صفحات لمواقع مميزة

موقع الفنان التشكيلي منير الشعراني

موقع الفنان التشكيلي منير الشعراني

http://www.alshaarany.com/

عكـُس التيّـار الذهاب إلى المنبع

دقيق، صارم، ممتع ومتقشف، هذا هو عمل منير الشعراني. لا تستطيع النظرة الأولى أن تكشف كنهه، لكن مع المزيد من الفرجة تبدأ العين بتبين متانة عمله، ومهارته في إخفاء ألاعيبه الغرافيكية في كل الفنون، ليس سهلاً ” البناء على ما تم “، السهل هو اجترار إنجازات السابقين
في الخطـّ العربيّ الأمر أكثر صعوبة، ليس فقط بسبب علو هامة الإنجازات القديمة، وليس بتأثير ركود البنية الإقطاعية وثقل تقاليدها الأخلاقية والثقافية وحسب بل ولعلاقة الخطـّ العربيّ بالنص المقدس
نظرة إلى الخلف لنتبين موقع أقدامنا اليوم: تناوش الخطـّ العربيّ منذ ولادته من رحم الحرف النبطي اتجاهان هما الهندسي: الخطـّ القاسي الذي يُـكتب في حالات كثيرة بالاستعانة بأدوات هندسية، والمستخدم في الوثائق والنصوص الرسمية والمسمّـى أيضاً: البسط: والثاني المنحني الطيـّاش: الخطـّ اللين المستجيب لحركة اليد والمستخدم في المعاملات اليومية والمدعو أيضاً: التقوير
يُـعتبــر” قـُطبـَة المحرر” من العصر الأموي أول من وصلنا اسمه كخطـّاط نـُسـِب غليه قلما الجليل والطومار. “إبن مقلة” الوزير “أبو علي” وأخوه”أبوعبد الله” من القرن التاسع الميلادي يبنيان على حصيلة الخطـّاطين السابقين، ويـُقدمان على أهمُ إنجاز في تاريخ الخطـّ العربيّ: إبداع عدد من الخطوط التي مازالَ بعضها حياً حتى اليوم، مثل: النسخ، والثلث، والريحاني، والتوقيع، والمـُحَـقـّق.. إلى آخره
الأهم أنهما أنجزا ذلك بالاعتماد على قاعدة هندسية: علاقة الخطـّ بالنقطة بالدائرة. في العصر العباسي أيضاً، وبعد الأخوين “إبن مقلة”، جاء المعلـّم “إبن البوّاب” فعكف على خطوطهما ودقـّق حروفهما، وأنجز الكثير من الحبكات المعروفة كبسملته الشهيرة، والتي مازال الخطـّاطون يستعرضون تمكنهم بإعادة كتابتها حتى اليوم
تابع ياقوت المستعصمي الدرب فأضاف جمال الأداء إلى الهياكل القديمة، وعمل على ضبط تفاصيل الحروف، مثلما ابتكر طريقة خاصة في قطـّ القلم. منذ القرن العاشر الميلادي عرف الخطـّ تاريخاً مدهش التنوع والغنى أسهم فيه عشرات الالاف من الخطـّاطين، والمئات من الخطـّاطين المجودين، والعشرات من المعلمين الأفذاذ، كلما انفتح فيه باب الاجتهاد على الشعوب الإسلاميـّة في مختلف بقاعها، فأضاف الفرس، إضافتهم الأنيقة بابتكار خطـّ “التعليق/الفارسي”، وترك العثمانيون بصمتهم اللعوب بإضافتهم الخطـّ “الديواني” في القرن الخامس عشر، كما كان لأهل الأندلس والمغرب العربيّ حضورهم الشاعري بابتكار الخطـّ الكوفي الأندلسي والخطـ القيرواني
إضافة لهذا التاريخ الثري الحيوي، كان هناك للخطـّ تاريخ حزين، فلقد دخل في القرون الأخيرة، في حلقة مفرغة من التجويد وإعادة التجويد لما خلـّـفه كبار الخطـّاطين السابقين أمثال: حمد الله الأماسي، وأحمد القره حصاري، والحافظ عثمان، ومصطفى راقم، وسامي أفندي، ومحمـّد شوقي، ومير على التبريزي، وعماد الحسني، ومحمـّد أسعد اليساري، ومحمـّد مؤنس، ومصطفى غزلان، ويوسف أحمد، وعبد العزيز الرفاعي، وعبد الله الزهدي، وغيرهم
وكان لأمر المراوحة الإبداعية أسباب يرجع بعضها إلى مدى التكامل الذى وصلت إليه الخطوط الأساسية السبعة، ويرجع بعضها الآخر إلى حال الركود الاجتماعي والسياسي والثقافي الذي تعاني منه أيـّة بنية إقطاعيـّة، حيث يسود تقديس التقاليد وإعادة انتاجها، وتنزاح ديناميكية الإبداع والأسئلة والقلق والشك تجاه ما هو قائم إلى مؤخرة الصورة
إضافة إلى ذلك، كان للخطـّ خصوصية لا تخطئها العين، فلقد ارتبط منذ نشأته بالمقدّس الإسلامي، ‘ذ كتبت بحروفه آيات القرآن. وهكذا وجد الخطـّ العربيّ نفسه – وهو الفن الجميل الذى له آلياته الخاصة ككل فن – وجد نفسه غلى علاقة استثنائية لا تنفصم بالنصّ الديني، الأمر الذي تم تكريسه في العصر الثماني، بحيث بدا وكأن المسّ بأحكامه مسّ بمكانة الجليل المقدس الجمعي. كل هذا جعل مهامّ الخطـّاط العربيّ المعاصر أمراً في منتهى الصعوبة والإشكال
يعتبر منير الشعراني اليوم واحداً من قلـّـة من الخطـّاطين العرب الذين حملوا أنفسهم مهمـّة سدّ الهوّة التي تفصله عن إعادة الاعتبار للإبداع فيه على حساب التجويد الحرفي
واستطاع الشعراني أن يحتل مكانته هذه من خلال مسيرته الفنيـّة المتواترة. ولابد من الإطلال على بعض مفاصلها للإحاطة بجوانب إضافيـّة من إنجازه
تتلمذ الشعراني وهو في العاشرة من عمره على يد كبير خطـّاطى الشام بدوي اليراني، الذى كان للذين يعرفونه ليس فقط أستاذاً للمئات من خطـّاطي الشام، يعلمهم دون أجر، بل وصاحب أسلوب خاص في الخطـّ الفارسي قائم على قيمة الفراغات المهـَـوّاة فيه على عكس أغلب ما نراه لدى المعلمين الفرس أو غيرهم ممـّن يعمدون إلى تكثيف تشابكات الحرف
لم تترك وفاة المعلـّم عام 1967 م على الشعراني أثراً سلبياً بل وضعت قدمه على أول طريق الاحتراف. وهو ما يزال يافعاً في الخامسة عشر من عمره فراح يعمل في سوق الخطـّ
يذكر اصدقاء الشعراني أنه في السنة الأولى في كلية الفنون الجميلة بدمشق وخلال الدرس الأول للخطـّ قال له المعلم حلمي حبـّاب ما إن وقعت عيناه على جملة خطـّها: يا بني اذهب ولا تعد إلا في آخر العام. كان ذلك غقراراً من الأستاذ أن لا شىء لديه يعلـّمه لهذا التلميذ
مع عدم ركون الشعراني إلى المحاباة راح خلال سنوات خمس يعمل بدأب في قسم الزخرفة، واختار لتخرّجه موضوعاً وتقنيةً أبعد ما تكون عن الخطـّ، إذ تقدم بمشروع للملصقات السياسية عن القمع والتسلـّط العسكري، بالاعتماد على تقنية التصوير الفوتوغرافي، وهو ما أفاده بحسم في الإلمام بمفاهيم الغرافيك الحديث، مما سينعكس بشكل غير مباشر على تصوراته لبنية العمل الخطـّي
لوحق الشعراني بسبب أرائه السياسية، فتخفـّى فترة ثم انتقل إلى بيروت ليعمل لكبريات دور النشر اللبنانية، فعـُرف بسرعة قياسية كمصمم يعطي الأغلفة المتميزة وأكثرها لفتاً للنظر. في القاهرة تبدأ منذ عام 1985 مسيرة جديدة في حياته، يجد فيها المناخ الملائم ليعمل متفرغاً لمشروعه الخاص، فيبدأ بإنجاز لوحاته الخطـّية، ليعرضها عام 1987 في “أتيليه القاهرة”. وقد شكـّل هذا المعرض نقلة في حياة وعمل الشعراني لأنـّه مكـّنه من إظهار كل ما راكمه من مفاهيم عن الخطـّ العربيّ المعاصر دفعة واحدة، حيث تلمـّس متانته البنائية وعلاقاته الموسيقية، ومكانة الإيقاع فيه
-وخلال ستة عشر معرضاً لاحقاً حتـّى عام 1998، في مصر وفي مختلف البلدان العربيـّة أكد الشعراني مفاهيمه الأولى، دافعاً إياها في كل مرّة إلى نقطة أبعد، مما قاد متحف ريتبرغ زيورخ في سويسرا لدعوته إلى عرض أعماله كتقدير خاص في ذلك العام، ثم جاءه التكريم الثاني من ألمانيا هذه المرة عام 1999، حيث أقيم له جناح خاص ضمن معرض الهضاب السبع الاستثنائي، الذي استعرض مفاتيح الحضارات البشرية على مدى تاريخها المعروف
وفي العام نفسه تمّ تكريم أعماله مجدداً من قـِبـَل وزارة الثقافة في مصر قاعة دار الأوبرا ولم يكن قليل الدلالة أن يكون ذلك خلال مؤتمر ومهرجان الموسيقى العربيـّة. ما يعطي لأعمال الشعراني قوّتها الكبيرة هو ابتعادها عن المعاني التقليدية من النصوص المتوارثة، وقبل ذلك متانتها الغرافيكية، ففي أعماله لا نجد التصميمات التقليدية للخطـّ، بل تكوينات جديدة، متراكبة، متناغمة، متعاكسة، تحاور فيها الكتل الصغيرة الكتل الكبيرة، والامتشاقات العمودية، السيلانات الأفقية، والأقواس المتلاقفة، المتوازيات الهندسية، وحصرُ التصميم في دائرة أو مربع أو معين ثم كسرُ ذلك بالربط بين الكتلة ومحيطها الواسع، كل ذلك يعطينا متعة جديدة، ويطرح أسئلة بصرية قلـّما رايناها في أعمال التقليديين. وقد ساهم اللون في سعيه لفك الارتباط مع الموروث الديني في الخطـّ، لذا نجد أن تقاليد الحبر الأسود والحامل الأبيض تنسحب لصالح قائمة ألوان متنوعة، منها ما ينتمي إلى الألوان المتعاكسة، ومنها إلى الألوان المتكاملة، وآخر إلى الألوان المتناغمة الخفيضة
لكن الشعراني لم يعمل على المبنى فقط بل عمل على المعنى أيضاً، فحاول أن يشتغل على معان جديدة، فاختار عبارات قديمة وحديثة، تتصل بحياتنا المعاصرة بأوثق الصلات، عبارات تؤكد على قيم العمل، وحرّيـّة التبصّـر، والنقد، والتسامح، فنجد في فهرس لوحاته: عمـّالكم أعمالكممن ملك استأثر لا دين لمن لا عقل له من ثمارهم تعرفونهم;، الميل مرضآفة الرأي الهوى إلى آخره. ما لايجب نسيانه هو أن الشعراني – وهنا قوة عمله – يستند على الخطوط العربيـّة التقليدية، وهو لم يعمد إلى الشطح السهل، الذي رأيناه لدى بعض الخطـّاطين من متسرعي التجديد
هكذا يقدم لنا الشعراني وجبة بصرية دسمة بقدر ما ترتكز على ذاكراتنا البصرية، بقدر ما تغرف من هواجسه التجديدية. لنراقب عن كثب بعض أعماله، لنختبر شيئاً من حيـَـله الغرافيكية: فى القطعة المسمـّاة: عمـّالكم أعمالكم وكما تـَـكوَنـَوا يولـّى عليكم يلجأ الشعراني إلى الخطـّ الكوفي القيرواني لتأكيد بنيته الإيقاعية الطاغية، فيزاوج ترددات الألف واللام، مع ترددات المدّات كاسراً الخطوط العمودية والأفقية بميالانات أحرف الكاف، ثم يعود لتهدئة الكافات، بعمودين للألف في نهاية الجملة، ولا تستطيع النقاط الحمراء التخفيف من رسوخ بل ثقل البناء العام
عمل الشعراني في الكثير من قطـَعه على أسر وفك التكوين في آن، وهكذا نراه فيما يشبه تمارين جمالية مَمتـَعَـة يحصرُ عبارة في مربع أو دائرة أو معين، ثم يكسر حدودها الخارجية، وكأنه يقبل تحدياً وضعه لنفسه في إنجاز العبارة ضمن فضاء مغلق فيظهر لنا مهارته في التعاطي مع هكذا اختبارات، ثم يعود إلى نزعته في كسر ما هو ثابت فيعمل على تحرير محيط التكوين باختراق حرف ما إلى الجهة اليسرى من المربع، أو تمزيق ألفات متطاولة لسقف الشكل الأعلى.. وهو بذلك يعيد فتح فضاء القطعة المغلق على فضاء الورق الأوسع. في قطعة تعبق بالشاعرية العارف صاحب تجريد يلجأ الشعرانى إلى الخطـّ المغربي، يعمل على التحكم في قوّة الفراغات، وليس كثافة كتلة الحروف – كما هو معتاد – فنرى مثلاً أن الدوائر الأربع في العبارة هىي التي تضبط إيقاع العمل، ولا يبقى لبقية الحروف إلا وظيفة ملء الفراغات حول الدوائر شبة المكتملة. ولا يتردد بوضع إطار شديد الثقل حول العبارة لتأكيد جمال الفراغ الداخلي فيها. أما في الكوفي الشطرنجي فيلجأ إلى واحد من أكثر التمارين إرهاقاً: يعمد مثلاً إلى عبارة من فضلة القلب يتكلم اللسان ليرصّ حروفها ضمن حدود المربع، ومصدر صعوبة هذا الخطـّ في كونه لا يقبل الفراغ، فالكتابة كتابة، والفراغ كتابة أيضاً، في هذا التمرين المعتمد على الخطوط المستقيمة والزوايا القائمة يلجأ الشعراني إلى تهويته وضبطه بل وكسر شبكة غيقاعه الساكنة بدوائر النقاط الحمراء، مما يعطى للقطعة كلها نوعاً من الخفـّة لا تحتاج سواه لتتحقق جمالياً
لم يتوقـّف الشعراني أمام هذا بل راح بحسـّه النقدي الجمالي يعيد النظر في الكثير من تفصيلات الخطوط العربيـّة التقليدية وخاصـّة ما كان منها مركوناً على رفّ النسيان أو الإهمال، بل إن خطوطاً مثل: الكوفي النيسابوري والمغربي نكاد نحس أننا نراهما للمرة الولى لكثرة الإضافات وشـّدة ضبط التفصيلات. هنا يضع الشعراني نفسه ليس في مكان المدقق بل في جهة المصمّـم، وليس غريباً عليه، فلقد ابتكر وأعاد صياغة العديد من الخطوط الكوفية مثل الخطـّين الكوفيين المبسـّطين اللذين أنجزهما لمجلة الكرمل الثقافية، عام 1981، ثمّ عام 1983، واللذين تمّ الاستيلاء عليهما من قبل الكثير من الخطـّاطين، بل إن منهم من أدخلهما إلى برامج الكمبيوتر ناسباً إياهما لنفسه
أمر الابتكار وإعادة الصياغة ليس جديداً على تاريخ الخطـّ العربيّ، فهذا الفن عرف – ربما أكثر من غيره – فكرة التتابع الإبداعي، فكل واحد من الخطـّاطين الكبار سعى للتمكن من إنجازات أسلافه، ثم في مرحلة لاحقة عمد إلى الإضافة والتدقيق والتحسين، وأكاد أجزم أنه لم يوجد خطـّاط مهمّ على مدى أربعة عشر قرناً لم يسع لابتكار خطـّ واحد على الأقل، آملاً أن يعتمده غيره من الخطـّاطين، ليصبح بمرور الزمن أحد الخطوط الأساسيـّة المعتمدة لديهم كما هو حال الأساليب السبعة المعروفة ويعتبر هذا الموضوع جزءاً من تاريخ الخطـّ العربيّ وتطوره، ولا ننسى على سبيل المثال إنجازات المعلم الإيراني مير علي التبريزي الذي أبدع وجوّد خطـّ النستعليق بالاعتماد على خطـّ التعليق، كذلك التركي محمـّد عزّت الذي طوّر خطـّ الرقعة المرتكز في بنيته الهندسيـّة على الخطـّ الديواني، المرتكز بدوره على خطـّ التوقيع الذي سبق ذكره عند الحديث عن الخوين إبن مقلة
هكذا يساير الشعراني سيرة أسلافه فيبتكر الجديد من جهة، ويدقق المعروف أو المجهول القديم ويجلـّيه. استطاع الشعراني على مدى خمسة وثلاثين عاماً أن ينجز قطعة خطـّ عربيـّة معاصرة، دقيقة، صارمة، ممتعة ومتقشفة، وهى تنتمي إليه قدر انتمائها إلى تاريخ الإبداعات الخطـّية السالفة وسحرها
elshaarani@hotmail.com
elshaarani@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى