صفحات ثقافية

كالفينو «اتحاد الكتّاب العرب»

null
جولان حاجي
سيُفضي أي حديث عن «اتحاد الكتّاب العرب» إلى استرسال مزعج وعقوق مشبوه. فالأحاديث المتداولة عنه استياءات لا يخفى أنها بديهيات مضجرة نافلة، ومع ذلك سيُثير الجهر بها نقمة كثيرين أو لا مبالاة كثيرين سواهم، فالطريقة المُثلى في التعاطي هي عدم أخذ كل ما يجري على محمل الجد. ليس الاتحاد حراً ولا بريئاً ولا مستقلاً، فهو كما يعلم الجميع مؤسسة «أخلاقية» تُبيح وتُعرقل وتحظر، وهو كذلك منظمة حكومية شعبية ورقابية حزبية، مُسيَّسة في تسييرها وانصياعها لغموض الرقباء وتصويباتهم العجيبة، فالنصوص التي قد تنتظر إذن الطباعة أشهراً ليست سوى مسوَّدات الرقيب وتسليته يُهملها أو يمنع نشرها اعتباطاً، وقد يستلم الكاتب الزريّ المحكوم برحمة تلك الأمزجة غلافَ مخطوطه مرصَّعاً بأختام الرفض، بينما المحتويات مفقودة في فوضى الخزائن. لا تحصى طرائف الأخطاء هذه، فما أشدَّ غرابة الممنوعات وتقلُّبات أحكامها. الحلّ بسيط: فليلجأ الناشرون إلى التمويه بالنشر في بيروت، أو فليتعلَّموا كالبهلوانات كيف يسيرون على الحبال، وليُجلُّوا المُثُل وليراعوا أصول النشر وفضائل قيمه.
لهذه المؤسسة الخدمية بارانويا بيروقراطيتها وأهدافها وغموضها الخاص، وبالطبع مشاحناتها وسفاسفها وانتقاماتها وفضائحها الصغيرة واختلاسات صناديقها، وعليها طبعاً تمثيل الأطياف الوطنية كلّها، ومنهم المغتربون في أصقاع الأرض.
ولها، أسوة بالمنظمات الشعبية والتعبوية الأخرى، مكتب تنفيذي وفروع في المحافظات ومجالس هرميّة التراتب ومرشّحون ضروريون في «انتخابات استئناس» تتكلَّل بالتزكية ولجان قراءة يُسدِّد لها الكتبة أو الهواة رسوماً مالية كي تقرأ مخطوطاتهم (بغض الطرف عن الموافقة أو عدمها)، ولها كذلك مُسلَّمات لا يجوز المساس بها؛ لها أن تُحارب وتتعصَّب وتُحاسب وتُخوِّن وتُشوِّه وتُصنِّف وتشتبه بمن تشاء، لها أن تستخدم بحق موظفيها ومنتسبيها التنكيلَ الكلامي وسلطة الطرد والتأديب والمعاقبة معنوياً ومادياً، لأن هذه الانتهاكات تصبُّ، أولاً وأخيراً، في مصلحة الثقافة العامة! ويبقى للمخالفين حقُّ التظلُّم والاسترحام. منذ سنين، فُصل هاني الراهب وأدونيس، ولم يوفِّر المكتب التنفيذي المُحتجِّين على ذاك القرار فطُردوا بتهمة التطبيع ذاتها، وكان بين أولئك سعد الله ونوس وحنا مينة، والأخير أحد المؤسِّسين عام 1969، إلى جانب صدقي إسماعيل وعدنان بغجاتي وآخرين (كانت ثمة نواة سالفة اسمها «رابطة الكتَّاب السوريين»، حُلَّت إبان الوحدة بين سوريا ومصر العام 1958). والحق أن نظير هذه الحوادث هو ما يُنبِّهنا إلى وجود الاتحاد القانع بنسياننا له.
وسط هذا التردّي المعيب، تستفحل الثرثرة عن المستقبل. يحرس الاتحاد أو ربّما يكرِّس المناهج المدرسية في مواكبته لتدهور التعليم، مُرسِّخاً جزالة البلاغة القديمة وصمود إنشائها، بإصراره على المجابهة بالكلمات والتصدّي للإباحيات والدفاع عن العقيدة، إلى جانب الوفاء للقيم التي ينبغي صونها من الاندثار والارتقاء بها يعلم الله إلى أين، فتلك فضائل لا غنى عنها وإن كانت رياء متنكِّراً.
ولجميع تلك الأسباب قد يقلق الاتحادُ الكتَّابَ ويُهدِّدهم أيضاً، ولن يعدم مدافعاً ينبري للذود عنه بزجِّ الأقلام وتجييشها في هذه المعركة أو تلك ويتنطَّح للدسائس، ضدَّ «جائزة نجيب محفوظ» أو عمالة بورخيس… إلخ. هذا درس في الخوف وجزء من تشريح البؤس. فبمن سيحتمي الكاتب إذا اقترف ذنباً لا يدري كيف سيُكفِّر أو يتوب أو يعتذر عنه؟ وهل ستعرف يداه، إثر هذا الشقاء المحبط، مزاولة مهنة أخرى؟
كثرٌ ممن يتحاشون الاتحاد، ممن يُعتبرون فوضويين مارقين أو جبناء لأن الصعلكة الناقصة مكروهة كالمزاح، يتحدّثون دائماً عمّا هو أدهى، قائلين إن للاتحاد أدواره في تكريم الموتى المغمورين وإذلال الأحياء، على يد دخلاء ومنتفعين متنفّذين هم أحذق مما نتصوّر، لا يعلم أحد بالضبط كيف تغلغلوا: مهيمنون يتقاسمون العطايا والغنائم،  يجيدون لغة الوساطات والمحسوبيات، ويتنعَّمون بفرض الوصايات والتلذّذ بتسنُّم المناصب وإطلاق الأوامر واتخاذ الإجراءات الاحترازية. تطاولهم نعوتٌ شتَّى: أمّية، وصولية، انتهازية، تخلُّف، زيف، تكلُّف، أدلجة… إلخ، لكنها لن تُزحزحهم عن كراسيهم.
يشبه هذا الاتحاد مؤسسة متداعية في قرية نائية، تعاني أزمة أو مرضاً مزمناً في نقاهة لا تنتهي، لقد اكتهلت أو شاخت وما من أحد يعرف كيف ستتعافى، ولكنها لا تزال تزهو بدعيِّ مآثرها وتتباهى بما أنجزته في سالف أيامها الذهبية. إلى متى سيتردَّد التندُّم على ما آلت إليه الأحوال، هذا التشكِّي المُعدي كالتثاؤب والتعاسة، هذا التحسُّر على زمن ازدهرت مرافقه بأقلام زكريا تامر وأدونيس ومحمد عمران أيام إدارتهم منابرَ ثقافية مختلفة؟
الاتحاد الذي احتضن أبناءه سيُعيلهم في كسب العيش وتخفيف «شظفه» وتأمين شيخوخةٍ آمنة، سيكفل تفاهة معاشاتهم التقاعدية ليحفظ بذلك احترامهم وما تبقَّى من كرامتهم، هذا إذا كان نضج الكاتب قد اكتمل ولم يناصبه العداء أحدٌ أو يضمر له حقداً، فاستوفى الشروط ليفوز بالعضوية بعد طباعة كتابَين على الأقل يتجاوز كل منهما 100 صفحة وإحضار خلاصة السجلّ العدلي مُصدَّقةً في وثيقة «غير محكوم». لم يعد هذا الانتساب «الديموقراطي» السهل المنال امتيازاً أو حقاً تستوجبه الموهبة. سيظفر المحظوظون بالاستثناءات والتعجيل، وتتجوَّل كتبهم في معارض الكتب الرسمية المحلّية والعربية. إنهم محسودون لأن المماطلة عادة مألوفة، ولكن، رغم كل الإرجاءات والبطء والعثرات، تبدو إصدارات الاتحاد ارتجالاً لا يُولونه أوهى الاهتمام، شأن شعاره المدرسي: يراع نصفه سنبلة خضراء يميل على كتاب مُقفل.
تتكدَّس مطبوعات الاتحاد كودائع منسيّة تُباع لاحقاً بأثمان بخسة لا تُغطِّي التكاليف. الكثير من المداد المسفوح يُواسيه الغبار على أرفف الفروع، بين مكاتب شركات النفط والاتصالات، مطموراً في سراديب المستودعات يرتجف من هدير العجلات وأبواق السيّارات على أوتوستراد (المزّة) لا يهدأ ليل نهار؛ كتب مسكينة مجهولة تختنق مثل أصحابها في عَتَمَات التهميش لن يسمع بها إلا المقرَّبون محفوفةً بتهكّماتهم، ألوان أغلفتها تنصل وأوراقها تتقفّع على كشك الرصيف المشمس في زاوية المتحف الوطني.
ولكن مكافآت التأليف والترجمة تُصرف في النهاية، والأعضاء المحظوظون يتقاسمون منح الأسفار إلى مصر والصين والهند، ويسجّلون أسماءهم في قوائم المنتظرين للحصول على شقّة من شقق المشاريع السكنية في الضواحي، ويطمعون حالمين بتسديد تكاليف المعالجة الطبّية إذا فشلت كلاهم أو أكبادهم أو اعتلّت قلوبهم (لنتذكَّر مصر أيضاً)، هذا إذا ما لم تتم إعادة النظر في النظام الداخلي والأولويات وتعديل الموزانة وتقليص النفقات والتقنين، بسبب المحروقات أو أعطال مركبات المبيت أو الوفود والمناسبات وفواتير المآدب والولائم.
بالطبع تبقى ثمة آمال أخرى تُعزِّي الرعايا: إذا تبرّع المحسنون بتمويل جائزة كـ«جائزة المزرعة» (أنشأها المهندس يحيى القضماني في مدينة السويداء)، واستكتب المقاولون والتجّار أقلاماً لتدبيج خطبهم، ولا ضير إذا ملأت رؤوسٌ فارغة جيوباً فارغة.
فاضحٌ هذا الاكتظاظ بالبلاهات أحياناً. هناك بالتأكيد مَن يتابع إصدارات الاتحاد ودورياته الزهيدة الأسعار، المستمرَّة رغم كل الإخفاقات (اقتناؤها مجاناً حكر تقريباً على أعضائه؛ لكلٍّ منهم حرية الاختيار: الأسبوع الأدبي، الموقف الأدبي، الآداب العالمية – الأجنبية سابقاً، الفكر السياسي، التراث العربي)، وهناك من يواظب على النشر فيها متغاضياً عن «فداحة» الذوق في تصميم الأغلفة ورداءة الطباعة وأخطائها، وقد يتخلّى طواعية عن مساحة مخصصة له كُرمى لدرويشٍ يستجدي مكافأتها أكثر منه، مستعجلاً صرف النقود لقاء كلماته الحذرة المحسوبة عدداً وصياغة. الكتابة هكذا أقصر الطرق إلى الإحساس المكتوم بالفشل ثم تأتي الفظاظة لأن أحداً لا يُقدِّر المؤلف حقَّ قدره.
لا يتوقّف الاتحاد عن إحياء (أو إماتة) نشاطات مخجلة تتجسَّد في أمسيات وندوات موحشة: القاعات الرمادية فظيعة في تماثلها، الحضور قلّة وهم أصدقاء مجاملون ومُحرَجون متأفِّفون في السرّ. ثم ينال الضيف إثرها مكافأة شحيحة مُخزية مثل قلم رديء أو بدلة رياضة مُزوَّرة في حلب. المعوزون تحلُّ عليهم الصدقات، والمدراء يجزلون العطايا حقاً في مسابقاتهم، ويجودون بمكافآت المحتاجين الذين يتكبَّدون «وعثاء السفر» لينزلوا ضيوفاً معفَّرين بغبار الطريق عند صديق في مدينة نائية، ثم يمنحهم مدير المركز الثقافي في الصباح التالي مغلفاً يحتوي مبلغاً صغيراً اقتُطعت منه ضريبة الدخل.
وفي قلب هذه الرتابة المترهِّلة والمؤسية، حيث التملُّق الصفيق مفهوم والعجرفة تهزأ بمن لا يشبهها والمهلِّلون كثر، لا بدّ من أن ينفجر من حين إلى آخر جنون حماسة مبتذلة ومشينة تجاه إحدى القضايا، ويتجدَّد الارتداد إلى قوقعة ظنَّ الكثيرون أنهم قد فارقوها. سيغدو الحديث عن الانفتاح والنزاهة نكتة سمجة. ستتجلّى على الملأ البراعة في التكتُّم والتغاضي والتناسي والتزلُّف وشيوع المداهنات، وكذلك النبوغ في الوشايات والنمائم والافتراءات، ولن ينسى أحد مراعاة الأصول واسترضاء الرؤساء والمراوغة والتفنُّن في التكيُّف مع المستجدات.
تشوّه بطيء نال من الاتحاد فأوهنه وأخمده، بصرف النظر عن رؤسائه المتعاقبين وأشهرهم طبعاً علي عقلة عرسان، وربّما يقتضي إصلاحه – إن بدأ، ويا لوعورة المسعى – بُطأً مماثلاً في التغيير، عسى أن ينقشع كل ذاك الضباب المتَّسخ ويتسع المأوى الذي يضيق بمنتسبيه الكثر (ناهز عددهم ألف عضو تقريباً) فيدعو البعيدين أو المنشقين عنه (القلّة التي لا تشاطره الرأي، ولديها مثله حذرها وتحفُّظاتها) إلى جو من التفهُّم، ويتناول ما يتم التعبير عنه خلسة ومواربة إلى الآن.
لغة اللا أحد
لمن تُكتب كل هذه الزوايا والمراجعات الصحافية؟ كيف يكتب السهارى المتعبون، بعد الإسراف في التدخين وتناول القهوة وجرعات الكحول والثرثرات؟ من اخترع هذا المعجم المشترك المخصص للغة مشتركة هي لغة اللاأحد؟ كيف يُعمِّم عقلٌ مسمَّم شيخوخةَ الفكرة وشيخوخة الأسلوب؟ لنتذكَّر قصة كالفينو (الخروف الأسود) حيث كلُّ جارٍ يسرق ما بحوزة جاره، وكلاهما راضيان، لأن الجميع سواسية في قرية اللصوص.
جِدْ لنفسك، أيها الغرُّ المتعب، ركناً في احتشاد الأقلام العاطلة عن العمل. انتهزْ كل فرصة تسنح لك. عشْ في الظلِّ عيشاً هنيئاً وأنت تسمع أم كلثوم أو فيروز وتفتح صفحتك على «فيس بوك». لا تأمل في سطوع صيتك، لن تصير محمد حسنين هيكل أو روبرت فيسك.
تتفحَّص ما اقتنيته كإحدى اللقى ثم تهرع إلى نشر مقالك قبل أن يسبقك منافس آخر فتفوتك الفرصة كالعمَّال المياومين، إذ لا جدوى من قراءة كتاب سبقك إليه غيرك لأن الناشر أهداه نسخة مجانية.
لا تيأس إذا ترك القارىء الجريدة وراءه على طاولة مقهى، فهذه ضريبة فنون التواصل تُلغى بالتقادم أو يطويها النسيان، وما تهرقه من عرقٍ يسيل ونقرات تؤلم أصابعك على لوحة المفاتيح لن يدوم إلا برهة قراءته فحسب. لا تتباطأ، تجنَّب الوعورة ولخِّص الرواية باستهلال وخاتمة بسيطَين، قارنْ واقتبس، ثم ضع في المتن خلاصة الأحداث وبضعة شواهد، مثل مواضيع الإنشاء تماماً، لكي تستقيم البرهنة على صحَّة استنتاجاتك.
لا تهجر خضوعك السرِّي. تأمَّل الكتب التي راجت وأصحابها، وانتظر نهاية العام حين يصل «دليلك إلى خير جليس». سوف تقرأ مرَّة أخرى عن تضاؤل المقدرة الشرائية للطبقة الوسطى وتلاشي القراء، عدد الكتب المترجمة سنوياً في إسبانيا أو إسرائيل، الدقائق الست التي تستغرقها قراءة العربي خلال سنة واحدة…
«الغاوون»، العدد 34، 1 كانون الأول 2010

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى