صفحات ثقافية

لا نور في نهاية نفق سنوات الضياع

null
د.أكرم شلغين
رداً على تفاؤل أحدهم قبل أكثر من عقدين من الزمن بأن العرب سيغزون الأرض يوماً، علّق عراقي هارب من صدام بما هو تراجيكوميدي فقال: أجل، إلاّ أن ذلك سيحصل بعد أن تكون بقية شعوب الأرض قد غزت كواكب أخرى وأقامت عوالمها هناك ولم تعد الأرض هي الأفضل لها.. عندها سيتركون الأرض لكم. من يُشغل نفسه بمراقبة حركة العرب واهتماماتهم وآفاقهم، مقارنة بما يجري في أما كن أخرى من العالم، لا بد أن ينتبه لحقيقة أن الجواب الدقيق عن سؤال “أين سيصلون!؟” يبقى خارج المقدور عليه، فطبيعة وإحداثيات سيرهم تنبئ بكل شيء إلا السلامة إثر ما هم ماضون إليه من تسطيح معرفي وتفريغ ثقافي في عصر سمته السباق إلى المعرفة والتهافت على العلم. تدفع للكتابة عن هذا الموضوع حالة المجتمعات العربية المخدرة والمسطحة بفعل ما يمارس عليها وما تخضع له من أجهزة الاستبداد الأيديولوجية وكذلك ما تحقنها به الأيديولوجيا الدينية المتزمتة المحاصرة للعقل، إذ أن تأثير (وفي كثير من الأحيان تزاوُج) وجهي العملة طوّق وأسر وقولب أذهان أفراد المجتمعات العربية إلى حد أصبحت معه تتسمر أمام التليفزيون لترى مسلسلات “سنوات الضياع” و”نور” (وقبلهما “باب الحارة”…و…و..) ولنسمع أن هناك من انتحر ومن طلق زوجته أو من انفصلت عن زوجها بعد رؤية هذا المسلسل أو ذاك ولنقرأ، بنفس الوقت، أن رجال الدين يحرّمون لبس تي شيرتات عليها “مهند” أو “نور”، ولنقرأ في موقع البي بي سي بالعربية أن مفتي السعودية قرر أن “إذاعة” هذا المسلسل أو ذاك “يحارب الله ورسوله”.
للكارثة هنا أكثر من بعد، فلا هي تختزل بسطحية ما يقدم للمشاهد من مواد، ولاهي تتوقف عند ضحالة التركيب النفسي الاجتماعي الثقافي للمغرمين بها ولا هي تنتهي عند مطلِق الفتاوى السعودي الذي أخاله قد نام لزمن مدته أضعاف مضاعفة من تلك التي نامها أهل كهفه واستيقظ فقط قبل بضع ساعات ليصطدم بمن وبما حوله (والعكس صحيح أيضاً ليصطدم الجميع بمخلوق ينتمي إلى قرون مضت). بصرف النظر عن الفتاوى السعودية وعن كل ما يدور، لو عرضنا ما هو مستطاع من بعض من تلك المسلسلات المدبلجة التي تشد الناس في منطقتنا إليها وتجعلهم يتأثرون بها إلى ذلك الحد، أو مثل ذلك المسلسل السوري “باب الحارة” على أي كان خارج منطقتنا، وليس فقط على من يعيشون في المجتمعات الأوربية أو الأمريكية عالية التصنيع، لصمد كثيراً وقاوم بما فيه الكفاية كي يستطيع إتمام ما يراه من تلك المسلسلات حتى النهاية، ولكانت تلك عقوبة قاسية له (مع تأكيد الاحترام لشخص كل من له صلة ما بتلك المسلسلات)، وذلك ليس من باب التحفظ على مشاهدة المسلسلات (أياً كانت طبيعتها) بل على العكس ففي العالم ككل (والغربي خاصة) غالباً ما يبحثون عن شيء ما في الأعمال الفنية (وغيرها) لتقديرها ولتثمين الجهود التي أخرجتها إلى النور، إلا أن تفحص المواد المذكورة بمواضيعها والتفكير بحقيقة وواقع أنها تشد غالبية العرب إليها يوضح عدة نقاط في طليعتها: التغييب، الخلو أو الفراغ الثقافي (cultural void)، التسطيح الفكري، فقدان الصلة ليس فقط بعالم اليوم بل أيضاً بما يجري من حولنا وفي محيطنا الأضيق، والأهم من هذا وذاك، من ناحية أخرى، ما فعلته المكنة الأيديولوجية بعقول البشر حين تحبسهم أمام التليفزيون (على حد تعبير أحد الصحفيين السوريين حينما استطاع التعبير عن رأيه في فترة ربيع دمشق) فكتب ساحباً على كلام جدته في كيفية “حبس” “العصمللي” في حينه لأبناء البلد وما يراه في هذا الحين من حبسهم أمام ذلك “الصندوق” المسمى تليفزيون.

أن تكون المدارك والمقدرات الثقافية والمعرفية لشعوب منطقتنا محجَّمة ومقزَّمة بهذا الشكل فإن ذلك يتطلب عملية ممنهجة ومدروسة بكل تفاصيلها، وهذا ما حصل، ويحصل، بالضبط في الساحات العربية مع تنوع في التفاصيل تعود أسبابها لتباينات يحددها الاختلاف في التركيب الاجتماعي بين بلد وآخر في المنطقة وكذلك اختلاف مداخل الحكام للحكم بين بلد وآخر. لسنا هنا بغرض تقديم إحصائيات أو ما إلى ذلك عن كل بلد عربي ولكننا نكتفي بعناوين عامة وعلى أهمية بالغة في قراءة الانحدار. في صيف عام 1992، في جلسة خاصة بدمشق، بقلق بالغ وبقلب مثقل بالهموم، تحدث كاتب سوري متميز بأن تعليمات السلطات الحاكمة ودوائرها بدمشق قضت، في ذلك الحين، بأن توجه الكتابات (للمسلسلات التليفزيونية) وتكثف الجهود لما يمكن أن يرضي ذوق “أهل الخليج”، فقد اعتبر كاتبنا أن ذلك إنما هو قرار سياسي بمثابة انقلاب يأتي في سياق تاريخي مليء بالتغيرات في العالم العربي إثر حرب الخليج الثانية لإخراج قوات صدام من الكويت ـ بمشاركة القوات السورية والمصرية بها مقابل الأموال التي دفعتها دول الخليج للنظامين ـ وما تبع ذلك من آثار على الشارع العربي، وبعد انطلاق ما سمي بمؤتمر مدريد للسلام في الشرق الأوسط عام 1991. تكلم كاتبنا بحسرة لأنه، من جهة، يجد نفسه مرغماً على كتابة ما لايرغب بكتابته ولو امتنع عن ذلك لفقد مصدر عيشه، ومن جهة أخرى لأنه يحزن أن تكون كتابته موجهة للخليجيين تحديداً فيما يحمله ذلك من تعام قسري عن محيطه وناسه وثقافته وتاريخه وقبل كل شيء عن همومه الوطنية (ناهيك عما يحتمل ذلك الانقلاب من غصّات للمثقفين السوريين الذين أدركوا بعد هزيمة حزيران 1967أن السلاح المعرفي الثقافي، باني الشخصية والمرسخ للهوية، لايقل أهمية عن الأسلحة الأخرى في تحصين الأوطان. وفي الواقع، لو أتيح للكثير من مثقفينا وكتابنا ومفكرينا أن يعملوا دون مؤثرات، من نوع أو آخر، لأبقوا على منظارهم التاريخي في رؤيتهم للخليجيين، بدلا من إرضاء ذوقهم.
يبقى الأخطر أنه في نفس الوقت الذي يتغير فيه اتجاه أقلام مثقفينا ليصبح محض خدمة إرضاء الأذواق في أماكن أخرى، هناك عملية سير نحو الوراء على مستويات مختلفة لأهل المنطقة. فأذرع النظام الإيراني ممتدة تعمل في أكثر من مكان في المنطقة وتنجح في بعض من الاستقطاب بهذه الوسيلة أو تلك. وبكل أسف يبدو أن هناك من ينظر بإيجابية لما يجري على هذا الصعيد حين يدور النقاش على اعتبار أن الاستقطابات الإيرانية تنقل البعض من حالة التسيب الديني (السلبية) وتنحت بهم معالم شخصيتهم المسلمة (الفاعلة)… فهذا الرأي يشير جوهرياً إلى قضايا كثيرة وفي الحد الأدنى إلى الميل لقبول الأفراد كمتدينين وتضييق دوائر الخناق حولهم فيما لو كانوا غير متدينين. بنفس المنوال هناك تحول سلبي لأهل منطقتنا عندما يضطرهم العامل الاقتصادي إلى الذهاب للعمل في الخليج فيعود البعض منهم غرباء عن مجتمعاتهم: نساؤهم مختبئة بالبرقع (أو على الأقل بالحجاب) ورجالهم يكلمونك باهتمام شديد عما تجاوزته ولفظته البشرية منذ قرون، وفي أحسن الأحوال يتحدثون بدهشة عن البنايات الشاهقة وحركة العمار، دون أن يعوا أن الأبراج والأبنية العالية لا تُمدن البدوي ولا تُغير جوهرياً من تركيبه النفسي والذهني، ولا تبدل من وعيه ـ أو عدم وعيه ـ الحضاري والثقافي والإنساني، ما يسمح له (على سبيل المثال لا الحصر أن يُبقي حارساً هندياً فقيراً يعمل لديه بدون أكل أو شرب ليموت وتكتشف جثته بعد عدة أيام، كما تناهى إلى الأسماع مؤخراً). حيال مشاهد ضياع هوية مجتمعنا الثقافية هذه ورؤية العائدين من العمل من الخليج وما هم به، يصبح واحدنا نوستالجياً للفترة التي كنا نصغي بها للدارسين، العاملين أو الزائرين لدول العالم (بما فيها دول المعسكر الشرقي سابقاً بالرغم مما ساد في الأخيرة من قمع في ظل النظم الشمولية). فقد كان أولئك يحدثونا بأشياء لها علاقة بالعلم، بالمعرفة، بعالم متطور بعلاقات إنسانية تنسج في ظل ظروف سياسية قاهرة إلخ…ولم نكن حينها نجلد بالاستماع إلى ما فيه الجهل المطلق، أو الخرافة والوهم الديني والتعصب الأعمى القادم من آبار الجهل البشري.
من البديهي للمراقب لما يجري للشعوب في منطقتنا أن يدرك أن مستقبلها سيكون أحلك ظلاماً، ولا من مؤشر على غير ذلك. لنتجاهل، عمداً هنا، ما تعج به المناهج المدرسية من تجهيل حقيقي، ولنتوقف عند مظهر آخر فيما تقدمه وتزرعه إحدى وسائل الآلة الأيديولوجية العربية في المجتمعات العربية مقارنة بغيرها. لو راقبنا تلفزة العالم لانجذبنا إليها لما تقدمه عموماً ويتعلق بسبل تطوير حياة البشرية بكل المعاني والأبعاد، لنقل على سبيل المثال، عما يقوم به العلماء من أبحاث لأمراض الإيدز والسرطان وغيرها، والأخبار عن عمليات زرع الأطراف..، عن كيفية التعاطي مع الكوارث الطبيعية وتصميم الأبنية المخصصة لحالات وقوع الزلازل، وسنشاهد عن غزو الفضاء واكتشاف المياه في المريخ… وأما في التلفزة العربية، بالمقابل، فسنعرف منها بالتحديد عما إذا كان أحمر الشفاه يُفطِر “الأخت الصائمة” وما إذا كان في ما يخرجه “الأخ المؤمن” من ريح (بصوت أو بدون صوت) شبيهاً بحكمه لخروج “الغائط من أحد السبيلين” وبالتالي سيفسد وضوء أو صيام الأخ المؤمن في رمضان، سنسمع عن التداوي ببول البعير وفتاوي مثل إرضاع الكبار…وسنسمع عمن يناقش منع تدريس الفلسفة في الكويت لأن بها الزندقة والهرطقة! (ولا نستبعد إن كانت بلدان أخرى في المنطقة ستناقش فيما إذا كان لتدريس الرياضيات شيء من الزندقة! فمن يدري؟) وبالطبع لاغرابة في مجتمعات تتغذى يومياً بتلك الآفات أن تلتف الناس بعشرات الآلاف وراء الملتحي ويضع لفّة على رأسه بينما تبتعد عن، بل وتكفر ـ ولا تتوانى عن قتل ـ من يتجرأ على أن يعي ذاته وزمانه وما حوله. بعبارة مختصرة، سيغدو مستقبلها مظلماً تلك الأمة التي تصغي لـ”علماء” دينها وتسكت علماء دنياها.
بموازاة ما يحصل للفرد في الشارع، هناك إعدام جماعي حقيقي للطاقات القادرة على العطاء على مستوى المؤسسة الأكاديمية. لا نبالغ إن جادلنا بأن العالم العربي يفتقد بحق لمؤسسة أكاديمية، وفي كل بلد عربي تبرز المعوقات وتجبر الأجواء الخاصة قيام هكذا مؤسسة، وفي الواقع لا مصلحة لمن يحكمون ويديرون تلك البلدان في تغيير الوضع الراهن والذي يشمل بالضرورة، فيما لو حدث، وجود مؤسسة أكاديمية على غرار العالمية، بل على العكس، إنهم يعتبرون أن التغيير في طبيعة عمل وسير المؤسسات الأكاديمية يشكل تهديداً مباشراً لهم، ولهذا ينتهجون سياسة الإبقاء على التخلف والتي تشمل، فيما تشمله، عملية تجفيف الأدمغة وبطرق متعددة. وأعطي مثالاً هنا “جامعة” اللاذقية (لمعرفتي بها عن قرب)، حيث أن قنوات سير أعضاء الهيئة التدريسية في مختلف الأقسام والكليات مفروضة ومعروفة وخطوط العرض التي يتحركون ضمنها مقتصرة جداً. تتضح الخيارات باكراً أمام من يريد العمل بتلك الجامعة، فإن أراد أن يعمل بصدق فذلك يعني بالضرورة عدم الاستمرار والفصل والمحاربة بلقمة العيش والقمع (والأمثلة كثيرة ومعروفة)، ولهذا إما أن يلجأ مضطراً إلى اللامبالاة ويتحول الأكاديمي عندها لسارد نكات ولاعب ورق ممتاز (لتمضية الوقت كي لايصبح بحد ذاته مادة كتابة للمخبرين المترصدين)، وإما أن ينسى أكاديميته ويتحول إلى مخبر (وليس هناك شحاً في الأمثلة وهذا ما يثير القلق عندما يصبح حامل شهادة الدكتوراه من جامعة مرموقة بباريس منتدباً لدى فرع أمن الدولة فيستطيع عندها مقارعة عميد الكلية الذي يقدم بدوره التقارير اليومية لمساعد بفرع الأمن السياسي باللاذقية، وعندما يخاف أعضاء الهيئة التدريسية من رئيس قسم بكلية التربية الذي يقدم التقارير الدورية لأي فرع أمن يطلبها منه…)؛ إضافة إلى هرب قسم كبير من الأكاديميين من البلد لعدم استطاعتهم ملاقاة أي من الشروط المفروضة على الأكاديمي والتي ذكرناها للتو.
وسط ما يحدث، لا بد وأن يعيش صدمة كل من عرف البلد من قبل ويعود إليها الآن ليرى الناس كالأشلاء متناثرة لا هيكل لها ولا صورة واضحة تحدد بنيتها وليرى مجتمعاً أجوفاً ينخرط به المثقف والأكاديمي ـ كما الصحف الرسميةـ بمناقشة “فن” “علي الديك” ومجتمعاً يُطرب في جزئه لصراخ “عالمشفى يا بوفهد” وفي غالبيته ينصت لما يأتي من المآذن التي انتشرت كالفطر يتعالى منها الصراخ عبر مكبرات الصوت ليلاً نهاراً بشكل يدل على أن من يطلقه يعتقد ليس فقط بأن كل الناس في المجتمع قد أصبحوا أصماء بل إن من يُكبّرون باسمه ـ ويفترض أنه يسمع دبيب النمل ـ قد أصيب هو الآخر بالصمم وعليهم مهمة إسماعه، مجتمعاً استُبدلت مبيعات مكتباته فأصبحت رفوفها مثقلة بكتب من نوع “إعجاز القرآن” و”نهج البلاغة” وفي أحسن الأحوال “الرحمة في الطب” و”التداوي بالأعشاب” و”فوائد القمح المبرعم” في دليل واضح على العجز بكل معانيه وإضاعة البوصلة والفشل في تحديد الاتجاه في عالم اليوم؛ يرى فيضاً من الشباب وقد استوطنوا المقاهي ـ بعد أن هربت أسواق العمل منهم ـ يستمتعون بدخان الأركيلة ومسرطناتها في”التفاحة” أو “تفاحتين معسّل”؛ ويرى أن الله قد تدخل أكثر من قبل حتى في ما يأكله ويشربه عباد هذا البلد عندما يقرأ في واجهة مطعم بأن “الخمور ممنوعة بأمر من الله…”. لابد وأن يشعر من يعيش في هذا المناخ بالمرارة والاكتئاب من الإحساس القاتل بأن العالم يسير ويسطر خطواته بانتصار، بفرح، بحب، بزخم… خلافاً لما يحدث حوله فقد توقف زمانه وأصبح معزولاً في زنزانة مظلمة، وقد تجمّد في نقطة ليست تماماً ضمن حدود الحياة ولاهي في تخوم الموت.. بينما العالم يمضي ويسير.
كاتب سوري – برلين
الحوار المتمدن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى