صفحات سورية

الأسد في عمان .. التوقيت والأجندة

null
عريب الرنتاوي
زيارة طال انتظارها، وتعددت التكهنات بشأن موعد إتمامها وأسباب تقديمه وتأخيره.
خمس ساعات اختصرت خمس سنوات من الفتور والتردد والتردي والقطع والقطيعة، خمس ساعات كانت كفيلة بإحداث الاختراق على المستوى الثنائي بين عمان ودمشق.
المبادرة بدأت من عمان، في نوفمبر 2007، عندما قام الملك بزيارة مفاجئة لدمشق، ومن دون مقدمات، وبدا أن المياه قد أخذت في الجريان في نهر العلاقات الثنائية، بيد أن للإقليم تدخلاته، وللمحاور والمعسكرات أولوياتها، وصولا إلى استحقاق قمة دمشق في آذار الفائت، والتمثيل الأردني المتواضع والمضبوط على إيقاع تمثيل “الشقيقتين الكبريين” فيها، ما أدى إلى حلول التباطؤ محل التسارع في مسار تطبيع العلاقة الثنائية بين عمان ودمشق.
لكن الجهد الأردني لم يتوقف لوصل ما انقطع، تتالت الزيارات الظاهر منها والمعلن، كما أن الاستجابة السورية كانت مشجعة إلى حد كبير، خصوصاً في السنوات الأخيرة، وبالأخص بعد أن تراجع “هاجس الأمن” الذي خيّم شبحه في سماء العلاقة بين البلدين، وألقى بظلاله الكئيبة على بقية الملفات العالقة بين كالمياه والحدود و”المعتقلين” وغيرها.
العلاقة بين عمان ودمشق، تتأثر أساساً بمجريات المشهد الإقليمي وتطوراته، وهي قلما تتأثر بالملفات الثنائية على أهميتها، فحين تتناغم نظرة عمان مع نظرة دمشق للمشهد الإقليمي، يصبح تناول الملفات الثنائية سلسا ويسيرا، وحين تتباعد النظرات والمصالح، وتفترق المواقع واستتباعا تتباين المواقف، يصبح كل ملف ثنائي معضلة عصية على الحل، وسببا لتأزيم إضافي للعلاقات الثنائية.
في أزمة المحاور والمعسكرات والخنادق المتقابلة، وقفت دمشق قبالة عمان، وفي كل ملف من ملفات الإقليم وساحاته تقريبا، وكان طبيعيا والحالة كهذا أن تتسمم مناخات التعاون الثنائي وأن تأخذ التباينات الثنائية شكلاً متفجراً في بعض الأوقات.
اليوم، وبعد أن “تنفس” الاحتقان بين المعسكرات، وأخذ أوباما يبعث برسائله المفتوحة للإيرانيين، وساركوزي يسوق دمشق ويروج لها، وغوردن براون يبحث عن جيري آدامز بين قيادة حزب الله، والوفود الأوروبية لا تكف عن زيارة دمشق ومن فيها من فصائل “مقاومة وممانعة”، لم يعد منطقياً أن تظل القطيعة بين دمشق والرياض، ولا بين الأولى والقاهرة، وكان طبيعياً أيضاً أن لا يستمر “القطع” بين عمان ودمشق خصوصاً وأن ثمة قاعدة واسعة من المصالح والتبادلات الاقتصادية والحراك البشري بين البلدين الجارين ما يملي التعامل بمسؤولية عالية في ملف العلاقات الثنائية.
لا شك أن الأسد في عمان، جاء يبحث في مروحة واسعة من القضايا والمستجدات، من أوباما وإدارته الجديدة، إلى الحرب على غزة مروراً بحكومة اليمين واليمين المتطرف التي تطل برأسها في إسرائيل، وانتهاء بقمة الدوحة التي سيسلم فيها الأسد رئاسة القمة العربية إلى صديقة وحليفه الأمير حمد بن ثاني.
ولا شك أن الأسد أيضاً، ومن موقع الامتنان لقطر كما قال هو شخصياً للرئيس اللبناني السابق إميل لحود أمس الأول، سيعمل على ضمان انعقاد القمة في الدوحة، بتمثيل عربي كامل، ومشاركة على أرفع مستوى ما أمكن.
ولأن بعض الزعامات العربية، بدأت تسرب من الآن، أنباء مقاطعتها للقمة القادمة، ولأن بعض الدول تعتبر دعوة أحمدي نجاد سبباً كافياً لغيابها عن القمة، فإن الأسد بلا شك، معني بمساعدة حلفائه القطريين على إقناع أكبر عدد من القادة العرب للمشاركة شخصياً في قمة الدوحة، ولا ندري ما إذا كان هذا الموضوع قد بحث في اجتماعات القمة الأردنية السورية المفتوحة أو المغلقة أم لم يبحث، ولكن المؤكد أن حراك المصالحات والقمة المقبلة كانا حاضرين على مائدة المحادثات بين الرجلين.
أظهر الأردن من قبل اهتماماً باستعادة علاقته مع سوريا، وأظهرت سوريا بدورها اهتماماً مماثلاً باستعادة علاقاتها مع الأردن، لكن الفجوة كانت كبيرة، والتدخلات والضغوط الخارجية كانت أكبر، والمأمول أن يتمكن الجانبان من تجسير الفجوة، ومقاومة الضغوط والانتصار لتطبيع العلاقات الثنائية، وإخراجها من دائرة التجاذبات بين المحاور وعدم تحويلها إلى ساحة لصراعات المحاور والأدوار الإقليمية، ومنصة لتسوية الحسابات فيما بينها.

موقع مركز القدس للدراسات السياسية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى