إدريس علي… وقائع موت معلن
القاهرة ــ محمد شعير
ربما يكون إدريس علي (1940) الأكثر سعادة بموته. ها هو أخيراً يحقق «حلماً» سعى إليه طويلاً. جرّب الانتحار مراراً، احتجاجاً على الأوضاع البائسة التي عانى منها طويلاً، لكنه في كل مرة كان يفشل في بلوغ مبتغاه. أمس فقط، حقق «حلّمه». مات، لكن في فراشه، متأثراً بأزمة قلبية لم يستطع تحمّلها. إدريس علي هو صاحب أجرأ سيرة ذاتية في الثقافة العربية. الأجزاء الأربعة التي صدرت منها بعنوان «كتابة البوح» كانت بالفعل «مشاهد من قلب الجحيم». ربما لم تلفت هذه السيرة كثيرين. ربما لم يهتم فيها بالتفاصيل الفنية واللغة والبناء، لكنّ جرأتها غطّت على كل هذه العناصر. هذه الجرأة كانت سبباً في أن تلاحقه المشاكل والأحزان. وكان آخرها مصادرة روايته «الزعيم يحلق شعره»، التي تناول فيها سنوات قضاها في العمل في ليبيا.
الكاتب النوبي لم يتخذ من النوبة مكاناً للارتزاق السياسي. كانت في أعماله أشبه بتميمة ضد القهر، والموت، والزمن الهارب. بدا ذلك جلياً منذ مجموعته القصصية الأولى «المبعدون». لم يتعامل مع النوبة باعتبارها «مكاناً أسطورياً»، رغم أنّها منطقة سهلة ومغرية، بل دخل إليها من باب «المحظور والمسكوت عنه». حاول كما قال «كشف ما يريد الآخرون أن يظل سراً». هكذا أغضب الجميع، هاجمه النوبيون أنفسهم، وهاجمته السلطة التي رأت أنه
كاتب المهمّشين وصاحب أجرأ سيرة ذاتية في الثقافة العربية
يدعو في كتاباته إلى الانفصال، ولا سيما بعدما صدرت روايته «دنقلة» التي اتُّهم فيها بأنّه يدعو إلى انفصال النوبة عن مصر. لكن ذلك لم يكن مقصده كما أعلن مراراً. كان يريد أن يدق جرس إنذار ضد خطر التطرف النوبي الذي كان يراه ويرقبه. ثم كانت روايته «انفجار جمجمة» التي عبّر فيها ببراعة عن هواجسه الداخلية، مفكّكاً الأنظمة القمعية وتجارب الدول البوليسية. هذه الرواية غيّرت حياته، إذ كان يعمل فى إحدى الشركات مضطهداً ومعزولاً باعتباره كاتباً مجنوناً شيوعياً. لكن فجأة حصلت الرواية على جائزة «معرض الكتاب» في القاهرة، فالتقى إدريس علي الرئيس الذي صافحه، وتغيّرت حياته، وزاد راتبه، وصار أميناً لمكتبة الشركة.
بعد هذه الرواية، بدأ بكتابة سيرته الذاتية التي عبّر فيها عن هموم البسطاء والمهمّشين. شهادة على ما كان وما جرى، حيث الطفولة المعذبة القلقة في الأربعينيات. فيها نقرأ عن الطفل الذي يهرب من محصل القطار، ليصل إلى حلمه بالسكن في القاهرة حيث يواجه مصيره المجهول. هناك يبدأ التمرد على وضع طبقي قاس التصق بالنوبيين. لم يعمل بواباً كما هي العادة، ولا لاعب كرة كما كان يحدث، بل اختار الكتابة التي أنقذته من الطريق المظلم. طرح أسئلة لا تعجب الجميع، عن أسباب خوض عبد الناصر في حرب اليمن التي شارك فيها وهو لا يعرف من يحارب. وأراد أن يفهم ماذا جرى في حرب الـ1967. كل ذلك انعكس على كتاباته التي باتت أقرب إلى «سرد وقائع حياة». لم يكتب إلا عمّا عاشه، ولأنّ حياته صادمة، فقد جاءت كتاباته صادمة أيضاً.
الاخبار
رحل إدريس علي وجائزته الوحيدة مصافحة الرئيس
ابن النوبة مساعد الطباخ الذي صار كاتباً
حمدي ابو جليل
ادريس علي ولد في جبال النوبة اقصى جنوب مصر في اسرة نوبية شديدة الفقر، وما ان تعلم القراءة والكتابة بالكاد حتى هرب في أحشاء القطار المتجه للقاهرة، في ذلك الوقت كان في العاشرة من عمره، وكان لا يدفعه الى القاهرة سوى انها المكان الذي يأكل الناس فيه بانتظام، وتيسرت الأمور واشتغل مساعدا لطباخ لدى اسرة ارستقراطية في قاهرة الأربعينيات، في النهار يلبي طلبات الطباخ والاسرة عموما وفي الليل ينام في محل اقامته في المطبخ، ومن حسن حظه وحظ الرواية المصرية طبعا ان صاحبة البيت كانت محبة للقراءة، وتقرا طوال الوقت في أي مكان في البيت، وذات يوم كانت تقرأ سيرة الكاتب الروسي الشهير «ماكسيم غوركي» وتركتها في المطبخ فوقع فيها صبي الطباخ وانكب عليها طوال الليل مدفوعا بالاحساس بان غوركي يكتب عنه وانه شخصيا يستطيع ان يكتب، ٍيكتب في أي ظروف، ولانه بدا فعلا على طاولة المطبخ فقد ظل حياته يكتب في أحلك ظروف حتى رحيله المفاجئ صباح الثلاثاء الماضي.
واحد ضد الجميع
ادريس علي ولد عام 1937 وبدأ الكتابة في الخمسينيات ويعتبر عمدة كتاب النوبة في مصر منذ مجموعته الاولى «واحد ضد الجميع»، ورواياته «دنقلة» و«النوبي» و«انفجار جمجمة» نالت اهتماما نقديا ملحوظا وكشفت صفحة بعيدة ومبعدة ومهمشة وأيضا مقهورة في الواقع المصري، وترجمت للعديد من اللغات، وفازت أولاها «دنقلة» بجائزة جامعة اركانسو الاميركية، واهم ما يميزه انه نموذج للكاتب العصامي بالمعنى الحرفي الدقيق وأكاد أقول الفقير للكلمة، وكتاباته تأريخ يكاد يكون حرفيا لمسيرته في الحياة من اول الطفولة فوق جبال النوبة حتى الشيخوخة في أدغال القاهرة.
وفي بداية شبابه تطوع ادريس علي في القوات المسلحة، وهناك وقعت الصدفة الثانية التي دفعته إلى مغامرة التفرغ للأدب، تلك المغامرة الحلم الذي ظل ينشده حتى رحل، في ذلك الوقت كان يكاد ينهي مجموعته الأولى وكان نجح في نشر بعضها في مجلة صباح الخير، وذات صباح التقى ـ اثناء الخدمة في حرس الحدود ـ الكاتب المعروف عبد الستار الطويلة على شواطئ مطروح، وانبهر الطويلة بقصصه وأخذته الحماسة لدرجة الإلحاح عليه بضرورة الانتقال الى القاهرة حيث الارض المناسبة لبزوغ موهبته الضخمة، التي تضمن له مكانة لا تقل عن مكانة يوسف ادريس، فما كان من ادريس الا ان استقال من عمله العسكري وحزم حقائبه وسافر الى القاهرة، وكم كانت صدمته كبيرة حين وجد نفسه في الهواء الطلق، وحيدا بلا عمل ولا مال في المدينة الصاخبة، حتى مكتب عبد الستار الطويلة نفسه رفض استقباله، وربما من هنا جاء عنوان مجموعته الاولى «واحد ضد الجميع».
دنقلة
لكن ادريس لم يتوقف أبدا عن الكتابة، وساعد نفسه عليها وعلى تجاهلها المقيت بالعمل حارسا على بوابة شركة للمقاولات العامة، وسرعان ما صدرت روايته الأولى «دنقلة» التي لفتت إليه الأنظار بشدة، وكرست مكانته كواحد من أهم أصوات الرواية النوبية والمصرية عموما.
وإن كانت، شأنها شأن الأعمال الموضوعية الصادقة، صدمت ذويه من أبناء المجتمع النوبي، والبعض طالب بمنعها ومصادرتها وشرع في تحريك دعاوى قضائية ضدها بتهمة فضح وانتهاك التقاليد النوبية العريقة.
وتبعتها رواياته «النوبي» و«تحت خط الفقر» و«فوق جبال النوبة» و«انفجار جمجمة» التي فضلا عن كونها أهم أعماله، لعبت دورا مباشرا في انقلاب أحواله في العمل، فقد حصلت على جائزة معرض القاهرة للكتاب، وهي جائزة مصرية ألغيت منذ سنوات وكانت عبارة عن مصافحة الرئيس حسني مبارك في افتتاح معرض الكتاب، ومن حسن حظ ادريس ان رئيس مجلس ادارة شركة المقاولات التي كان يعمل بها شاهده يصافح الرئيس على شاشة التلفزيون، ولحظتها فقط اكتشف انه اديب هام وأمر على الفور بنقله من على البوابة وأطلق اسمه على مكتبة الشركة وعينه مديرا عليها.
الزعيم يحلق شعره
لكن قبل المكتبة واسمها وادارتها اضطر ادريس للعمل في ليبيا، واشتغل عاملا في البناء ومد الطرق في الصحراء حتى استقرت احواله محصلا للتذاكر في سينما عامة ببنغازي، لكن ما ان استقر في عمله الجديد حتى وقع النزاع المسلح بين العقيد القذافي والرئيس السادات نهاية السبعينيات، واجتاح الجيش المصري الاراضي الليبية حتى بنغازي، وفي حومة المعركة تأجج العداء للمصريين العاملين في ليبيا واتهمهم الاعلام الليبي والعقيد القذافي نفسه بأنهم طابور خامس للجيش المصري، وما صعب الامر على ادريس انه كان لائقا تماما لهذا الاتهام، فقد كان بالفعل جنديا متطوعا في الجيش المصري قبل السفر الى ليبيا.
وهذه التجربة صورها ادريس علي في روايته قبل الاخيرة «الزعيم يحلق شعره»، التي صودرت بمعرض القاهرة للكتاب السابق ولوحق ناشرها امنيا بشكوى ليبية، وبعدها كتب ادريس الجزء الثاني من روايته والادق سيرته «تحت خط الفقر»، وقبل رحيله كان ينتظر صدور أعماله الكاملة في جزأين.
ورغم المكانة والحضور المميزين اللذين حظي بهما ادريس علي في الواقع الروائي والادبي المصري، الا انه لم ينل أي جائزة رسمية باستثناء جائزة «مصافحة الرئيس»، وحتى جائزة التفوق التي تقدم لها مرارا وتكرارا ظلت عصية عليه حتى رحل!!
(القاهرة)
السفير