صفحات ثقافية

إدوارد سعيد: المثقف الكوني بين التاريخ والنظرية الأدبية

null
د. يحيى عمارة
الاحتلال والاقتلاع كان لهما أثر حاسم عليه
بين كتابيه ‘الاستشراق’ و’لثقافة والمقاومة’ دشن ادوارد سعيد مشروعه النظري الباذخ بكثير من التأمل والعمق وسبر مجاهل الثقافة الكونية المنشغلة بقضايا الأنسنية والدنيوية.
في هذا السياق، نستحضر بعضا من الرؤى الادواردية المتوهجة في إشكالية المثقف الكوني بين التاريخ والنظرية الأدبية إيمانا منا براهنية ومستقبلية الادواردية في الممارسة النظرية والعملية بشكل عام.
العمدة والذاكرة

لم يكن تقويم إد فاليمي (1) خارجا عن الصواب حينما قال في حق المفكر والناقد الفلسطيني العالمي إدوارد سعيد’أن تستهدف إدوارد سعيد بفأس، معناه أن تهوي على واحد من أكثر الأشجار إثمارا وأناقة في غوطة الفكر الإنساني’ فالمثقف الفلسطيني كان عمدة متجددة أغنت الفكر الإنساني وصوتا سيزداد علوا بمرور التاريخ، فهو الذاكرة المتعددة الأطاريح والأنساق والأحداث والأفكار، له ذاكرة العالم والمفكر والكاتب، كما له ذاكرة الفنان والسياسي والمناضل، حيث ان العدد الهائل من التحليلات والتعليقات والمناقشات الإنسانية التي تقع اليوم في الفكر والفن والسينما والتاريخ والقضايا السياسية الكبرى، تتعبد بصورة طقسية في محراب أفكاره، فالرجل ألف ما يزيد عن أربعة وعشرين مؤلفا، كل واحد منها يعد بحرا عميقا في الطرح والتصور والمنهج والموضوع.هو العقل المتجول بلا توقف، الباحث المنشغل بالذات الجماعية التي تقف سدا منيعا في وجه القوة والبطش، وتقاوم السلطة المتسلطة وتقارع الهيمنة التي تمارسها هذه السلطة على غيرها من بني البشر المظلومين، إنه النص المفتوح على العالم بكل درجاته كما سماه البروفيسور جورج شتاينر ذات يوم، النص المشاكس
والنهضوي والمتمرد على الثقافة الغربية عامة والثقافة المتضمنة لكل عناصر الإمبريالية والهمجية خاصة، حيث تمكن نص إدوارد من اختراق حجب التقاليد الثقافية الغربية التي شيدت على مدى عقود طويلة في القرنين الماضيين، واستطاع أن يحول الأنظار الى ما هو هام وحيوي وكوني مثل حديثه عن القضية الفلسطينية بوصفها القضية الأم والهوية والنموذج في مقاومة الثقافة الإمبريالية، فقد جعلها في صلب المشهد العالمي، حتى انه يمكن القول أحيانا لا يمكنك أن تكون فلسطينيا أكثر من إدوارد سعيد. لأنه كان يحمل فلسطينيته في دمه وفكره ومنفاه، مدافعا صلبا عن حقوق الفلسطينيين في الصحافة والمجتمعات الأكاديمية وأينما حل وارتحل تكون فلسطين قضيته الأولى التي تسبب له الاشتباك مع المؤسسات السياسية والثقافية في الغرب، ونظيرتها من المؤسسات الرسمية في العالم العربي ذات المواقف الباردة.

مفهوم الأدب عند إدوارد سعيد

ينتمي إدوارد سعيد في علاقته بالأدب إلى المنظرين الذين ينخرطون في سياق الإضافة، ويفتحون آفاقا جديدة، تعود بالمتعة والفائدة في عالم الأدب والأدباء، والنقد والنقاد، فهو الناقد الأدبي والباحث في الأدب المقارن، والمنشغل بكيفية انتقال الأفكار وتحولها حيث عمل مدرسا للأدب الإنكليزي والأدب المقارن في جامعة كولومبيا الأمريكية، كما شكل الأدب والفن بالنسبة إليه مستودعا معرفيا ونفسيا ورسالة اجتماعية وسياسية تعوض واقعه المرير على أكثر من حالة. يقول في هذا السياق عن سبب احتكاكه بالأجناس الأدبية والفنية’ إني مقتنع بأنه من خلال الثقافة – من خلال الأدب – وما هو أفضل، من خلال الموسيقى، لأنها لا تتعامل مع الأفكار المحددة ـ إذا راعينا هذا النوع من الاحتكاك، سنساعد الناس في الشعور بأنهم أقرب بعضهم إلى البعض الآخر، وهذا كاف.'(2). لقد ظل مفهوم الأدب عند إدوارد مرتبطا
بالدنيوية التي تجمع بين النص الداخلي والنص الخارجي، والقائمة بالضبط، على اسس العلاقة الحميمية المنبثقة من البعد المقصدي والبعد الجمالي، ذلك بأن نظريته
الأدبية المبثوثة في كل أعماله وفي كل حواراته تنصب بالأساس في هذا السياق. ويعد كتابه ‘الأنسنية والنقد الديمقراطي’ (3) من الكتب المتميزة التي يعرض فيها الأديب المفكر العلاقة بين الموضوعين بأصالة علمية وفهم عميق للنص الأدبي الذي لا يتموضع في خانة واحدة، إما مقصدية أو جمالية، بل هو شيء له علاقات مع الكثير من مظاهر الدنيا-السياسية والاجتماعية والثقافية – التي تتضافر كلها لتكون دنيويته.وما تجدر الإشارة إليه إن مفهومه الأدبي ظل موقفا رافضا لكل الاتجاهات النقدية التي تغرق في دراسة النصوص شكليا وتعزلها عن البنى السياسية والثقافية العامة. ومن الطبيعي جدا، أن يهيمن مثل هذا التصور على نظرية الأدب الإدواردية، لأن الأسباب متعددة والنظرية واحدة، وتجمع هذه الأسباب في حياة منظر عاش تجربة القهر والظلم والطغيان، وعرف حياة المنفى أكثر من خمسة عقود، وتعرف إلى الثقافة التي تنجب من استعمر بلاده، وعمل على طمس هويته انطلاقا من تلك الثقافة، ولأنه وجد ذاته في الثقافة التنظيرية’ التي تعارض الوضع القائم في زمن الصراع، وتناصر المجموعات المهمشة، التي تتعرض للظلم والإجحاف، أي تلك المجموعات غير الممثلة التي تحتاج صوتا يمثلها ويعلن وضعها في العالم.'(4) من هذا المنظور تأثرت نظرية إدوارد سعيد بكل المرجعيات التاريخية والسياسية والاجتماعية والذاتية والثقافية التي تلتقي مع نسقها العام وطرحها الرؤيوي للعالم والوجود والهوية.
فقد قرأ النظرية الفيكوية (5) والنظرية الماركسية والنظرية الدوركايمية والنظرية
البنيوية بكل مدارسها والنظرية الإسلامية، وتعمق في شخصية جوزيف كونراد حتى أحس بألفة عميقة معه، نتيجة نقطة الالتقاء بين الأديبين والمتمحورة أساسا في البحث عن الزمن الضائع كما قال مارسيل بروست، وهو الزمن الذي جعل ذاتهما متوترتين ومتوهجتين توهجا انفعاليا في أدبهما، إبداعا وتنظيرا.وكيف تكون الذات هادئة في إبداعهما، وهما من المنفيين الذين لم يعودوا يملكون وطنا، فغدت الكتابة مكانا للعيش على حد تعبير إد فاليمي(6).ترتبط نظرية الأدب عند الناقد الفلسطيني بمجموعة من المكونات والتصورات يصعب فهم مشروع إدوارد دونها، ويمكن أن نذكر بعضا منها في هذا السياق: المكون الأول يتمثل في ربط الأدب بالتاريخ والعكس صحيح، فتجاهل التاريخ في المشروع الإدواردي يعني التيه في بحر دون بوصلة، لأن التاريخ يشكل بالنسبة لإدوارد الفسحة الثقافية التي تثبت الأرض والوطن والهوية والانتماء، وتفضح الزيف والتزوير والتسلط وما شابه ذلك، ومن ثمة تسهم هذه الفسحة في التغيير والتجديد والبناء الديمقراطي للإنسان. يقول في أحد كتبه (7) متحدثا عن أهمية التاريخ في الإنسانيات التي ظل متشبثا بها ‘إن التغيير هو التاريخ الإنساني والتاريخ الإنساني، كما يصنعه العمل البشري ويفهمه وفاقا لذلك، إنما هو الركن الأساسي لمادة
الإنسانيات’. إذن، يشير إدوارد سعيد إلى أن الأدب والتاريخ يمحصان الدلائل
والترجمات ويساهمان في بناء الأنسنية بوصفها مدخلا رئيسيا للتساؤل والإقلاق
وإعادة الصياغة لكل ما هو يقيني وتقليدي مألوف. ويستلهم المكون الثاني أفكاره من
الوعي النقدي الذي تشكل عند إدوارد، وهذا الأمر ليس سهلا في عالم النقد، خاصة
المنطلق من النقد الثقافي القائم على القراءة والمراجعة والتصحيح والتقويم
البناء، ونجد في هذا الصدد، مراجعته العظيمة للنقاش الثقافي الدائر حول المركزية
الأوروبية وطريقة انتقاده للنقاش’ذلك الانتقاد مكن القراء والنقاد من رؤية البؤس
النسبي الذي تنطوي عليه سياسات الهوية، والسخف الذي ينطوي عليه إثبات ‘نقاء’
الجوهر الأساسي، والزيف المطلق الذي تنطوي عليه نسبة نوع من الأولوية، التي لا
يمكن الجزم بها في حقيقة الأمر، إلى حد التقاليد على كل ما عداه.'(8)فأهمية الناقد
المثقف تكمن ـ بالنسبة إليه – في طرح الأسئلة الديكارتية المنبنية على إشكالية كل ما
هو موجود قابل للشك وإعادة النظر والتفكير، فلا يقين إلا بعد الشك، ولا جديد إلا بعد
تحطيم قوالب الأنماط الثابتة والتعميمات الاختزالية التي تفرض قيودا شديدة على
الفكر الإنساني وعلى التواصل ما بين البشر. ونعتقد بأن كتابيه ‘الاستشراق'(9)
و’الثقافة والإمبريالية'(10) ينطلقان في جوهرهما من هذا المكون، فالكتاب الأول نقد
ثقافي مضاد لكل البديهيات المؤمنة بكل أصولية نزاعة إلى المركزية الأوروبية
بوصفها مصدر إشعاع تغمر بضيائها الثقافات الأخرى، والعلة في ذلك، ما قدمته
الدراسات الاستشراقية التي صعد نجمها في مرحلة تاريخية ترافقت مع التوسع
الاستعماري خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. وفي الكتاب الثاني، تحليل
للخطاب الأدبي الغربي وإعادة النظر في الكثير من المسلمات التي روج لها الخطاب
الغربي في الأجناس الأدبية والعلوم الإنسانية، حيث قام باستكشاف الطريقة التي
يجري بها توظيف المعرفة الأدبية والثقافية والفنية للدفاع عن السلطة وإكسابها
المشروعية.ومن هنا فالكتاب مقاومة نقدية إن صح التعبير لا تستسلم للخطاب دون
مساءلته، وهي ظاهرة قل نظيرها في النقد الثقافي العربي القديم والحديث
والمعاصر. أما المكون الثالث، فيوجد في شخصية إدوارد سعيد وحياته، تلك الشخصية التي أحبت الأدب وأضحت مشغوفة به، لأنه كان وسيلة معرفية وإبداعية تعبر عن حياة المنفى والتفكير السياسي والمجتمعي وكل التجارب المتعلقة بالإنسان الفلسطيني الذي يريد بكل حزم ويقين العودة إلى وطنه الأم، والذي يبتغي كذلك تأسيس شخصية كونية تستشرف آفاقها المستقبلية بدءا بالحوار مع الكونية مرورا بأصالة الهوية وعلمية الخطاب التنويري العقلاني الممنهج، وصولا عند الفكر الإنساني المقاوم الذي يخدم البشرية في كل مكان وزمان خاصة تلك التي تحس بالاضطهاد وعدم الاحترام وتعيش الاغتراب بكل أصنافه. فاحتلال فلسطين من قبل الصهيونية الغاشمة، وتشريد شعب أصيل قد ولد مأساة شخصية في حياة إدوارد وإحساسا دائما مريرا بالنفي والإقلاع وكل هذا كان له تأثير مباشر في نظريته الأدبية ومشروعه الفكري الكوني.

هوامش :

1- ورد هذا الكلام في المجلة العربية للثقافة (آذار/مارس ايلول/سبتمبر) السنة الثالثة والعشرون-العدد الخامس والأربعون محرم 1425هـ – آذار (مارس) 2004، ص56-57.
2- إدوارد سعيد ودانيال بارنبويم، كتاب نظائر ومفارقات استكشافات في الموسيقى والمجتمع، تنقيح وتقديم آراغوز يليمان، ترجمة:د.نائلة قلقيلي حجازي، الطبعة الأولى2005، دار الآداب، بيروت، ص33.
3- كتاب إدوارد سعيد، الأنسنية والنقد الديمقراطي، ترجمة:فواز طرابلسي، الطبعة الأولى باللغة العربية عام2005، دار الآداب للنشر والتوزيع، بيروت.
4- فخري صالح، دفاعا عن إدوارد سعيد، الطبعة الأولى2000، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ص 114.
5ـ نسبة إلى جامباتيستا فيكو المؤرخ والفيلسوف الإيطالي الذي قدم نظرية في علم التاريخ تجعل من الإنسان محور الدائرة ومركزها، فإذا كان الله هو خالق الطبيعة، فالإنسان هو صانع التاريخ.وللتوسع أكثر ينظر في كتاب الدكتورة عطيات أبو السعود، فلسفة التاريخ عند فيكو، الطبعة الأولى1997، منشورات منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر.
6ـ المجلة العربية للثقافة، مرجع سابق، ص56-57.
7- إدوارد سعيد، الأنسنية والنقد الديمقراطي، مرجع سابق، ص27.
8- إدوارد سعيد، تأملات حول المنفى، الجزء الأول، ترجمة:ثائر ديب، الطبعة الأولى باللغة العربية عام 2004، دار الآداب، بيروت، ص19.
9- كتاب الاستشراق، المعرفة، السلطة، الإنشاء، ترجمة:د.كمال أبو ديب، الطبعة الأولى 1981، مؤسسة الأبحاث العربية، دمشق.
10- كتاب الثقافة والإمبريالية، نقله إلى العربية وقدم له، د.كمال أبوديب، الطبعة الأولى 1997، منشورات دار الآداب، بيروت.
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى