صفحات ثقافية

الإنسانية المغدورة

null
عزت القمحاوي
اليوم، السبت، يغلق باب الترشيح لمنصب أمين عام اليونسكو، وقد باتت فرص الوزير المصري فاروق حسني تقترب من الصفر. وهذا مؤسف، لأن فوزه يهمنا من باب إنقاذ الثقافة المصرية والآثار من بين يديه؛ فمن دون الفوز بهذا المنصب سيبقى ما بقي النظام القائم في مصر.
الموقف شبه محسوم، لكن من غير المؤكد أن ينتهي الجدل حتى انتخابات الخريف. ولن يبقى لنا من ترشيح الوزير المصري سوى عبرة حملات التأديب التي مارسها أنصار إسرائيل على فاروق حسني، عقاباً له على قيم يعرفون أنه لم يؤمن بها يوماً.
آخر هذه الحملات المقال المذهل الذي وقعه في ‘لوموند’ الخميس 21 أيار (مايو) ثلاثة من الفرنسيين يعارضون فيه بقوة ترشيح فاروق حسني أميناً عاماً لليونسكو. مذهل أولاً لأن جريدة عريقة تنشر نصاً بهذه السطحية والتهافت، ومذهل ثانياً لما ينطوي عليه من انحياز فاضح وغير عقلاني لإسرائيل بين قطاع من الأوروبيين يفكرون بهذه الطريقة، أو بالأحرى يهتفون من دون تفكير على الرغم من الألقاب العلمية التي يحملونها.
المقال موقع باسم برنار هنري ليفي، كلود لانزمان، وإيلي ويزل، الأول يحمل صفة فيلسوف على الرغم من أنه ابن مخلص لزمن الاستعراض، والثاني سيناريست ورئيس تحرير مجلة والثالث حائز على نوبل للسلام، ولا يبدو في النص الصغير أية فلسفة أو منطق أو حبكة درامية أو احترام للسلام والإنسانية أو أي من المعاني الكبيرة التي استخدموها.
‘عار في اليونسكو’ هذا عنوان كلامهم الذي بدأوه بالاستفهام: ‘أليس هو القائل فى نيسان (ابريل) 2001: ان اسرائيل لم تسهم قط في الحضارة في أي وقت على الإطلاق لكنها تنسب لنفسها حضارات الآخرين؟’.
وعلى هذا المنوال تمضي تساؤلاتهم المبنية على تصريحات لفاروق حول إسرائيل، قبل أن يناشدوا البلاد المحبة للحرية والسلام باستبعاده، ويناشدوا الرئيس المصري سحب ترشيح وزيره احتراما لعظام الكاتب الكبير نجيب محفوظ في قبره. التهافت في المقال يبدو حتى في معلومة بسيطة، مثل مدة استوزار فاروق حسني التي اعتبروها خمسة عشر عاماً، وهي أقل بسبع سنوات، ربما لم يتصوروا عجيبة أن يبقى شخص وزيراً لمدة اثنين وعشرين عاما؟!
أسباب رفضهم من أولها إلى آخرها، هي ذات الأسباب التي أعلنتها من قبل أصوات غربية أخرى، لا تتصل بكفاءة فاروق حسني لتولي المنصب. ومسيرة الرجل في إدارة الثقافة والآثار المصرية بها الكثير مما يجب أن يحول دون إدارته لمنظمة تهتم بآثار العالم.
كل الأسباب تتصل بإسرائيل، التي استجابت مؤخراً للطلب المصري وأعلنت تعديل موقفها من المرشح، كما أن الوزير نفسه في مناسبات عدة منذ ترشيحه قال إنه لم يكن يعبر عن رأيه الشخصي في قضية التطبيع، بل كان متبنياً ومنفذاً لرأي أغلبية المثقفين المصريين الذين لا يستطيع أن يخرج على إجماعهم. لكن الفرنسيين الثلاثة رأوا أن يذهبوا إلى الحج بعد عودة الحجيج. والوزير المصري رأى أن يرد عليهم معتذراً عن تصريحه بحرق الكتب الإسرائيلية وبتوضيح أنه وزير في دولة تقيم سلاماً مع إسرائيل، من دون أن يذهب أعمق مما ذهب الفرنسيون الثلاثة، أو يسألهم عن الأسباب التي تضفي هذه القداسة على الدولة العبرية.
وزع الوزير المصري النسخة العربية من رده على الصحف المصرية، قبل أن تنشره ‘لوموند’. والمدهش أن تظل إسرائيل في هذا الحوار، كما هي، دولة مقدسة لا يمكن الاقتراب منها، هكذا بالبلطجة من دون منطق فكري أو أخلاقي!
نفهم قداسات الأديان ونحترمها ونريد من الآخرين أن يفعلوا مثلنا، لكن قداسة نظام سياسي أو دولة بناها البشر، بطريقة طبيعية أو غير طبيعية، فهذا شيء يتجاوز كل منطق، ويهين الإنسانية في عقلها وأخلاقها.
من المؤكد أن فاروق حسني كان بوسعه أن يقول إن فرنسا لم تسهم بشيء في الحضارة الإنسانية، من دون أن يعتبره أحد شخصاً خطيراً، على الرغم مما ينطوي عليه ادعاء كهذا من ظلم للحقيقة.
وإذا كانت قصة قيام إسرائيل القريبة جداً ماثلة للعيان، والإبادة التي مارسها المستوطنون ضد الفلسطينيين باتت موثقة بأقلام مؤرخين إسرائيليين، وجرائم اليوم موثقة صوتاً وصورة، ومع ذلك يحرم علينا أن نناقشها، وليس أقل من مناقشة إسهام هذا الكيان في الحضارة من عدمه.
لنفترض أن الإسرائيليين لم يرتكبوا أياً من الجرائم ضد الإنسانية، وأن دولتهم قامت بالتراضي على أرض خلاء لا أصحاب لها، فكيف لدولة عمرها ستون عاماً أن تصنع حضارة؟!
انتقال الشخص إلى بيت جديد يكلفه أعواماً من الارتباك والتشوش، فكيف استطاعت الدولة المحاربة المكونة من مهاجرين لم يرتبوا بيوتهم بعد أن تبني حضارة أو تقدم إسهامها؟!
لماذا لم يرد (المفكرون الثلاثة) على مقولات فاروق حسني بذكر إسهام واحد لإسرائيل في الحضارة الإنسانية، بدلاً من اعتباره شخصاً خطيراً، لأنه قال العكس؟!

القدس العربي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى