التفاوض السوري الإسرائيلي

ســــــلام مع سوريــــــا أو ســــــلام مـــــــع إسرائيل ؟

null
دعـــــــوة لتحــــــديـــــــد مصـــــالـــــــح لبــــنان الأســــــاسية
ابرهيم نجار
علمتنا الاحداث ألا نلعب لعبة الانبياء، فكل ساعة تقترن بمفاجآتها، كل يوم يحمل معه قدرا متعاظما من التقلبات، ولهذا السبب، نجد من الصعوبة بمكان ان ننظر الى ما يمكن ان ينتاب لبنان من أعاصير سياسية او مفاجآت سارة على أثر ما يحصل اليوم في الشرق الاوسط.
وقد يعذرني القارئ اذا أقررت بأنه يستحيل عليّ اليوم أن أدخل في تفاصيل متشعّبة. فكل شيء في التفاصيل بل ان هذه الكلمة تختزن كمّا هائلا من المضاربة على المجهول.
إلا ان المفاوضات الجارية تطرح نوعين من الاشكاليات: الاولى تتعلق بأسئلة لا بد من طرحها، والثانية تتناول المصالح الاستراتيجية التي لا بد من التطرق الى مضمونها. وفي كلتا الحالتين يصعب التطلع الى ما وراء ما هو منظور.
القسم الاول: الاسئلة:
هل ان الوقائع أسرع من الافكار؟
الواقعــات
هل هو صحيح ما نشهده؟ مفاوضات بين سوريا واسرائيل، ووعود بإقامة الدولة الفلسطينية هذا العام ومنظومة متوسطية تلتقي في باريس بحضور اسرائيل وسوريا؟
في كل مرة تقترب دول المنطقة من إرساء قواعد جديدة للسلم في الشرق الاوسط، يبدو لبنان اكثر الاماكن تشنجا على الصعيد الامني. وكأن المطلوب هو إلهاء فرقائه “وجبهات الرفض” فيه، عن الاهتمامات الاقليمية.
وهذا التشنج صحيح ايضا على أصعدة اخرى. فمسألة الحرب والسلم في الشرق الاوسط كانت ولا تزال من أصعب الاشكاليات وأخطرها دلالة، لا سيما عند توصيف الاوضاع السياسية اللبنانية. فمسألة السلم تثير ولطالما أثارت منازعات في لبنان الى درجة ان الاسئلة التي تبرزها اشكالياته تكاد تكون اعظم بكثير من قدرات لبنان على الاجابة عليها، لأن لبنان، بسبب تنازع فرقائه، قد فقد قدرته على اعتماد سياسة خارجية مستقلة، نابعة من مصالحه التاريخية والمستقبلية.
وبعبارة اخرى، يطرح كل بحث في آثار المفاوضات القائمة بين سوريا واسرائيل سؤالا ملازما لها: ما هي مصالح لبنان الدائمة ؟ ما هي مصلحته الظرفية ؟ ما هي مقومات هذه المصالح ؟ هل شفي لبنان من مغامراته التفاوضية السابقة ؟ وهل تبعث مفاوضات سوريا مع اسرائيل ما كان قد حققه لبنان في السياق نفسه خلال عامي 1982 و1983؟
إذا اخذنا في الاعتبار، لاول وهلة، ما تتناقله الصحف ووسائل الاعلام عن تصريحات السوريين والاسرائيليين والمسؤولين الغربيين بصورة عامة عن المفاوضات غير المباشرة بين الدولتين الشرق الأوسطيتين اللدودتين، وعن ارادة سوريا مشاركة الولايات المتحدة الاميركية في المفاوضات، لا بد من التسليم بان ما كان يبدو مستحيلا منذ بضع سنوات، بات ممكنا، الى درجة ان الاعلام السوري لا يحجم عن التطرق الى الموضوع. فالرئيس السوري يرى من المسلم به ان يجلس على الطاولة نفسها التي تضم نظيره الاسرائيلي، ولو كانت الجلسة المرتقبة أقل استذواقا من “احتساء كوب من الشاي”. والمسؤولون الايرانيون لا يجدون مضرة في ان تسعى سوريا، حليفة ايران الاستراتيجية، لاستعادة الجولان عن طريق المفاوضات. وهذا ايضا ما يصرح به علانية، السيد خالد مشعل، قائد “حماس”، من دمشق، حيث يجد الحماية والتغطية السياسية. بل الادهى من هذا كله ان الزعماء اللبنانيين، الذين لا يفوتون عادة فرصة إلا وينهالوا فيها هجوما على الولايات المتحدة واسرائيل والغرب بصورة عامة، لا يتطرقون الى هذا الموضوع الدقيق.
بل على العكس، وخلافا للتوقعات، صرّح الرئيس السنيورة بان تسليم اسرائيل مزارع شبعا الى الامم المتحدة لكي تسلمها، بعد فترة، الى الدولة التي تثبت ملكيتها لها، لا يؤلف مدخلا للتفاوض المباشر مع اسرائيل، في حين اخذت السلطات الاسرائيلية، بل السورية ايضا، وبعض التصريحات الاميركية، تحض لبنان على تحضير نفسه لمفاوضات مباشرة مع اسرائيل.
فكيف ننظر الى هذه المتغيرات؟
الملاحظة الاولى
انه من بديهيات الاوضاع اللبنانية ان أخطر الازمات التي تضعف لبنان، انما هي الاشكالية القائمة بين الدول العربية والكيان الاسرائيلي. لقد شهدنا ذلك خلال الحقبة ما بين 1969 و1984.
واللافت انه كلما استفحلت الازمة:
1-  يكون لبنان رافعة levier سياسية وأمنية لكل مجابهة عسكرية مع اسرائيل.
2- و”يتعسكر” لبنان إنطلاقا من منطق الحرب، لا السلم.
3- يستتبع منطق الحرب الاصطفاف، والتسلح، وتمويل العدد والعتاد والتدريب، وبالتالي يؤدي الى شقاق خطير حول ما يسمى الخطة الدفاعية.
4- يدخل منطق الحرب والسلام لبنان في ازمة اكبر منه بكثير، بل اكبر من ازمة ظرفية في الشرق الاوسط، انها  الصراع على النفوذ في العالم، من اقصى شرقه الى آخر دويلة في غربه.
5- فضلا عن ان إلهاء اللبنانيين، بمن فيهم “حزب الله”، عن قضايا الشرق الاوسط وابرزها المفاوضات مع اسرائيل، هو، الى حد كبير، من الاهداف غير المباشرة للاوضاع والاهتراءات الامنية المتنقلة من شمال لبنان الى بقاعه.
الملاحظة الثانية
يبدو هذا المشهد السياسي كأنه قديم – جديد، الى حد كبير. وإذ لا يمكن مقارنته بما حدث عام 1982 عندما كانت القوى العسكرية الاسرائيلية في لبنان بعد غزوه واقتلاع منظمة التحرير الفلسطينية من مرتكزاتها المؤسسية والعسكرية في لبنان، يبقى ان بعض المقارنة ممكنة في ما يمكن ان تسفر عنه مضامين المفاوضات المباشرة بين لبنان واسرائيل، فاتفاق 17 ايار الشهير هو، الى حد ما، ابرز ما يمكن اعتماده من مقاييس لمعرفة ماذا يمكن لاسرائيل ان تطالب به، وماذا يتعين على لبنان ان يرفضه.
بيد ان ما نسميه “المشهد القديم – الجديد” اليوم لا بد ان يأخذ في الاعتبار مستجدات هي:
1- “حزب الله” اليوم، على غرار ما كان عليه الفلسطينيون في السبعينات والثمانينات، يبني كل استراتيجيته وينظم كل اعلامه ويبرر كل تسلحه وتجهيزاته العسكرية انطلاقا من حالة الحرب ضد اسرائيل.
2- إن الشحن المذهبي، وهو في قمة خطورته، من “روافد” التطورات اللبنانية – اللبنانية، والتي يحسن استعمالها عادة الفرقاء الاقليميون.
3- إن الانقسام المسيحي، وهو على اشده، في انتظار حسمه نهائيا عام 2009، يبدو من الانفلاشات التي تؤثر في علاقات لبنان مع سوريا تحديدا، وفي موازين القوى اللبنانية – اللبنانية.
4- ويبقى بالطبع تسليم الفلسطينيين، بسوادهم اللبناني الاعظم، بقيادة محمود عباس، بالكيان الاسرائيلي، من العناصر اللافتة.
وعليه، فإن الاسئلة الاولية هي التالية:
السؤال الاول: هل ان سوريا واسرائيل ترغبان فعلا في التوصل الى سلام؟ ما هي شروطه؟ من يعرقله اذا وافقت عليه ايران؟
السؤال الثاني: هل يدفع لبنان ثمن سلام كهذا؟  ومن يحمي لبنان؟ وكيف يمكن ان يحمى؟
السؤال الثالث: اذا حصل هذا السلم، واستقر، هل يريد، بل هل يستطيع لبنان إبرام صلح مع اسرائيل؟ وهل يعرقل غير سوريا ابرام هذا المشروع؟ من هي الاطراف التي سوف تنبري لمعارضة ما توافق عليه سوريا؟ علما بأن معظم الانظمة العربية، إن لم نقل كلها تقريبا، باتت على قاب قوسين من التسليم بالدولة العبرية وبوجودها وبإمكان التعاطي معها، ولو بتدرج وبتأنٍ.
فمن شمال افريقيا (المغرب، تونس…) الى أقاصي الخليج (قطر، المملكة العربية السعودية، دولة الامارات…) نجد ان ثمة تسليما بالواقع الاسرائيلي، بل ان بعض التطبيع معه، بات القاعدة.
القسم الثاني: المصالح:
الافكــار تنتـظر الواقعـات
تقول وسائل الاعلام الاسرائيلية ان ابرز ما يهم سوريا هو نفوذها في لبنان ومصالحها المالية فيه، وان هذا الاهتمام قد يكون ابرز وأهم من استعادة هضبة الجولان، ولو بكاملها.
إذا صح هذا التعبير، فانه قد يفضي بلا شك الى تدخل الدول الغربية لضمان تحصين الوضع اللبناني ضد اي عودة عسكرية او مؤسسية لسوريا الى لبنان، لقاء التسليم بمصلحة سوريا في عدم استعمال لبنان كرافعة اقليمية او غربية ضد النظام السوري.
وفي المقابل، هذا يستتبع، من قبل اسرائيل، والدول الغربية معها:
1- ان سوريا سوف تشجع لبنان على المضي في مفاوضات مع اسرائيل.
2- وان سوريا سوف تشجع حلفاءها في لبنان على الانصهار في الدولة اللبنانية، من طريق تقديم التنازلات المتبادلة، اللبنانية – اللبنانية، في سياق تكملة البحث والتنسيق لايجاد “منظومة” دفاعية مشتركة يقرها اللبنانيون فتكون بديلا من “استراتيجية” الدفاع، او من سلاح ما لـ”حزب الله”.
3- ان المفاوضات السورية – الاسرائيلية تؤلف مدخلا حاسما للمفاوضات اللاحقة، فتسهلها او تمهد لها.
رغم اهتمامنا بشؤوننا الداخلية، وإلهاء “حزب الله” عن صدامه المعلن مع اسرائيل، لا بد للدولة اللبنانية، اذا قررت الانوجاد، ان تعرف ما هي مصالحها وبالتالي ما هي سياستها في الشرق الاوسط. وعلينا بالتالي الاجابة عن اسئلة ينم كل منها عن فجوة عميقة وخطيرة في فكرنا السياسي.
اولا، تجاه سوريا: هل تبقى علاقات لبنان الرسمية متأزمة مع سوريا؟ والى اي حد؟ وما هو ثمن اي تقارب او تعديل في العداء المستفحل بين الاكثرية الراهنة والنظام السوري؟ وهل يمكن اللبنانيين ان يقلعوا عن المطالبة بالحقيقة وبالمحكمة الدولية؟ واذا استحال ذلك، كما نرجح بوضـوح، كيف التوفيق بين وجوب السير في المحاكمة الدولية والتعاطي مع النظام السوري؟ هل يكون ما اعلنه المسؤولون السوريون عن محاكمة المسؤولين اللبنانيين وبعض الضباط او النافذين السوريين هو اقصى ما سوف تطاله المحكمة الدولية؟
واذا تجاوزنا قضية المحكمة الدولية، واقامت سوريا مثلا العلاقات الديبلوماسية التي تعد بها وقررت ترسيم الحدود، بعد الافراج عن مزارع شبعا، كما تقول سوريا، ما هو نوع العلاقات التي يمكن ان تستتب الاوضاع اللبنانية – السورية عليها؟
بعبارة اوضح، ماذا يطلب لبنان من سوريا، خصوصا لجهة الاقلاع عن التدخل في شؤونه الامنية، وسياسته الداخلية، وانفتاحه الخارجي؟
وماذا يمكن لبنان ان يعطيه لسوريا؟ هل ان لبنان يقدر على اعطاء سوريا اكثر مما تأخذه دون استئذانه؟ ما هو مصير حلفاء سوريا؟
هل يمكن لبنان ان يطالب اليوم بتدويل حياد خاص به، كما كنا نطالب بذلك في مطلع الستينات؟
ثانيا: مما لا شك فيه ان المصالح السياسية والثقافية والاقتصادية والاستراتيجية اللبنانية تختلف جذريا عن مصالح سوريا، وعن اهتمامات ايران، وعن هواجس اسرائيل، وعن أفق السياسات الغربية. هذا موضوع قائم بذاته. وهو يعبّر عن فرادة لبنان، عن عظمة قدره، وعن عيوب نظامه في آن واحد.
لنقل إذا ان المواضيع المطروحة تؤلف بحد ذاتها إشكالية صعبة، وان لبنان مقبل على فترات من الترددات السياسية. إنه، كالعادة، “كـ”صندوق الفرجة”، شجرة تخفي الغابة.
إنه شجرة خضراء في صحراء من الجفاف في الكلام الواضح.
ابرهيــم نجــار
(بروفسور في كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اليسوعية، محام بالاستئنافالمحور من اعداد ميشال ابو نجم )
النهار

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى