صفحات ثقافية

الكاريكاتير والدفاع عن حقوق الإنسان

null
د.محمود شاهين
“فن الكاريكاتير العربي ودوره في الدفاع عن حقوق الإنسان” عنوان رسالة الماجستير التي أعدتها الباحثة (ريم منذر) وناقشتها مؤخراً، في قسم الاتصالات البصرية بكلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق أمام لجنة مؤلفة من الدكاترة: عبد الكريم فرج، عبد الناصر ونوس، وغسان أبو ترابة الذي أشرف عليها، وكانت الباحثة منذر (وهي متخرجة من قسم الاتصالات البصرية في الكلية وموفدة لمتابعة دراستها العليا فيها لصالح وزارة الإعلام) قد عرضت في إحدى صالات القسم، تجربتها العملية المؤلفة من خمس عشرة رسمة كاريكاتورية تدور موضوعاتها حول الفكرة العامة للرسالة، لا سيما حقوق المرآة والطفل المعاق. تتألف الرسالة، من ثلاثة أبواب وستة فصول ونتائج وتوصيات. تناولت في الباب الأول مفهوم الكاريكاتير وحقوق الإنسان، فتوقفت بداية عند الجذور التاريخية لهذا الفن الذي تبلور بشكله الحديث في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر في أوروبا، على القاعدة الفنية لعصر النهضة، كما يقول(ممدوح حمادة) وهذا الفن يزاوج بين التشكيل والكوميديا أو السخرية، وتعود جذوره إلى فنون ما قبل التاريخ، حيث حوت كهوف (كامبرل) في فرنسا، وكهوف صحراء الجزائر الجنوبية، وكذلك الكهوف في ايطاليا وأمريكا الجنوبية والجزيرة العربية رسوماً ذات نزعة كاريكاتيرية واضحة من حيث التشكيل والمضمون الساخر.‏
‏بعدها قامت الباحثة منذر بتعريف فن الكاريكاتير بالقول: أنه ذلك الرسم البسيط الناقد الساخر، الذي يغني عن مقالة كاملة، وان كان أحياناً بدون تعليق، ويوصل رسالة للمتلقي بسرعة ودون عناء. ثم أشارت إلى علاقته بالصحافة التي تعتبر الحاضن الأول والرئيس والأهم له، وعرضت لخصائصه وأنواعه كالسياسي، والاجتماعي، والفكاهي، والوجهي، انتقلت بعدها إلى الكاريكاتير العربي في مصر والعراق ولبنان ودول المغرب العربي والأردن والسعودية والبحرين. وكانت لها وقفة مطولة عند الكاريكاتير السوري في الخمسينات التي تعتبر فترته الذهبية، حيث تطرقت إلى مدرسة (المضحك المبكي) وتوقفت عند تجربة سمير كحالة ومظهر شمة. بعدها عرضت للعلاقة بين فن الكاريكاتير والملصق الاعلاني وتاريخها المشترك، وأشارت إلى الملصق المنفذ بالأسلوب الكاريكاتيري الإعلاني وأبرز الفنانين العرب الذين اشتغلوا عليه أمثال (محي الدين اللباد) و (نبيل السلمي) ثم بينت العلاقة المتبادلة بين فن الكاريكاتير وفن الملصق، وبين الكاريكاتير والرسوم المتحركة، وبينه وبين الرسوم المتتابعة الهزلية. الفصل الثالث في رسالتها، أفردته الباحثة ريم المنذر للحديث عن فن الكاريكاتير وحقوق الإنسان العربي، فأكدت على أهمية فن الكاريكاتير وعلاقته بحقوق الإنسان العربي، ثم حقوق الإنسان ووسائل الإعلام العربية، والصعوبات و المعوقات التي واجهت فن الكاريكاتير العربي، وفن الكاريكاتير وغياب الديمقراطية، وانتهت إلى حقيقة قلة الكتب والدراسات التي تتناول فن الكاريكاتير، وعدم وجود نقابة فاعلة لرسامي الكاريكاتير العرب. الباب الثاني، كرسته الباحثة لفن الكاريكاتير العربي، خصصت فصله الأول لفناني الكاريكاتير العربي الناقد أمثال: ناجي العلي، صلاح جاهين، أحمد حجازي، مؤيد نعمة، رشيد قاسي، محمد الزواوي، ممتاز البحرة… وعبد الهادي الشماع. أما فصله الثاني فدرست فيه بشيء من التحليل، خصائص وتقنيات فن الكاريكاتير العربي المتمثلة بالتعليق الأدبي، والشخصيات الكاريكاتيرية، والتكوين، والتشريح، والديمومة والآنية، وأسلوب السخرية، وصولاً إلى تقانات رسم فن الكاريكاتير العربي المتمثلة بالخط الخارجي، وتقنية التنفيذ،‏
‏والأدوات والتقانات المستخدمة في الكاريكاتير العربي. وفي الفصل الثالث من الباب الثاني، درست الباحثة ريم منذر علاقة فن الكاريكاتير بسيكولوجيا وسيسولوجيا المجتمع العربي، مثيرة جملة من القضايا الهامة المتعلقة مباشرة برسام الكاريكاتير، وقدراته الإبداعية، ومراحل عملية الإبداع الفنية، وعملية تذوق فن الكاريكاتير، والفرق بينه وبين النقد الفني، ثم توقفت عند إبداع الكاريكاتير العربي وحرية الرأي والتعبير، لا سيما وأن الفنان المبدع مفطور على التمرد والثورة على الواقع، وعدم رضاه عما هو سائد، وسعيه الدائم لتغييره، وهذا ما جعله غالباً مطارداً أو يعاني التهديد والتضييق عليه. تعرضت بعدها لتأثير العامل الاجتماعي في تذوق فن الكاريكاتير العربي، والتوافق الاتصالي بين الكاريكاتير والمتلقي، ولتحقيق هذه الغاية، يجب أن يراعي فنان الكاريكاتير اختيار الرموز بما يناسب جمهوره، حيث أن لكل علامة أو رمز أو دلالة، سواء كانت تشكيلية أو لغوية، لها مدلول أو مرجع. وحول آلية التحريض في فن الكاريكاتير، أكدت الباحثة منذر أن دوره هذا يتم على مستويين: الأول فكري، إذ يخاطب الكاريكاتير جملة القناعات والمعارف الفكرية، والثاني انفعالي، حيث يلجأ إلى مخاطبة الشعور ويشحذه باستمرار (على حد تعبير عبده الأسدي وخلود تدمري في دراستهما لإبداع ناجي العلي) والتفاعل بين هذين المستويين، بالإضافة إلى التوافق الاتصالي (المخزون المشترك للرموز بين الكاريكاتير والمتلقي) هو ما يحدد قوة الدور التحريضي للكاريكاتير، حيث يعمل بداية على عرض ووصف المشكلة، ثم يقيّمها ويأخذ موقفاً منها سلباً أم إيجاباً، ومن خلال التقييم فانه يحرض المتلقي على تبني موقف مماثل بشكل غير مباشر.‏
‏الباب الثالث في الرسالة، أفردته الباحثة ريم منذر لتجربتها العملية (وهي حاصلة على درجة الإجازة والدبلوم في قسم الاتصالات البصرية في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق) فبينت أن علاقة فن الكاريكاتير كملصق ليس ظاهرة حديثة الولادة نسبياً، حيث نُشر الكاريكاتير الساخر، السياسي والاجتماعي، كملصقات كبيرة على الجدران أو في واجهات المحلات عند أماكن التجمع الهامة، في لندن وباريس، أو في نوافذ خاصة كنوافذ (روستا) الروسية، محققاً بذلك عدة أهداف خاصة خلال الحرب العالمية الثانية منها: تغطية النقص في الورق، وتوفير تكاليف الطباعة، والوصول لأكبر عدد من الناس، حتى أولئك الذين لا يشترون الجرائد والتواصل الفعال معهم. وتؤكد الباحثة استمرار الملصق حتى الآن، في إعطاء فن الكاريكاتير مساحات إضافية مختلفة ومهمة للتواصل مع المتلقين، لنشر الوعي والمعرفة، بالرغم من أن مجاله (أي الكاريكاتير) الحيوي والأول هو الصحافة التي تنوعت وتطورت كثيراً، بما لا يقاس عن بدايتها. على صعيد تجربتها العملية، عرضت الفنانة والباحثة ريم منذر، تجربتين سابقتين تحمل عنوان (لدي حلم) نفذتهما بأسلوب فن الكاريكاتير عام 2002 للدفاع عن حقوق الطفل الفلسطيني، وتجربتين أخريين أعلنت فيها مناهضتها لجدار الفصل العنصري نفذتهما عام 2004. أما الأعمال الجديدة الخاصة بموضوع رسالتها (حقوق الإنسان العربي) فبلغ عددها أحد عشر ملصقاً منفذاً بالأبيض والأسود، تعرضت فيها لموضوعات حقوق المرأة والطفل والإنسان المعاق وحرية التعبير والرأي الآخر. وتوجت الباحثة ريم منذر رسالتها بنتائج وتوصيات هامة منها: التذكير بحقيقة بسيطة، ولكن مهمة، وهي أن الكاريكاتير كفن لا يقاس بقدرته على الإضحاك، فذلك خطأ شائع، لأنه يظل أولاً وأخيراً، فن ساخر ذو موقف ناقد، ووجود رسوم رديئة فنياً أو فكرياً تدعي الانتماء لفن الكاريكاتير، لا يسيء له، فالرداءة الفنية يمكن ملاحظتها بسهولة، لكن في حالة الرداءة الفكرية، فيكفي لتمييزها أن نتذكر، أن الكاريكاتير فن ناقد منحاز للناس لا للسلطة، للمستغَلين لا للمستغِلين، وهدفه وغايته دائماً الإنسان، والدفاع عن حقوق الإنسان، مسألة ضرورية لتقدم المجتمع العربي، وهو متعلق بنشر الوعي حول ثقافة الحقوق الإنسانية. وتؤكد الباحثة، أن الخصوصيات العربية المحلية، ليست نقيضاً لثقافة حقوق الإنسان العالمية، كما يحاول البعض تصويرها. كذلك إن ما يحيط بوطننا العربي من تحديات وأخطار، ليس عذراً لإهمال وقمع حقوق الإنسان العربي، بل ان تحقيقها هو ما يحمي الوطن، لأن الفرد المتمتع بكرامته الإنسانية هو من يدافع عن بلده، فكرامة البلد تأتي من كرامة موطنيه. وطالبت الباحثة دعم فن الكاريكاتير، لا سيما وأن هناك نقصاً كبيراً بما يتعلق بالدراسات الفنية والنقدية التي تتناول هذا الفن، وإحياء وتفعيل دور نقابة رسامي الكاريكاتير العرب للدفاع عن حقوق فنانيها ودعمهم، وإخراج ثقافة حقوق الإنسان من إطارها النخبوي للمثقفين إلى الشارع العربي، وتعميمها عبر فن الكاريكاتير، وإقامة معارض ومسابقات، ودعم المكتبات السورية (خاصة مكتبة كلية الفنون الجميلة ومكتبة الأسد الوطنية إما بالمراجع والأبحاث والدراسات العربية والأجنبية الخاصة بهذا الفن، وإعادة إحياء ودعم الصحف الساخرة، وإعطاء هذا الفن والفنانين الشباب، مجالاً أكبرً في الصحف والمجلات.‏
ملحق الثورة الثقافي:2/9/2008

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى