حسين العوداتصفحات العالم

مأزق الإدارة الأميركية

حسين العودات
نشهد هذه الأيام بوضوح مأزق السياسة الأميركية الحالية، بسبب الأخطاء والتراكمات والكوارث التي تركتها لها إدارة الرئيس بوش، في مختلف جوانب الحياة، سواء داخل الولايات المتحدة أم خارجها أم على النطاق العالمي كله. ولم يعد هذا المأزق افتراض محللين سياسيين أو إنشاء صحفيين، وإنما أصبح واقعاً قائماً صادماً لا تخطئه العين، حتى لو كانت غير مدققة. ويتبدى ذلك في تردد الإدارة الرئاسية والإدارات والمؤسسات الحكومية، وأسلوب مواجهتها للصعوبات الكبيرة والخطيرة، التي تقف في طريق تحقيق أهداف إدارة الرئيس والحزب الديمقراطي، المعلن عنها خلال الحملة الانتخابية.
لجأت الإدارة الأميركية إلى ضخ مئات مليارات الدولارات، مساهمة منها في حل أزمة بعض الشركات الاحتكارية الكبرى المهددة بالإفلاس، وتملكت قسماً من أسهمها، مخالفة بذلك الإيديولوجيا الرأسمالية (التاريخية) التي ترفض تدخل الدولة في الاقتصاد الوطني بأية صفة، وما زلنا نذكر أن مأخذها الرئيس على النظم الاشتراكية، كان تدخل الدولة في الاقتصاد ومشاركتها في الإنتاج وتغييرها أساليبه! واتبعت بذلك مبدأ «الضرورات تبيح المحظورات»، وحتى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي باركا هذه الخطوة التي تتناقض مع مبدأ إنشائهما وشروط مساعدتهما للدول الأخرى.
وعلى أي حال لم تعط هذه الخطوة النتائج المرجوة، وبقيت الشركات المدعومة على وشك الإفلاس، ولم تكافأ إدارة الرئيس أوباما بتباشير الانفراج التي كانت ترجوها، وبدأ الشك في جدوى هذا الإجراء يدخل إلى نفوس الناس. وفي الوقت نفسه ما زال سيف الإفلاس مسلطاً على رقاب العديد من الشركات، بما يهدد بتراجع الإنتاج وزيادة البطالة التي وصلت في الشهر الماضي إلى 2,10%، لأول مرة منذ ربع قرن، مما يؤدي إلى ضعف الدخل والاستهلاك والكساد ومزيد من البطالة والإفلاس، وزيادة مديونية الدولة الأميركية التي وصلت إلى أرقام قياسية لم تبلغها من قبل قط.
في الوقت الذي ما زالت فيه وعود الرئيس أوباما حول الضمان الصحي والاجتماعي وتخفيف أعباء التعليم وغيرها، تراوح مكانها تقريباً، دون أن يشهد المواطن الأميركي أي مؤشر لتحقيقها. أما المأزق العسكري فإنه ينمو باطراد، فلم تستطع القوات العسكرية الأميركية (ومن ورائها قوات حلف الناتو) أن تحقق خطوة إيجابية في أفغانستان، فالنصر العسكري متعذر، وقوة طالبان تتنامى، والتسوية السياسية معها غير ممكنة حالياً، وستحسب ـ لو حصلت ـ وكأنها هزيمة للولايات المتحدة، والانسحاب من أفغانستان مستحيل، باعتباره سيؤشر لهزيمة أمريكية واضحة.. وهكذا فالنصر متعذر، والهزيمة كارثية، والانسحاب مستحيل، والنفقات العسكرية ترهق الخزينة، والمأزق يكبر.
أما الوجود العسكري في العراق فهو ليس أقل عبئاً على الإدارة الأميركية، فقد فشل الاحتلال منذ سنوات، فلا مزاعم الديمقراطية تحققت ولم يتمكن من نهب النفط، وكل ما حققه الغزو هو تدمير الدولة العراقية ومؤسساتها وجيشها، على أمل أن يكون ذلك لصالح إسرائيل، فإذا به يتحول لصالح إيران! وفي الوقت نفسه ما زال الوضع العسكري الأميركي يعيش المأزق، فلا الانسحاب ممكن (ولا حتى في العام 2011) ولا الاستمرار ممكن. ولذلك تتردد سياسة الإدارة الأميركية في العراق، لأنها دون مبرر ولا تعقّل ولا حكمة، وما زالت التكاليف الأسطورية للوجود العسكري هناك، ترهق الخزينة بدورها.
عندما فاز الرئيس أوباما، تنفس معظم الأوروبيين الصعداء (باستثناء حزب العمال البريطاني)، بسبب انزياح المحافظين الجدد الأمريكيين عن كاهلهم، وزوال ضغطهم بل إملاءاتهم عليهم. ولكنهم يقفون الآن مشدوهين أمام سياسة الرئيس أوباما الغامضة والمترددة، سواء في فهمها للتحالف مع أوروبا، أم في موقفها من نصب الصواريخ في بعض دول أوروبا الشرقية، أم في مواقفها المترددة من قضايا عالمية رئيسية أربكت المواقف الأوروبية والسياسة الأوروبية، وخاصة في ما يتعلق بقضايا التسلح والأحلاف وغيرها. وفي الخلاصة فإن هذه السياسة الغامضة والمترددة تسبب ـ هذه المرة ـ مأزقاً للاتحاد الأوروبي.
صرح الرئيس الكوبي السابق فيديل كاسترو أن سياسة الرئيس أوباما تعامل بلدان أميركا اللاتينية باحتقار، فهي من جهة تؤكد موقفها المناصر للتحول الديمقراطي في هذه البلدان، وهي من جهة أخرى وقعت اتفاقية مع كولومبيا تتيح لها استخدام سبع قواعد عسكرية في هذا البلد، بحجة مقاومة زراعة وتهريب المخدرات. وقد أثار هذا الاتفاق موجة استنكار في بلدان أميركا اللاتينية، لأنه يسمح للجيش الأميركي باستخدام قواعد عسكرية، في بلد له حدود مشتركة مع فنزويلا والإكوادور والبرازيل والبيرو وبنما، مما يشكل مصدر خطر على استقرار هذه البلدان، بل على تنميتها لاضطرارها لرفع تكاليف التسلح على حساب التنمية.
من طرف آخر ما زالت سياسة الإدارة الأميركية تجاه إيران وكوريا حائرة بين اللين والشدة، فهي عاجزة عن ممارسة الشدة (عقوبات عسكرية أو ما شابه)، ولم تستجب كلتا الدولتين لنداءات الحوار الأميركية، لأنها مطلق نداءات لا تستند إلى شروط موضوعية وبرامج موضوعية للحوار وأهداف عادلة له، فبقيت هذه النداءات مجرد تصريحات صحفية، أكثر منها أسساً لسياسة جادة، وقد أوقعت هذه السياسة أصحابها في مأزق، يضاف للمآزق الأخرى.
وهكذا، فرغم أن الولايات المتحدة هي أقوى دولة في العالم سياسياً واقتصادياً وعلمياً ومالياً وعسكرياً، وأن شعبها من أغنى شعوب العالم من حيث الدخل الفردي، ورغم البرامج المتفائلة التي أطلقها الرئيس أوباما والحزب الديمقراطي قبل عام من الآن خلال الحملة الانتخابية، فإن سياسة الإدارة الأميركية ما زالت في مأزق حقيقي، وتواجه صعوبات كبيرة لا تخطئها العين.

“البيان”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى