صفحات الناس

في سورية.. من يضعف الشعور القومي والوطني ويوهن نفسية الأمة؟

null

إبراهيم درويش

يجري في سورية منذ وصول الرفاق إلى سدة الحكم عام 1963م إسكات الأصوات المعارِضة بمحاكمة أصحابها وزجّهم في السجون، وفق قانون الطوارئ/ لا سيّما الفقرات التي تتحدث عن جرائم “مناهضة أهداف الثورة ومقاومة النظام الاشتراكي”، و”نشر أنباء كاذبة في الخارج من شأنها النيل من هيبة الدولة”، و”إضعاف الشعور القومي أو الوطني وتوهين نفسية الأمة”. لنناقش هذه التهم بهدوء.

أ. تهمة مناهضة أهداف الثورة ومقاومة النظام الاشتراكي:

الثورة التي يتحدث عنها الرفاق الحاكمون، الذين يحاكمون الناس وفق قانون الطوارئ والأحكام العرفية لحمايتها (الثورة)، هي انقلاب 8 آذار عام 1963 على الحكومة الشرعية المنتخبة، وتسلق عسكريين مغامرين ذوي اتجاه معين وانتماء طائفي معين إلى سدة الحكم، في ظل غياب تامّ عن إرادة الشعب ومؤسساته. أي أنهم أبناء لنظام غير شرعي، وبالتالي فإنهم وما يصدر عنهم غير شرعي، كثورتهم غير الشرعية!

ومنذ ذلك الوقت وهؤلاء المغامرون يلعبون بمقدّرات البلد ويعطّلون الحياة الدستورية والقانونية، ويحكمون البلد بالحديد والنار، بذريعة أن البلد في حالة حرب مع العدو الصهيوني، والكل يعلم سخف هذه الحجة وتفاهتها؛ فأي حرب هذه التي يتحدثون عنها، ورصاصة واحدة لم تطلق على العدو منذ “احتل” الجولان عام 1967 وحتى هذه اللحظة؟

وأي حرب هذه التي يتحدثون عنها والعلاقات السرية بين الجانبين أفضل من العلاقة التي تربط الشعب السوري بنظامه؟

وأي حرب هذه التي يتحدثون عنها والحلويات الدمشقية الفاخرة ترسَل لقادة الكيان الصهيوني كعربون صداقة بين النظامين الأسدي والصهيوني؟

وأية حالة حرب بين الجانبين ورأس النظام السوري يعرض الصلح مع الصهاينة بالشروط الصهيونية، حتى إذا شك هؤلاء بنواياه ردّ عليهم بالقول: ليجرّبونا!!

والنظام الاشتراكي الذي يتحدث عنه هذا النظام ويحاكم الناس على أساس معاداته، لم ير الشعب السوري منه سوى المزيد من الفقر والعوز والحاجة، سنة بعد سنة، ويوماً بعد يوم!

أي اشتراكية هذه التي تقضي على الطبقة الوسطى، ميزة سورية وصمام أمانها، وتفقِر الشعب إلى درجة التضحية بالأرواح أمام أفران الخبز ومحطات الوقود؟ أين تذهب غلات سورية وخيراتها وبترولها؟ أليس من حقنا أن نسأل ونعرف؟

وأي اشتراكية هذه التي تطبّق منذ نحو خمسة وأربعين عاماً والمستوى الاقتصادي للمواطن السوري في ظلها يتراجع أضعاف المرات في السنة الواحدة؟

وأي اشتراكية هذه التي تجمع الثروة والخيرات السورية في أيدي فئة قليلة من المحيطين بالرئيس، من أولاد أخواله وأعمامه وأنسبائه، فضلاً عن إخوته، على حين غالبية الشعب السوري تركض من الصباح إلى المساء بحثاً عن ضروريات الحياة ولا تكاد تؤمّنها؟ بل إن عشرات الآلاف من السوريين لا يجدون رزقهم إلا في حاويات القمامة؟ أي اشتراكية هذه؟ اشتراكية السلب والنهب وإذلال الناس وإفقارهم؟

مَن أولى بالمحاكمة؛ في ظل هذه الأوضاع الشعب السوري المظلوم؟ أم النظام السوري الظالم؟

ب. إضعاف الشعور القومي وتوهين نفسية الأمة:

أتساءل هنا ومعي كل الشعب السوري:

مَن أضعف الشعورَ القوميَّ وساهم في توهين نفسية الأمة؛ المواطن السوري، أم النظام السوري الذي وقف مع الفرس الصفويين طوال ثماني سنوات في حرب ضروس ضد العراق الشقيق، وغذى هذه الحرب العبثية بكل ما تحتاجه من قوت الشعب السوري وبالسلاح والخطط والخبرات والمؤامرات؟

ومَن أضعف الشعورَ القومي وساهم في توهين نفسية الأمة؛ المواطن السوري، أم النظام السوري الذي حاصر الفلسطينيين في مخيمات(برج البراجنة والمية ومية والنهر البارد وتل الزعتر وغيرها) بلبنان وألقى عليهم من حمم نيرانه ما ألجأهم إلى أكل القطط والفئران؟!

ومَن أضعف الشعور القومي وساهم في توهين نفسية الأمة؛ المواطن السوري، أم النظام السوري الذي نهب لبنان وضرب وحدته الوطنية ومكن من رقاب اللبنانيين فئات ذات انتماءات وولاءات غريبة عن لبنان ومحيطه العربي والإسلامي؟

ومَن أضعف الشعورَ القومي وساهم في توهين نفسية الأمة؛ المواطن السوري، أم النظام السوري الذي انضوى تحت الراية الأمريكية عام 1991م ضد رفاقه العراقيين؟

مَن أضعف الشعور القومي وساهم في توهين نفسية الأمة، المواطن السوري؛ أم النظام السوري الذي ظل يتاجر بالصمود والتصدي والممانعة والتوازن الاستراتيجي مع العدو الصهيوني طوال ثلاثين عاماً أو أكثر، ثم اكتشف العرب أنهم كانوا ضحايا دعايات نظام لا يتقن إلا الكذب والمراوغة والتمرّغ على أعتاب الصهاينة في مدريد وأوسلو وأنقرة وواشنطن..

ج. إضعاف الشعور الوطني:

مَن يُضعِف الشعورَ الوطنيَّ، ويوهن نفسية الناس في سورية؟ النظام الذي يرفع شعارات براقة خداعة ويعمل كل ما فيه ضرر الشعب والأمة؟ أم الشعب الذي يطالب بالحد الأدنى من الكرامة الإنسانية المهدورة في ظل الأوضاع السائدة هناك؟ وأقصى مطلبِه أن يعامَل معاملة إنسانية في وطنه؟

من الذي أضعف الشعور الوطني في سورية؟ أبناء سورية البررة، الذين قالوا:

لا للظلم والاضطهاد والتمييز العرقي والطائفي، ولا للسلب والنهب لخيرات البلد.. فتعرضوا نتيجة ذلك للإعدام والتصفيات الجسدية والحرمان من الحقوق المدنية والسياسية..؟ أم النظام الذي يحكم شعبه بالحديد والنار والقانون 49 لعام 1980 وقانون الطوارئ، ويفقره ويستكثر عليه اللقمة الهنية؟

ومَن يُضعِف الشعور الوطني، ويوهن نفسية الناس في سورية؟ الشعب السوري، الذي فقد في سجون النظام الحاكم عشرات الآلاف من خيرة أبنائه، بين معدوم ومجهول المصير ومريض بأمراض مزمنة، وانعدمت لديهم الفواصل والفروقات بين الموت والحياة؟

أم ذاك الحاكم الذي ورث عن أبيه سورية بكل ما فيها من بشر وخيرات وتاريخ وجغرافية واجتماع واقتصاد.. كما يرث أحدُنا عن مورّثه مزرعة بما فيها!؟

ومَن يُضعِف الشعور الوطني، ويوهن نفسية الناس في سورية؟ ذاك النظام الذي يعامل أبناء شعبه الكرد معاملة عنصرية مقيتة، بإسقاط الجنسية عنهم ومصادرة أملاكهم وأراضيهم وتوزيعها على مهجّرين إلى مناطقهم من مناطق بعيدة، وحرمانهم من حق العيش والتعليم والتوظيف والتملك والعلاج والسفر.. أم ذاك المواطن الذي يغالب الموت بحياة هي أقسى من الموت، ولا يحس بالكرامة إلا خارج وطنه وأرضه؟

مَن أولى بالمحاكمة؛ أحرار سورية المصابرون؟ أم نظام دمشق، الذي أقلّ ما يمكن أن يوصَف به أنه غير شرعي وغير دستوري، وخرّب الوحدة الوطنية وميّز بين المواطنين على أساس عرقي وطائفي ومذهبي، ونهب المال العامّ والخاص، وقرّب محازيبه وأزلامه وأبناء طائفته، ودمّر الاقتصاد السوري، كما دمّر ذمّة المواطن السوري بأن حوّل نصف الشعب السوري جاسوساً ومخبراً على النصف الآخر، وفرّط بالأرض السورية في الجولان والإسكندرونة، وخلق العداوة والبغضاء بين الشعب السوري من جهة والشعب اللبناني والعراقي والفلسطيني من جهة أخرى، وأطلق يد الفرس الصفويين في طول سورية وعرضها وارتمى في الحضن الإيراني، وارتهن لإرادة من لا يرعى إلاًّّ ولا ذمة في العرب والمسلمين؟

وبعد:

في ظل هذه الأوضاع والظروف: هل من الطبيعي أن يلجأ السوريون إلى أي وسيلة شريفة يستردّون بها كرامتهم من أناس بينهم وبين الشرف بُعدُ المشرقين والمغربين؟ أم أن يخضعوا ويخنعوا ويتجرّعوا الذلّ والهوان ويعدّوا ذلك قدَراً مقدوراً؟؟


الناطق الرسمي باسم وحدة العمل الوطني لكرد سورية، المشرف على موقع
syriakurds.com


مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى