صفحات الناس

«بما انو كل شي نظيف»

null

سعاد جروس

عندما قلت في مقال سابق أن لا رجاء بقي لمواطني بلدنا بعد موجات الغلاء المتتابعة وتسونامي رفع الدعم عن المازوت, سوى أن ينظر الله في وجه عبده ليأخذ أمانته, وصلنا أن البعض في الحكومة زعل

ونظراً للأوضاع «الحرجة», لم تعد الحكومة تتحمل تثقيل عيار النقد ولو بمثقال حبة خردل, و«بما أنو كل شي نظيف» على رأي جوزيف صقر, لا طاقة لنا على احتمال زعل أحد, فكيف إذا كان هذا الأحد من الحكومة الغالية والغالبة, كما لا قدرة لنا على قبول اتهامنا بالصيد بالماء العكر, لذلك رحنا نُشرّق ونُغرّب بالكتابة كي لا نقترب من شأن داخلي محض, ولو من باب التنفيس, لئلا نتسبب بإزعاج أي شخص حكومي, حتى لو كان سائق سيارة أو دراجة أو بواب على علاقة بالحكومة, لئلا يأخذ على خاطره.

إلا أن النفس أمارة بالسوء, وذيل الكلب أعوج حتى يثبت العكس, لا مناص من كتابة من نوع «بق البحصة», وإذا أصابت بحصتنا الحكومة, عن غير قصد نتمنى اعتبارها بحصة صديقة, فنحن لا نقصد المحاجرة, حتى لو كان الموضوع يتصل بوصول موجات الغلاء إلى الموت الزؤام, بعد ازدياد الإقبال عليه, فالذي لا يحصده مرض خبيث ناتج عن التلوث البيئي الساحق الماحق, يقضي بحادث مروري طائش, والذي ينجو من هذا وذاك, ترديه جلطة أو ينفجر غيظاً من القهر, وإلا فمصيره التجفاف واليباس حسرة وكمداً. وأياً كان السبب, فلا شك في أنه ارحم من حياة محكومة بالركض وراء لقمة العيش, والقلق من غد معيشي غامض, تبشر به أزمة عالمية وازدياد الفجوة بين الفقراء والأغنياء.

و«بما أنو كل شي نظيف» صار الموت رحمة يعني ترفاً متكامل الأركان, وحسبنا قراءة شكوى نشرت في جريدة تشرين تتعلق بقيام المجلس المحلي لمدينة المعضمية في ريف دمشق بوضع لائحة بأسعار وتوزيع 2300 قبر تم بناؤها حديثاً على مساحة ستة دونمات, أثارت جدلا بين المواطنين, إذ ان مجلس المدينة وزع القبور على ثلاثة أسعار الأول هو 10 آلاف ليرة ­يا بلاش­ لأهل المدينة «الأصليين», والثاني 15 ألف ليرة ­من طرف الجيب ­«للمقيمين» أكثر من ثلاثين عاماً في المعضمية, والثالث 30 ألف ليرة «للمقيمين والساكنين» أقل من 30 عاماً… المبلغ ليس كبيراً على هذه الشريحة كضريبة تفرض على الهجرة الداخلية والتسبب بالازدحام فوق وتحت الأرض.

اعتبر أصحاب الشكوى الأسعار غير عادلة, «لأننا جميعاً أبناء وطن واحد, وبالتالي لا يجوز التفريق» ما دام موت واحد يجمعنا ­ جريدة تشرين حملت الشكوى إلى المعني بها, وهو رئيس البلدية والذي بدوره شرح وجهة نظر المجلس, وقال: «هناك مساحات كبيرة استملكت من أراضي المعضمية, وهذه الأراضي هي بالأصل لأهل المدينة, وبعد تنفيذ مشروع بناء 2300 قبر وزعت بسعر 15 ألف ل.س للقبر الواحد لأهالي البلدة «الأصليين وللإخوان الفلسطينيين وللنازحين منذ العام 1967» وبقي هناك 200 قبر وزعت على المقيمين من خارج المدينة بسعر 30 ألف ليرة». ولعل أهم ما قاله رئيس البلدية لدى إحاطته المواطنين علماً بأن «سعر تكلفة القبر الواحد بحدود 15 ألف ليرة بعد زيادة أسعار مستلزمات البناء وبعد رفع أسعار المازوت».

ولا نعرف بعد إذا كان فريقنا الاقتصادي عندما قرر رفع الدعم عن المازوت وضع في حساباته التداعيات السلبية للقرار وتأثيرها في عمل عزرائيل, فإذا كان نشاطه يعتمد على المحروقات, فلا يستبعد أن يخف الطلب على الموت, ويختار المواطنون الأذكياء الدخول في حالة كوما جماعية, لا أموات يقبرون ولا أحياء يدبون على الأرض. وفي حال تعميم هذا الاحتمال, فالمرجح أن يكون أفضل حالة للعيش الرغيد, بدون قلق ولا احتقان, ولا تذمر ولا حتى حاجة للتنفيس.

من جانب آخر, ما يلفت الانتباه في الخبر, هو التصنيف السكاني الوارد في كلام رئيس البلدية بقوله: «إنه من المنطق والطبيعي أن يكون للأهالي «الأصليين» وأصحاب الأرض ميزة في هذا المجال, وهذا ما تفرضه منطقية الأشياء, فالكثير من «المقيمين» في معضمية الشام هم من محافظات أخرى ولهم بلداتهم وأراضيهم ومقابرهم أيضاً».

أي بتعبير آخر أكثر بلاغة ودقة لم يتفوه به رئيس البلدية, ولا يخفى على اللبيب: «كل واحد يروح ينقبر بمحافظته». ولا داعي لهذه العجقة على أرضنا, وهذا كلام منطقي وسليم 100€, لكن لو كان بمقدور هؤلاء العيش لا الموت في محافظاتهم, هل كانوا فكروا ولو لحظة واحدة بالقدوم للإقامة في ريف دمشق, علماً أن اغلبهم يعمل في دمشق, اضطرهم ارتفاع أجور البيوت وأسعار العقارات في العاصمة للزحف نحو ريفها, لو كانوا يملكون موطئ قدم في مسقط رأسهم, لن يزاحموا المقيمين أهل البلد «الأصليين» على مقابرهم. المشكلة في هذا النزاع, هي في تصنيف مواطني البلد الواحد بين أصلي ومقيم!! وعلى هذا تأخذ مقولة الفقر في الوطن غربة. أليس في هذه الواقعية الباردة تجاه الموت, إذلال لا يستحقه مواطن نموذجي مثالي كالمواطن السوري, القانع, الوادع, الصابر, الصامد, الصامت… الذي يصح فيه قول المثل «لو ضاعت صفعة ما وجدت إلا في قفاه».

المشكلة لا تخص €معضمية الشام€ فقط, وما نقوله ليس رداً على منطق المجلس المحلي ولا مناصرة لأصحاب الشكوى, وإنما هي قضية عامة, حين يصبح الموت مكلفاً, ويُهدد بالإقفال طاقة النجاة الوحيدة المفتوحة على الدار الآخرة. ويصبح تحويش ثمن القبر هاجساً مثل تحصيل ثمن البيت, لا بل أهم فقد يذهب العمر ولا يأتي البيت.

الكفاح العربي 14/6/2008

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى