صفحات ثقافية

‘الرواية والنقد’ معادلة غير متكافئة في مهرجان العجيلي الخامس للرواية العربية في الرقة

null
أنور بدر
الرقة ‘ القدس العربي’ انعقدت ما بين 7-10/12/ 2009 في مدينة الرقة فعاليات مهرجان العجيلي الخامس للرواية العربية، بمشاركة أربعين روائياً وناقداً جاؤوا من مختلف الأقطار العربية، إضافة لوفد تركي، كان من المفترض أن يشتغلوا جميعاً تحت عنوان ‘الرواية والنقد’ كمحور تطبيقي لهذه الدورة، إلا أنه كعادتنا في المهرجانات والمنتديات العربية، نلقى دائماً من يخرج عن موضوع المنتدى إلى هواجسه الذاتية. من دون أن تلغي هذه الملاحظة إشكالية العنوان السابق، باعتباره يجمع طرفي المعادلة الإبداعية أو جناحيها المتكاملين، وكما قالت الدكتورة والروائية شهلا العجيلي: إن شعوباً بلا نقد هي شعوب بلا كتابة، لكن الروائي نهاد سيريس أراد أن يضفي على ذلك شيئاً من حكم القيمة، فاعتبر غياب النقد مؤشر تخلف، مضيفا أنه: يمكن الحديث عن الرواية في كل دول العالم إلا في سورية، واعتقد أن سبب ذلك يعود إلى أننا نتخلف ولا نتقدم في هذا المجال.
تضيف الروائية ابتسام تريسي: على الصعيد الشخصي اعتقد أنني ضمن مجموعة الكتاب المهمشين نقدياً، بعدما أضحى الكتاب سلعة استهلاكية تتطلب نوعاً من الدعاية والتسويق.
لكن الروائي خيري الذهبي يرى إشكالية النقد منذ السبعينات، حين سيطرة النزعة الأيديولوجية، مستشهداً بكتاب ‘الأدب والأيديولوجيات’ في سورية، لكل من أبو علي ياسين ونبيل سليمان، مضيفاً أن دور اتحاد الكتاب العرب في تلك الفترة صنع نقاداً أو كتاباً باستخدام ‘سرير بروكست’.
الروائي ممدوح عزام قارب المسألة بتمييزه بين النقد، الذي يهتم بكيفية الكتابة والنقد الذي يتوقف عند موضوع الكتابة، مؤكداً: أنني لم أقرأ بعد في أي نقد قُدّمَ عن رواياتي، قولاً في الكتابة الروائية، أو عن الكيف، أو عن التقنيات التي اخترتها للكتابة، لأن جلّ ما يكتب في النقد ينصرف إلى الموضوع.
وكاتب مثل نبيل سليمان حظيَّ منجزه الروائي بإضاءات مهمة، إلا أنه تحدث أيضاً عن عتمات النقد، وما كابده جراء ذلك خلال أربعين عاماً: من القراءة المطابقة، إلى العصبوية والشللية، إلى التعالي والرطانة والتعالم، وصولاً إلى الجهل، مضيفاً أن محاولاته النقدية يسّرت له دراية بأنواع القراءات النقدية، التي يصنفها في باب القراءة الراغبة حد الإيروسية، وباب القراءة المؤسطرة والمشوهة التي تطمس النص لصالح ما هو خارجه، إضافة لشهادة الكاتب عن روايته، حيث يفيض بالتنظير، مهشماً كل قواعد النقد ومفاهيمه.
وإن بدت إشكالية النقد فيما سبق إشكالية محلية أو سورية بدرجة ما، إلا أن الروائيين العرب الذين شاركوا في هذا المهرجان لم يكونوا أقل عدائية للنقد، فها هو الروائي الليبي محمد الأصفر يشير إلى القطيعة بين العالمين: كل النقاد الذين خارج الرواية لا يستطيعون مقاربة الرواية إلا إن دخلوا إلى داخلها… ويضيف فيما يخص تجربته: عندما أختلي بنفسي وأبدأ في ممارسة الكتابة، أطفئ أنوار النقد، وأدخل إلى ظلام اللغة’.
الروائي المغربي الميلودي شغموم كان أقسى في هجومه على النقد، فإن كان مديحاً وضعك في مأزق أن تصبح طاووساً ينفخ ريشه ليظهر بهاءه، ولكنه يُعرّي شيئاً أقبح، وإن كان ذماً فقد ينتف ريشك مبكراً جداً، ناقد عديم الذمة، أو زميل احترف الاغتيال الأدبي في محاولة منهما بلا معنى، لكي يمنعاك من أن تطير إلى جانبهما.
ثم يقسم النقاد إلى أربعة أصناف، الأول قرأ من النظريات أو الأيديولوجيات أكثر بكثير مما قرأ من الروايات، ولا يهمه من الرواية أو النص سوى أن يجد فيها مناسبة لتمرين أو لتأكيد شيء من النظرية أو الأيديولوجيا. الثاني يوظف لغة واحدة خالية بما يكفي من العلم أو الذوق، في قراءته لكل النصوص. الثالث يقوم بقراءة إشكالية بتوصيفها ما يعتقد أنه أخطاء وتجاوزات، ولا يهتم بالتذوق ولا بالمعرفة ولا باللغة. الرابع وجداني أو جواني خالص، لا تهمه إلا العواطف والانفعالات، متخذاً من حدسه وحسه الشخصي معياراً كونياً لا يشق له غبار. ويضيف شغموم: أن هؤلاء النقاد مساكين… هم الذين تملأ أغلبيتهم صفحات الجرائد والمجلات والكتب، والكثير منهم مسكين قد أصابته حرفة الأدب، مستدركاً في النهاية أن الساحة لا تخلو من نقاد قرأوا العديد من النصوص الأدبية حتى تكوّن لديهم ذوق أدبي خاص، وأمعنوا في النظريات حتى صار لهم وعيهم المعرفي المتميز، وعرفوا اللغة وخبروا الأشكال.
وحده الناقد والروائي التونسي محمد ألباردي هرب من هذه المعركة باتجاه العلاقة بين الروائي والناقد وحضورهما في تجربته، مشيراً إلى أثر الوعي النقدي لديه في اللحظة الإبداعية للكتابة.
غير أن الهجوم الأعنف على النقد الروائي جاء من قبل الاتجاه النسوي في الكتابة والنقد، إذ يقوم هذا الاتجاه أصلاً على رفض المركزية الثقافية التي تأسست بوعي ذكوري، وقد أشارت الدكتورة شهلا العجيلي في ورقتها إلى بروز اهتمامات نقدية جديدة في هذه المرحلة باعتبارها مرحلة خصوصيات ثقافية، يتم فيها تسليط الضوء على البنى المواجهة للمركز في سياسات ثلاث للهوية، وهي: النسوية، القومية، والاثنية /الدينية’
أي أن النسوية هي احدى معاقل حداثة الهوامش مقابل المتن الذكوري، لذلك تصّر الدكتورة رفقة دودين من الأردن على مفهوم الاختلاف في دراسات ما بعد الحداثة، مؤكدة أن المرأة ستبقى الآخر، ليس بمعنى التعالي، بل بمعنى تمكين النساء من الوقوف في وجه الثقافة المهيمنة ونقد أعرافها. لذلك هي تطالب بنقد نسوي وليس كتابة نسوية فقط، كون مؤسسة النقد السائدة تحاكي في مجمل الإنتاج الأدبي المؤسسة الذكورية بكل أعرافها البحثية الصارمة، التي ترفض الاختلاف وتُقصي الآخر الذي هو المرأة.
بدورها الناقدة اللبنانية يسرى مقدم تذهب إلى أن اللغة جزء من البنية والنظام الثقافي الذكوري، فاللغة التي أنتجتها هذه الثقافة تشكل حاملاً لتقاليد وأعراف المؤسسة الذكورية الاستعلائية، لذلك نراها مشحونة بكل ما هو مضاد للنسوية في الثقافة وللأنثى في المجتمع والحياة.
الروائيتان علوية صبح من لبنان وسميحة خريس من الأردن لم تخرجا من مدار الكتابة النسوية في رفضها للمؤسسة النقدية السائدة، كما توقفتا مع ظاهرة تلصص الناقد على سيرهن الشخصية من خلال رواياتهن، فكل ما يكتبن من أحداث وحكايا يتحول عند ذاك الناقد إلى جزء من سيرة ذاتية قابلة للاتهام، وبشكل خاص فيما يتعلق بالعلاقات الجنسية، تقول الكاتبة ابتسام تريسي: تعوّد بعض النقاد، إن لم يكن الكثير منهم، أن يبحثوا عن السيرة الخاصة للكاتب في أعماله الإبداعية، وهذا يشكل نوعاً من السلطة القمعية في بعض الأحيان برأي الكاتبة.
*****
الأوراق الأخرى التي قدمها النقاد ابتعدت عن خوض المواجهة مع الاتهامات التي كالها الروائيون بشكل عام لغياب النقد أو تخلفه، فاكتفى بعضهم بالاشتغال على محور النقد التطبيقي، جاهداً ليؤكد حضوره في هذا الميدان. فتابع القاص إسماعيل مروة العلاقة بين عبد السلام العجيلي ومدينته الرقة، فيما ذهب القاص خطيب بدلة إلى زاوية اهتمامه الأولى راصداً بعض جوانب الفكاهة في شخصية العجيلي، التي قلما يشار إليها.
الباحث ولات محمد درس العتبات النصية في رواية نبيل سليمان ‘في غيابها’ من خلال العنوان، والاستهلالات التي وضعها الكاتب في روايته، مؤكداً أن ‘العتبات النصية ليست تزييناً كما قد يظن ظان، وليست استعراضاً من الروائي لمخزونه الثقافي، بل هي تبئير لرؤية المؤلف، وتوجيه القارئ نحو قراءة معينة للرواية’.
بعض العناصر الجمالية والدلالية في أدب ممدوح عزام شكلت محاور اشتغل عليها الناقد الأكاديمي جهاد عطا نعيسة، منطلقاً من محورية المكان كجغرافيا ومجتمع ولهجة وعادات وتقاليد، كإرث ثقافي وهوية، اشتق منها الروائي مجمل العناصر الدلالية في نصه السردي، بينما في المستوى الجمالي حاول استعادة حضور الشخصيات في روايته، مع إعطاء أهمية مركزية للحكاية في سياقاتها وصياغاتها المحلية، بما تتضمنه من سخرية أو تهكم من مرارات الواقع والحياة.
أوراق نقدية مهمة نحت باتجاه الدراسات النظرية الحديثة للرواية، فاستعار الدكتور فايز الداية مصطلح النقد الدرامي لدراسة نماذج من الروايات الكويتية لإسماعيل فهد إسماعيل أو سليمان الشطي، وصولاً إلى دراسة البنية الدرامية في أدب خيري الذهبي. في حين أخذنا الناقد اليمني الدكتور عمر عبد العزيز إلى دراسة الواقعية السحرية كما تجلت في روايات غارثيا ماركيز وأدب أمريكا اللاتينية عموماً، وذهب مواطنه الروائي محمد الغربي عمران باتجاه رصد أهم الأصوات في تطور الرواية اليمنية واتجاهات الكتابة في كل مرحلة من مسار تطورها.
الدكتور معجب العدواني من السعودية درس العلاقات التناصية بين الرواية المعاصرة والتراث السردي العربي القديم، وأهمية مفهوم التناص في التأسيس لسرديات عربية معاصرة، بينما درس الكاتب والناقد محمد باقي محمد من سورية سؤال الرواية بين التراث والمعاصرة، وسؤال النقد كذلك، ليخلص إلى أن الرواية العربية لم تكتفِ بالتأصيل، بل خاضت معركة الحداثة باقتدار، فيما ذهب النقد باتجاه المؤثرات الغربية أكثر، قاطعاً مع أي حضور مرجعي للترييث النقدي العربي في اشتغال النقاد العرب.

الباحث خيري دوما من مصر درس دلالات وآليات استخدام ضمير المخاطب في السرد العربي الحديث، بينما استعاد الدكتور إبراهيم فتحي من مصر معارك النقد الجديد مع الواقعية النقدية التي سادت منتصف القرن المنصرم، وصولاً إلى التيارات الغربية ذات المنحى التجريبي كالبنيوية والتفكيكية, مؤكداً أن الرواية في مصر تطورت بمعزل عن تلك المعارك النقدية، أما الناقد حسين حمودة فقد استعاد مفهوم ‘زمن الرواية’ الذي شكل ساحة عراك بين الدكتور جابر عصفور ومثقفي أمة تعتبر الشعر ديوانها الأول، مؤكداً انتصار الرواية في قدرتها على استيعاب تقنيات سردية مختلفة أقرب إلى منجزات العصر.
وحده الناقد المغربي الدكتور شعيب حليفي، الذي رصد بواكير الحركة النقدية في المغرب وتطورها منذ ثلاثينيات القرن المنصرم حين استدعت الإرث الثقافي العربي بشقيه: الإرث المغربي الأندلسي والإرث المشرقي العربي، مع مساحة أكبر لاحقاً لاتجاهات المثاقفة مع الفرنكفونية على وجه الخصوص، من دون أي إشارة إلى وجود إشكالية بين النقد والاتجاهات السردية في المغرب.
فيما ذهبت الدكتورة نورة القحطاني من السعودية في دراستها الاستقصائية للعلاقة بين ‘النقد الروائي العربي والرواية الشبابية’ إلى تأكيد القطيعة بين جناحي المعادلة في أغلب المجتمعات العربية التي تناولتها، مؤكدة أن هناك منتجاً روائياً متواتراً لم يستطع النقد مواكبته، وترصد أسباب ذلك:
صمت النقد أمام الطفرة الروائية الشبابية.
2- غياب النقد المنهجي للرواية الشبابية.
3- دور المؤسسات الأكاديمية العربية التي يرفض أغلبها إدراج الدراسات حول الرواية العربية في مناهجه.
4- الأحكام العامة التي يطلقها النقد الصحفي.
بالطبع نخلص نحن إلى استنتاجات عامة مشابهة نتيجة كل الأوراق التي تابعناها، تفيد بأن الرواية العربية ما زالت تتطور، رغم كل المعوقات الاجتماعية والأكاديمية والمعرفية التي تقف في وجهها كجنس أدبي أخذ يحتل المساحة الأكبر من المشهد الإبداعي، ونخلص كذلك إلى ذهاب النقد وراء تقصي إشكالات عامة تبتعد عن المقدمات النقدية في إرثنا العربي، ولا تهتم بالإبداع الروائي الشبابي، أو بالنقد التطبيقي كاتجاه عام.
القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى