صفحات من مدونات سورية

دين أم فكر؟، “الجماعة”

ضمن “زحمة” المسلسلات التي أصبحت حكراً على شهر رمضان، أتابع المسلسل المصري “الجماعة” الذي يتناول قصّة (حسن البنا) وجماعة الإخوان المسلمين التي أسسها. شاهدت خمس حلقات حتى الآن وهذا لا يكفي لتقييم المسلسل ومضمونه، لكن، ما لفت انتباهي النقد والرفض اللاذع الذي يواجهه المسلسل ومؤلفه (وحيد حامد)، رفضٌ مُبرر بتبعية المؤلف للحزب الحاكم وموقفه الشخصي تجاه الإخوان المسلمين. وفي عمل آخر اقتبِس عنوانه من (القرآن)، “ما ملكت أيمانكم”، نال مخرج العمل (نجدت أنزور) نصيبه من التعليقات التي أدرجت المسلسل تحت تصنيف “الإساءة إلى الإسلام”.
من الطبيعي أن تختلف الآراء حسب اختلاف توجهاتنا ومرجعيتنا، لكن، أن تكون معظم التعليقات الواردة على الصفحات الالكترونية مؤيدة للفكر المتطرف، الفكر الديني المتشدد، أمر عجيب! هل أصبح الاعتدال في الدين صدفة نادرة؟
“ما ملكت أيمانكم”
قد تكون معظم التعليقات والانتقادات صادرة عن منتديات إسلامية متشددة، لكن، ماذا عن الرأي الآخر؟ أليس موجوداً أم أنّ أصوات الرأي الآخر خرساء؟
أخشى أن تتحول المجتمعات العربية إلى “قمقم” للفكر الواحد، أن تعود إلى عصور أظلم من عصرنا هذا، أن نتجرد من القيم الإنسانية التي اكتسبناها على مرّ عصور وحضارات وتجارب ثرية أنجبت العلم، الفلسفة، الفن والأدب. ومع انتشار المنتديات المتشددة دينياً ووسائل التواصل التي جعلت العالم بأجمعه على بُعد كلمة، ومع تغلغل الفكر المتطرف بين الناس بشكل ملحوظ نراه كل يوم في الجامعات، المدارس، في الشارع، سندخل هذا “القمقم” ليصبح كل من يخرج منه منبوذاً، مرفوضاً، لا وطن له.
أشكّ أنّنا سنخرج من هذا النفق المظلم الذي يضيّق الخناق على عقولنا، ويُخفي خلف ظلامه قبوراً ترقد فيها حريتنا وأسواراً مصفّحة تسدّ طريق تطوّرنا الانساني الطبيعي، إن لَم تصدح أصوات الفكر الحر والاعتدال بعلو أصوات الفكر المتطرف و”دوغماتيتها” الطاغية.
قد يكون التعصّب على مختلف أشكاله صفة تلتصق ببعض الناس، لكن، أن يتخذ شكلاً تنظيمياً تمتد جذوره حيثما شاء، أن ينمو في حدائقنا رغماً عنا، وأن يتكاثر فلا يترك فسحة لغيره، فهذا أمر يهدّد إنسانيتنا ووجودنا وما يميزنا عن سائر الكائنات الحية من منطق واختلاف.
يطول الحديث في هذا الشأن، لأهميته وخطورته، فقد قرأت في تلك التعليقات والانتقادات الآنفة الذكر، سطوراً من الكراهية وعدم التسامح، معانٍ عدائية رافضة لأيّ اختلاف، جمل فوقية متعالية تنظر إلى من يختلف معها نظرة دونية تفترس كيان وفكر الآخر، كلمات تشبه الاسلحة، إرهاباً فكرياً بكل ما في الكلمة من معنى.
كيف ينطق الدين – الذي يعتبر منهج إصلاح سواء آمنتَ بروحانيته أو شككتَ – بلسان الترهيب والترويع والحقد والعِداء؟
يستحيل أن تتشابه أفكارنا، عقائدنا، صفاتنا، ميولنا ورغباتنا، لا يمكن أن نستنسخ حياتنا عن حياة الآخرين، الاختلاف طبع إنساني، والنقد منهج له قواعده وأساليبه، وإنسانيتنا لن تثمر خيراً إن لَم نحترم بعضنا بعضاً.
كيف أحترم فكراً لا يحترمني ويحترم فكري؟

http://the-point-o-view.blogspot.com/2010/08/blog-post_16.html

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى