صفحات الشعر

مختارات شعرية للشاعرة المغربية فاتحة مرشيد

null
يوميات الحزن بجدة

إلى روح والدي الذي لن يموت..

على ضفّة البحر الأحمر
يكنسُ ذيل عباءتي السّوداء
بقايا عاصفة رملية
وترفض الطّرحة أن تستوي
على جبين أردتَهُ
عاليا
عاريا
كشمس الظّهيرة

يقول أحد المارّة
“غطّي شعرك يا حُرْمَه”
قلتُ:
لقد دفنتُ غطائي عندكم
وأفردتُ الرّوح

للرّيح

******

عند انبلاج فجر
غير منتظر
بين حشرجتين
وغصتين
أحطّ
كنورس حزين
بمطار جدة

يقول الجمركيّ
من سيستلمك يا حُرْمَه؟
قلتُ لنفسي
ما استلمتني يوما
غير نفسي

******

أركض
كهارب
نحو المستشفى العسكري
حيث لا سلاح
إلاّ الصّبر

لسكون اللّيل
دويُّ الألم

مُسالمٌ أنت
بين مُحترفي الحرب
ممدّدٌ
في انتظار هُدنة

******

بين الهنا والهناك

معلّقان
من تلابيب النّبض
يعدُّ السّكون من حولنا
أنفاسنا
نفسا
نفسا

هل من معجزة
تنفخ في رحمي
فتولد من جديد
أنت الوالدُ
الصّامدُ
على فراش المِحن

أتلمّس شعيرات رأسك
أنت الذي
مشّطت طفولتي
بأنامل من حرير

تفتح عينا
على الفراغ

أتذكرني
وهل تُدفيك
حُمّى ارتعاشي
حين أقبّل يديك؟

أقرأ عليك
سورة مريم
يا من ماتت
في عشقه النّساءُ
ثم أبدأُ
في سرد قصتنا معا
لعلّ الذكرى
تنفع المومنين
بينما أمَسّجُ القدمين
التي سرتُ
على خطاها

تدخل الممرضة الآسيوية
بخمار أبيض
تتعثرُ
في ابتسامة مُفتعلة
نتبادل
نظرات مُثقلة
بسؤال الوجود

تعتذر عن الإزعاج

للوداع
حميمية الحب

أنظر إليك
أراك لأول مرّة
عاريا
سوى من كبرياء الألم

ما أقساني
أيكفي العلم درعاً
أمام حيائك؟

لا تخجل منّي
سوف أنسى يوم تقومُ
كلّ أنّة من جسدك
سوف ترتدي
جلبابك الأبيض
وسوف أزغردُ
يا عريس جدّة
يوم تنهض
وسوف نهزأ
من القدر
وسوف..
وسوف..
وسوف..
….

وسوف
يهزأ منّا القدر

******

على ضفّة البحر الأحمر
ينخر ملح عرقي
عباب الجسد
والموت بارد
ولا يدٌ
تلمّ حبّات عقد
من فرط وحدته
انفرط

******

على ضفّة البحر الأحمر
ترنّ هواتف
وترقص أخرى
للنّعال وقع جيوش
وللأسرى
أساور من ذهب

وأنا
كسّرتُ قيودي
يوم وُلدتُ
وجعلتُ كفني
ورقا أبيض

******

كيف يستقيمُ
بعدك الحرف
وفي سجنكَ
تحرّرَتْ كلماتي؟

******

على ضفّة البحر الأحمر
حيث لا موج
لا بحّار
لا مدّ
ولا جزر
بحيرات صامتة
كوجوه تحت حجاب
نساء تنظر من خلفِ سوادٍ
ورجال ترى ما خلفَ السّوادِ

وأنا البريئة
من كلّ انتماء

كيف تستفزّني
الصّحراءُ
ولي في كلّ حبّة رمل
رثاءُ؟

******

هل يكفي موتٌ
لدفن الذاكرة ؟

ومتى رمّم الثلج
شروخ الجبل ؟

هُطولنا السرّي
يجرفنا
ويعجز التّرابُ
عن إخماد
صدى
اقترافنا للحياة

للقبر
أبواب موصدة
وأخرى
لوحدها
ترتطم

******

على ضفّة البحر الأحمر
يكنس ذيل عباءتي السّوداء
بقايا عاصفة رملية
بينما
ككلّ اليتامى
أجرُّ الأقدام حافية

يقول أحد المارّة:
“احتشمي يا حُرْمَه”
قلت:
دع عنك ذنوبي
إنّي كفيلة بها
أتقاسمها بسخاء
مع من رضي الله عنهم

******

عند الغروب
أحطّ كحطام
بمطار الدار البيضاء
زادي منك:
طقم أسنان اصطناعية
نظارة طبية
وحقن من الأنسولين

ويحهم
لقد سرقوا منك
تذكرة العودة
وجواز السفر

******

كسُنبلة
يأتيها النّدى
ساعة الحصاد
أمتصّ آخر رشفة
ودونما اعتذار
أستجدي السّماء
لخطيئة أخيرة

******

من بؤرة ذاكرتي المُعتمة
يطلّ كالشروق محيّاك
يُعيدني
لرحم الدّفء
حيث أغراضكَ العاديّة
طقوسا، قدسية
وأنا الرّاهبة
الممتنّة
التقيّة
أصلّي
لكي تظلّ خطيئتي
وأظلّ العصيّة

******

تُخيّمُ
على كلّ سبيل أخذتُهُ
وكأنّكَ وجْهتهُ

فاتحة نَصّبتني
فلم أغلقتَ الكتاب؟

تَبكيكَ كلّ النّساء
بداخلي
ورجال أحببتُهم فيك
أيتام

******

على ضفّة البحر الأحمر
ودّعتك بما يليق بمُرْشِدٍ
وأنشدتُ مع أطفال
حملوا نعشك
برعونتهم:

لا موت سوى موت الحبّ
أنا لن يموت أبي.

فراشات نهاية الربيع
1

فراشة
أتعبها التِّرحال
تحطُّ على كتف اللّيل
يهُمُّ أن يسنِدها

تهرُبُ

من مَخالِبِ السّكينة

2

فراشة
باهتة ألوانُها
تحت نور خافت
تستجدي

أوَ تدري
أنّه بها
يحترقُ نورا؟

3

فراشة
تحيك الزّمن المارق
مِنديلا
يؤجّج نار الحبيب

في الموعد الأوّل

والأخير

4

فراشة
تُعير الزّهر ألوانَها

وتنتحر
قبل طلوع الفجر

5

فراشة
تهدي ألوانها
لمن يرسمُ قدرها

على لوْح قلبه

6

فراشة
تحذر أن تحرقها الشّموع
فتبتعد
و أخرى تهيم بنور القمر

وتحترق من بعيد

7

فراشة
حائرة
تحطّ، تطير،
تستحمّ في الرحيق،
تُغازل الشمس،

أم تَحتمي بالظل؟

8

فراشة
في نهاية الرّبيع

تبكي

الزّمن الضّائع
في الخوف
من المصيف

موعد لموت أكيد

غيمة
تعبر في خجل
أقف كعمود النور
أستجدي..
انسياب الضوء
على جسدي

يحدثُ
أن تستجيب
وأجرّ الخيط
كقط يلاعب
كبّة صوف
للخيط عُقد شتى
ولا صبر لي على الغزل

أرتمي كبحر
فوق البياض
كم يلزمني
من مدّ
لافتضاض المحارة؟

أقدِمُ بخطى الشك
كي لا يغتالني اليقين
أقدِم كرعشات الحمى
كهذيان
ترى ستفتح الريح
ذراعيها
حين أصل؟
أم أن الموعد
كأحلامي
دائم التأجيل

لا موعد للزلازل
يقول العابرون
وهم يُعدون
كل ليلة
مخبأ للقصيد

لا موعد
لموت أكيد

لكنني
أحلم بالنبوءة
مع كل فجر
وأندسّ
في ظل المرايا
شعاعا
يرمم بكارة الأمس

لم يكن لي أمس
ولا الغد يعنيني
لي في الحاضر
حاضر
حتى الرمق الأخير
هو الزمن الآن
حيث
تلم أنفاسها الساعات
لترتشف الندى
قبل أن يؤذن للصلاة

كُفي
عن الصلاة
ودعي ألوان الزمن
بظهر يدك
تلطخ
خطوط التيه
بكف يدي

أهيم في خط
تختلط
السبل عليه

انحني
كثدي عطوف
فالطفل الأزلي
تشققت شفاهه
من فرط السؤال

ولأنك لن…
ولأني لن…
سنتحاشى: لماذا؟

انحني
وهشمي الطين
ينساب
بين يدي
التراب
حروفا
فرحا سأبكي
برائحة التراب

يا أنت
أيقونتي اللعوب
يا قدري المرفوع
المنصوب
بكفي
جاهز للضياع
فامنحيني
طقوسا
تليق بالجحيم.

غوص البجع

كنا أربعة
نتأمل
غوص البجع بالبحيرة
نبلل الليل
بماء الضحك والبكاء
ونملأ السماء
شجنا
عربي الإيقاع

كلما احتدّ النزاع
بيننا
على إرث
ما عاد لنا
نطت قطرة دم عراقية
من ذقن
ما ألف نعومة
الشفرات الدانماركية

كنا أربعة
والحنين
فِضيّا يطفو
على سطح البحيرة
وأنخاب الخراب
حمراء عكرة
تجذبنا
كالحصى
إلى قاع البحيرة

كعادتنا
نمدّ الجسور
ونهوي
من فوقها
إرضاء
لنهم الأسماك

لا تظنن رقصتي
ابتهاجا
أو استهتارا
هي نوبة جسد
أصيب بصرع الكلام
مذ أجبروه على الصمت

تلتقط
عين أبي الهول
كل الهول
القابع
بأعماقنا
فيما ينثر
ابن عربي
حبات المحبة
والغجرية
مُدمنة الرحيل
تقيمُ في الأحبة

في حضرة السواد
ترتدي التفاهة
بياض الحكمة

أي عطش
هذا الذي
يجمعنا بالبحيرة
وأي لغة
توحدنا بالصمت
في نهار
لا ينتهي إلى ليل
نكاية في شموع
تتناسل
من غير حب

صاح عابر:
“أريد الجنسية”
ردّ الفقير مازحا
“لو كانت لي حياة جنسية
لأخذت الحياة
ومنحتك الجنسية”

عندما
تخذلنا العبارة
نقيم في المعنى

أربعة كنا
وكان الشارع
بخلاء الصحراء
من أين جاء
هذا الشرطي
ليلقننا
كيف نقف
عند الضوء الأحمر؟

“لا ضوء بالذاكرة
ولا أحمر غير دمي”
قال الفقير
وهو يعتذر
للفايْكِنْك عن بداوتنا

كنا أربعة
نعرض أمام هاملت
مسرحية عربية
كلنا فارس
وكلنا ضحية
والبخيل
من يحصي الخسارة

هي ذي
عروس البحر
تزيح عنها الحجاب
وقد استعادت
رأسها الذي
وهبه القرصان
لآلهة الظلام
قربانا

رأسي تدور
وتدور..
وأنا أصغي ل”مريانة”
تنشد العزلة
نحيلة
كنحلة
غادرها العسل
و”فاون ستين”
يوزع علينا
ثقبا من كتاب
معلنا
أن “العالم مليء
بأسرار مثقوبة”

أي سرّ يضاجع الحكاية
يا “أندرسن”
وكيف يطلع بط قبيح
من بيضة بجعة؟

كنا أربعة
نتأمل غوص البجع
بالبحيرة
نخط أسامينا
على أكفّ بعضنا
وننتشر
كالرحيل
كوبنهاجن يونيو 2007

رشفات

أسر

لماذا
كلّما اسْتهواني المَدى
يأسِرُني الجسد؟

***

كي تحيا

كما الموجُ
ينفثُ
أنفاسه الأخيرة
على الرّمل
الذي لا يرتوي
أموتُ مرّاتٍ

لكي تحيا

***

كي أحيا

أسترقُ
من شبَق
الزّمن المارق
رعشة

كيما أموتَ
من السّكينة

***

نزيف

تنزف
الروح
منّي

لا أثر
لدمائي
على
القلم

***

ماء القلب

أهو الظمأ
يجعلني
أرى الماء
حيث السّراب؟

أم هو الحبّ
بخيلٌ
بماء القلب؟

***

هسيس الفراشات

لا تكن قاسيا
على الفراشات

قد تموت
من حر أنفاسك

***

حب لاهث

لأن حبّكَ
لاهثٌ كالهروب

يُلاحقني الزّمن
بأحضانِك

***

حافة فرحي

لم يَتَجاسَر الحزن
على طرق باب
أنت خلفه

تسَلّق
حافّة فرحي

***

جشع

تُطعِمُهُ
كرز الثّغر

يَضْطَرمُ
جُوعُهُ

***

معاودة

عادَ
بعد قطيعةٍ
يأمُرُ الحبَّ
أن يُعادَ

تذعَنُ

يحضُنُ الرّمادَ

***

أجمل اللقاء

تهدِرُ النفس
في انتظاره

أجملُ اللّقاء
ما ليس يُنتظرُ

***

آخر البطولات

تُبتُ

كان اقتِحامُكَ
آخر بُطولة

اقتَرفتُ

عَلِّمْنِي اللّيل

عَلِّمْني اللّيل..

كي أرتدي وَجَعي
بأناقة
وأخْمد بكعْبي العالي
آخرَ أنفاس الخريف

***

عَلِّمْنِي اللّيل..

كي أنْقر
على وعاء الزّمن الفارغ
فيأتيني الرّواء
من فَم الصّحراء

***

علِّمْني اللّيل..

كي أنْصِت
لترْميم
ذرّات الطّين
بجسدي

***

علِّمْني اللّيل..

كي أُراقِص الأشباح
التي تُرْعِبُني
وأنام
على تَعَبها

***

علِّمْنِي الّليل..

كي أشيّد لكَ
من مَنامتي عرشا
وأغفو
تحت قدميك

***

علِّمْني اللّيل..

كي أولَدَ من حلم
وكي أعشق
موتي

عند اليقظة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى