صفحات مختارةميشيل كيلو

وحدة وطنية راسخة

ميشيل كيلو
عام ،2005 طالب تاجر من دين سماوي يدعو للمحبة والسلام، بدين له في ذمة زبون يؤمن بدين سماوي آخر يقول بتأدية الأمانات إلى أصحابها ويحرم قتل النفس، فما كان من الثاني إلا أن شن هجوما عاما على منزل وحارة الأول، بدعم من أسرته المسلحة، فجوبه بمقاومة مسلحة ضارية من الأول وأسرته، وسقط عدد كبير من القتلى والجرحى من الطرفين في معركة دارت على مرحلتين فصلت بينهما أيام قليلة . بعد المرحلة الأولى، صرح ناطق حكومي أن ثمة وحدة وطنية راسخة تسود بلاده، لا تتأثر بأحداث عابرة كالتي جرت . وأضاف أن الحكومة قررت اتخاذ تدابير مهمة لمنع تكرار “سوء التفاهم” الذي وقع . بعد المرحلة الثانية، التي أخذت شكل حرب أهلية مصغرة، قال المحافظ: إن ما جرى أكد عمق الوحدة الوطنية ورسوخها .
في العام نفسه، وفي عصر يوم ربيعي جميل، زار رجل من قرية تقع قرب ساحل بحر عربي بيت صديق له في قسمها الآخر، تصاحبه زوجته . خلال الزيارة، انتقدت زوجة المضيف مذهب زوجة الضيف، فما كان من هذه إلا أن أمرت زوجها بمغادرة المكان وهي تعلمه بما حدث . ذهب الصديق إلى بيته، ثم عاد وبيده بندقيته الآلية، ليقتل تسعة من أسرة صديقه ويجرح ثلاثة . لم يعلق أي مسؤول على الخبر، ليس لأنه لم يقع، بل لأنه لا يجوز أن يقع، فإن حدث ووقع، كان السكوت على وقوعه دلالة رسوخ الوحدة الوطنية، التي يضيرها الإعلان عنه ويكفي لتفادي ضرره الامتناع عن إعلان حدوثه . هنا أيضا، من ثوابت الكلام المكررة أحاديث رسمية تشيد برسوخ الوحدة الوطنية، رأس مال الوطن في دفاعه عن حريته .
حين يطالب تاجر زبوناً بدين يرفض هذا تأديته، يتم الذهاب إلى القضاء . وحين تختلف امرأة أمية جاهلة مع امرأة أخرى أمية وجاهلة، يحتكم الرجال إلى عقولهم، فإن كانوا بلا عقول، احتكموا إلى بعض من يتوسمون فيهم الدراية والخبرة . وحين تختلف جهتان حول أرض، أو تظن إحداهما أن الأخرى تريد انتزاعها منها، يستجار بالشرطة أو بالمحاكم . أما أن تؤدي المطالبة بدين إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى في قرية يعيش أهلها معا منذ مئات وربما آلاف السنين، وأن تفضي خناقة بين امرأتين جاهلتين إلى إبادة أسرة عن بكرة أبيها، ويؤدي بناء سور حول كنيسة في أرض ليست ملكا لها إلى اشتباكات وحرائق واعتقالات بالعشرات، فإنه يصير من الصعب جدا الحديث عن الوحدة الوطنية، راسخة كانت أم غير راسخة، ويكون من الحماقة الشديدة الحديث عن “الزوبعة والموقف العابر، الذي لا يؤثر في الوحدة الوطنية” .
هل يكفي اختلاف العقيدة لتفسير ما يقع ويتجدد هنا من اقتتال؟ أعتقد انه لا يكفي، وإلا لما كان ساد بينهم أي سلام وتفاهم في أي وقت، ولما كانت الحوادث المتكررة تكاثرت في أجواء بعينها، سادت خلال العقود الأخيرة فأفقدتهم ما كان بينهم من أواصر مشتركة، وأوصلتهم إلى حال انعدمت فيها الروابط الجامعة، السياسية والدينية والاجتماعية والأخلاقية . . . إلخ، التي تلاشت بتلاشي الدولة ودورها التوفيقي، وتراخت مع تراخي يدها الموحدة والرادعة، وزالت كعامل يلحم الأطراف الاجتماعية المختلفة في كلية مجتمعية/وطنية واحدة، ليس لأي منها مصلحة في إلحاق الأذى بغيره، لأنه بذلك يؤذي نفسه، ولا يقدم أي تكوين من تكويناتها على التصرف وكأن المجتمع غدا ميدان صراع وتفكك ينجو بنفسه بقدر ما يقضي على غيره، سواء بالمناورات والألاعيب المتباينة أو بالقوة . لم تعد الدولة في نظر المواطن دولة جميع مواطنيها، ولم يعد حاملها المجتمع في عموميته، بل هي تنهض على تكوينات سلطوية جديدة أو على كيانات ما قبل مجتمعية، تحتم فاعليتها أن تكون لها مصلحة في إثارة تناقضات ونزاعات المجتمع وتغذيتها، كي تتوحد ضدها وتطيح بالممسكين بالسلطة فيها . ثمة، في بلد هذه حاله، جدلية قاتلة، ففي حين تشق السلطة/الدولة المجتمع إلى فئات متناحرة توازن نفسها من خلال إدارة صراعاتها، وإذا تطلب الأمر اقتتالها، لا يجد المواطن/الفرد، الضعيف والمعزول والخائف، بالمقابل، ملاذا جامعا يحميه، فينتمي إلى تكوين ما من التكوينات ما قبل المجتمعية/ما قبل الوطنية والحديثة، كالعشيرة والقبيلة والطائفة والعائلة الممتدة . . . إلخ . في هذا الوضع، حيث تتحول السلطة إلى جهة تتربص بالناس، ويكون القمع والإكراه والتخويف وسيلتها الرئيسة في التعامل معهم، لا يجد المواطن العادي في جاره، المنضوي في تكوين مغاير، والمختلف عنه في العقيدة أو الانتماء، رفيقاً يتكامل ويتكاتف معه، بل عدواً يصارعه يصير الاقتتال معه مسألة وقت ومناسبة . بقول آخر : في وضع ليست انقساماته بالدرجة الأولى عمودية، وتالياً طبقية، تقوم على تعبئة حشد كبير من البشر وراء مطالب واحدة تخص المجتمع بأسره، وإنما انقساماته أفقية، تضع المنتمين إلى الصف والصعيد عينه في مواجهة بعضهم بعضاً، يصير كل شخص خصماً أو عدواً محتملاً لمن يجاوره، إن كان ينتمي إلى فئة منافسة أو مغايرة لفئته . عندئذ، يختزن المجال الشعبي العام عناصر تفجر يمكن أن تنطلق في أية لحظة ولأي سبب تافه، ما دام التفكك القائم على صعيد القاع المجتمعي مصلحة سلطوية عليا، وما دام غياب دور الدولة الضامن لأمن وسلام وحياة وملكية وحرية المواطنين، يزين لكل فرد أن كل فرد آخر هو مصدر خطر عليه، وأن أمنه وسلامه يتوقف على إزالته كفرد، وإلا استحالت إزالته كخطر .
يشعر المرء بأسى قاتل وهو يقارن وضعنا الحالي بالأمس القريب، حين كنا نؤمن بأفكار جامعة توحدنا، تتصل جميعها بالأصعدة العليا من وجودنا كمجتمع كأمة، ولا تنبثق من مصالح ورؤى تكوينات ما قبل مجتمعية، مع أن هذه كانت موجودة آنذاك، وكان لدينا نمط من الدولة يتطلع لأن يصير لجميع مواطنيه، الذين كانوا يحتكمون أكثر فأكثر إلى قوانينه، عندما يختلفون أو يتنازعون سلميا حول مصلحة أو أمر من الأمور . في ذلك الأمس، لم يكن أحد يتحدث عن الوحدة الوطنية، لأنها كانت ملموسة وتتبلور وتتوطد في نفوس المواطنين كما في الواقع . ولم يكن أحد يعتبر اقتتال الناس “زوبعة وحدثاً عابراً”، مع أنه كان نادراً أو معدوماً، ولم يكن، كما هو الوضع اليوم، حدثاً شبه يومي، في أكثر من بلد عربي .
يواجه وطننا العربي خطران : خارجي وداخلي . ومع أنه لا يجوز الإقلال من جسامة الخطر الخارجي، فإنه، ضمن شروط معينة، ليس الخطر الأكثر تهديدا لنا . وإذا كانت فاعليته تزداد، فلأن وضعنا الداخلي هو الذي يزيد من سهولة سقوطنا أمامه، رغم طبول اللغة الجوفاء، التي تدق ليل نهار ممجدة وحدتنا الوطنية الراسخة .
الخليج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى