صفحات ثقافية

الإسمنت في التشكيل في المركز الثقافي الفرنسي بدمشق: تــشوّه بصري مقصود ؟

null
دمشق – من عامر مطر:
رمى مهنّد ديب الحصى في وجه الإسمنت، وعلّقهما داخل إطار خشبي على جدران مشغله “شغل وفن” ضمن معرض حمل عنوان “الإسمنت في التشكيل” وشارك فيه أكثر من 130 فنانا سوريا وعربيا، عُرضت أعمالهم في صالة المركز الثقافي الفرنسي في دمشق، وفي مشغل “شغل وفن”.
ما فعله مهنّد ديب بالإسمنت يعبّر عن وجهة نظره من هذه المادة التي تعتبر سبباً للتشوه البصري والبشري في دمشق، بحسب تعبيره. وقد دفعته هذه الفكرة الى إدانة الإسمنت بالإسمنت، عبر ورشة عمل استمرت أشهراً عدة، خرجت بأكثر من 159 لوحة.
توزّعت الأعمال بين الإدانة، والجانب الجمالي للإسمنت، الى أعمال لم تكن سوى نسخ رديئة عما اشتغله أصحابها سابقاً بالألوان أو بالزيت، أو بالأكريليك.
يمكن القول أن لا رابط حقيقيا بين الأعمال، إلا مادة الإسمنت. العوالم متباعدة في المعرض إلى درجة من شأنها تشتيت المتلقي.
حملت إحدى اللوحات حذاء عسكرياً، وبعض المسامير. ربما لدور هذا الحذاء في بناء العشوائيات على أطراف دمشق، وعلى وجه جبل قاسيون خصوصاً.
بعض اللوحات تتضمن قضباناً صغيرة، لسجون من الإسمنت، وثمة رجل يجلس بخوف في سجنه الإسمنتي، مصبوغاً باللون الأسود، كالقضبان التي تتجاوز حدود الإطار الخشبي في هذه اللوحة، وتتجاوز بدلالاتها حدود السجن إلى المجتمع الذي يحتويه.
هناك الكثير من الجدران، لكنها ليست جميعا للسجون، إنما بعضها للذاكرة، وأخرى للموت. قصّ أحد فناني الورشة جزءاً من جدار حقيقي، تأكل بفعل الزمن، وعليه ورقة نعيّ، والأرجح أن فكرة هذه اللوحة مأخوذة من أعمال التشكيلي السوري عبد الكريم مجدل بيك.
علّق فنانو فلسطين جدراناً تبوح بالجدار الذي قسّمت فيه إسرائيل وطنهم وحياتهم. أما فنّانو العراق، فأعادهم الإسمنت إلى حواجز بغداد الإسمنتية، لذلك عملوا في هذه الورشة، وخلقوا لوحات تحاكي الحزن العراقي.
لا تشكل السجون والجدران إسمنت المعرض كلّه. هناك بشر إسمنتيون، بعضهم مُرعب؛ لفرط التشوّه الذي يحملونه. ثمة أيضاً أشخاص حقيقيون في دمشق، دخل الإسمنت نفوسهم وعقولهم، فخرجوا على وجوه اللوحات بهذه الملامح. في حين يبتسم بشر آخرون، يحلمون ويعشقون داخل لوحات الإسمنت تلك. هم لا يشبهون بشر الإسمنت، إنما يعيشون في عوالم أخرى. كلوحة يمارس فيها رجل وإمرأة الحب على حافتها.
أما الألوان، فموجودة بغزارة، وقد لوّن بعض الفنانين لوحاتهم ليبعدوها عن جوّ الإسمنت وقسماته المتعبة، وما يلفت فيها هو اللون الأحمر المتفشي وتوظيفاته المختلفة.
الى الاسمنت، ثمة مواد كثيرة، كالحصى والزجاج والقضبان والخشب، وقد استخدمت المادة الأخيرة في لوحات عدة، لإظهار بشاعة بصرية مقصودة. ثمة لوحة حملت الكثير من المكعبات، أوحت بالعشوائيات التي تبدو على وجه جبل قاسيون، في حين أدخل أحد الفنانين أسلاكا كهربائية على لوحته، وأدخل آخر صورة فوتوغرافية.
إذا كانت بعض اللوحات تحاول إدانة الإسمنت، وإبراز بشاعته، فإن لوحات أخرى تحاول تجميل هذه المادة، واستخراج قيم جمالية منها.
لكن الإدانة والتجميل شتّتا المتلقي، كما شتته العدد الكبير من الأعمال المعروضة بشكل متلاصق في مكان صغير بالنسبة الى عدد اللوحات المعروضة فيه.
صحيح أن مهند ديب قال إن “فكرة المشرع الرئيسية منذ بدايته هي الدفاع عن التراث الدمشقي من تفشي الإسمنت في دمشق، ولذلك ينبغي التشهير ببشاعته، وإدانته، وإدانة كل من يسعون الى إغراق تراثنا العمراني بالإسمنت”، لكن قسماً من فناني الورشة لم يسمعوا بهذه الفكرة، فقدّموا أعمالاً تشكل خروجاً على مفهوم المعرض وفكرته الرئيسية.
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى