صفحات من مدونات سورية

الإعلام الاجتماعي بين أوروبا و العالم العربي- مداخلتي في ندوة التدوين في جامعة القاهرة

بعد انتهاء فعاليّات ملتقى الشباب الإعلامي التي جرت في القاهرة من الثاني إلى الرابع من تشرين الأول الجاري شارك المدوّنون العرب و الألمان المشاركون في الملتقى في ندوة مفتوحة في كلّية الإعلام بجامعة القاهرة أمام حضورٍ غفير من طلبة الكلّية و نوقشت فيها بعض العناوين الرئيسية الخاصة بالإعلام الاجتماعي (Social Media ) التي طُرحت خلال الملتقى مثل الفرق و التشابه في استخدام الإعلام اﻻجتماعي بين ألمانيا أو أوروبا و العالم العربي و قضايا المساواة بين الجنسين بما يخص سهولة الوصول إلى هذا النوع من الإعلام و استخدامه و مسألة علنيّة الهويّة أو إخفاءها و دور ذلك في قوّة الرسالة المراد إيصالها, و قد كان عرض الفروقات الرئيسية بين أوروبا و العالم العربي بما يخص استخدام الإعلام اﻻجتماعي من نصيبي, و لأجل تقديم عرضٍ يستوفي كل النقاط الرئيسية رغم ضيق الوقت فقد حاولت استخدام خبرتي الشخصية و ما لمسناه في النقاش خلال أيام الملتقى في تكثيف الموضوع في بضعة نقاط رئيسية ربما يحتاج كلّ واحدٍ منها إلى بحث أكاديمي مطوّل, و هذا ما لست بصدده الآن و إنما أكتفي بعرض رؤوس أقلام سريعة.
عليّ, قبل الدخول في عرض هذه النقاط, أن أوضّح أن هذه النقاط مبنية على التعميم, أو على إعطاء فكرة عامة شاملة, و كل تعميم هو ظالم بالتعريف, كما تجدر الإشارة إلى أن النقاط المطروحة أدناه هي تلك التي تعرّضت لها في الندوة إﻻ أنني أستفيض في شرحها و أرتّب الكلام بشكل أكبر هنا.
نقاط الاختلاف الرئيسية بين استخدام الإعلام اﻻجتماعي بين أوروبا و العالم العربي:
أولاً: العوامل الاقتصادية :
لعلّ هذه العوامل هي الأهم في تحديد الفوارق الجوهرية بين استخدام الإعلام اﻻجتماعي (التدوين و الشبكات اﻻجتماعية) بين أوروبا و العالم العربي, ففي الجانب اﻻقتصادي نذكر الفروقات الشاسعة الموجودة (باستثناء دول الخليج العربي) في مستوى المعيشة بين المنطقتين (و لعلّه الحاجز الرئيسي), و أيضاً يجب أن نشير إلى فرق نوعية خدمة اﻻتصال إلى شبكة اﻻنترنت من حيث الجودة و السعر, فنفس الخط السريع الذي يكلّف الشخص شهرياً ما يعادل 2-1 % من متوسّط الدخل الشهري في ألمانيا قد يكلّف في دولة عربية متوسطة أكثر من 30 – 20 % من متوسط الدخل الشهري, أو ربما أكثر من ذلك في بعض الحالات.
هذه الفروقات تسبب في انخفاض نسبة مستخدمي اﻻنترنت مقارنةً بالعدد الكلّي للسكان في الدول العربية مقارنة بالمنطقة الأوروبية, و هذا ما لمسناه بوضوح أثناء مناقشة موضوع احصائيات القراءة مع الزملاء الألمان حيث وجدنا أن مدوّنة محلّية ألمانية (مختصّة بشؤون مدينة متوسطة و ما يحيط بها) قد تستقبل يومياً من الزوار أضعاف ما تستقبله مدوّنة شهيرة في دولة عربية متوسّطة.
ثانياً: العوامل السياسيّة و الأمنية:
في هذا المجال علينا أن نشير إلى سياسات الحجب و التضييق الموجودة في كثير من الدول العربية (إن لم يكن جميعها, بشكل أو بآخر) و كون مسألة الإعلام اﻻجتماعي تشكّل جزء من قضية حرّية التعبير ككل, و هذه السياسات الأمنية تحدّد بشكل كبير طريقة استخدام الإعلام الاجتماعي كما تنمّي عامل الخوف و الرقابة الذاتية كقارئ و ككاتب, خصوصاً بما يتعلّق بعلنية الهويّة عند طرح موضوعات شائكة (و تختلف طبيعة و حجم الموضوعات الشائكة أو الخطوط الحمراء بين دولة و أخرى حسب طبيعة الدولة اﻻجتماعية و السياسيّة).
ثالثاً: العلاقة مع الإعلام التقليدي و طبيعة المواضيع المطروحة:
لحالة الإعلام التقليدي دورٌ في طبيعة الإعلام الاجتماعي و في طبيعة التدوين بشكل خاص, ففي حين تغطّي الصحافة التقليدية في أوروبا الجزء الأكبر من المواضيع الكبرى و الجزء الأكبر من وجهات النظر المختلفة بخصوص هذه القضايا و يأتي التدوين كتكملة لمساحات لا تغطيها الصحافة بخصوص هذه القضايا فقط و يهتم بشكل خاص بقضايا أكثر تعلقاً بسياسة “الحياة اليوميّة” و بشؤون محلّية و مناطقية (إدارة محليّة, حماية البيئة, رياضات معيّنة, هوايات.. الخ), كما أن دور الإعلام الاجتماعي في قضايا المجتمع المدني مثل حقوق المرأة و حالة الأقليات و قضايا الهجرة بعيدٌ إلى حدّ كبير عن التسييس (على الأقل عن التسييس المباشر).
أما في الدول العربية فنجد أن الإعلام الاجتماعي يتحمّل ثقلاً أكبر بحكم محدوديّة هامش الحرّية في الصحافة الرسمية و الخاصة في الدول العربية, و لذلك نجد أن العلاقة قد تكون إشكالية و صداميّة في بعض الأحيان. و نوعية المواضيع تتأثر بهذا الأمر كما أنها تتأثر بالواقع السياسي و اﻻجتماعي, ففي الإعلام الاجتماعي العربي نجد صدىً كبيراً للقضايا الكبرى, خصوصاً تلك التي تمسّ الهوية و اﻻنتماء و القضايا الوطنية و القوميّة المصيرية على حساب اﻻهتمام بالقضايا اﻻجتماعية و الإدارية الأصغر أو بتدوين “الحياة اليوميّة” و تجدر الإشارة إلى حجم التدوين الأدبي الكبير في المنطقة العربية مقارنةً بأوروبا حيث أن للفروقات الثقافية و لمكانة الأدب (الشعر خصوصاً) دورٌ في فرق الأحجام هذا إلا أنه قد يكون من الجائز التفكير في أنّ التعبير الأدبي (الشعر- الخاطرة- القصة) قد يكون الملجأ للتعبير بعيداً عن التعبير الصحافي المباشر حول قضايا معيّنة, أكانت سياسيّة أم اجتماعية أم ثقافيّة.
رابعاً: التشبيك و النشاط و الصحفي المواطن:
من الملاحظ أن الأساس العام للتشبيك في الدول الأوربية يخص نوعية المواضيع التي يتحدّث عنها المدوّنون و مستخدمو الشبكات اﻻجتماعية, حيث تقام تجمّعات تضم المهتمين بقضية أو بمجموعة قضايا محددة و يتعاونون من أجل نشر هذه القضايا و إقامة النشاطات للتوعية بخصوصها (قضايا سياسية, قضايا اجتماعية, البيئة, حقوق المرأة و الأقليات و المهاجرين.. الخ), أما التشبيك في الإعلام اﻻجتماعي العربي فيتخذ طابعاً مناطقياً و قطرياً أكثر من كونه خاصة بقضيّة أو بمجموعة قضايا, قد توجد تجمعات تدوينية تخص توجهات معينة مثل تجمعات المدونين الإسلاميين أو العلمانيين أو أنصار فريق سياسي معيّن إﻻ أن المنطق القطري طاغي على غيره حتّى الآن.
بخصوص النشاط اﻻلكتروني من أجل قضايا معيّنة نجد, كما أسلفنا, أن هذا الشأن أكثر “مأسسة” في أوروبا منه في العالم العربي, حيث توجد تجمعات دائمة تضم الناشطين من أجل قضية معيّنة تقوم بطرح حملات و نشاطات خاصة بهذه القضايا بشكل مستمر و دوري, في حين نجد في الحالة العربية أن الطابع الفردي يغلب على النشاط الجماعي, حيث نصادف مجموعة من المدوّنين أو الناشطين اﻻلكترونيين يلتقون بخصوص قضيّة معينة خلال فترة زمنية محدودة لينفرط العقد بعد فترة أو عند نهاية النشاط أو انتهاء أسباب اﻻجتماع ليعود الطابع الفردي مرّة أخرى.
نجد فروقات كبيرة أيضاً عند محاولة مقارنة ظاهرة “الصحفي المواطن” في المنطقتين, إن كانت فروقات خاصة بالحجم أم بطريقة اﻻستخدام, ففي أوروبا يتخذ طابعاً استقصائياً أكبر بينما نجده في الدول العربية ما زال في خطواته الأولى و يكاد ينحصر في توثيق مشاهد و ظواهر سلبية في الشوارع أو سوء استخدام المرافق العامة, و علينا أن نشير إلى فرق هامش الحرّية كسبب رئيسي محتمل لهذا الفرق, كما أن الخبرة الأطول في أوروبا من حيث السبق في استخدام اﻻنترنت له دور أيضاً.
خامساً: نسبة اﻻغتراب و طبيعة الهجرة:
يجدر أن نشير إلى نسبة المغتربين العالية في الإعلام اﻻجتماعي العربي مقارنةً بأي دولة أوروبية (بعض التجمعات التدوينية الخاصة بدول عربية تنشر إحصائيات تشير إلى أن أكثر من 40 % من المدوّنين المسجلين لديها مغتربون), و لطبيعة الهجرة دور كبير في نوعية المواضيع التي يطرحها هؤﻻء, فالمواطن العربي يهاجر عادةً بحثاً عن مستقبل أفضل بعد انسداد الأفق في وطنه إن كان في الدراسة أو في العمل, و هذا ما يمكن لمسه بوضوح في مواضيعهم من حيث الحنين لبلد اﻷصل و الحديث عن الأسباب التي أدّت لهجرتهم, الخ..
هذا ﻻ يعني أنه ﻻ يوجد تدوين “مغتربين” في أوروبا, لكنه مختلف إن كان بالحجم النسبي أو في نوعية المواضيع, فالأوروبي يهاجر عادةً خارج اﻻتحاد الأوروبي إما لأنه تلقّى عرضاً ﻻ يقاوم من شركات كبرى أو لأنه يريد المغامرة و اختبار مشاعر جديدة في دول مختلفة (اكزوتيك) و لذلك فإن الحالة النفسية مختلفة تماماً عن المهاجر الذي يهرب من انسداد الأفق و انعدام الفرص.
خلاصة: كرأي شخصي أعتقد أن الفروقات الجوهرية التي يمكن إيجادها بين الإعلام الاجتماعي بين أوروبا و العالم العربي تتبع لأسباب موضوعية معيّنة أكثر من تعلّقها بفروقات حضاريّة و ثقافية, كما أن هذه الظاهرة تشهد نمواً كبيراً في المنطقة العربية و بدأت تبرز كوسيلة تعبير و مشاركة في الرأي بعيداً عن القنوات الكلاسيكيّة الضيّقة جداً.

http://www.syriangavroche.com/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى