صفحات سورية

كلمة السر في مبادرة الاخوان المسلمين (نحن)

null
زهير سالم
لم يكن غريباً، في أجواء الحرب المفروضة على الأمة، ما صدر عن جماعة الإخوان المسلمين في سورية، حول تعليق الأنشطة المعارضة، توفيراً للجهد على محور الصراع الأساسيّ، لم يكن غريباً أن يصدر مثل هذا الموقف عن جماعة الإخوان المسلمين، ففي تاريخ هذه الجماعة الكثير من مواقف الشموخ والتسامي والإباء؛ ولكن ربما فاجأ هذا الموقف بعض الذين (لا يذكرون) أو (لا يعلمون)، أو الذين يحاولون أن يكيلوا ماء البحر بمكاييلهم (الكبيرة)!! عفوا عزيزي إنه البحر لا يكال، وإنها الشمس لا تحجب بغربال.. وحقيقة هذه الجماعة هي التجلّي النهائي لصيرورة دعوة الأنبياء الكرام عليهم الصلاة السلام، بكل ما فيها من ألق وعدل وسموّ..
كلمة السرّ في مبادرة الإخوان المسلمين تلك، هي أنّ مدلول الضمير المبهم (نحن) في تصورهم، يتجلّى بما يقتضيه المقام، ويفرضه منطق الأحداث، وفي أجواء الحدث الجريمة التي يرتكبها العدو الصهيوني في غزة في العدوان على الأطفال والنساء، في أجواء هذا الحدث ودلالاته وأبعاده، وتقويمنا المستقبليّ لما يمكن أن يترتب عليه، تتسع عندنا دائرة (النحن) لتشمل في آفاق متراتبة من الأولويات، كلّ من كان على الجانب الآخر من الأحداث.
ثم إنّ المبادرة التي تقدمت بها جماعة الإخوان المسلمين هي تعبير عن إدارك، وعن رؤية، وعن توجّه، وهي تفاعل مع واقع، وتطلّع لمستقبل يمكن أن يكون..
فعلى الصعيد العربي والإسلاميّ، تأتي هذه المبادرة تفاعلا مع مقتضيات الواقع الجديد الذي فرضه العدوان الصهيونيّ الغاشم على أمتنا، وانسجاماً مع تطلعات جماهيرها التي عبّرت عنها المسيرات المليونية بمختلف وسائل التعبير، والتزاماً بأولوية القضية الفلسطينية المحورية، على كلّ القضايا القطرية أو الفرعية.
وعلى الصعيد نفسه تصر جماعتنا على رفض صراع المحاور العربية في السياق الذي نحن فيه، وتصر على رفض التصنيفات المسبقة بكل أبعادها، كما تصر على رفض الانخراط في مثل هذا النوع من الصراع. وتستصرخ في ضمائر قادة الأمة كافة النخوة والحمية، وتؤكد أن لا أحد من قادة الأمة ولا من جماهيرها وقواها معذور في التواني عن نصرة أهلنا في فلسطين.
وعلى الصعيد الوطنيّ، يمكن لهذا الموقف أن يكون محطة عابرة على الطريق، ويمكن أن يكون – إذا وجد من يقدره – قاعدة انطلاق إلى (النحن الوطنيّ) السابغ والواسع، الذي يدرك طبيعة المعركة وأبعادها وآفاقها، وما ينبغي أن يحذر منها حالا واستقبالا .
الإخوان المسلمون بخلفيتهم الإسلامية والقومية والوطنية، يلقون بهذه المبادرة للواقع الوطني في سورية بحبل الخلاص، الخلاص للجميع، الخلاص الذي لا يتمحور حول فريق ضد فريق. وستبقى مبادرتهم هذه مرهونة بطريقة استقبالها، وطريقة التعامل معها، والنتائج التي يمكن أن تترتب عليها..
مرة أخرى كلمة السر في هذه المبادرة هي (النحن) الإسلاميّ والقوميّ والوطنيّ الجامع.. فهل ستولد الرؤية الجامعة من رحم هذه الأحداث الفاجعة؟ وتتلقف المبادرة حيث يزول في هذا الإطار الجامع، ثنائيات (نحن.. وهم) ذات العديد من الوجوه والألوان؛ ليكون وطيس حرب غزة وما بعد غزة، المرجل الذي تنصهر فيه الإرادات والقوى وجيمع الضمائر المنفصلة في ضمير واحد، كلمة سره (نحن) الإسلامي العربي الوطني الجامع؟.
وأمر آخر أرادت المبادرة إيصاله إلى الواقع الوطني بكل من فيه وما فيه: وهو أنه يجب لنصرة غزة أن تأخذ مداها، والمطلوب في هذه النصرة أمور كثيرة، أكثر من الإيواء وأكثر من الدعم اللفظي؛ والإخوان المسلمون بمبادرتهم هذه إنما أرادوا أن يشهدوا الله ثم التاريخ والناس أنهم سيظلون السباقين لأداء واجب النصرة في آفاقها المفتوحة، ومفاهيمها المطلقة؛ وأنهم بموقفهم هذا أرادوا أن يكونوا المبادرين إلى سد الخلل وإغلاق منافذ العلل.
* مدير مركز الشرق العربي للدراسات الحضارية والاستراتيجية
أخبار الشرق – 11 كانون الثاني/ يناير 2009

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى