صفحات ثقافية

عن الأمكنة وبشرها في ثلاث روايات من سوريا

null
حسن داوود
في رواية سمر يزبك “رائحة القرفة”، كما في رواية خليل صويلح “زهور وسارة وناريمان”، نقرأ وصفاً لأمكنة الفقر المحيطة بالمدينة أو الشاذة عنها. في الروايتين يبدو ذلك الوصف تقريرياً غير مكترث بابتعاده عن السياق الذاتي أو الروائي. “حي الرمل كان خليطاً غريباً من الفقراء الذين هربوا بفقرهم المدقع الى جنوب دمشق، وصنعوا غرفاً صغيرة من صفائح التنك والحجر الإسمنتي الرديء الصنع” (من رائحة القرفة)، ثم يتتالى هذا الوصف التقريري ليملأ من الكتاب أربع صفحات أو خمساً تعود سمر من بعدها الى تحديد موقع عليا، الخادمة، وأبيها وعائلتها من ذلك المكان.
في “زهور وسارة وناريمان” نقرأ مطلع أحد الفصول: “هل العشوائيات هي مستقبل المدن حقاً، وهل صحيح انها لم تعد مجرد اقتراح عمراني لا مناص من إزالته؟ لقد باتت العشوائيات اليوم، بحسب ادعاء بعض الدراسات الانثروبولوجية… الخ..”. وفي رواية ديمة ونوس “كرسي” تستقر الرواية في واحد من أمكنة الفقر ربما كان في قلب المدينة هذه المرة وليس في خارجها. وهو، أقصد المكان الذي يقطن فيه بطل الرواية، أو مسخها، حجرة صغيرة وسخة متصلة بانحطاط صاحبها، درغام، الخمسيني الماكث في ذلك الحضيض من مطلع الرواية حتى انتهائها لا يغادره أبداً. اما “رائحة القرفة” فتبدأ، من مطلعها، بالانقسام الى حيّزين مكانيين أحدهما “حي الرمل” الفقير المدقع الوارد جزء من وصفه أعلاه، وثانيهما فيلا السيدة حنان الهاشمي وقد طردت منها الخادمة عليا بعد ان ضبطتها السيدة عارية في سرير زوجها، السمين الخامل الذي يبدو نصف ميت نصف حي بسبب من كسله ولا مبالاته. ذلك السكون الضجر في الفيلا تقابله حيوية الفوضى هناك، في حي الرمل، حيث الهياج والعنف الذي لا يكون الا ضاجاً. كانت عليا الخادمة قد طردت من الفيلا، التي لم تكن جنة على اي حال، لكن ما طردت اليه هو الجحيم عينه. أما بطل “زهور وسارة وناريمان” فلا يتوقف عن رفض جحيمه الخاص الذي نراه فيه أقرب الى سجين يقضي محكوميته. ذاك ان الفارق بين حداثة مهنته (الاستعداد للإخراج السينمائي) ولغته وعلاقاته، وبين تلك الغرفة التي يقيم فيها هو فارق جحيمي ايضاً. لا نجد في رواية خليل صويلح هذه مثالاً مكانياً آخر، شأن ما نجد الفيلا المقابلة لحي الرمل الفقير. لا يحلم خليل (بطل الرواية الذي يحمل اسم كاتبها) توقاً الى الاقامة في مكان أفضل. ربما بسبب يأسه من أن يكون هو نفسه رجلاً أفضل، على رغم بقائه ساعياً لإخراج فيلم لم يفلح حقيقة في الاهتداء الى موضوعه. هو خليل، يستعيض عن الاحتجاج حيال ما هو فيه بذلك الاعجاب الباهر بسارة قطان، الراقصة التي تُفتتح الرواية بمشهدها، أو بمشاهدتها، في عرض مسرحي راقص، حيث “أطلقت العنان لجسدها في ما يشبه الطيران… ليست فراشة أو حجلاً أو زخة مطر مباغتة، انها كائن سحري”.
لكن خليل السينمائي سيترك لسكنه الفقير البائس ان يدخل فيه. إنها “زهور”، الجارة السمينة التي ترتمي بكل ثقلها على حيزّه ذاك خالعة اياه من عالمه الحلمي، ومن سارة قطان التي ستصير امرأة ثانية في حياته، بل امرأة ثالثة بعد تعرّفه على ناريمان نصف الراقصة نصف العاهرة، هكذا بما يذكّر قليلاً ببطل احدى روايات بوشيفيس سينغر الواقع في حالات غرام ثلاث، وذلك في وقت واحد معاً. النساء، في رواية خليل صويلح يبدين وقد اجرى استبدالهن بالأمكنة، لدلالتهن عليها ولتمثيلهن لطبقاتها.
وهن جميعهن مهزومات يبحثن عن تغيير ما في عيشهن كأنما من أجل ان يبدأن بداية جديدة. كان زوج زهور قد حقق ذلك في الرواية، منفرداً بذلك عن الجميع، منتقلاً الى مصير ثالث له تمثّل باطالة لحيته واقباله على الصلاة والتقوى، وذلك بعد المصير الثاني الذي بدا فيه معطوب الجسم والعقل اثر اصابته في الحرب. شخصيات خليل صويلح تطالها المصائر من دون استثناء، فكل من أفرادها الخمسة يبحث عن خلاصه.
أما درغام، ذلك المسخ الطموح في رواية ديمة ونوس، فيستعيض عن قرف جحره بالسعي النهلستي، “الصرصاري” بحسب العنوان العربي الذي أعطي لرواية دوستويفسكي، الى “كرسي” أعرض وأعلى شأناً. تلك الكرسي التي هي عنوان الرواية وصورة غلافها، تجعل من درغام نموذجاًَ لكثيرين وليس فرداً او ذاتاً خاصة. انه جميع أولئك الذين هم مثله، او الذين هم هو. هناك دائماً من سبقه الى الوصول الى الوظيفة الأعلى، متجاوزاً اياه، على الرغم من السن المبكرة لهذا التجاوز، مثلما يمكن أن يقول درغام، غير مدرك ان عمره لم يعد يعمل لمصلحته. شخصية نموذجية هو درغام، أقصد في أدب الرواية عموماً. في أحيان نجد له شبهاً ببطل “أوتودافيه” لالياس كانتي، خصوصاً لدقته في تناول الحياة الضئيلة وفي خلّو حياته ونفسه من القيم. إنه نهلستي محلي، تمكّنت ديمة ونوس من كشف ما يتعدى انحطاطه لتصل الى ما هو فساد محيطه. فمن وصلوا الى ما يطمح هو إليه، مثل ذلك الشاب الثلاثيني، خضر، ليسوا إلا الجهة الأخرى من الورقة ذاتها، أو وجه العملة المقابل.
العالم الذي يعيش فيه درغام ضيّق، مكاناً وأفقاً، اذ لا شيء يبهج في تلك الطريق القصيرة الضيّقة بين غرفته والمكان المركونة فيه “تلك الكرسي”. لا إضافات على تلك الحياة لتُنوعها وتُخرجها من ضيقها. ولا مشهد خصباً في الذاكرة، ولا ايماناً أو شغفاً بما يتعدى السعي للتسابق. ثم ان ما يزيد الاحساس بذلك الضيق ترك درغام بمفرده، من دون احد يقرع بابه ليتسلّل الى الرواية. كذلك هو عالم “رائحة القرفة” تنتهي الرواية فيه من حيث تبدأ. عليا وحنان الهاشمي تصنعان الرواية من التذكّر وحده، لذلك لا تغادران لحظة الافتراق تلك، حين طُردت الأولى من فيلا الثانية، وحين بدأت الثانية، حنان الهاشمي، بلوك ندمها.
الروايات الثلاث شهادات على الأحلام المحبطة المقهورة وعلى التفكك المكاني للعالم. جديد المدينة هو خرابها، وهو يأتيها من هوامشها ومن داخلها معاً. لا أعرف ان كان يجوز لي أن أجمع روايات ثلاث في تقديم واحد، لكن ما يغفر لي، إذ فعلت، ان الروايات الثلاث نفسها طلعت من ذلك المكان، الواحد أيضاً، شاهدة على لحظة تحوّله الأخيرة. الروايات الثلاث هي صور وسير عن الحياة في دمشق الآن. وشأن ما صنعت ديمة ونوس نموذجاً محلياً لـ “بطل” مديني كوني، ربما كانت دمشق نموذجاً لحواضر كثيرة عندنا نشهد تحولها كل يوم.
[ السطور اعلاه القيت في مسرح بابل وكانت بمثابة تقديم لروايات ثلاث من سوريا قدّم لها كاتبوها ديمة ونوس وسمر يزبك وخليل صويلح، وقد أعقب مداخلات التقديم نقاش مع الحضور.
المستقبل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى