صفحات من مدونات سورية

دخول الفايسبوك ليس كالخروج منه

لا أعرف إن كان القرّاء الذين يتابعون هذه المقالات (عبر الصحف الورقيّة) بارعين في استخدام الإنترنت وضليعين في التعامل مع أحدث تقنيات هذه الشبكة وآخر ابتكاراتها، أو إن كانوا من المدمنين على الدردشة والتراسل عبر الرسائل أو الفايس بوك. شخصيًّا لست كذلك، وإن كان لا ينقصني الفضول لدخول متاهاتها وسبر أغوار عالمها السريّ، وغالبًا ما أخضع لرغبات هذا الفضول وأسعى لإشباعه.
ولا تتأخّر المفاجآت التي تقفز أمامي على الشاشة عن إشعاري بأنّني مهما أسرعت في سعيي لحلّ ألغازٍ حيّرتني، فالشبكة أسرع منّي بما لا يقاس في اصطياد دهشتي وإثارة خوفي في الوقت نفسه. فلنأخذ مثلاً قد لا يعرف عنه كثيرون منكم وهو كيف تلغي اشتراكك في سجلّ الفايس بوك. فليس الأمر سريعًا وسهلاً كما ظننت في البداية، فدون خروج أحدنا من هذا العالم السحريّ الخطير محطّات وأسئلة واستجوابات قد تجعله يعود على أعقابه ويلغي فكرة إلغاء اسمه من هذه الشبكة.
فما أن تشير إلى أنّك تريد إلغاء اشتراكك حتّى تظهر أمامك على الشاشة عبارة تسألك إن كنت واثقًا من ذلك، وعندما تصرّ على جوابك، تظهر عبارة تعلمك أنّ أصدقاءك سيشتاقون إليك وإلى معرفة أخبارك وتظهرهم لك جميعهم لعلّك تضعف أمام صورهم وأسمائهم وتغيّر رأيك. وإذا لم تنفع هذه المحاولة يظهر سؤال يطلب منك أن تحدّد السبب الذي يجعلك تقدم على هذه الخطوة، تليه مجموعة عبارات هي بمثابة احتمالات أجوبة لتساعدك على أن تختار من بينها الجواب الذي يلائم وضعك، وكلّما اخترت جوابًا ظهرت أمامك خانة فيها تعليمات تذلّل المشكلة التي ذكرت أنّها السبب، وتطلب منك أن تضغط على عبارة تحوّلك إلى صفحات فيها “مزيد من المعلومات”. وإن لم يكن السبب الذي من أجله تلغي اشتراكك مذكورًا، عليك أن تشير إلى ذلك وتشرح السبب في خانة خاصّة.
ولا ينتهي الأمر عند هذا الحدّ، فالشبكة تريد التأكّد من أنّ الشخص الذي دخل إلى الشبكة هو نفسه من يريد الخروج منها، فتبدأ مرحلة جديدة هدفها اختبار صبرك فتظهر أمامك كلمات مكتوبة في شكل غامض وملتبس للنظر والفهم، عليك أن تعيد طبعها في خانة أخرى. وإذا لم يكن النسخ صحيحًا تلغى العمليّة كلّها لتعود من حيث بدأت.
ولكنّ التحليل النفسيّ لاحتمالات الأجوبة التي تبرّر انسحابك هي التي تخيف إن كنّا نعرف أنّ ملايين المراهقين والغارقين في الوحدة هم أكثر الناس استخدامًا لهذه الوسيلة لكي يجمعوا الأصدقاء. فهناك جواب يقول: أجلس طويلاً أمام الإنترنت، ثمّ كما أشرنا سابقًا يظهر الحلّ السحريّ الذي يعلّمك كيف تتحكّم بوقتك. وهناك جواب يقول: لا أعرف كيف أستخدم هذه الشبكة بشكل جيّد. وطبعًا يأتي الجواب التعليميّ الذي يحلّ المشكلة. أمّا إذا كان جوابك يقول: هذا القرار مؤقّت وسأعود عنه قريبًا. فستجري محاولة لتغيير رأيك عبر عبارة تقول لك ما معناه: تجاهل أمر اشتراكك هذا وعد إليه عندما تريد. وإذا أصررت على موقفك، يلغى اشتراكك أخيرًا مع عبارة تطمئنك إلى أنّك تستطيع العودة ساعة تشاء مستخدمًا الرقم السريّ نفسه، مع الرجاء ألاّ تتأخّر كثيرًا في العودة.
بربّكم، هل ثمّة مراهق يجد هذا الصبر (المثير للأعصاب) في الحديث مع أهله؟ وهل ثمّة أهل يقدّمون هذا الوقت لأولادهم كي يقنعوهم بأمر ما. لو كان ذلك موجودًا خارج شبكة الإنترنت لما ترك أحد متعة الجلوس مع أهله وأصدقائه ليجلس مع آلة مبرمجة لخدمته فصار أسيرها وابنها وصديقها وعشيقها والمدمن على حنانها.

http://mariekossaifi.blogspot.com/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى