات يوجّه رسالة مهمة للجميع في الدولة الجديدة، مفادها بأن القتل خارج القانون لا يمكن أن يمر من دون عقاب على عكس ما كان يحصل في عهد النظام السابق.
وفي أحدث البيانات، أعلنت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، الأربعاء، ارتفاع عدد القتلى خارج نطاق القانون، منذ 6 مارس/ آذار الحالي حتى 12 منه في الساحل السوري إلى 878 قتيلاً. وقتلت فلول نظام الأسد، بحسب الشبكة، ما لا يقل عن 429 شخصاً؛ 204 أشخاص من عناصر قوات الأمن العام و225 مدنياً. أما القوى المسلحة المشاركة في العملية العسكرية ضد فلول نظام الأسد، التي شملت بحسب الشبكة، فصائل عسكرية، سكاناً محليين مسلحين (سوريين وأجانب) وعناصر الأمن العام، فقتلت ما لا يقل عن 449 شخصاً، بينهم مدنيون وعناصر من فلول الأسد منزوعو السلاح. وأشارت إلى أن الغالبية العظمى من هؤلاء قُتلوا على يد الفصائل العسكرية التي انضمت أخيراً إلى إدارة الأمن العام. وأشارت الشبكة السورية إلى أنّ من الصعوبة بمكان التمييز هنا بين المدنيين وفلول نظام الأسد الذين نُزع سلاحهم، لأن الفلول كانوا يرتدون ملابس مدنية. وبحسب الشبكة أيضاً، فإن “هذه الحصيلة لا تشمل القتلى من فلول نظام الأسد الذين قُتلوا في أثناء الاشتباكات، حيث لا يُعَدّ ذلك انتهاكاً للقانون”.
العربي الجديد
———————-
سهيل الحسن “النمر”… مخالب نظام الأسد للفتك بسوريا/ سوسن مهنا
معركة الغوطة الشرقية إحدى أكثر المحطات دموية في مسيرته العسكرية ومزق البلاد بالبراميل المتفجرة
الخميس 13 مارس 2025
سيبقى اسم سهيل الحسن مرتبطاً بالدمار الذي لحق بسوريا، وسيظل رمزاً لمرحلة من العنف الممنهج الذي دفع البلاد إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
سهيل سلمان الحسن، المعروف بلقب “النمر” هو ضابط سوري وُلد عام 1970 في قرية بيت عانا بمنطقة جبلة في محافظة اللاذقية، وينتمي إلى الطائفة العلوية، ويعتبر أحد أبرز الضباط السوريين الذين برزوا خلال الحرب الأهلية السورية.
صعد نجمه بعد عام 2011، حينما اعتمد عليه النظام السوري البائد في قيادة العمليات العسكرية الأكثر دموية، مستخدماً أساليب قمعية وحشية، كان أبرزها سياسة “الأرض المحروقة”، والاعتماد على البراميل المتفجرة كسلاح رئيسي لإخضاع المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة السورية في ذلك الوقت، وقاد سهيل “قوات النمر”، وهي وحدة نخبوية تابعة للجيش السوري.
اعتمد عليه رئيس النظام السوري السابق بشار الأسد في العديد من العمليات العسكرية الكبرى، واشتهر باستخدام تكتيكات قاسية، بما في ذلك استخدام البراميل المتفجرة، ما تسبب في دمار واسع ومقتل آلاف المدنيين.
في أبريل (نيسان) 2024، عين الحسن قائداً للقوات الخاصة السورية، خلفاً للعميد مضر محمد حيدر، هذا التعيين عُد حينها إشارة إلى تعزيز النفوذ الروسي في سوريا، بخاصة أن الحسن كان يُعتبر من أبرز الشخصيات العسكرية المقربة من روسيا.
وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، ومع شن المعارضة السورية حملة عسكرية واسعة أسفرت عن سقوط نظام الأسد، عاد اسم الحسن إلى الضوء مجدداً، حيث قاد القوات الخاصة في جيش الحكومة السورية السابقة والتي عملت على صد هجوم المعارضة العنيف على مدينة حماة.
صعود سهيل الحسن في الجيش السوري
تخرج الحسن في أكاديمية القوات الجوية السورية عام 1991، وبدأ خدمته في سلاح الجو ووحدات الدفاع الجوي، قبل أن يلتحق بالاستخبارات الجوية، وهي إحدى أكثر الأفرع الأمنية نفوذاً في سوريا، وهناك، برز كخبير في “إدارة العمليات الخاصة”، وتولى تدريب وحدات مهمتها تنفيذ عمليات أمنية حساسة ضد الجماعات المسلحة والمعارضة.
مع اندلاع الثورة السورية، كُلف الحسن بمواجهة “الجماعات المسلحة” التي سيطرت على العديد من المدن والبلدات السورية، وسرعان ما أصبح قائداً لما يُعرف بـ”قوات النمر”، وهي وحدة عسكرية نخبوية تابعة للجيش السوري، وهذه القوة لعبت دوراً محورياً في استعادة السيطرة على العديد من المناطق الاستراتيجية لمصلحة النظام، لكنها ارتبطت بجرائم حرب موثقة، من بينها استهداف المدنيين بالبراميل المتفجرة والقصف العشوائي.
البراميل المتفجرة واستراتيجية القتل الجماعي
يُعتبر سهيل الحسن من أبرز مهندسي سياسة استخدام البراميل المتفجرة، وهو سلاح بدائي لكنه ذو قدرة تدميرية هائلة، ويتكون البرميل المتفجر من أسطوانة معدنية مملوءة بمواد شديدة الانفجار، مضاف إليها شظايا معدنية أو مواد حارقة، ويتم إسقاطه من الطائرات المروحية على الأحياء السكنية، ولا يمكن توجيه هذه البراميل بدقة، مما يجعلها سلاحاً عشوائياً ذا تأثير كارثي على المدنيين.
بدأت عمليات القصف بالبراميل المتفجرة بشكل مكثف منذ عام 2012، حيث استُخدمت في قصف مدن مثل داريا وحلب وحمص والغوطة الشرقية، وتشير تقارير منظمات حقوقية إلى أن هذه البراميل مسؤولة عن مقتل آلاف المدنيين، إذ كانت تُستخدم لإرهاب السكان وإجبارهم على مغادرة مناطقهم، في إطار سياسة ممنهجة لـ”التطهير السكاني”.
وفقاً لتقرير منظمة “هيومن رايتس ووتش”، فإن البراميل المتفجرة قتلت أكثر من 11 ألف مدني بين عامي 2012 و2019، بينما قدرت الأمم المتحدة أن استخدامها شكل انتهاكاً واضحاً للقانون الدولي الإنساني، إذ إنها استُخدمت في استهداف المستشفيات والمدارس والأسواق الشعبية.
معارك الغوطة الشرقية حملة إبادة بدم بارد
كانت معركة الغوطة الشرقية إحدى أكثر المحطات دموية في مسيرة سهيل الحسن العسكرية، وفي عام 2018 قاد “قوات النمر” في هجوم ضخم على المنطقة التي كانت خاضعة لسيطرة المعارضة المسلحة، ووفقاً للنظام السابق في عملية لـ”تطهيرها (الغوطة) من الجماعات المسلحة”، استُخدمت البراميل المتفجرة والقصف الجوي والمدفعي بكثافة، مما أدى إلى مقتل الآلاف من المدنيين وتشريد عشرات الآلاف.
كان الهدف الأساس للحملة هو إجبار السكان على الاستسلام أو التهجير، وانتهت الحملة بعد شهرين من القصف العنيف، حيث توصلت الفصائل المسلحة إلى اتفاق مع روسيا للخروج من المنطقة، بينما تم تهجير عشرات الآلاف من المدنيين إلى شمال سوريا.
دوره في خدمة روسيا وإيران
الحسن المدرج على قائمة العقوبات الأوروبية، كان في البداية محسوباً على النظام السوري بطبيعة الحال، إلا أن نفوذه ازداد بشكل ملحوظ بدعم مباشر من روسيا، ليعتبر لاحقاً “رجل روسيا” داخل سوريا، حيث شارك في عدة عمليات إلى جانب الشرطة العسكرية الروسية، وكان من أبرز الضباط الذين تلقوا تدريبات مباشرة من قبل المستشارين العسكريين الروس.
في المقابل، كان يُنظر إليه كخصم لمراكز القوى المدعومة من إيران داخل الجيش السوري، بخاصة الفرق العسكرية التي يقودها ضباط مرتبطون بـ”الحرس الثوري الإيراني”، وفي أبريل 2024، أُعيد تعيينه قائداً للقوات الخاصة السورية، وهو منصب زاد من نفوذه وجعله في صدارة المشهد العسكري، بخاصة في ظل تصاعد الصراع الروسي– الإيراني على النفوذ داخل الجيش السوري.
القوات الخاصة قوة النخبة وامتداد تاريخي
وفي خطوة عكست حينها التغيرات داخل بنية الجيش السوري، قرر رئيس النظام بشار الأسد تعيين اللواء سهيل الحسن قائداً للقوات الخاصة، بدلاً من العميد مضر محمد حيدر، هذا القرار برز الأهمية المستمرة لهذه القوات ضمن تشكيلات النخبة في الجيش السوري، إلى جانب الحرس الجمهوري، وعرفت القوات الخاصة، والتي لقبت أيضاً بـ”الوحدات الخاصة”، بكونها من أبرز التشكيلات القتالية في سوريا، وتعود جذورها إلى عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، حين أسسها اللواء علي حيدر، أحد أبرز القيادات العسكرية آنذاك، والذي لعب دوراً محورياً في أحداث حماة عام 1982.
كانت هذه القوات تُعرف سابقاً باسم “قوات الصاعقة”، لكن مع تدخلها في لبنان، تغير اسمها إلى “القوات الخاصة”، حيث تولت إدارة الملف السوري على الأراضي اللبنانية لسنوات، وتميزت القوات الخاصة بنظامها القتالي القائم على الأفواج بدلاً من الألوية، ولعبت دوراً محورياً في دعم الحرس الجمهوري بحماية المنشآت الرئاسية والمشاركة في العمليات العسكرية ضد الفصائل المسلحة.
دعم روسي وتسليح متطور
وحظيت تلك القوات بامتيازات تسليحية وتدريبية خاصة من قبل الجيش الروسي، إذ كشفت تقارير عن تزويدها بأحدث المعدات العسكرية الروسية، ففي عام 2019 أكدت وكالة “سبوتنيك” الروسية أن هذه القوات تلقت تجهيزات متطورة، كما خضعت لتدريبات نوعية على يد القوات الروسية.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2023، نفذت القوات الخاصة السورية إنزالاً جوياً للمرة الأولى من طائرة “إيل-76″ تابعة لسلاح الجو الروسي، ضمن مناورات أشرفت عليها وزارة الدفاع الروسية، وجاء في بيان للوزارة الروسية، حينها، ” للمرة الأولى في تاريخ الجيش السوري، تدرب العسكريون السوريون على تنفيذ عملية قفز جماعي ليلي من طائرة من طراز ’إيل-76‘ تابعة للقوات الجوية والفضائية الروسية، وذلك باستخدام المظلات ذات الأغراض الخاصة ’أرباليت-2‘ من ارتفاع 5 آلاف متر باستخدام أجهزة الرؤية الليلية”.
سهيل الحسن صعود مستمر وسط العقوبات الدولية
كان الحسن يحضر لقاءات رفيعة المستوى، من بينها اجتماع بشار الأسد مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في قاعدة حميميم الجوية في ديسمبر (كانون الأول) 2017، علماً أن الأحداث الأخيرة التي شهدتها منطقة الساحل السوري، والتي قام بها فلول الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد وفقاً لما نقلته وكالة الأنباء السورية (سانا) عن مدير أمن محافظة اللاذقية قوله إن “المجموعات المسلحة التي تشتبك معها قواتنا الأمنية في ريف اللاذقية تتبع لمجرم الحرب سهيل الحسن”، تساءل العديد من المراقبين عن الدور الذي لعبته روسيا في هذه الأحداث، وذلك لقرب القواعد الروسية العسكرية، حميميم القريبة من جبلة، وقاعدة ميناء طرطوس الاستراتيجية من مكان اندلاع الأحداث.
الحسن الذي رُفع إلى رتبة “لواء” مطلع عام 2023، يخضع ومنذ سنوات لعقوبات أميركية وأوروبية، نتيجة تورطه في عمليات عسكرية من بينها الهجوم الكيماوي في دوما عام 2018، وفق تقرير صادر عن منظمة حظر الأسلحة الكيماوية، وذلك نتيجة لدوره في القمع الوحشي، واعتُبر أحد المسؤولين المباشرين عن ارتكاب جرائم حرب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، كما صنفته تقارير غربية، مثل تقرير لمجلة “دير شبيغل” الألمانية، على أنه “رجل روسيا الأول في سوريا”، وأحد الأسماء التي قد يتم الدفع بها في المستقبل كخليفة محتمل لبشار الأسد في حال قررت موسكو استبداله بشخصية أكثر طاعةً لها أو كجزء من تسوية تتم في سوريا في ذلك الوقت، ووصفته المجلة الألمانية بأنه “مجرم حرب”.
الانتكاسة والاختفاء المفاجئ
وأخيراً في مارس (آذار) الجاري برز اسمه مرة أخرى مع تصاعد التوتر في الساحل السوري، حيث أشارت تقارير إلى تورطه في تنظيم تحركات عسكرية تهدف إلى استعادة السيطرة على المنطقة، مستخدماً بقايا القوات الخاصة السابقة التي كان يقودها.
وأعلنت قوات الأمن السورية عن اشتباكات في ريف اللاذقية مع مجموعات مسلحة تابعة للضابط السابق سهيل الحسن، مما يشير إلى تورطه في تحركات عسكرية ضد الحكومة السورية، وسط أنباء عن خلافات حادة بينه وبين قيادات عسكرية أخرى داخل النظام السوري البائد، وهذا التطور يشير إلى أن الحسن، الذي كان يوماً ما أحد أقوى رجال النظام، قد أصبح الآن في مرمى الاستهداف، إما من قبل خصومه داخل النظام، أو من قبل القوى الدولية التي تسعى إلى تقليص نفوذ العسكريين المرتبطين بجرائم حرب.
هل انتهى دور النمر؟
يظل السؤال الأهم: هل انتهى دور سهيل الحسن، أم أن روسيا قد تجد له دوراً جديداً في المستقبل؟ المؤشرات الحالية تُظهر أن أوراقه احترقت بخاصة مع العملية الأخيرة في الساحل السوري، لكن بالنظر إلى تاريخه في ارتكاب المجازر والولاء المطلق لموسكو، قد لا يكون خروجه من المشهد بهذه السهولة، وعلى أي حال، سيبقى اسم سهيل الحسن مرتبطاً بالدمار الذي لحق بسوريا، وسيظل رمزاً لمرحلة من العنف الممنهج الذي دفع البلاد إلى واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث.
———————
صعوبات في دفن ضحايا الساحل السوري/ جلنار العلي
12 مارس 2025
لم يتمكن ذوو الضحايا في الساحل السوري من دفن ضحاياهم ووداعهم كما أرادوا، نظراً لأعداد الضحايا التي لا تتسع لها مستشفيات محافظتي طرطوس واللاذقية. لذلك، لجأت بعض الجهات إلى إقامة مقابر جماعية لدفن الضحايا الذين انتشلت جثامينهم من الطرقات والأحراج وشرفات المنازل. ويتحدث ناشط إعلامي في محافظة طرطوس، فضّل عدم ذكر اسمه، لـ”العربي الجديد”، عن صعوبة إجراءات الدفن؛ فخلال الأيام الأولى للمجازر الطائفية، لم يكن يسمح بالدفن وخصوصاً في المناطق التي سيطرت عليها الفصائل المتفلتة، والتي شهدت توترات مستمرة. لكن بعدما دخلت قوات الأمن العام إلى بعض القرى، كان يسمح لأربعة أشخاص فقط ضمن العائلة الواحدة بدفن موتاهم في أوقات محددة. أما بالنسبة للقرى التي كان عدد الضحايا فيها كبيراً جداً، فلم تكن هناك إمكانية للدفن الفردي. لذلك، خصصت أماكن لإقامة مقابر جماعية، كما هو الحال في حي القصور بمدينة بانياس وريفها، وكذلك الأمر في اللاذقية في مناطق القرداحة وصنوبر جبلة، حيث لا تزال هناك جثث متكومة على جوانب الطرقات، بحسب الناشط.
إلى ذلك، يشير زين نيوف، وهو شاب يعيش في العراق قتل والداه وشقيقه في ريف بانياس، إلى أن أحد معارفه جاء برفقة منظمة الهلال الأحمر العربي السوري للإسراع بعمليات الدفن، في ظل الصعوبات التي يواجهها الأهالي. وعمدت المنظمة إلى نقل الضحايا من المنزل إلى إحدى المقابر الجماعية مباشرة دون المرور بالمستشفى أو إعداد تقرير طب شرعي، وذلك بعد مضي يومين على وجودهم داخل المنزل وسط ظروف أمنية صعبة منعت الأقارب من دفنهم في وقت سابق.
وعلمت “العربي الجديد” أن الكثير من المنظمات العاملة في الساحل السوري أمّنت خلال اليومين الماضيين نقل جثث إلى المستشفيات ليتمكن الأهالي من استلامها، في الوقت الذي تعاني فيه تلك المستشفيات من انقطاعات متواصلة في التيار الكهربائي وضغط يفوق قدرتها الاستيعابية.
ويبين مسؤول منظمة الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)، في الساحل السوري عبد الكافي كيال أنه “في ظل الأوضاع التي تشهدها محافظتا اللاذقية وطرطوس، تقوم فرق الدفاع المدني السوري بواجبها الإنساني بالاستجابة لنداءات الاستغاثة وإخماد الحرائق والإسعاف وانتشال جثامين الضحايا وتقديم عدد من الخدمات المنقذة للحياة، في إطار القدرة على الوصول للنداءات والاستجابة بما يتوافق مع مبادئ العمل الإنساني وسلامة الفرق”. ويشير كيال إلى أن فرق الدفاع المدني السوري بدأت بانتشال جثامين الضحايا جراء أحداث تاريخ الثامن من مارس/ آذار الجاري، بعد تلقي بلاغات بدأت من مدينة بانياس، حيث انتشل 122 جثماناً من محافظتي طرطوس واللاذقية حتى يوم أمس الثلاثاء 11 مارس. ويوضح أن هذا العدد يمثل فقط الجثامين التي تم انتشالها وتوثيقها من قبل الدفاع المدني السوري، علماً أنه يتم انتشال الجثامين بعد وصول بلاغات عن أماكن وجودها من قبل السكان، ويتم توثيق الجثامين التي ينتشلها الدفاع المدني السوري أصولاً، ثم يجري نقلها إلى المستشفيات وتسليمها إلى الطبابة الشرعية لتقوم بمسؤوليتها سواء في ما يتعلق بحفظها أو تسليمها أو غير ذلك من الإجراءات المتبعة.
ويبيّن كيال أن أبرز الصعوبات التي تواجههم هي التحديات الأمنية وتعرض فرق الدفاع المدني للاستهداف المباشر بالرصاص أثناء قيامها بواجبها الإنساني، وهو ما صعّب الوصول إلى بعض القرى والمناطق، وخصوصاً الجبلية والأرياف الشرقية. ويتحدث عن صعوبة تتعلق بالقدرة الاستيعابية للجثامين في مراكز الطبابة الشرعية في طرطوس واللاذقية، ولا يمكن انتشال الجثامين دون تنسيق معها. وفي طرطوس، سلمت جثامين من قبل الطبابة الشرعية لذويها بعد تشكيل لجنة لتسليمها بعد التعرف إلى هويات أصحابها.
وفي ما يتعلق بالدفن، يؤكد أن الفرق لا تدفن الضحايا ولا تشارك بشكل مباشر في عملية الدفن بحد ذاتها. وفي ما يتعلق بالمقابر الجماعية، فهي لا تتعامل معها مطلقاً لأن ذلك يحتاج إلى تفويض قانوني وجنائي. حتى بالنسبة للجثامين المدفونة، فلا يمكن نبش أي قبر دون تفويض، لافتاً إلى وصول الكثير من البلاغات عن جثامين مدفونة في بعض القرى لكن لا يمكن التعامل معها إلا بتفويض قانوني وجنائي أيضاً.
وكانت الشبكة السورية لحقوق الإنسان قد أصدرت تقريراً أولياً، أمس، أشارت فيه إلى أن حصيلة ضحايا الانتهاكات التي وقعت في الساحل السوري، ومعظمها في محافظات اللاذقية وطرطوس وحماة، بلغت 803 أشخاص، خلال الفترة الممتدة من السادس إلى العاشر من مارس.
——————————–
هيومن رايتس ووتش” لإجراءات سريعة تحمي مدنيي الساحل السوري
الخميس 2025/03/13
قالت منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن إعدامات ميدانية وفظائع أخرى وقعت في المنطقة الساحلية السورية في أعقاب هجمات متمردين على قوات الأمن السورية وأثناء العمليات الأمنية اللاحقة للحكومة، مع تحمل المجتمع العلوي وطأة العنف.
وأشارت المنظمة الحقوقية في بيان، إلى أن الرئيس السوري أحمد الشرع أقر بأن “أﻄرافاً عديدة دخلت الساحل السوري وحدثت انتهاكات عديدة”، فيما لم يتم بعد تحديد المدى الكامل للجرائم أو مرتكبيها بشكل قاطع.
وبدأت موجة الانتهاكات الأخيرة بعد هجمات منسقة في 6 آذار/مارس شنها مسلحون مرتبطون بنظام الأسد المخلوع، ما أسفرت عن مقتل 231 عنصر أمن حتى 9 آذار/مارس، بحسب “قيادة العمليات العسكرية” التابعة للحكومة الحالية عبر قناتها الرسمية في “تيلغرام”. ورداً على ذلك، أجرت قوات الأمن الحكومية، ومنها الفصائل التابعة لوزارة الدفاع، “عمليات تمشيط” في جميع أنحاء المنطقة.
وانضمت إلى هذه العمليات جماعات ومسلحون مجهولون، دخل العديد منهم محافظتي طرطوس واللاذقية من أجزاء أخرى من سوريا بعد دعوات رسمية للتعبئة العامة. وظهرت مرتكبو الجرائم في فيديوهات غير مؤكدة منشورة في” تيلغرام” ، وكثير منهم يرتدون بزات عسكرية، وهم يرتكبون إعدامات خارج القضاء، ونهب، وإطلاق النار عشوائياً على المنازل والقرى، إضافة إلى سوء المعاملة وانتهاك الكرامة الشخصية على نطاق واسع، بما في ذلك الخطاب الطائفي.
وعلق آدم كوغل، نائب مديرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في “هيومن رايتس ووتش”: “وعد القادة الجدد في سوريا بإجراء قطيعة مع أهوال الماضي، لكن ثمة تقارير عن انتهاكات جسيمة على نطاق صادم ضد سوريين أغلبهم من العلويين في الساحل وأماكن أخرى في سوريا. الإجراءات الحكومية لحماية المدنيين ومقاضاة مرتكبي إطلاق النار العشوائي والإعدامات الميدانية وغيرها من الجرائم الخطيرة يجب أن تكون سريعة ولا لبس فيها”.
وتعهدت الحكومة السورية بإجراء تحقيق مستقل في الموضوع ومحاسبة مقترفي الانتهاكات على الجرائم التي قاموا بها، في تحد جديد يضاف للائحة طويلة من التحديات السياسة والاقتصادية والأمنية التي تواجهها دمشق بعد التخلص من نظام الأسد الدكتاتوري أواخر العام الماضي.
وقال الرئيس السوري أحمد الشرع في مقابلة مع وكالة “رويترز” قبل أيام، أن عمليات القتل لأفراد من الطائفة العلوية في الساحل السوري، تهدد مهمته في توحيد البلاد، مؤكداً أنه سيعاقب المسؤولين عن ذلك، حتى لو كانوا من حلفائه وأقرب الناس إليه. وأضاف في أول مقابلة مع وكالة عالمية عقب أحداث الساحل، أن سوريا “هي دولة قانون، والقانون سيأخذه مجراه”، مؤكداً أنه من “غير المقبول أن تُسفك قطرة دم واحدة في غير وجه حق، وأن يذهب هذا الدم سدى من دون محاسبة أو معاقبة”.
ولم تتمكن “هيومن رايتس ووتش” من التحقق من عدد المدنيين الذين قتلوا أو نزحوا، لكن النعوات المتداولة في “فايسبوك” تشير إلى مقتل المئات، بما في ذلك عائلات بأكملها. وأفادت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” في 9 آذار/مارس أن الفصائل المسلحة والأفراد التابعين لها كانوا مسؤولين عن مقتل قرابة 396 شخصاً “من المدنيين وأفراد غير مسلحين من بقايا نظام الأسد”. وأشارت تقديرات أخرى إلى أن عدد القتلى المدنيين يصل إلى 800 شخص. كما أفادت “الشبكة السورية” عن مقتل مدنيين على أيدي فصائل مسلحة تابعة لنظام الأسد المخلوع.
وبحسب “هيومن رايتس ووتش” حثت قنوات حكومية في “تيلغرام” الناس على التوجه إلى الساحل “لدعم إخواننا”، لكن هذا الخطاب تغير بسرعة مع تأكيد المسؤولين لاحقاً عدم ضرورة قدوم المتطوعين. وفي 6 آذار/مارس، أعلن مدير “الأمن العام” في اللاذقية عن تعبئة أمنية كاملة، في حين أمر وزير الدفاع بنشر الجيش لسحق الموالين للأسد. وبحلول 7 آذار/مارس، أعلن الرئيس الشرع أن زمن “العفو والمسامحة” مضى، وركز على “تحرير” و”تطهير” المنطقة بينما حث قوات الأمن على حماية المدنيين.
وأفادت قيادة العمليات العسكرية أنه تم حشد حوالي نصف مليون مقاتل لهزيمة “الانقلاب النصيري”، و”نصيري” مصطلح يقصد به إهانة العلويين. وقالت لاحقاً أن “حشوداً شعبية غير منظمة” قامت بـ”انتهاكات فردية”. وفي 9 آذار/مارس، أعلن الرئيس الشرع عن تشكيل لجنة وطنية مستقلة للتحقيق في أحداث 6 آذار/مارس في غضون 30 يوماً، وتعهد بإحالة المسؤولين عن الجرائم إلى القضاء.
وتحدثت “هيومن رايتس ووتش” إلى طالب طب علوي عمره 22 عاماً فر من مدينة بانياس سيراً على الأقدام مع عائلته بعدما علم بمقتل أربعة من أقاربه. ووجدوا مأوى في منزل على مشارف إحدى القرى. وقال: “نشعر بالجوع والبرد، لكن تستحيل العودة إلى المدينة لأننا لا نشعر بالأمان هناك. هنا أيضاً، لا توجد راحة، فكلما سمعنا صوتا نركض إلى البرية لنتوارى”.
وأضاف أنه اتصل بـ”الهلال الأحمر السوري” و”الخوذ البيضاء” لإخلاء المكان، لكنهم أخبروه أنهم ليس لديهم القدرة على ذلك. وأكمل: “قالوا لنا أن نتصل بالسلطات، لكن لا توجد طريقة للوثوق بهم. أولويتنا القصوى الآن هي البقاء أحياء واللجوء خارج هذا البلد إذا نجونا من هذا”.
وراجعت “هيومن رايتس ووتش” فيديوهات وصوراً لواقعة إعدام جماعي في قرية المختارية في ريف اللاذقية وحددت موقعه الجغرافي، حيث أحصت جثث 32 رجلاً على الأقل. وقال ناشطون سوريون في المنطقة الساحلية أن العلويين وغيرهم في المنطقة يعيشون في خوف بسبب الانتهاكات التي حدثت أثناء “عمليات التمشيط” منذ كانون الأول/ديمسمبر الماضي، إضافة إلى الخسارة واسعة النطاق لسبل العيش بسبب الفصل التعسفي من الوظائف وحل قوات الجيش والأمن السابقة.
ومنذ كانون الأول/ديسمبر، كانت هنالك حوادث تحريض عديدة ضد المجتمعات ذات الأغلبية العلوية والشيعية، شملت تخريب أضرحة دينية علوية وتدميرها وتوزيع منشورات مناهضة للعلويين بشكل واسع. كما تم الإبلاغ عن انتهاكات في سياق “عمليات التمشيط” الأمنية، منها القتل الميداني، منذ أوائل كانون الثاني/يناير على الأقل، وشملت الانتهاكات القرى ذات الأغلبية العلوية في ريف حمص الغربي.
وقالت “هيومن رايتس ووتش” أنه يجب على الحكومة السورية أن تضمن فوراً أن يتمكن المدنيون الذين يريدون الفرار من القيام بذلك بطرق آمنة وأن تتمكن المنظمات الإنسانية من تقديم المساعدة إلى أولئك الذين يحتمون في القرى النائية، بما يشمل الغذاء والمساعدات الطبية وخيارات النقل الآمن إلى أماكن أخرى.
ورأت المنظمة أن العنف في المنطقة الساحلية السورية يظهر الحاجة الملحة إلى العدالة والمساءلة. ويجب أن تشمل المساءلة عن الفظائع جميع الأطراف، وتحتاج جهود العدالة إلى معالجة الانتهاكات الماضية والمستمرة، وضمان محاسبة المعتدين وتعويض الضحايا. كما ينبغي للقيادة السورية الجديدة أن تتعاون بشكل كامل مع المراقبين المستقلين، بما يشمل “الآلية الدولية المحايدة والمستقلة لسوريا” و”لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة بشأن سوريا”، وتضمن لهم الوصول من دون عوائق.
وقال كوغل: “العدالة لا تكون حقيقية إذا كانت تطبق فقط على البعض من دون الآخرين. يجب أن تمتد المساءلة إلى جميع منتهكي حقوق الإنسان، بغض النظر عن انتماءاتهم السابقة أو الحالية. من دون ذلك، سيظل السلام والاستقرار الدائمان في سوريا بعيدَي المنال”.
المدن
——————————-
نساء الساحل وويلات سجون الأسد وسطوة أنيسة مخلوف
الخميس 2025/03/13
في روايته الشهيرة “إلى الأبد ويوم”، يروي عادل محمود قصة تحول مصيري شهدته والدته، المرأة العلوية البسيطة التي عانت الفقر المدقع، قبل أن تنقلب حياتها رأساً على عقب مع صعود ابنها، الضابط عدنان محمود، إلى قمة السلطة.
مع تسلمه قيادة فرع الأمن السياسي في الفيحاء، تبدلت حياة والدته جذرياً؛ فأصبحت تمتلك السيارات، وتحظى بمرافقة خاصة، وانتقلت من النوم على الأرض إلى سرير وثير، مرتديةً العباءات الفاخرة. لكن هذا الرخاء لم يدم طويلاً، إذ انقلبت حياتها رأساً على عقب عندما اعتقل ابنها، الذي منحها الرفاه، شقيقته بيديه ووضعها في المنفردة بيديه ، متهماً إياها بـ”معارضة” نظام الأسد… وطالبا منها اثناء اعتقالها ان ترتدي “البنطال بدل التنورة ” ليصفعها بقوة حين اجابت”خايف علي من عناصرك”.
وهكذا تحول الفخر إلى غضب، والرفاهية إلى كابوس، وعاد السواد ليخيم على حياة الأم مجدداً. حتى على فراش الموت، لم تكن وصيتها الأخيرة طلباً للرحمة، بل توسلاً لابنها كي يخرج أخته من السجن، علّها تراها قبل أن تغمض عينيها إلى الأبد.
هي حكاية من حكايات نساء الساحل الفقيرات، وجزء من التاريخ الطويل والمعقد للمرأة في دهاليز السياسة. فمنذ الأزل، لعبت النساء أدواراً مؤثرة في الأنظمة الحاكمة، وسجلت كتب التاريخ أسماء ملكات حكمن بقبضة من حديد، ونقشت المعابد صورهن، وخلدت الثائرات اللواتي تحدين الاستبداد، سواء في صفوف الأحزاب أو خلف قضبان السجون.
ومن بين تلك الحكايات، تبرز قصة خنساء حوران، حسنة الحريري، المرأة التي ذاقت ويلات المعتقلات في سجون الأسد، وعاشت لتروي الفظائع التي ارتكبت داخلها. لم تكن شهادة الحريري مجرد كلمات، بل صرخة في وجه الظلم، تفضح أهوال التعذيب والانتهاكات التي تحولت إلى سياسة ممنهجة، حيث لم تكن السجون سوى مقابر باردة، والعدالة فيها كلمة غائبة.
وفي الساحل السوري، لم يلمع اسم امرأة في دوائر السلطة كما لمع اسم أنيسة مخلوف، زوجة الرئيس حافظ الأسد، الذي يلقبه أنصاره بـ”الرئيس الخالد”. ويُقال إن لها دوراً خفياً في إعادة توزيع النفوذ بين أبنائها، ومنح الامتيازات لعائلتها من وراء الستار، خصوصًا آل مخلوف، الذين تحولوا إلى ركيزة اقتصادية للنظام. كما يُشاع أن نفوذها كان أحد الأسباب التي حالت دون محاسبة عاطف نجيب، المسؤول الأمني الذي أشعل شرارة الثورة السورية بتنكيله بأطفال درعا.
لكن أنيسة لم تكن المرأة الوحيدة التي امتلكت سطوة في دوائر الحكم المغلقة. فقد عُرفت زوجة أحمد الأسد، الأخ غير الشقيق لحافظ، بأنها صاحبة كلمة لا يُرد لها طلب، وكان يُطلق عليها “مختارة العيلة”. قصدها الضباط بحثاً عن التعيين والترقية، ولجأ إليها الفقراء أملاً في الحصول على وظيفة، ما سمح لها بتكوين ثروة طائلة على مر السنين. إلا أن هذه السطوة لم تحمِها من الأثمان الباهظة للعبة السلطة، حيث انتهى بها المطاف تدفع ثمن الصراعات العائلية، فاقدةً أبناءها وأحفادها، في مشهد يُعيد تكرار القاعدة الأزلية: في عالم السياسة، لا شيء مجاني، حتى لمن امتلكوا النفوذ… وكان آخر الأمر فقدانها لهلال الاسد الذي بات يلقب نفسه برئيس الساحل قبل ان تتم تصفيته من قبل النظام ذاته، وألصق الامر بالمجموعات الارهابية.
في ذلك الوقت كان نضال نساء الساحل الاصيلات صامتاً، وخجولاً، ويشبه ملامحهن الوديعة، التي أخفى الفقر المدقع قسوتهن خلفها. في الماضي، قبل أن يصل حافظ الأسد إلى سدة الحكم، كانت الفتيات يُرسلن للعمل خادمات في دمشق وحلب وبيروت، وعندما منع النظام هذه الظاهرة، لم يقدم بديلًا يحميهن من براثن الحاجة، فكان الملاذ الوحيد هو الأرض، وكانت الحياة تدور بين زراعة التبغ وحصاد القمح، وجلب الماء على ظهور الحمير، وغسل الملابس بصابون الغار على ضفاف الينابيع، بينما النار تشتعل تحت الموقد البدائي.
في الصباح الباكر، تمضي النساء إلى الحقول يحملن المعاول، يسلقن القمح، ويسهرن لحراسة المحصول من الطيور، وحين تأتي الطيور لتأكل، تبتسم إحداهن وتقول: “الطير روح بريئة”. أيادٍ متشققة تعجن الطحين، وتوقد التنور بحطب جُمِع من البراري، لتعانق رائحة خبزها الطازج المارة، لكنه ينفد سريعاً، حتى تعود المرأة إلى بيتها بما بقي منه، تقدمه لأطفالها مع الزيت والملح.
الزيت نفسه يُسكب فوق البرغل بحمص، الوجبة الساحلية الأشهر، طبعاً من دون لحم. وفي الليالي الباردة، تحتضن الأم أطفالها، تحاول تدفئتهم بجسدها، قبل أن تعود مع شروق الشمس إلى الحقل، تقطف التبغ، تشكه، وتعلقه على الأشجار ليجف، ثم تبيع محصول العام كله بخمسين ألف ليرة سورية، فتفتتها بين متطلبات حياة لا ترحم. يأتي الصيف، فتجهز الحطب لشتاء قاسِ ينتظرها.
تمر السنوات، ويبيض شعرها، ويكسو التشقق جسدها، لكنها تبقى صلبة، محبة، تمامًا كنساء الساحل اللواتي ظهرن بعد مجازر القرى المنكوبة، تصرخ إحداهن “فشرتوا”! وجثث اولادها امامها حين يحدثها من قتلهم عن الغدر، وأخرى سبعينية تقول بصوت يرتجف في فيديو تم تداوله على منصات التواصل الاجتماعي: “نحنا منحبكن وانتو بتحبونا، والله خفت ومتت من الرعبة وكنت بالجبل”. ثم تختم كلماتها: “كليتنا إخوات”.
جملة لو تحققت، لربما صانت الدم السوري، وفتحت باباً لتساؤلات مشروعة: هل نحن إخوة فعلاً؟ أم أن الحقد الطائفي أعمى القلوب؟
المدن
——————————–
أرق يصاحب المجزرة/ دلير يوسف
13.03.2025
هذا الأرق… هذا الأرق ليس جديداً. هذا أرق رافق مجازر سابقة، في الحولة والبيضا وداريا وكرم الزيتون والغوطة ولبنان وغزّة، هذا أرق أعرفه ويعرفني، هذا أرق يقودني إلى موسيقى محدّدة تعينني على لياليّ، هذا أرق يقودني إلى قراءة الشعر.
سوريا استنزفت كل شيء منّا، إيماننا بأنفسنا وبإنسانيتنا وبالبشرية وبالأخلاق وبالكرامة، إيماننا بالحياة نفسها. هكذا أفكر وأنا أعاني أرقاً منذ أيام. لا أستطيع النوم مذ بدأت المجزرة الأخيرة في قرى الساحل وبلداته. أشاهد مقاطع الفيديو، أُرسل رسائل أطمئن فيها على أصدقائي ممن يعيشون هناك، أقرأ تحليلات وآراء من كلّ التوجّهات وأتمنّى لو يسكت الناس ويتركون الموتى يموتون بهدوء. لا أستطيع أن أفهم خطاب الكراهية والتحريض. من أين يأتي كلّ هذا؟
أتذكّر نصاً كتبته عن الموت في بدايات الثورة، تساءلتُ فيه مَن يقتل مَن؟ وأجبتُ نفسي بأن الجواب ليس مهماً، فكلّه موت. سألت أسئلة كثيرة: كيف يصير القتل؟ ما الدافع؟ ما الذي يشعر به القاتل حين يقتل القتيل؟ هل أورثنا آباؤنا غريزة القتل؟ هل للموت صوت؟ وعندما يهمّ القاتل بالقتل، هل ينظر إلى عينيّ من يقتله، أم ينظر إلى خياله، فيقتل الخيال؟
الأرق الذي أعرفه
هذا الأرق… هذا الأرق ليس جديداً. هذا أرق رافق مجازر سابقة، في الحولة والبيضا وداريا وكرم الزيتون والغوطة ولبنان وغزّة، هذا أرق أعرفه ويعرفني، هذا أرق يقودني إلى موسيقى محدّدة تعينني على لياليّ، هذا أرق يقودني إلى قراءة الشعر.
يقول محمد مهدي الجواهري: “فرَّ ليلي من يدِ الظلمِ/ وتخطّاني ولم أنمِ، كلّما أوغلت في حلمي/ خِلتُني أُهوي على صنمِ، مرحباً: يا أيها الأرقُ/ فُرشتْ أُنساً لك الحَدَقُ، لكَ من عينيَّ منطلقٌ/إذ عيونُ الناس تنطبِقُ”
أبحثُ عن معنى الأرق على الشبكة العنكبوتية، وأنا نَعِس بالكاد أفتح عيني. يقول “الإنترنت” إن الأرق هو اضطراب في النوم أو تقطّعه أو انخفاض جودته، مما يعود سلباً على صحّة المريض النفسية والجسدية.
أبحث عن “الأرق المرافق للمجزرة” فأرى تنويعات في الأخبار بتواريخ مختلفة: جرائم الحرب في السودان، مجازر في سوريا، مخيم جنين، غزّة، أخبار قديمة من حروب العراق والجزائر.
أبحث عن “الأرق في الأدب”، كلّ الكتّاب والشعراء عانوا من الأرق والسُهاد في بعاد الحبيب. ألم يعاني أحد منهم أرقاً بسبب صور وخيالات ألف جثّة وجثّة ماتت في مجزرة ما؟
لماذا أكتب؟ وكيف أكتب والدماء تسيل بكثرة، وبغزارة أشدّ من غزارة أمطار تهطل فوق جزيرة استوائية؟ عن ماذا أكتب؟ عن المجزرة الجديدة؟ عن تلك البلاد النائمة على أطراف بحر ممتدّ يصل شرياني؟ عن تلك البلاد المسكونة بالجراح والآلام، عن أناس قُتلوا وزرعوا الأرض بأسمائهم كما لو أنهم أشجار في غابة تُحيي نفسها بعد كلّ مجزرة؟
لماذا لا أنام؟ اللعنة.
هل أكتب عن الموت الملتفّ حول البلاد؟ عن الدمار والخراب؟ أبالكتابة أُحيي العظام وهي رميم، أم أُنزل ذلك الحمل من على كتفيّ وأقول: سلاحي القلم، وبماذا أستطيع أن أساعد إلا بالكلمة؟
“يا حيف”
مذ بدأ القتل الأخير لم أستطع أن أكتب سوى كلمتيْ “يا حيف” على وسائل التواصل الاجتماعي، في إشارة إلى أغنية “يا حيف” التي كنّا نغنيها ونتناقلها سراً في بدايات الثورة في العام ٢٠١١. لم أستطع أن أقول أو أكتب شيئاً. كلّ ما فعلته كان رسائل عزاء لأصدقاء وصديقات فقدوا بعضاً من أهلهم، ورسائل اطمئنان. لا شيء آخر. لا أفكار. أشعر بأن الكلام لا معنى له. الآراء لا معنى لها. التحيّز وإثبات وجهات النظر لا معنى لهما. لكن إن لم نتفاعل مع شيء كبير بحجم ما يحدث، كيف سنضمن ألا تُعاد هذه المجازر في المستقبل؟
يبدو أن لكلّ الناس آراء، وفي أوقات المجزرة تحتدّ الآراء ولا يقبل الناس الناس. أتفاعل بإعجاب هنا على منشور يقول شيئاً يعجبني، وأتجاهل عشرات المنشورات الأخرى، التافهة، أو التي لا توافق أفكاري.
أتمنّى أن تكون هذه المجزرة هي الأخيرة، وأن يعمّ بعدها الصمت.
هل كل رأي يستحق أن يُسمع؟
أظنّ أنه لا يصحّ أن يكون لكلّ الناس رأي في كلّ شي. بعض الآراء خراء محض، ما معنى أن يقول أحدهم مثلاً: “برأيي الأرض مسطحة”. اعذرني يا حبيبي، هذا ليس برأي، هذا خراء.
الأمر نفسه ينطبق في أوقات المجازر، يبدو أن لكلّ الناس آراء في كلّ شيء. لكن، حين كنت في دمشق في بدايات هذا العام، احتلّتني فكرة تقول إن الحديث عن سوريا، وعن معنى سوريا، والتفاعل بين السوريين والسوريات، والحديث عن نوع الحكم وطريقته، تختلف بين وسائل التواصل الاجتماعي والحياة اليومية في الشوارع.
هذا الأرق يأخذني لتذكّر هذه الفكرة وأنا أتصفّح “فيسبوك” و”انستغرام” و”تلغرام” و”X”. الناس في الشارع وفي المقاهي وفي البيوت يحكون أشياء مختلفة عن تلك المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي. أولئك الذين يصيحون على “الإنترنت” موجودون في الشارع أيضاً، لكن صوتهم ليس بهذا العلو.
ليس السلاح وحده السبب…
يبدو أن قلّة النوم تجعلني أفكر في السلاح، من أين جاء كلّ هذا السلاح؟ كم جنى تجّار السلاح من الأموال خلال المقتلة السورية؟ من الطبيعي أن تنتج المجازر عن هذا السلاح الكثير جداً، المترافق مع الجهل والتعليم السيئ والتعصّب والعنصرية والانتماءات الما قبل وطنية.
تراودني فكرة أن لا أمل في سوريا، خلص. هي هكذا وستبقى هكذا. منذ مئات؛ أو أقول آلاف، السنوات حروب هذه البلاد تجرّ حروباً. لا راحة، “حرب في طيز حرب”، مجزرة تلو الأخرى، دائرة مغلقة لا تنتهي.
تراودني فكرة أن أقطع كلّ علاقة لي بسوريا، بكلّ أهلها وناسها (أهلي وناسي) بكلّ شوارعها وبيوتها وطوائفها وقومياتها، أن أقطع كلّ حبل يصلني بها وأكمل حياتي في برلين، وكأنني لم أولد وأكبر هناك.
لكن، والله أحبّها. أحبّ تلك البلاد. أحبّها حباً لا تفسير له. لا فكاك لي عنها ومنها.
أرمي الفكرة، وأجلب من ذاكرتي قولاً أحبّه للمفكّر السوري بو علي ياسين، الذي تدور مجزرة هذه الأيام في مسقط رأسه في ريف اللاذقية: “أشدّ الناس حاجة إلى التوعية والتنوير هم أشدّ الناس عداء لهذه الحركة التنويرية، ذلك لأنهم أكثر الناس انسحاقاً، وبالتالي أشدّهم حاجة إلى السلوى والسلوان”.
أقول لنفسي: هيّا حاول النوم، غداً يوم آخر، واعمل بما يمليه عليك ضميرك وقيمك، وتأمّل أن تكون هذه هي المجزرة الأخيرة في تاريخ هذه البلاد.
****
كيف يأتي النوم
والباب مسدود بألف جثّة؟
ألف جثّة!
قرأت مرةً رواية، لا أذكر منها إلا أن دماً تحوّل إلى بستان ورد
هل كان ورداً جورياً؟
خزامى؟
أحبّ أن أتخيّل بستاناً من الخزامى
ألف جثّة!
ألف جثّة صارت بحراً من الخزامى
أمشي بين الخزامى وأعدّها:
واحد، اثنان، ثلاثة… مئة… مئة وخمسون…
أتعب
الحقل يمتدّ والشمس في منتصف السماء تراقب كلّ شيء
كعهدها.
أستلقي بين الخزامى
فأرى نفسي جثّة
أُكمل العدّ:
مئتان وخمسون، مئتان وواحد وخمسون، مئتان واثنان وخمسون…
لا أصل إلى آخر الحقل
عشرة آلاف، عشرة آلاف وواحد، عشرة آلاف واثنين…
أتعب…
…
…
لقد مات قلبي.
– كاتب ومخرج من سوريا
درج
——————————–
زاخاروفا: قاعدة حميميم استقبلت نحو 9 آلاف سوري فروا من العنف والقتل في الساحل
الخميس 13 آذار 2025
أعلنت وزارة الخارجية الروسية أنّ قاعدة حميميم في اللاذقية استقبلت نحو 9 آلاف سوري، معظمهم من النساء والأطفال، فروا من القتل والعنف في مناطقهم في الساحل السوري.
وأعربت المتحدثة باسم الخارجية، ماريا زاخاروفا، عن «صدمة بالغة إزاء الأحداث المأساوية التي وقعت في سوريا». وقالت: «الضحايا المدنيون أبرياء، واستخدام العنف ضد المدنيين أمر غير مقبول ولا يمكن تبريره بأي شكل من الأشكال، وموسكو تدين مجازر المدنيين وتأمل في معاقبة المسؤولين عنها».
وأشارت زاخاروفا إلى أنّ القاعدة الجوية الروسية في حميميم «فتحت أبوابها أمام الفارين الذي كانوا يبحثون عن ملاذ آمن من أعمال العنف». وأضافت: «كانوا يبحثون عن النجاة، مدركين أن الأمر أصبح مسألة حياة أو موت بالنسبة لهم. استقبل جنودنا أكثر من 8 آلاف شخص، وفقاً للإحصاءات، حتى يوم أمس، زهاء 9 آلاف شخص معظمهم من النساء والأطفال».
ورأت أنّ السلطات الحالية في دمشق «تدرك مسؤوليتها في حماية حقوق مواطنيها الشرعية في سوريا، بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية»، لافتة إلى أنّ روسيا تتابع «عن كثب جهودهم لاستعادة الأمن والاستقرار».
ولفتت إلى أنّ القيادة السورية أكدت «التزامها بالحفاظ على الوحدة الوطنية، وشكلت لجنة للتحقيق في هذه الأحداث»، آملة «أن يتم تحديد المسؤولين عن هذه الأعمال ومعاقبتهم بشكل عادل».
وأشارت زاخاروفا إلى أن روسيا «تحافظ على اتصالات مع السلطات السورية الحالية»، مؤكدة أن الجانب الروسي «لم يتلقَّ أي معلومات عن إصابات بين المواطنين الروس في الأحداث التي شهدتها محافظتا اللاذقية وطرطوس السوريتان».
——————————
مشهد الساحل السوري له خلفية/ سليمان جودة
13 مارس 2025 م
ليست صدفة أن تشهد سوريا ما شهدته في منطقة الساحل، بعد ساعات من عودة أحمد الشرع من قمة فلسطين في القاهرة.
فلقد بقيت البلاد هادئة منذ سقوط نظام بشار الأسد، بل إن سقوطه نفسه كان بغير إطلاق رصاصة واحدة في دمشق حيث كان يتحصن، ولا في شمال البلاد حيث كانت قوات «هيئة تحرير الشام» تتقدم نحو العاصمة. كنا نتابع ذلك قبل ثلاثة أشهر بالضبط من وقوع أحداث الساحل، وكنا ندعو أن يدوم الهدوء، وأن يلتفت السوريون إلى بناء ما فاتهم أن يبنوه في بلدهم طوال سنوات حكم الأسد، وبالأصح إعادة بناء ما تهدم في تلك السنين.
وقد كانت هناك علامات على أن السوريين مشغولون في هذه الفترة بأنفسهم، وعازمون على الانشغال ببلدهم، وراغبون في الذهاب به إلى المستقبل.
تجد هذا في حديث سابق للرئيس الشرع، حيث قال أكثر من مرة إنه ليس معنياً بالدخول في مشكلات مع أي طرف خارجي، وإن ما يعنيه هو أن يتفرغ مع بقية السوريين لإعادة تأهيل ما لا بد من تأهيله لوضع البلد على طريق العصر. قال هذا بوضوح في أكثر من مناسبة، ولم يكن هذا مما يُرضي قوى إقليمية، حيث لا يسعدها أن يقوله فضلاً عن أن يفعله.
لقد تذكرت قصة الوزير الإنجليزي الذي زار القاهرة في أعقاب ثورة 1952 والتقى جمال عبد الناصر الذي أبلغه أنه ليس منشغلاً بالدخول في أي صراع مع إسرائيل، وأن كل ما يشغله في هذه المرحلة هو أن يعمل على تنمية بلاده وتحسين ظروف المعيشة لمواطنيه ولا شيء آخر. بعدها طار الوزير إلى تل أبيب والتقى ديفيد بن غوريون، رئيس وزراء إسرائيل، الذي سأله عن أخبار القاهرة فأبلغه الوزير بما سمعه من عبد الناصر.
إلا أن بن غوريون، عدّ أن ما سمعه أسوأ خبر يسمعه، لأن إسرائيل لا يسعدها أن تنشغل دولة من حولها في المنطقة بمثل ما قاله عبد الناصر. لا يسعدها ذلك لا في القاهرة، ولا في دمشق، ولا في أي عاصمة من عواصم العرب.
وقبل أيام كانت وكالة «الأناضول» التركية قد أذاعت تقريراً عن اليهود السوريين الذين عادوا إلى البلاد بمجرد سقوط نظام الأسد، وكانت قد سألت بحور شمطوب، رئيس الطائفة اليهودية السورية، عما إذا كانت إسرائيل تمثلهم، فانزعج الرجل من السؤال وكان رده معبّراً عن انزعاجه. قال: «هُم إسرائيليون ونحن سوريون».
كان رد شمطوب قد لخص كل شيء، لأنه عاد بالأمور إلى أصولها، ولأنه ارتفع بجنسيته فقدمها على ما عداها، وكان هذا هو الأصوب طبعاً، لأن سوريته سابقة على يهوديته، ولأن العودة بالانتماء إلى الوطن يجعل الجميع ينتمون إلى أصل واحد، ويعيشون تحت سقف جامع، وبالتالي يقطع الطريق على كل ما يمكن أن يفرق بين المواطنين.
ولم يختلف حديث بعض الرموز الدرزية عن حديث شمطوب، فسمعنا من أكثر من رمز سوري درزي أن انتماءه هو لبلده طول الوقت، وأن أحداً منهم لم يطلب من إسرائيل حماية تقول هي أنها ستوفرها لهم. لم يحدث، وكان حديثها عن حمايتها التي تعرضها تطفلاً زائداً عن الحد، وكان دساً للأنف فيما لا شأن لها به ولا فيه.
وعندما كان الشرع في قمة فلسطين سألوه، فقال إن سوريا عادت إلى حضنها العربي، وإن هذه العودة سابقة على حضوره القمة، وإنها عودة تتواصل وتكمل طريقها، وإن سوريا ومصر جناحان في جسد طائر واحد. قال الرجل هذا الكلام ثم عاد إلى بلاده، ومن بعدها بساعات معدودة قامت القيامة في منطقة الساحل، وأحس الغيورون على أرض الشام بجزع شديد تجاهها، وبدا وكأن ما قاله الشرع في القمة، وما قاله رئيس الطائفة السورية اليهودية، وما قاله بعض رموز الدروز، لم يصادف هوى لدى الذين لا يسعدهم أن تكون سوريا قريبة من عمقها العربي، ولا أن تتحرر من الذين استثمروا فيها طويلاً في أيام النظام السابق.
تسألني عن الحل فأقول: إنه لدى كل سوري، لأن السوريين لو آمنوا عن يقين بأن سوريتهم هي التي تجمعهم ولا شيء سواها، فلن ينال منهم طرف، مهما كان بأس هذا الطرف، ولن تكون سوريا إلا التي يريدونها ويذهبون إليها. فليراهن السوريون على أنفسهم، وليقطعوا الطريق على الذين يشعلون الفتنة، فهذا هو الرهان الوحيد الرابح.
الشرق الأوسط
——————-
منها تفخيخ طرق بالساحل السوري.. مقداد فتيحة يهدد بمزيد من العنف
قائد مليشيا لواء درع الساحل يهدد الدولة السورية
13/3/2025
تداول جمهور منصات التواصل في سوريا فيديو جديدا قالوا إنه لقائد مليشيات “لواء درع الساحل” مقداد فتيحة يهدد فيه قوات وزارة الدفاع والأمن السورية بما سماه المرحلة الثانية من المعركة إذا لم تنسحب من قرى الساحل من خلال تفخيخ الطرقات وإعدام الأسرى واغتيال العناصر.
وأبرز ما لفت رواد العالم الافتراضي الزي الذي كان يرتديه فتيحة في المقطع الذي ظهر فيه مهددا ومتوعدا، وهو لباس خاص بالجيش السوري، وقالوا إن فتيحة ظهر سابقا وهو يرتدي لباس الأمن العام، والآن ظهر وهو يرتدي ملابس خاصة بعناصر وزارة الدفاع السوري لقتل المدنيين واتهام الحكومة بجرائمه، حسب قولهم.
الارهابي مقداد فتيحة متزعم فلول الاسد في الساحل السوري يهدد بفيديو جديد بتفخيخ الطرقات وزيادة استهداف الشعب السوري
سابقاً ظهر وهو يرتدي لباس الامن العام، اليوم يظهر وهو يرتدي ملابس خاصة بعناصر وزارة الدفاع السوري
لقتل المدنيين واتهام الحكومة pic.twitter.com/WXqgbepsH3
— عمر مدنيه (@Omar_Madaniah) March 12, 2025
وأضاف آخرون أن “مقداد فتيحة وأمثاله من فلول الأسد لا يمثلون سوى بقايا مشروع فاشل لفظه الشعب السوري بكل مكوناته”.
وكتب أحدهم “من يهدد الدولة ويتوعد بالدماء لا يمكن أن يكون إلا أداة مأجورة تحاول عبثا نشر الفوضى. سوريا أكبر من فلول مهزومة تتستر خلف أقنعة الإرهاب، والمحاسبة قادمة لكل من تلطخت يده بدماء الأبرياء”.
تمادى كثيرا المجرم #مقداد_فتيحة وظهر بفيديو جديد يزعم وجود أسرى من الأمن العام لديه متوعدا بإعدامهم والانتقال للمرحلة الثانية من معركة درع الساحل وهيا تفخيخ الطرقات واستعمال الأسلحة الكاتمة.
يجب أن يكون إغلاق ملفه أولوية لا تؤجل#الساحل_السوري pic.twitter.com/CwFp58IxEl
— ahmed alaasi (@ahmedalasi) March 13, 2025
وتعليقا على الفيديو، قال ناشطون إنه يدينه أكثر، ولا بد من استخدامه بكل اللغات ليصل لكل العالم، حتى يروا مع من يتعاملون، وهذا أكبر دليل على الإجرام وتهديد الأمن والاستقرار حسب وصفهم.
ولفت انتباه بعض المتابعين السلاح الذي ظهر بيد فتيحة، وقالوا إن هذا السلاح لا يوجد منه بجيش نظام الأسد، ويوجد فقط عند الروس.
هذا السلاح لا يوجد منه بالجيش المهزوم الفارّ القاتل الأسدي هذا السلاح يوجد فقط عند الروس وأتكلم بهذا الموضوع بكل ثقة واتحدا أحد يثبت أن هذه البندقية فينتوريز موجودة بالجيش السوري أو شوهدت مع القوات جيش بشار
— abdallah M.F (@abdallahMsultan) March 12, 2025
ودعا ناشطون الحكومة الحالية إلى اتباع نهج الولايات المتحدة وتخصيص مكافأة مالية قدرها 25 ألف دولار أو ما تراه مناسبا لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال مقداد فتيحة.
وأشار هؤلاء إلى أن التجارب السابقة أظهرت أن مثل هذه المكافآت تشجع الأفراد على تقديم معلومات حيوية، كما فعل الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) في ديسمبر/كانون الأول 2024 عندما أعلن عن مكافأة قدرها 3 آلاف دولار لمن يدلي بمعلومات عن السجون السرية في سوريا.
انكشاف الكذب مستمر والإرهابيين من فلول النظام البائد يكشفون أنفسهم ويعلنون أنهم قتلوا المدنيين والعسكرين في الساحل السوري
الارهابي الفار مقداد فتيحة يهدد بتفجير الطرقات والمنازل وقتل المدنييين ويقر ويعترف بأنه وعصابته الاجرامية قتلوا اكثر من ٣٠٠٠ شخص مدني ومن عناصر وأفراد… pic.twitter.com/EeFHxlxql7
— د.المحامي طارق شندبTarek Chindeb (@tarekchindeb) March 12, 2025
وطالب بعض الناشطين بإصدار قوائم بأسماء ومعلومات المجرمين والمطلوبين للعدالة من النظام البائد مع منح مكافآت مالية للأشخاص الذين يدلون بمعلومات تؤدي إلى القبض على هؤلاء المجرمين. كما يجب أن يجرم كل من يساعد أو يساهم في إيواء أو التواطؤ مع هؤلاء المطلوبين، أو يمتنع عن الإبلاغ عنهم للسلطات المختصة.
أدعو الحكومة الحالية إلى اتباع نهج الولايات المتحدة وتخصيص مكافأة مالية قدرها 25 ألف دولار او ماتراه مناسبا لمن يدلي بمعلومات تؤدي إلى اعتقال مقداد فتيحة. تُظهر التجارب السابقة أن مثل هذه المكافآت تشجع الأفراد على تقديم معلومات حيوية، كما فعل الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)…
— Rim Albezem (@Reem_mbc) March 12, 2025
المصدر : الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي
——————————-
أختي في جبال العلويّين: هلع أنْ يكسر بابك في الليل وحش ضاحك لا يحبُّ من أسماء الله إلا المنتقم/ جولان حاجي
13-03-2025
الله والخنازير
يشتدُّ خفقان قلبي أمام وجوه الأطباء والصيادلة الذين قُتلوا في الساحل.
أختي، الطبيبة الكردية المقيمة منذ خمسة وعشرين عاماً في قرية الدالية، قرب جبلة، أسعفت بعض الجرحى أمس، بعد القصف بالمدافع ونيران الرشاشات. أسعفتهم بما تستطيع، بخياطة جرح أو كيس سيروم.
كيف سأتخيّل الآن ما تنتظره كردية وعائلتها في قرية لـ «النصيرية»؟
أين المفرّ وكلّ الطرق مغلقة؟
«كلُّنا في الفخّ، والكهرباء مقطوعة». دقائق من اتصال الواتساب في الوقت المستقطع من الكابوس.
من أين سيأتيك النوم، وكيف ستحمي قلبك من الانفجار، إذا سمعت عن جثامين عائلة تعمل في البيوت البلاستيكية ببانياس، أو طالبة طبّ، كردية بالصدفة، قتلتها طلقة طائشة وهي نائمة في المدينة الجامعية باللاذقية؟ كيلومترات من أرتال السيارات، المتجّهة إلى الساحل، المصوّرة من الجوّ، آتون إلى قتلك، وأنت وحدك تماماً.
هلع أنْ يكسر بابك في الليل وحش ضاحك لا يحبُّ من أسماء الله إلا المنتقم.
رعب أنْ تسمع «قُتلوا بدم بارد»، رعب «أن تقرأ النفير» أو «حيَّ على الجهاد» و«الأمور لم تتّضح بعد». الاشمئزاز من «الفلول» و«المظلومية» وكل هذا الهراء أمام قطرة الدم الهائلة التي اسمها سوريا، المسفوحة في حفرة العالم. قتلى في السيارات والحافلات (المفضوحة بأسماء مدنها)، جثث في الشوارع وساحات الكراجات بالقرى، في أحراش السنديان، بين أشجار العرعر والشربين.
ملثّمون بلباسٍ مموّه يتجوّلون بالدراجات النارية في الأزقة والشوارع، ويطلقون النار في الهواء. القتلة ينهبون البيوت أولاً، جوعى في رمضان ولا يفطرهم الدم، ثم يكنسون بلحاهم أرواحَ ساكنيها.
«الرُّوس يتفرّجون على صفقة الموت. قلنا إن الأمر انتهى، لكنهم عادوا ليصلوا رعب الليل برعب النهار. ليس لنا في هذا الرعب إلا رحمة الله. لا ندري من هم، شيشان، أوزبك، سوريون، حمزات، عمشات؟ ربما بينهم من بالوا على قبر حافظ الأسد؟ كمدمني الكابتاغون وجوههم مخيفة. كيف سنميز لحاهم الطويلة من لحى الشبيحة؟ لا ندري ممن يثأرون؟ ولمن؟ إلى أي كهف في الوعر سنهرب؟»
القتلة يفضّلون الطرق المعبّدة، ووجهتهم العنوان نفسه في كل قرية، لأنه العنوان اللامع في عيونهم: الثأر.
مرة أخرى، حقول القتل مُضاءة بالصور. طوال الصباح أتخبّط هناك وأنا هنا، تائهاً بين الكوابيس، وحدي كجميع الذين أحبّهم. أدقّق ما يصادفني، أدقّقه حتى العياء. أكلُّ هذه الصور هي النسيان؟ إلى أين العودة؟ كان السوريون موعظة الخراب، المغادرين في الحكاية التي رُويت. والآن، تحت كل خطوة لغم الهوية، في حياة تبتعد عن الحياة كنبأ يُسمع ثم يُنسى.
ريح آذار، على سفوح جبال العلويين، تحمل بين يديها البداية والنهاية وترميهما في البحر، ككلّ تلك الزهور، زهور العرس والجنازات.
(8 آذار 2025)
الأيام السوداء على لسان أختي
أكانت حياةُ قتَلَتِنا أغلى من حياتنا؟
(جورج برنانوس، «المقابر الكبرى تحت القمر»)
-1-
عصر يوم الخميس 6 آذار. كنتُ في السرفيس، راجعة من جبلة إلى الدالية، حين بدأت الاتصالات تنهال على السائق عند دوير بعبدة: «الهيئة في الضيعة. خذ طريق وادي القلع». كانت هناك دورية من الأمن العام قد أغلقت الساحة للسؤال عن شاب محدّد بالاسم. رفض أهل القرية تسليمه، لأنّ من يذهب لا يعود عادة. تراجعوا في النهاية، تصغيراً للمشكلة، بعد المشاجرة وتبادل الشتائم. اعتقلت الدورية الشاب المطلوب، وذهب معهم خاله ورئيس البلدية والمختار. لكن يبدو أنّ أهل القرية لم يحتملوا أن يُشْتم ابنهم على أرضهم. سرعان ما كمن بعض الشبّان لقوات الأمن العام وأطلقوا عليهم النار، فقتلوا منهم ثمانية عشر عنصراً، وقُتِل منهم أربعة.
لم تكن الشمس قد غربت حين سمعنا عن وصول قنّاص إلى مدخل القرية. هنا بدأ الرعب. النوافذ في مثل هذه الظروف مخيفة، ويجب الابتعاد عنها. أسعفتُ جارنا الجريح الذي أصيب بطلقة في ساقه. أصابت طلقة شقيقَ زوجي وأوقعته عن واحدة من تلك المصاطب الزراعية التي تعرفها في الدالية، فسقط من ارتفاع أربعة أمتار. من أين كنّا سنأتي بالدم لتدبير نزيفه؟ كانت أكسجته أقل من 50 بالمئة ، وهبط ضغطه حتى صار نبضه كالخيط لا يكاد يُجَسّ. نجا بأعجوبة. قام حقاً في اليوم الثالث، ونحن في بداية الصيام المسيحي.
-2-
في يوم الجمعة، وجدوا الشاب المطلوب الذي أخذته دورية الأمن العام مقتولاً على الطريق، مرميّاً بين الأشجار.
قصف الطيران بيت عانا بقذيفتين. قُتل لواء سابق في جوفين مع ابنيه، أحدهما صيدلاني والآخر طبيب بيطريّ. سمعت من أهل القرية إنّ مسلحين مجهولين قتلوا أهل مقداد فتيحة [مؤسّس «درع الساحل»]، ولم يفلت أحد منهم. لو كان المجرمون المعروفون ومهرّبو السلاح وتجّار الكابتاغون وحدهم يهاجَمون لما خفنا. روّعتنا مذابح الأبرياء. المسلّحون الجدد يعرفون أنّ ريف جبلة بأكمله علويّ. كنت أتخيّلهم في قرى أعرفها، يقتحمون البيوت بيتاً فبيتاً، ولا يوفّرون أحداً، لأن الجميع مشبوهون بالسكن هنا. سكنك تهمتك. قالها أحد المسلّحين: «كلُّكم جنود منشقّون». المفارقة أنّ «الجنود المنشقّون» هو الاسم المعتمد للعسكريين السابقين الذين سلّموا أسلحتهم بعد تسوية أوضاعهم مع الحكومة الجديدة.
لم ننَمْ ولم نغيّر ثيابنا، في انتظار أيّ إشارة للهروب إلى الأحراش. كنا سنترك للمجرمين بيوتنا. فلننجو بجلودنا، وليسرقوا ما يريدون. فلينهبوا ويحرقوا. ربما حصة العلويين من القتل الكبير انتهت. لا ندري من التالي. إذا كانت المقتلة سترتدّ إليهم مرة أخرى، فسيكون مصيرهم كالهنود الحمر. سمّى الأميركيون إحدى حواماتهم «الأباتشي»، على اسم إحدى القبائل التي أبادوها. لن أنسى تلك الدقائق عند ظهور الحوّامات في السماء. حين رأيناها تحلّق فوقنا، قلنا لم يبقَ لنا إلا الموت.
كانت الضربة الأقسى في بانياس. أرعبنا الوشاة، فبعض الحقودين في المدينة وشوا بأسماء العلويين وعناوينهم وتناقلتها صفحات الفيسبوك. كان الفاصل في هذه الإبادة هو دوّار المصرف، فشماله يسكن العلويون، وجنوبه السنّة حيث ظلّت المحلات مفتوحة ولا ترى على الأرض شظية زجاج واحدة. في يوم الرعب الأقصى، بدا لي ذلك الحاجز الخفيّ منيعاً هائل الأبعاد. ابتسم الآن بعدما ذكّرتني بجدار الزمن في أساطير الهند: سور حديدي طويل شاهق يحاول ناسكٌ أنْ يهدّه بريشة.
كان شمال المصرف في بانياس جهة التنكيل والتحطيم. دِيست جثث المدنيين بالسيارات. كُوّمت كالقمامة في صناديق المركبات. أخبرنا أصدقاؤنا أن بعض المنفّذين من الأويغور والشيشان والأوزبك، كأنهم آلات ينفّذون أوامر لا نعرفها. ربما لم يكونوا مثل شبيحة بشار في التعفيش، لأنهم يريدون الأذى الصرف، ولا يبيعون مسروقاتهم فيما بعد. أرادوا أن يحرموا ضحاياهم من كل شيء. كان يسلبونهم هواتفهم، ويحطمّونها قدّام عيونهم. كنت أعرف زوجين فقيرين يحرسان مشتلاً للزهور كثير الأبواب. صباح يوم الجمعة، كانا يتناولان الفطور تحت الأشجار حين امتلأت الحديقة بالمسلّحين، الشيشان على الأغلب. صاحب المكان ميسور الحال، من سنّة جبلة. كان قد خزّن في مستودعه ثلاثمائة بيدون زيت زيتون. نهبوها بالكامل، ولما استمهلتهم الزوجة قليلاً، كان الجواب طلقة في الرأس.
-3-
مخاوف الأزمنة الغابرة تلمع في عيون الناس في قرى العلويين. كأن قلوبهم مفطورة على هذا الخوف: احتمال الهروب من أيّ مكان انتقلوا للعيش فيه، مثل عشوائيات عشّ الورور والمزة 86 في الشام، مسرعين إلى جبالهم الأمّ التي انحدروا منها. كانوا حريصين على الاحتفاظ بأيّ مسكن في قراهم، ولو مجرد غرفة على سطوح آبائهم، إلى أنْ صعد خوفهم نحوهم.
حتى قبل هذا الانفجار في الجمعة السوداء، كنا مرهَقين من مخاوف الخطف التي كانت تخلي الشوارع منذ الخامسة مساء، خصوصاً في المدن حيث الذلّ أقسى وأشدّ. ليل فارغ موحش، لكنه مملوء بترقّب بشع.
نجا ابني من زلزال شباط 2023، فصلته دقائق عن الموت في انهيار أحد المباني. في السنة الأولى من دراسته هندسة الاتصالات في جامعة حمص، كان متأخّراً عن إحدى المحاضرات، فسأل زميله أنْ يستعير دفتره. سأله الزميل عن اسمه، ولما عرف أنه علي ومن الدالية، أغلق الدفتر وسحبه من أمامه. هذا الموقف، التافه والمقلق، أعاده إلى كنف الذين يعرفهم أو يعرف منابتهم.
كنت أتصل بابني مراراً على الهاتف كلما ذهب إلى الجامعة. أرعبتنا المذبحة التمهيدية في قرية فاحل بريف حمص. في كانون الثاني الماضي، أتى مجهولون مسلحون بالدوشكا، لم يقولوا من هم. أتوا يفتشون منازل العلويين عن الفلول والأسلحة، ثم اقتادوا شباناً مدنيين ولم يعودوا. عثر عليهم أهلهم قتلى، مذبوحين أو مقتولين بالمطارق.
-4-
مئات آلاف العلويين، العسكريين والمدنيين، خسروا وظائفهم منذ هروب بشار في 8 كانون الأوّل. مَن تبقّى من الموظفين في هذا الغلاء لا يتنقّلون ولا يركبون المواصلات، لأن رواتبهم لا تغطّي حرفياً إلا ثمن الخبز فقط. لا مواسم هنا كالجزيرة، ولا مغتربون ليساعدوا أهلهم بالحوّالات. إلى متى سيتقشّفون بالعيش على الخبز والبصل الأخضر المزروع في حاكورة البيت؟ إلى متى ستكفي المونة لدى فلّاحي التبغ والزيتون؟
يقول لي سمّان القرية: «صرنا كالأوروبيين نشتري الخضار بالقطعة». كنت في دكّانه حين أتت طفلة تشتري رأس ثوم وحبة بطاطا واحدة وقدحاً من زيت الذرة. بقية الوجبة بالماء والملح، والنار من عيدان الأحراش. اللعنة، كأنه عصر الصحابة في مسلسلات رمضان. في الواقع، الناس أهلكهم الجوع. في أيام بشار، كان بعضهم يحصل على حفنة من الرز أو البرغل من الأمم المتحدة، لأنّ لصوص المساعدات بالمرصاد. كانت المعونات تُباع على البسطات، وكنّا نسمع أنّ إحدى مهمات أسماء الأسد هي الحفاظ على تجويع الشعب. كنت أصدّق أنّ المعونات تُطمر في مكبّات القمامة، ولا تُعطى للناس. لا يزال المحتاجون حولك كيفما جالت عيناك. فلمَن ستمدّ يد العون، هذا إذا استطعت؟ هل نستطيع أن نشتقّ فعلاً من «الغجر» ونقول: إنّ سوريا بكاملها «تغجّرت»؟
برغم كلّ اليأس والكآبة اللذين يفتكان بقلبي، أقول لك يا أخي: نحن السوريون كالفلسطينيين، لا أحد أقوى منا في البقاء ومصارعة البؤس.
المخطوفة
الخائفون مبعثَرون داخل أجسادهم.
مَنْ راقب جداول الربيع في شعاب الدالية وأطال النظر، فقد يصدّق أنّ الظلمة تشرق أحياناً.
مخلوقٌ لا وجه له في ظلام رأسك، مكتومٌ كغضبٍ قديم، ثقيلٌ كالدابّة وسريع كلسان الحيّة. تكاد تلمح طيفه الأسود وسط الأحراش، يهبط الوديان ويصعد السفوح، من أحشائك إلى حلقك. لا تراه، لكنّه آتٍ ليقبض روحك، وبين فكّيه قلبك. عينه على الحبّ يريد قتله، يريد أنْ يقلب اللطفَ ضعفاً، والبراءة عاراً.
«حدّقْ بي!» لا تنصاع لأمره، وأنت ترى اسمك تحت قدمه اليمنى، وتحت اليسرى وجهك.
بغتةً، كجناح مقطوع يضرب الهواء، يخفقُ الماضي كلّه.
مُسبَلَ العينين، جوابك جواب الفقير الصامت:
«سكين اليوم في يدك مرآةُ الأمس حيث لمعتْ ابتسامتك».
برج بابل المفقودين
مَن أورث المذعورين هذا البيت المبنيّ على سطح موجة؟
الاتصالات مقطوعة، والمجهولون العنيفون، بين الأشجار، على مبعدة مئات الأمتار منك.
بيتك مضاء بالطاقة الشمسية منذ العام الماضي، وأنا أتخيّل أشياء لم تقع حين لا يردّ هاتفك.
هل كنتِ، بين البقع الرطبة لجدران الإسمنت غير المطلية، تسعفين مذعورة أغرقتْ فراشها بما استفرغته معدتها، الخاوية إلا من ماء الينبوع؟ هل حاولتْ أن تنهي حياتها بسمّ الجرابيع، كالعاشقات اليائسات، أم هناك مَن سمّم الماء؟ لا يزال القرويون يخزّنون ماء المطر في خزانات إسمنتية كالغرف، أو يستقون من الينابيع. كانت ستخجل من رائحة غرفتها في حضورك، واصفرار الشرشف بتلك الحموضة المخزية. كنت ستطمئنينها، وربما تمسحين العرق البارد عن جبهتها، وتناولينها منشفة مبلَّلة لتمسح فمها:
«لا تخافي حبيبتي. الحرب انتهت وما انتهت. لا أدري ما نحن فيه الآن».
عرفتُ سيدة من تلك الجبال، تحلم بمزرعة من الأبقار والدجاجات، وسمعت مرة قنبلة انفجرت في البحر. كان التقيُّؤ والدموع جوابَ جسدها حين تسمع صوت الرصاص أو تشمّ رائحة البارود.
المنتشون بالانتصارات سممّوا الهواء بهزائمنا، ونحن نسمعهم يذيعون أسماء القتلى، حاذفين منها أعداءهم.
برج بابل المفقودين.
إشارة النصر الوحيدة الممكنة يرسمها جبلان أخضران مقابل شرفتك.
عودة الأنفاس
ما أجمل أنْ يكون اسمي: «الحالم بك».
أنتِ الخائفة، تطمئنيني: «لم يبقَ إلا القليل. شارفنا على النهاية».
أيّ نهاية؟ أيّ رحلة قطارها أطول من رتل الراقصين السكارى، لا نرى مَن يقوده إلا في المنعطفات؟
لم يهلكنا ما فقدناه حتى الآن، لأن رجوعنا بعد دقائق، منذ سنين. ظهورنا موجوعة من محاولات النوم على مقاعد الطريق، تيبّستْ رقابنا التي نحاول طقطقتها عبثاً. جنينا معرفة قاسية بعرق قلوبنا. لم نفُزْ بـ «الكنز الناقص للعيش»، حتى لو تعلمنا جيداً كيف تُعاش بالثواني الدقائقُ المتبقية. على هذا المنوال، نسجت السنوات قمصاناً ضيقة على أرواحنا.
يطمئنني صوتك. لا ندمَ، لأنني سافرت أو لأنك بقيت. أسنقول وداعاً للدموع على الهاتف، لجفاف الحلق أمام الغرباء، للتعرّق تحت النظرات؟ أما الوعود المزيَّفة فأنا مدركٌ وفاءَها جيداً، لم تفارق حياتي يوماً كي تفارقها الآن.
ولكن، رغماً عن كل ما جرى، لديّ وعد صغير. في المرة القادمة، على الأقل سأسمع معك أغنيات من البحر الأسود في فارنا. سنتذكر معاً فشل عمّي «الكيّس» في مشروع تجارته بالجبنة البلغارية وجلود الثعالب، سنتذكّر لقاءه المطوّل مع السفير القبرصيّ وعطشه الدائم إلى العيران وإيمانه بالمقدرات السحرية للَّبَنْ، حتى تغمض الضحكة عينيك وتثلّم بالغمازات خدّيك.
اللقاح الأوّل
في أيّام بشّار، تابعتِ حملة للتلقيح في حي الدريبة بجبلة. دارت الممرّضة في الأزقّة بمكبّر الصوت ليأتي الأهالي بأطفالهم. كان الهواء مشحوناً، لأن الحيّ سنيّ بكامله، والفكرة الشائعة أنّ الممرضات كلّهن علويات.
الحكومة الجديدة سرّحت تسريحاً تعسّفياً مئاتِ الأطباء والممرضات لأنهم فائضون عن الحاجة في مستشفى جبلة. يُقال إن مديره الجديد يحمل شهادة دكتوراة من جامعة ما في إدلب.
لا يردّ هاتفك، فأحاول إزاحة الخوف جانباً لأتخيّل مرة أخرى، بما أستطيع من هدوء، أشياء لم تحدث لك.
كأنْ يخبركِ أحد المرضى:
-دكتورة عفيفة، إن العارف هو الخائف في كتب العرفان.
العارف لا يواسي أحداً بـ «اليقين» لأنّه اسمٌ من أسماء الموت. أتخيّل مريضك مولعاً بالسجع والقوافي، كالأطفال في تلك النكات البائخة عن الجناس بين السعر والسعير، والشعر والشعير.
تجيبينه على لسان باستور الذي فقد ابنه في حرب لا تعرفينها، واستأجر عربة للبحث عنه، جوّاباً المياتم والمستشفيات والمقابر في ألمانيا وفرنسا:
-العلم والسلم سينتصران على الجهل والحرب.
وتحيط ضحكاتكم المتعبة بتكشيرة المريض. أمهات شرب الحزن نورَ وجوههن، الآباء المفلسون جنود مسرَّحون من جيوش الماضي، ومستقبل الصغار كالسلالم التي تفضي إلى العليات والأقبية، من دون نوافذ أو مخارج.
الجنود القُدامى هربوا إلى البرية يختبئون بين الصخور، لأن الجنود الجدد قادمون. جيوش الحاضر بُعثت من حُطام المدن وقيعان البراميل ووحول المخيّمات.
أليس شهداء الأكاذيب على كلّ الجبهات؟
لم تصدّقي أنّ القصص التي تتناقلها الأجيال لا تزال تدور كالثأر في العروق.
مَن كان سيصدّ أولئك المحاربين المسعورين الذين يُذِلّون المستضعفين بإجبارهم على العواء؟
شفى باستور الصبيّ جوزف مايستر الذي عضّه كلب مسعور أربع عشرة عضّة. أتتْ به أمّه من الألزاس إلى باريس لتعرضه على حكيم يلقّح الكلاب المسعورة. لم يكن قد جرّب لقاحه إلا على الكلاب والأرانب. كان جوزف أول إنسان تلقّى التطعيم ضدّ داء الكلَب سنة 1885. نجا الصغير الذي كان راعياً للأغنام ومربّياً لديدان القزّ. ولما كبر، عمل حارساً لمعهد باستور، حيث يرقد العالم وزوجته متجاورين، لأنه رآه أجدر بالحراسة من مراقد كل القديسين، حتى انتحاره إثرَ احتلال النازيين باريس 1940. كان الحارس قد أورث ابنته ثقافته الجديدة، فعلّمها، نقلاً عمّن شفاه، كيف تستخدم المجهر. لم يلقّنها شيئاً عن الله والملائكة، فمتّعها جهلها بأعاجيب أخرى لا تراها عيناها الجميلتان.
ثقب في الجدار
ابتعدتِ عن الحكمة إلى وضوح الحاجات. التجربة أعلى من كلّ الأحكام.
أمامك ثقب حفرته رصاصة في الجدار، على طرفيه يقف العقلُ والإرادة حائرين ماذا سيدفنان فيه؟
سيكفل الزمن كلّ هذه المنازل الجريحة.
ما أبغضَ أنْ يصير جرحك بيتك بعدما كان بيتك جرحك.
(10 آذار، 2025)
موقع الجمهورية
—————————–
متحدّياً طهران وتل أبيب: مظلوم عبدي ينتقم للشّرع/ سمير صالحة
تحديث 13 أذار 2025
من غير المستغرب أن تشتعل الأجواء في الساحل السوري ذي الكثافة السّكّانية العلويّة، وأن نرى ارتدادات هذا الاشتعال تتفاعل في أكثر من مكان، وأن يحمل معه هذا التفجير، برغبة إيرانية إسرائيلية وعبر ما بقي من فلول النظام السابق، نقاشات سياسية وإعلامية واسعة واكبتها اصطفافات وانقسامات حول مجريات الأحداث وتأثيرها على سوريا والمنطقة.
احتمال كبير أن تكون تركيا هي الدولة الثانية بعد سوريا الأكثر تفاعلاً مع اشتعال الوضع في الساحل السوري. السبب ليس فقط رقص إيران وإسرائيل على معزوفة واحدة، والتقاء مصالحهما وأهدافهما في الداخل السوري وفي مواجهة السياسة التركية، بل لوجود شريحة سكّانية واسعة من العلويين الأتراك الذين تربطهم قرابة بعلويّي الجانب الآخر من الحدود، وأقلقهم ما يجري في غرب سوريا، كما يقول رئيس بلدية إسطنبول أكرم إمام أوغلو.
يردّد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أمام منصّة دول الجوار السوري المجتمعة في العاصمة الأردنية أنّ “هناك من يريد إخراج سوريا عن مسارها الجديد عبر القيام بأعمال التحريض والاستفزاز”. ويعلن مساعد رئيس الجمهورية التركي جودت يلماز أنّ “محاولة عرقلة خروج سوريا من محنتها التي يقودها فلول النظام السابق وبعض من يتحرّك خارج القانون لن تنجح”. ما يقلق أنقرة ليس فقط ما يجري في مناطق الساحل السوري لأنّ الأوضاع سيتمّ تطويقها هناك، بل احتمال انتقاله إلى مناطق سوريّة أخرى في الجنوب والشرق تحت طابع مذهبي وعرقي، وهو ما يعقّد الوضع الأمنيّ والسياسي أكثر فأكثر، واستهداف سياسة تركيا السوريّة وعلاقاتها مع الحكومة السورية الجديدة التي تحوّلت إلى شراكة استراتيجيّة تثير غضب المتضرّرين من ذلك، وفي مقدَّمهم إيران وإسرائيل.
من غير المستغرب أن تشتعل الأجواء في الساحل السوري ذي الكثافة السّكّانية العلويّة، وأن نرى ارتدادات هذا الاشتعال تتفاعل في أكثر من مكان
مفاجأة كبرى
كان من المفترض أن تركّز هذه المادّة على مواصلة الحديث عن الخطر المحدق بسوريا بعد انفجار الأحداث في الساحل، وأن يدور الحديث عن الوضع الأمنيّ والسياسي الصعب الذي ينتظر سوريا الجديدة بعد إشعال جبهة الساحل، لكنّ الرئيس السوري أحمد الشرع دفعنا إلى تغيير المسار والحديث عن الإنجاز الثاني الكبير الذي يحقّقه خلال 3 أشهر على طريق بناء سوريا الجديدة عبر تفاهماته المفاجئة مع مظلوم عبدي قائد قوات سوريا الديمقراطية التي قلبت الطاولة في اللحظة الأخيرة.
عندما كانت:
– نقابة محامي مدينة هطاي تستعدّ لتقديم شكوى ضدّ أحد الإعلاميين المقرّبين من حزب العدالة بسبب مقالته عمّا يجري في الساحل السوري بتهمة إثارة النعرات.
– وكانت قيادات حزب الشعب الجمهوري التركي المعارض تعرب عن قلقها من “تصاعد العنف ضدّ العلويين في اللاذقية ومحيطها، وارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، والمخاوف من ارتكاب مجازر ضدّ الأقلّيات”.
– العديد من الأصوات والمنظّمات الدولية كانت تدعو إلى إجراء تحقيقات فوريّة وشفّافة ونزيهة في جميع عمليات القتل والانتهاكات التي حدثت في الساحل السوري، ومحاسبة المسؤولين عنها.
– الخارجية الروسيّة كانت تضع اللمسات الأخيرة مع نظيرتها الأميركية على تفاهم الذهاب إلى مجلس الأمن الدولي لطرح مستجدّات الوضع الأمنيّ المتدهور في سوريا. ثمّ تعلن أنّ مبعوث الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط وإفريقيا ميخائيل بوغدانوف استقبل السفير التركي في موسكو تانجو بيلغيتش بناء على طلبه، في لقاء جرى خلاله “تبادل معمّق لوجهات النظر حول الوضع في الشرق الأوسط مع التركيز على تطوّرات الوضع في سوريا”.
– وكان التصعيد الإعلامي والسياسي الإيراني الإسرائيلي في ذروته في محاولة للاستثمار في تلك الأحداث عبر تحريض الأقلّيات والترويج لـ”جبهة المقاومة الإسلامية في سوريا” وجماعة ” أولي البأس”.
– وكانت السيناريوهات التي تتحدّث عن دور “قسد” في مخطّط تفجير الوضع الأمنيّ السوري تتفاعل وتنتشر.
يردّد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أمام منصّة دول الجوار السوري المجتمعة في العاصمة الأردنية أنّ هناك من يريد إخراج سوريا عن مسارها الجديد
أعلنت رئاسة الجمهورية السوريّة توقيع اتفاقية بين الشرع وعبدي بعد أسابيع من المفاوضات انتهت بمفاجأة لا تقلّ قيمة عن رسالة أوجلان لعناصر حزب العمّال الكردستاني وداعميه في قنديل وشرق الفرات لترك السلاح وحلّ الحزب وإنهاء العمل المسلّح ضدّ القوات التركية.
حفرة السّاحل
تضمّ الاتفاقية ثمانية بنود أهمّها: الاعتراف بالمجتمع الكردي مكوّناً أصيلاً في الدولة السورية، وضمان حقوقه، ودمج كلّ المؤسّسات المدنية والعسكرية في شمال سوريا وشرقها ضمن إدارة الدولة السورية، وضمان عودة جميع المهجّرين السوريّين إلى مناطقهم مع توفير الحماية اللازمة لهم، ودعم الدولة السورية في مواجهة التهديدات التي تمسّ أمنها ووحدتها، ورفض دعوات التقسيم.
هناك مراعاة إقليمية ودولية في بعض بنود الاتّفاق للّاعبين المؤثّرين في الملفّ السوري. لكنّ الأهمّ هو ولادته بصناعة سورية – سورية تأخذ في الاعتبار مصالح سوريا وشعبها أوّلاً.
حتّى لو كانت الجهود التركية الأميركية العربية، بعيداً من الأضواء، هي المسهّل والمحرّك، وحتّى لو سبق هذا الإنجاز ما حقّقته أنقرة من خلال إقناع عبدالله أوجلان بالتخلّي عن مواقفه وطروحاته الكردية. وكان عبدي يعلن تبنّيه لما دعا إليه أوجلان قبل انعقاد مؤتمر حزب العمّال من خلال التراجع عن الكثير من المطالب والمواقف السياسية والعسكرية، مخيّباً آمال المراهنين على مشروع سياسي في إطار حكم ذاتي كردي في سوريا. وتسجّل التفاهمات بين دمشق والقامشلي في خانة الشرع الذي كانت طهران وتل أبيب تريدان رميه في حفرة الساحل السوري على أن لا يخرج منها.
أساس ميديا
——————————-
سوريا المستقبل… لا تقسيم ولا إيران/ خيرالله خيرالله
2025-03-13
يتغيّر المشهد الداخلي السوري بسرعة كبيرة. انتقل، في غضون ساعات، من الضربة القويّة التي تعرّض لها النظام الجديد الذي وقع في فخّ نصبته له إيران عبر استخدام “فلول النظام السابق” في الساحل السوري… إلى الاتّفاق الذي وقّعه الرئيس أحمد الشرع مع مظلوم عبدي القائد العامّ لـ”قوات سوريا الديمقراطية”.
وقّع الشرع اتّفاقاً مع الأكراد أقلّ ما يمكن وصفه بأنّه اتّفاق تاريخي يمثّل نقلة نوعية في مجال رسم الخطوط العريضة لسوريا المستقبل المتصالحة مع نفسها، أي مع السوريين من كلّ المذاهب والطوائف والمناطق والقوميّات.
يكفي التمعّن في النقاط الثماني التي تضمّنها الاتّفاق بين الشرع وعبدي للتأكّد من أنّ سوريا انتقلت إلى مرحلة مختلفة لا مكان فيها للتقسيم ولا للإقصاء، أقلّه من الناحية النظريّة. بات هناك اتّفاق خطّيّ يحمل توقيع “رئيس الجمهوريّة العربيّة السوريّة” يؤكّد “الاعتراف بالمجتمع الكردي جزءاً أصيلاً من الدولة السوريّة”.
الأكيد أن ليس في الإمكان تبرير ما تعرّض له العلويّون في الأيّام التي سبقت توقيع الاتّفاق مع الأكراد. تبيّن أنّ هناك فصائل تكفيريّة مسلّحة خارجة عن سلطة الدولة مستعدّة لارتكاب مجازر في حقّ الأقلّيّة العلوية التي لا يزال قسم منها يرفض، للأسف، الاعتراف بالواقع الجديد المتمثّل بسقوط نظام آل الأسد. حسناً فعل أحمد الشرع عندما سارع إلى تشكيل لجنة تحقيق، تضمّ عضواً علويّاً هو خالد الأحمد، من أجل تأكيد أنّ هذه الفصائل لا تمثّل الدولة، مبدياً استعداده لمحاسبة كلّ من على يده دماء بريئة. في النهاية، كان قسم من العلويّين من ضحايا آل الأسد، مثلهم مثل السوريّين الآخرين.
يبدو واضحاً من خلال تطوّر الأحداث في الساحل السوري أن لا رغبة دولية في تقسيم سوريا من جهة، وأنّ هناك معارضة غربيّة شديدة لأيّ عودة إيرانية إلى سوريا
رسالة للدّروز
الأكيد أيضاً أنّ من الضروري استخلاص العبر من أحداث الساحل السوري. في مقدَّم تلك العبر أنّ الغرب عموماً ليس مستعدّاً للدخول في لعبة التقسيم التي يراهن عليها الضبّاط الموالون للنظام السابق، والذين يلقون دعماً إيرانيّاً مباشراً أو عبر “الحزب” في لبنان والحكومة العراقية برئاسة محمّد شيّاع السوداني وفصائل من “الحشد الشعبي”، الذي هو جزء من تركيبة هذه الحكومة. ليس هناك في الغرب، خصوصاً في الولايات المتحدة، من يريد عودة “الجمهوريّة الإسلاميّة” إلى سوريا كما كانت عليه الحال أيّام بشّار الأسد لا يزال في دمشق. في طبيعة الحال، ليس في الغرب من يريد السماح لإيران بالعودة أيضاً إلى لبنان بعدما حوّل “الحزب”، في مرحلة معيّنة، بيروت إلى مدينة إيرانية على شاطئ المتوسّط.
من هذا المنطلق، كانت هناك لملمة سريعة لأحداث الساحل السوري. ليس صحيحاً أنّ الأمم المتّحدة بعثت بلجنة تحقيق إلى القرى التي وقعت فيها مجازر. يوجد بيان صادر عن “مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانيّة في سوريا” ينفي نفياً قاطعاً “زيارة الساحل السوري لإجراء تحقيقات في المنطقة”.
يبدو واضحاً من خلال تطوّر الأحداث في الساحل السوري أن لا رغبة دولية في تقسيم سوريا من جهة، وأنّ هناك معارضة غربيّة شديدة لأيّ عودة إيرانية إلى سوريا، سواء إلى الساحل أو دمشق أو الجنوب السوري، من جهة أخرى. أكثر من ذلك، يعتبر ما حدث في الساحل السوري رسالة إلى الدروز أيضاً الذين هم جزء من النسيج السوري. فحوى الرسالة أنّ الرهان على كيان درزي، حتّى لو دعمته إسرائيل، ليس رهاناً في محلّه. توجد معلومات عن التوصّل قريباً إلى اتّفاق مع المكوّن الدرزي على إدارة الدروز لمؤسّسات الدولة في السويداء على أن يفتح باب التطوّع لدروز السويداء في وزارة الدفاع السورية. وسيتضمّن الاتّفاق بنوداً أخرى في شأن ظروف انتشار الأمن السوري في السويداء وهو ما تم التداول به بين الشرع ووفد السويداء منذ أيام.
من الواضح أنّ أحداث الساحل السوري صارت من الماضي، خصوصاً إذا استطاع الحكم الجديد في سوريا ضبط الفصائل التكفيرية غير المنضبطة وتدجينها
تبدو أحداث الساحل السوري قابلة للمعالجة، خصوصاً في حال تبيّن أنّ أحمد الشرع مستعدّ للطلاق تماماً مع ماضيه القريب حين كان يُعرف بـ”أبي محمد الجولاني”. يشير الاتّفاق الذي وقّعه مع “قسد” (قوات سوريا الديمقراطية)، أي مع الأكراد، إلى أنّ الرجل مستعدّ للتأقلم مع الواقع القائم، بما في ذلك الاعتراف بأن ليس أمامه غير هذا الخيار في حال كان يسعى بالفعل إلى قيام سوريا جديدة، الدولة التي فيها مساواة بين كلّ المواطنين، سوريا المختلفة عن سوريا النظام العلويّ الذي أسّسه حافظ الأسد تحت عنوان “السجن الكبير”… والذي سمح لإيران بوضع يدها على البلد.
مستقبل جديد
يختزل الخيار المتوافر لأحمد الشرع البنود التي تضمّنها الاتّفاق مع الأكراد. مثل هذا الاتّفاق لم يكن ممكناً لولا الضوء الأخضر الأميركي. إنّه أيضاً اتّفاق يرضي تركيا التي لديها هاجسها الكردي. يتمثّل هذا الهاجس في قيام كيان كردي مستقلّ في سوريا تنتقل عدواه إلى تركيا نفسها.
من المفيد ملاحظة أنّ الاتّفاق بين الشرع وعبدي حظي بتشجيع من الزعيم الكردي مسعود بارزاني الذي قدّر تقديراً كبيراً الاعتراف بحقوق المواطن الكردي في سوريا. وجاء الاتّفاق بعد أيّام من إعلان عبدالله أوجلان زعيم حزب العمّال الكردي (PKK)، من داخل سجنه التركي، عن تخلّي حزبه عن الكفاح المسلّح في تركيا.
من الواضح أنّ أحداث الساحل السوري صارت من الماضي، خصوصاً إذا استطاع الحكم الجديد في سوريا ضبط الفصائل التكفيرية غير المنضبطة وتدجينها. من الواضح أيضاً أنّ الاتّفاق مع الأكراد يمثّل المستقبل، خصوصاً أنّه يتحدّث عن “دمج كلّ المؤسّسات المدنيّة والعسكريّة في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية”، وعن “رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بثّ الفرقة بين كلّ مكوّنات المجتمع السوري”.
تتطلّع سوريا، على الرغم من كلّ المشاكل التي تواجهها وخصوصاً في المجال الاقتصادي، إلى مستقبل آخر مختلف، بعيداً عن التقسيم وبعيداً عن إيران، التي لم يعد لها ما تستثمر فيه غير إثارة “المسألة العلويّة”. هذه صفحة طُويت، وطُويت معها صفحة استخدام الأراضي السوريّة لإغراق لبنان بالفتن عبر سلاح غير شرعي، ولا خلاص لهذا البلد من دون الخلاص منه نهائياً.
أساس ميديا
——————————-
================