صفحات ثقافية

حركة جديدة في العالم الإسلامي في سوريا

null
إعداد أثير محمد علي
ماذا نقول والأمر يتعلق بنا؟
ولكننا قائلون! فإذا عدّ البعض كلمتنا هذه فضولاً، فإن علاقتنا ببنات جنسنا وأخواتنا المسلمات أشد من صلة رجال ملتهن بهن. وسكوتنا عن تلبية مطالبهن لنا يُعدُّ من قبيل العصيان والتمرد ويرمز إلى الجبن والعجز في الدفاع عن كرامتهن.
الحادث الذي نشير إليه أنه تألفت جمعية سرية تبعث نواهيها إلى السيدات بواسطة لجنة تنفيذية مؤلفة من الرعاع.
وتنحصر هذه النواهي في ردعهن عن الظهور في الشوارع بمظاهر جميلة، راكبات كن أم سائرات.
قامت هذه اللجنة بتنفيذ الأوامر المعطاة لها حق قيام، وطرق مسامعنا من أخبار تهجمها الفظيع على ربات الصون ما استهلنا حدوث مثله من التعدي على الحرية الشخصية ومكافحة الضعيفات في مدينتين كبيروت والشام.
غرض الجمعية الحرص على العفاف والغيرة على الدين، بيد أن التجمل لا يمنع العفيفة من الحرص على عفتها، والملابس البسيطة لا تعلم المرأة قواعد دينها.
ليس في هذا العصر من لا يؤمن بأن كل تطور جديد يجري في حياة المرأة تابع لمثله حدث في حياة الرجال، تقتفي آثار خطواته فيه، ولكن بخطى متثاقلة.
المرأة زهرة، والزهرة رمز الجمال، وقد وجدت لتجمل الحياة والشعور بمظاهرها وأعمالها وأقوالها، فإذا رغبت بالأناقة والكياسة فإن رغبتها هذه غريزية لا تقاوم.
على أن الحقيقة التي يجهلها رجال هذه الجمعية أو يتجاهلونها عملاً هي أن النساء فئتان:
فئة مهذبة تعنى بإتقان الهندام، مدركة المعنى الذي يرمي إليه من سلامة الذوق واحترام النفس، محتفظة بقواعد دينها أو آدابها الاجتماعية، موازنة بين النافع والضار، بين الفن الجميل والخلاعة المستقبحة، بين ما يتفق مع مقدرتها المالية ولا يتفق، منتقية من الأزياء ما يجمع بين الجمال والبساطة ويدل على العفة والطهارة والاحتشام.
وفئة لو اتشحت بالحرير الأسود الشفاف، أو التحفت بالأكفان البيض لم تعجز عن ابتداع وسيلة تثبت فيها وجودها وتبلغ بها غاياتها.
فحاجة هذه الفئة إلى التهذيب أو التحصين الأدبي أشد من حاجتها إلى العنف والقسوة، ومعاملتها بالرفق بدلاً من التهديد، أدعى إلى إصلاحها من ذاك التهجم.
أين الجمعيات الأدبية أو المدارس الوطنية لمثل هذه الفئة. فإنه إذا كان الباعث على الإصلاح الخوف، فإن ذاك الإصلاح زائل ولا شك حين زوال الخوف. وتغيير الباطن لا يتغير بتغيير المظاهر.
لقد كتبنا في هذا الموضوع فصولاً مسهبة فلا حاجة بنا إلى إعادتها والذين بحاجة إلى معرفتها لا يقرأوننا، ولكن القوم على ما يظهر يودون أن يتفرجوا على مشاهد جديدة تبدو في نظرهم مضحكة، ينتقمون فيها من المرأة المسكينة التي إنما تسير وراءهم وتتبع خطواتهم وهذه الذريعة التي يتخذونها للتأديب هي ولا شك أخف وطأة على جيوبهم من إنشاء الجمعيات الأدبية وتأسيس المدارس الوطنية، وما نظنهم مفلحين إن لم يقم التهذيب مقام التحصين.
ولقد تناولت يوم كنت في بيروت رسالة بعثها إليّ أديب من كبار أدباء المسلمين ومن أشدهم إخلاصاً وغيرة على إصلاح قومهم جاء فيها ما يلي:
“في الشام اليوم حركتان غريبتان تتفقان في الغاية وإن اختلفتا في المظهر والشكل، يقوم بها بعض زعمائنا لإحياء عهد سيطرتهم القديم ونفوذهم الأول.
أما الحركة الأولى فترمي إلى إلغاء نظام التعليم الحاضر، والاقتصار في تعليم الناشئين على تلقينهم القراءة والكتابة (فلا يتمكنوا من مطالعة شيء إلا الروايات الغرامية) وأصول الدين ليس غير!
والحركة الثانية ترمي إلى حمل الناس على لبس العمائم وإرخاء اللحى، والقضاء على أزياء النساء وإرجاعهن إلى الإزار الأبيض القديم. وقد لاقت الحركة الثانية شيئاً من النجاح، فرأينا كثيراً من المتعممين المحدثين! وشاهدنا بعض (الأكياس المتحركة) البيضاء تتدحرج في شوارع المدينة.
إلى أننا لم نسمع ولم نر الدعاة إلى هذا الإصلاح الخارجي يلجأون إلى العنف والشدة مثل إخواننا البيروتيين، ولعلهم يفعلون ذلك إذا قويت شوكتهم واشتدت قوادمهمَ.
قد تكون الأزياء مضرة بأخلاق الأمة متلفة لثروتها، ولكن الالتجاء في إبطالها إلى القوة والعنف حمق لا يفيد، فقد رأينا كيف فشل بطرس الأكبر لما أقام أعوانه على مفارق الطرق ينقضون على المارة فيحلقون لحية هذا ويقصرون ثياب هذه بالقوة والإكراه ظناً أن ذلك أقوم سبيل لتمدين قومه وإلحاقهم بجيرانهم الأوربيين، ناسياً أن روح الأمة لا تتغير بمثل هذه العوامل السطحية.
ومهما يكن من الأمر فإن الحركتين الحاضرتين في دمشق يقوم فيها أولئك الزعماء بقصد أن يعيدوا الأمة عدة عصور إلى الوراء، ليستغلوا جهلها ويستثمروا ضلالها وعمايتها، ولكنهم لن ينجحوا في سعيهم لأن الناس اليوم في عصر يسير بهم إلى الأمام شاءوا أم أبوا، ومحال أن يعوق حركة تقدمهم عائق”.
(العروس، مج 9، ع 2، دمشق، 6 آذار 1923)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى