قضية فلسطين

بين مصر وتركيا

سميح صعب
كشفت طريقة التعامل الاقليمية مع الحرب الاسرائيلية على غزة، حالات العجز التي تتحكم بهذا الطرف او ذاك بقدر ما كشفت طموح أطراف آخرين الى الاضطلاع بدور اقليمي أكبر يتيحه لهم الغياب العربي الارادي عن الفعل والانفعال مع اقرب القضايا الى العرب. هكذا تصير تركيا وفنزويلا أكثر التصاقا وأكثر انفعالاً بما يجري في غزة.
وبكلام اكثر تحديد ومباشرة، برزت تركيا لاعبا اساسياً يبحث عن دور ويحاول ان يفعل شيئا لاطفاء الحرب او التخفيف من وطأتها على الفلسطينيين من سكان القطاع. وكان للخطاب التركي المتشدد حيال اسرائيل سبب مباشر هو احساس الاتراك بانهم خدعوا من رئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت الذي زار انقرة عشية عملية “الرصاص المصهور” متحدثا عن السلام والدور التركي في رعاية المفاوضات غير المباشرة بين دمشق وتل ابيب. لم يبدر عن أولمرت ما يشي انه يتحدث عن السلام وقد اتخذ قرارا بالحرب.
رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان لم يكن في امكانه السكوت على الخداع الاسرائيلي، فاضطر للجوء الى التاريخ كي يذكر بان “الاتراك العثمانيين انقذوا اجداد ليفني وباراك من المظالم التي لحقت بهم في اسبانيا عام 1490” واكثر من ذلك ليعتبر “أن الجرائم الاسرائيلية في غزة لطخة عار في جبين البشرية جمعاء”.
مثل هذا الكلام لم يقله وزراء عرب ذهبوا الى الامم المتحدة كي يقنعوا الولايات المتحدة بتسهيل استصدار قرار من مجلس الامن يدعو الى وقف الحرب الاسرائيلية، لكن الحرب لم تقف.
وليس ادل على انحسار النفوذ العربي من امتناع دولة مثل مصر عن تحمل المسؤوليات التي يلقيها عليها كونها دولة اقليمية كبرى، تارة بالتذرع بالاتفاقات الدولية، وطورا باسم العقلانية والابتعاد عن المغامرة. ولكن حتى الرغبة في عدم افساد العلاقة مع واشنطن لا تؤتي ثمارها كما بيّنت حرب غزة. فلا العقلانية هنا هي بمثمرة، ولا وجود لرغبة في تحمل مسؤولية اقليمية اكبر. وتهرب مصر من تحمل المسؤولية لا يغطيه اعتبار غزة من مسؤولية اسرائيل على اساس ان القطاع لا يزال محتلا. ليس المطلوب من مصر التمرد على الغرب، او التنكر للاتفاقات، بل وقفة تقربها من الموقف التركي. فتركيا ليست دولة متمردة على الغرب، وهي عضو كامل العضوية في حلف شمال الاطلسي، وتقيم علاقات ديبلوماسية مع اسرائيل، وتجري معها مناورات عسكرية مشتركة دورية، وهي ايضا زبون لدى الصناعات العسكرية الاسرائيلية.
والسؤال: “ماذا يجعل تركيا تتصدى لدور اقليمي أكبر وتنتقد اسرائيل بعنف على حربها في غزة، بينما مصر لا تريد عقد قمة عربية طارئة باعتبارها امتدادا للنفوذ الايراني في المنطقة؟. ربما لان مصر تعتبر ان التصدي للنفوذ الايراني له الاولوية في سياساتها، فانها ترى ان الحرب على الفلسطينيين في غزة قضية هامشية لا تستحق اكثر من الثقافة انسانية.
ان الغياب المصري عن التدخل الايجابي في ما يحدث في المنطقة العربية، هو ما يجعل الآخرين يملأون الفراغ من تركيا الى ايران.
ليس المطلوب من مصر اعلان الحرب على اسرائيل، وانما اتخاذ موقف بمستوى الموقف التركي على الاقل ولا سيما ان غزة تتعرض لحرب، والوقت ليس مناسبا لتصفية حسابات مع “حماس” او مع سوريا وايران و”حزب الله”.
واذا كانت الانظار ترنو الى مصر فلانها صاحبة دور عربي تاريخي كانت تتنكبه على مر العصور، وعليها التفاعل مع الاحداث وعدم البقاء على الهامش.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى