صفحات ثقافيةعارف حمزة

تصفية حساب مع عدالة ظالمة

null
دمشق ـ عارف حمزة
تعتبر رواية ” لو كان لشارع بيل أن يتكلم ” الرّواية الوحيدة المترجمة، حديثاً عن الهيئة العامة السوريّة للكتاب، إلى العربيّة للكاتب الأميركي الأسود جيمس بالدوين (1924 1987). وإذا كان القارئ سيشعر، بعد انتهائه من قراءة الرواية، بكل تلك الخفـّة والمتعة والتجديد..، رغم الكميّة الهائلة من المعاناة والألم والظلم الذي تحويه أحداث الرواية، فلا بدّ له من أن يتساءل عن سبب تأخّر ترجمة عمل هذا الكاتب، (المعروف بنضاله الكبير في مجال حقوق الإنسان وتكنيكه الجيّد في الكتابة) إلى العربيّة على الرغم من أنّ العمل الذي بين أيدينا قد صدر لأول مرّة بلغته الأم في عام 1974، أي أنّ ذلك التعرّف على أجواء كاتب جيّد وممتع مثل بالدوين قد تأخّر لأكثر من ثلاثين عاماً. ويُمكن أيضاً أن يتساءل عن سبب عدم ترجمة بقيّة أعماله، خاصة إذا عرفنا من المقدّمة التي وضعتها مترجمة العمل رفيدة فوزي الخبّاز أنّ رواية بالدوين الأولى التي صدرت في عام 1953 تحت عنوان ” اصعد الجبل وتحدّث عن ذلك “؛ التي تتحدث عن معاصٍ خفيّة وآثام وعذابات دينيّة أثناء تجربة بالدوين كقسّ وواعظ للناشئة في كنيسة صغيرة عندما كان في الرابعة عشرة من عمره، هي التي أعطته الشهرة المبكـّرة كروائيّ. وبأنّ روايته ” النار في المرة القادمة”، التي صدرت في عام 1963، والتي تتناول حركة المسلمين السود في أميركا، كانت الكتاب الأكثر مبيعاً من بين كتبه. وهذا يعني أنّ هناك روايات أخرى، ضمن أعماله الروائيّة والقصصيّة والمسرحيّة للناشئة والكبار والتي زادت عن سبعة عشر عملاً أدبيّاً، كان من الممكن ترجمتها، قبل هذا العمل ربما، قد تناسب فهم تعدّد طبقات الكتابة والتحوّل الذي أصاب تقنيّات كتابة بالدوين مع توالي إصدار الروايات وتوالي اكتساب الخبرة والحكمة مع تقدّمه في الشهرة والسن.
تدور أحداث هذه الرواية، حول قصّة حب تنشأ بين مراهق أسود، ألونزو هانت الملقّب بفوني، ومراهقة سوداء، كليمنتاين والملقّبة بتيش، في أحد أحياء نيويورك التي تحوي الملوّنين. ولكنّ الرواية لا تبدأ كالعادة حول حياة كلّ منهما أو عائلتهما أو الحيّ الذي يعيشان فيه ودوافع الحب والانجذاب..، بل تبدأ بزيارة تيش لحبيبها، ووالد جنينها الذي مازال في أسابيعه الأولى في رحمها، (فوني) في سجن المقاطعة. لذلك الرواية مكتوبة بلسان الأنثى تيش. وهذا ما أبدع فيه بالدوين في تفكيك مشاعر المراهقة والأم الحامل والعاملة في محلّ للعطور والخائفة على حبيبها من التعذيب والموت في السجن، والمقهورة بسبب قلـّة حيلتها وفقرها لإنقاذه من جريمة لم يقم بارتكابها على الإطلاق.
ستحدث جريمة اغتصاب لامرأة من بورتوريكو، في مكان مظلم من البناء الذي تسكن فيه، ولن يكون أمام نيابة المقاطعة والمكوّنة من الضباط البيض، بعد الافتراء من الضابط (بيل)، الذي لفـّق التهمة واخترع شهوداً للاتهام، المسؤول عن أمن الحيّ الذي يسكنون فيه، سوى اتهام فوني الذي تجرّأ يوماً وتحدّى الضابط بيل. ستقول المرأة المغتصبَة بأنّ من اغتصبها شخص أسود. وستقوم نيابة المقاطعة بعرض مجرمين، كلهم بيض سوى فوني الاسود، أمامها كي تتعرّف على الفاعل. وبما أنّه لم يكن هناك سوى فوني الأسود، فقد أشارت إليه واكتملت اللعبة حتى نهايتها المأسويّة بزجّ فوني البريء في السجن لمجرّد أنّه أسود؛ وكأنّ هذا اللون وحده يعتبر دليلاً كاملاً على الجريمة وبالتالي العقاب! وتتوالى محاولات عائلتي فوني وتيش في الصراع من أجل تأمين النقود، حتى ولو بالسرقة، والشجاعة والصبر والأمل والحنكة… مع المحامي الأبيض (هيوارد)، وهو يبدو الأبيض الوحيد الجيّد هنا، من أجل الحصول على البراءة لفوني الذي لم يرتكب أيّ جرم.
وهكذا تدور أحداث الرواية حول أكوام الضغينة التي يحملها الأبيض تجاه الأسود. عن نظرته المسبقة بأنّ الأسود يجب أن يموت طفلاً من الجوع أو المخدرات أو أن يموت كبيراً من التعذيب في السجون. وبكتابة هكذا رواية، وخطب وروايات سابقة ولاحقة، يبدو الأمر كتصفيّة حساب من قبل الأسود ضد الأبيض هذه المرة. وبمعنى آخر، فإنّ الأبيض الذي استخدم الأسلحة والسجون والتهم والتجويع والمنع، والطرد، من الوظائف مهما قلّ شأنها… ضد الأسود، يردّ عليه الأسود بوسيلة سلميّة، كما المظاهرات والاضرابات، هي كتابة الروايات.
جمل كثيرة نعثر عليها في متن الرواية تتحدث عن الهويّة والعنصريّة والعنف التي تـُدين أميركا ووهم الديمقراطيّة فيها. ” كانوا أحراراً إلى درجة أفقدتهم إيمانهم بأيّ شيء، وأعمت بصائرهم عن رؤية أنّ هذه الحريّة هي محض وهم يعيشونه، بل أنّ هذا الوهم هو الحقيقة الوحيدة التي يملكونها”. أو ” لا أظن أنّ أميركا أعطية من الرب لأحد كائناً من كان”. وكذلك ” كل مَن اكتشف حقيقة أميركا، يستحقّ أن يُساق إلى موطنه، ويبقى هناك مكبّلاً بالسلاسل، حتى الموت “. كما نعثر على جمل في العشق والإخلاص والانتظار والبؤس، كسبيل للخلاص وإنقاذ الأبرياء.. خاصة عند تيش الضعيفة التي تذهب كلّ يوم في السادسة مساء لزيارة حبيبها كي لا يموت وحيداً وضعيفاً في السجن: ” لا أريد لأحد في العالم أن ينظر إلى مَن يحب عبر الزجاج “. أو هذه الجملة التي يتضح من خلالها الفرق بين حياة من ننتظره كي يخرج من السجن وبين حياتنا التي تجري نظريّاً خارج السجن “وقفتُ، وابتسمتُ، ورفعتُ يدي. استدار هو نحو الجحيم (عائداً لسجنه). ومشيتُ أنا باتجاه الصحراء الكبرى”.
تشبه هذه الرواية قطعة سوداء من الحياة. كما أنّها تشبه تلك الروايات التي تقرأ في القطارات التي تذهب إلى أماكن بعيدة. إذ أنّ القارئ يغرق فيها وينسى المسافة وكذلك الوقت لشدّة ما هي لذيذة وممتعة ومؤلمة ومؤثـّرة وبسيطة وعنيفة.. وكل ذلك يأتي بأسلوب يتخفـّف من التأليف والفذلكة اللغويّة المبنيّة على الحقد الأعمى؛ بل على الحق في الحياة على الأقل. تلك اللغة التي، لشدّة بساطتها، تبدو راهنة وواقعيّة وتشبه الحياة تماماً. ولكنـّها، من جهة أخرى، تختلف عن الروايات التي نقرأها في القطارات والمترو إذ لا بدّ، عندما نصل إلى المحطة التي نريد، أن نأخذها معنا إلى البيت كي نقرأها من جديد أو يقرأها أحد ما. لا أن نتركها مرميّة ومهملة هناك في المترو.
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى