صفحات سورية

“عقدة سورية” في جولة المبعوث الأمريكي جورج ميتشل

null
أفادت التقارير الصادرة من العاصمة الأمريكية واشنطن بأن السناتور جورج ميتشل المبعوث الأمريكي الخاص إلى الشرق الأوسط سيقوم بجولة شرق أوسطية لمواصلة الجهود الأمريكية المتعلقة بحل الأزمة في المنطقة.
مهمة ميتشل: بين المصداقية والشكوك؟
تشير المعطيات إلى أن السيناتور ميتشل لم يكن الأول لجهة تولي منصب المبعوث الأمريكي الخاص للشرق الأوسط، فقد سبقه إلى ذلك كثيرون منهم دنيس روس وغيره، ولما لم يستطع أي واحد منهم إكمال مهمته بنجاح (بما فيهم السيناتور نفسه خلال فترة إدارة كلينتون) فإن ميتشل لن يكون هو الأخير، طالما أن كل الحيثيات تفيد لجهة أنه لن يكون سوى حلقة مكررة في سلسلة المبعوثين الخاصين الذين درجت الإدارة الأمريكية على إرسالهم إلى المنطقة للقيام بمساعي السلام التكتيكي على حد تعبير اليهودي الأمريكي ديفيد فورمزر وليس السلام الاستراتيجي.
يقوم ميتشل بمهمة المبعوث الأمريكي الخاص ولكن برغم وضوح مفردات عبارة “المبعوث الخاص للشرق الأوسط” من جهة، فإنها من الجهة الأخرى تمثل بعد التدقيق والفحص وعبارة تحمل من الغموض في باطنها أكثر مما تحمل من الوضوح في ظاهرها وبكلمات أخرى، هل عبارة “المبعوث الأمريكي الخاص…” هي الجزء الظاهر من جبل جليد دبلوماسية واشنطن الشرق أوسطية التي تصنع إسرائيل كل ملامحها وخطوطها العامة والخاصة؟
* دبلوماسية واشنطن وعقدة سوريا: الحلقة المفقودة في دبلوماسية ميتشل؟
أكدت التقارير والمعلومات أن المبعوث الأمريكي الخاص جورج ميتشل سيقوم بجولة شرق أوسطية جديدة سيغطي نطاق جدول أعمالها مناطق: إسرائيل – مصر – بلدان الخليج – بلدان شمال إفريقيا – الأراضي الفلسطينية.
وبإلقاء نظرة سريعة يتبين أن دمشق برغم أهميتها المركزية في كافة ملفات الصراع العربي – الإسرائيلي الرئيسية والفرعية ما زالت خارج نطاق جدول أعمال دبلوماسية المبعوث الأمريكي الخاص.
غياب، أو بالأحرى، تغييب دمشق عن دبلوماسية ميتشل وبرغم نوايا إدارة أوباما الديمقراطية الجديدة هو تغييب يحمل في ذاته وبين ثناياه ملامحاً يعود تاريخها إلى أجندة اليهودي الأمريكي إبليوت إبراهام وبرغم أن إبراهام قد رحل، فهل يقوم شابيرو من وراء كواليس مجلس الأمن القومي الأمريكي بنسج خيوط دبلوماسية واشنطن الشرق أوسطية إزاء دمشق على غرار نموذج ما كان يشدد على القيام به سلفه إبراهام؟
وإذا لم يكن “ذلك كذلك” –كما يقول المناطقة- فهل تغييب دمشق في مثل هذا الوقت أمر مرتب له سلفاً بحيث يأتي دور دمشق في نهاية المطاف وتحديداً بعد أن تكون دبلوماسية المبعوث الأمريكي الخاص ميتشل قد نسجت خيوط العنكبوت في كل العوامل المتبقية بملف الصراع ثم بعد ذلك وبعد أن تكتمل عملية فصل الأطراف عن المركز يتقدم بعد ذلك السناتور إلى دمشق من أجل الحصول على موافقتها على أجندة “الأمر الواقع”.
* مثلث شابيرو – فيلتمان – روس: إشكالية الخيارات الحائرة:
تقول المعلومات أن عملية صنع واتخاذ القرار في دبلوماسية سوريا ومنطقة شرق المتوسط تقوم على تضافر جهود المثلث المتكونة أطرافه من:
• شابيرو: المسؤول عن الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي الأمريكي والذي قام بزيارة دمشق خلال الأسابيع الماضية والذي تقول سيرته الذاتية بأنه أمضى زهرة شبابه في خدمة إسرائيل واللوبي الإسرائيلي.
• فيلتمان: السفير الأمريكي السابق في لبنان الذي يتولى حالياً تصريف أعباء منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأوسط. هذا، وبرغم انصراف وزيرة الخارجية الجمهورية السابقة كوندوليزا رايس فإنه ما زال يتولى تصريف مهام المنصب خلال فترة وزيرة الخارجية الديمقراطية الجديدة هيلاري كلينتون.
• دنيس روس: مبعوث السلام الخاص السابق في الشرق الأوسط الذي يتولى حالياُ ننصب المسؤول في الخارجية الأمريكية عن ملف إيران وبلدان الخليج والذي كان من المفترض أن يتولى منصب وزير الخارجية لو تحققت أحلام اللوبي الإسرائيلي بصعود إدارة هيلاري كلينتون وليس إدارة أوباما.
إن وجود هذا الثلاثي وسيطرته على مفاصل صنع قرار دبلوماسية سوريا والشرق الأوسط في الإدارة الأمريكية، رغم وضوح دلالة سيناريوهات الأداء السلوكي الدبلوماسي الأمريكي إزاء سوريا يطرح الكثير من التساؤلات الحرجة المتعلقة بـ”عقدة سوريا” التي ما زالت مسيطرة على إدراك الإدارات الأمريكية، وهي تساؤلات تتمحور حول الآتي:
• هل سيحقق وجود هذا الطاقم طموحات الإدارة الأمريكية الديمقراطية بالشكل المطلوب والمعلن على لسان الرئيس أوباما إزاء الالتزام بالتعامل مع سوريا وحل مشكلة الشرق الأوسط؟
• هل هذا الطاقم الثلاثي مؤهل لإحداث تغييرات في مسار الدبلوماسية الأمريكية إزاء سوريا والشرق الأوسط بشكل يختلف عن مسار دبلوماسيي إدارة بوش الجمهورية السابقة؟
* ما هي خلفيات “عقدة سوريا” في دبلوماسية واشنطن؟
إن التعرف على خلفية العقد بشكل عام يتطلب أولاً وقبل كل شيء تفكيكها لجهة التعرف على مكوناتها، “عقدة سوريا” لا تشكل استثناءً عن هذه القاعدة، وبتوضيح أكبر تشير معطيات الأداء السلوكي الدبلوماسي الأمريكي إزاء سوريا إلى أن أصل المشكلة يعود إلى طبيعة الإدراك الأمريكي وطبيعة عملية صنع قرار دبلوماسية سوريا وقد لخص أحد خبراء شؤون الشرق الأوسط أصل العقدة ضمن عبارة “فجوة التوقعات” على خط دمشق – واشنطن وعلى هذه الخلفية يمكن الإشارة إلى أن فجوة التوقعات تتضمن الفجوات الفرعية الآتية:
• تتوقع واشنطن الآتي:
– أن تتخلى سوريا عن الجولان.
– أن تتخلى سوريا عن إيران.
– أن تتخلى سوريا عن حلفائها اللبنانيين والفلسطينيين.
• تتوقع دمشق الآتي:
– أن تسترد أراضيها المحتلة.
– أن تحتفظ بحقها السيادي في استقلالية قرار سياستها الخارجية.
– أن تلتزم واشنطن بتقديم الضمانات اللازمة إزاء الاتفاقات.
وتأسيساً على ذلك نلاحظ الآتي:
• التوقعات الأمريكية إزاء ما هو مطلوب من دمشق هي توقعات تعبر عن نموذج مثالي.
• التوقعات السورية إزاء ما هو مطلوب من واشنطن هي توقعات تعبر عن نموذج واقعي.
وبالتالي فإن الفروق بين توقعات واشنطن وتوقعات دمشق هي مثل الفروق بين المثالية والواقعية وبالتالي فمن الطبيعي أن تتصادم على رحى المسرح الدبلوماسي إرادة المثالية الأمريكية مع إرادة الواقعية السورية.
ولكن كعادة واشنطن فقد درج الأمريكيون على عدم التنازل عن النماذج المثالية ومواصلة الجهد من أجل فرضها وذلك بما يتيح لواشنطن تعديل الواقع بما يتيح قبوله لتطبيق النماذج المثالية.
• إن دبلوماسية عزل سوريا التي انتهجتها إدارة بوش كانت بهدف الضغط على سياسة دمشق من أجل تعديلها بحيث تتخلى عن نموذجها الواقعي وتتقبل النموذج الأمريكي.
• إن دبلوماسية تغييب دمشق التي يطبقها المبعوث الأمريكي ميتشل تهدف إلى محاولة تعديل المواقف العربية المشتركة إزاء ملفات الصراع العربي – الإسرائيلي بما يتيح إقناع الأطراف العربية بالنموذج المثالي الأمريكي بحيث تصبح المواجهة في نهاية الأمر مواجهة عربية مثالية مع عربية واقعية.
عموماً، تقول التسريبات الدبلوماسية الأمريكية أن ملامح خطوط دبلوماسية سوريا ستقوم على النقاط الآتية:
• وضع استراتيجية تقوم على أساس مبدأ إبعاد سوريا عن إيران مقابل اتفاق السلام مع إسرائيل.
• التأسيس لشروط تفيد لجهة أن أمريكا ستقبل برعاية مفاوضات السلام السورية – الإسرائيلية إذا تخلت سوريا عن إيران.
وعلى هذه الخلفية يمكن ملاحظة أن مجلس الأمن القومي الأمريكي الجديد سيسعى لوضع العربة أمام الحصان وهذا معناه أن على سوريا التخلي عن إيران كبادرة لبناء الثقة في العلاقات السورية – الأمريكية وبعدها ستسعى الإدارة الأمريكية للتفاهم مع دمشق حول رعاية المفاوضات، وهكذا ستكون سياسة مجلس الأمن القومي الجديد قد نجحت في جعل حكومة نتينياهو تجلس بعيداً بلا خلافات لا مع واشنطن ولا مع دمشق ريثما يتم حل خلافات دمشق – واشنطن وتقبل واشنطن بالوساطة في مفاوضات السلام السورية – الإسرائيلية.
موقع الجمل: قسم الدراسات والترجمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى