صفحات ثقافية

‘سلطة الثقافة’

null
محمد كتيلة
المثقف والسلطة ‘ كتاب للمفكر والناقد العالمي إدوارد سعيد، قام بترجمته إلى العربية د. محمد عناني. بمهارة عالية المستوى استطاع د. عناني أن يوجز بعض الأفكار الجوهرية لسعيد في مقدمته للكتاب، ونظراً لأهمية هذه الأفكار بالنسبة لي ولفكرة هذا المقال ارتأيت أن أذكر هذه الأفكار ومنذ البداية كما جاءت في الكتاب للأمانة، لجهة الكاتب والمترجم والتي نتطلع إليها ونحرص عليها جميعاً.
ضرورة استقلال كل مثقف عن السلطة، والمثقف الحق هو من لديه أفكار يعبر عنها لغيره (أي للجمهور) في محاضرة أو مقال أو كتاب، وضرورة استمساك المثقف بقيم عالية مثل الحرية والعدالة، له ولغيره وعدم قبول الحلول الوسط فيما يتعلق بهذه القيم، خصوصاً حين يحس أنه، ما دام أقدم على الكتابة، أو على مخاطبة جمهور ما، قد أصبح يشارك في ‘الحياة العامة’ وعلى المثقف يقع عبء ‘تمثيل’ العامة في مقاومة أشكال السلطة جميعاً، لا يدفعه إلا ما يؤمن به من قيم ومبادئ إنسانية عامة، لا حزبية ضيقة، أو فئوية متعصبة، أو مذهبية متجمدة. ويُصرّ على أن ينهض في هذا كله بدور الهاوي لا المحترف، أي الذي يصدر في أفعاله عن حب لما يفعل لا من يخدم غيره.
للوهلة الأولى تبدو هذه الأفكار بسيطة وسهلة ولا لبس فيها ولا غموض ولا تحتاج إلى شرح أو تفسير،وأنا لا أورد هذا الكلام اعتباطاً أو رغبة مني في تعريف القارئ العادي ببعض أفكار إدوارد سعيد – وإن كان كذلك فهو ليس عيباً ـ بل أورده ككلام حق لا يراد به باطل. ولكن عندما تنقلب الأمور رأساً على عقب ويجد الكاتب الهاوي الذي تنطبق عليه مواصفات هذه الأفكار في مواجهة صعبة ومريرة مع سلطة من نمط جديد وليست في الحسبان أو البال والخاطر، سلطة غير سياسية، بل ثقافية ومستقلة وبعيدة عن الشبهات، حتى أنها لم تخطر على بال إدوارد سعيد، يجد الكاتب نفسه كمن يقاتل نفسه من أجل هدف سامٍ ونبيل ولكن من دون طائل.
هذه السلطة، سلطة في الظل وهي غير مرئية أو محسوسة للقارئ ولا يدري عنها شيئاً، غريبة وعجيبة في ذات الوقت، فهي من جهة لا تعمل إلا من أجل الوقوف ضد السلطات السياسية البائدة، دفاعاً عن جماهير مقموعة ومقهورة، وتناضل بشتى السبل والأشكال الثقافية من أجل كشف الحقائق وعرضها على الجماهير العريضة، وتغلب مصلحة الجماهير على مصالحها الضيقة. ومن جهة أخرى، تنسى في خضم الصراع والعمل، أنها تمارس سلطة فريدة من نوعها قد لا تعيها، وضحاياها جلهم من الكتاب المحسوبين عليها في نفس الخندق والاهتمامات المصيرية العامة!
هذه السلطة ولكونها منبثقة من طبيعة العمل وفي الحقل الثقافي كالجريدة مثلاً، تصبح مع الزمن نهجاً في العمل والتعامل مع الغير وخاصة الكتَّاب، فلا هي قمعية بالمعنى الحصري للكلمة ولا من أهدافها أن تقمع أحداً طبعاً، وهي عكس ذلك تماماً، لكنها حين لا تعير اهتماًماً أو وزناً أو لا تعطي أي اعتبار إلا للكتَّاب المحسوبين عليها أو الذين يتقاضون أجوراً محددة لقاء ما يكتبون وتَحجب عن القارئ غيرهم من الكتَّاب من خارج الوسط، تصبح هذه السلطة بهذا المعنى مساوية للسلطات السياسية وإن كانت بدرجة أقل وإن لم يكن القمع وسيلتها.
والمسألة أبعد من ذلك بكثير، فحين يرسل أحدنا مقالاًً للنشر ولا يُنشر، فتلك مسألة تخضع فيما تخضع لاعتبارات عديدة ومنها ان المقال ليس بمستوى ما يُكتب أو لانه لا يتفق مع الخط العام للجريدة لا من قريب ولا من بعيد، ولكن وبقليل من اعتبارات المهنة من الناحية الفنية والإدارية (ولا أقول الأخلاقية) يَفترِض الكاتب رد الاعتبار ولو بشيء من الاعتذار، وإذا كانت كمية المقالات المرفوضة تحتاج إلى طاقم فني وإداري للرد بالاعتذار أو غيره من أصول المجاملات والتعامل الحرفي، وهذا الطاقم أو المختص في هذا الشأن غير موجود أو متوفر أصلاً، فتلك مسألة قابلة للأخذ والعطاء من باب التحمل ومن دون تحامل، أما أن تَطلُب وبإلحاح ولأكثر من مرة من شخص مسؤول بعينه لا غيره، أن يوافيك بتحياته كما تفعل أنت، سائلاً إياه وبكل مودة واحترام إذا كان المقال سينشر أم لا ولا يأتيك الرد أبداً ولأكثر من مرة فتلك مصيبة، وأن تتصل به من بعدها ولا تلقى إلا الجواب إياه والذي اعتدنا على سماعه في كل مناحي الحياة كالكليشة الطربية والتي يجب أن نُطرب لدى سماعها وكأنها دليل صحة وعافيةً مثل(العمل فوق رؤوسنا وفوق طاقتنا ونقص في الكادر) فتلك مصيبة أكبر، وأن تتصل مرة ثالثة وتنتحل اسماً لربما يرد عليك ذاك المسؤول، وهو غير مكترث، فهذا لا يعني في نهاية المطاف، إلا شيئاً واحداً وأكيدا، أنك أمام سلطة تفرض سلطتها عليك بأدب وعليك أن تحترمها ومن دون أي مبرر وعليك أن تتقبل الأمر وكأن شيئاً لم يكن أو أن تنسى، لأن من يتعامل معك بتلك الطريقة الغريبة والمرفوضة أصلاً قد يكون شاعراً مميزاً أو كاتباً مرموقاً لا يحق لك أن تخاطبه أو أن تحاسبه أو أن تنتقده لاحقاً، وعليك أن تكون مُمْتَناً بالأساس وصاغرا،ً لأن مرتبته في الشأن الثقافي وموقعه في العمل في مستوى أعلى مما تظن!
بثقة تخلو من المجازفة ولا تفتقر إلى اليقين استطيع أن أؤكد بأن جريدة ‘القدس العربي’ باتت ومنذ زمن بعيد، صوت الذين لا صوت لهم، وبعد أن صار لها موقع على الإنترنيت تحولت إلى منبر حر للذين لا يسمعهم ولا يأبه لوجودهم أحد، من قبل السلطات الرسمية، واختزلت الجريدة نفسها لتكون وطناً عربياً صغيراً في المنفى يستوعب جميع المحرومين من أوطانهم ويرحب بهم من المحيط إلى الخليج وأبعد من ذلك، خاصة الذين يقيمون في المنفى لأسباب تتعلق بالحرية والديمقراطية، وخير دليل على ذلك كمية الردود من الجماهير العربية باختلاف مشاربهم، على الكثير من المقالات وخاصة مقالات عبد الباري عطوان.
وتجدر الإشارة هنا، إلى أن ‘القدس العربي’ كجريدة وموقع ممنوعة في غالبية الأوطان العربية، ولذلك تعتبر فسحة ملائمة لمن يجتهد ليبتعد عن السائد من الأفكار الجاهزة التي تصادر حق الفرد في الحياة وتلغي وجوده ما أمكن، وخاصة عندما تخدعه الأنظمة الماكرة في توظيف، بل قل، تجنيد بعض الأسماء اللامعة في الشأن الثقافي المزيف، ليتحدثوا باسم الجماهير، وما هم في الحقيقة، سوى رجال أمن مدججين بأفكار سامة وفتاكة، وقاتلة في الكثير من الأحيان.
وكما أننا لا نستطيع أن نتجاهل حقيقة الجرائد والمطبوعات الأخرى، التي تصدر في المنافي كافة، مثل جريدة ‘الحياة’ على سبيل المثال لا الحصر، إلا أن ‘القدس العربي’ وبرأيي، لها ما يميزها، وهذه الميزة ليست بسبب مواقفها الجريئة والحرة التي يطالعنا بها كتاب بارزون ومرموقون كالناقد والكاتب صبحي حديدي والناقد الروائي إلياس خوري والشاعر الصحافي أمجد ناصر ‘مدير تحريرها’ وغيرهم الكثير، بل لأن رئيس تحريرها عبد الباري عطوان استطاع أن يجمع بشخصه وطيلة سنوات صدور الجريدة، عملين مميزين، الواحد منهما لا يلغي الآخر ولا يتعارض معه من حيث الأهداف، فهو كرئيس تحرير، يحتفظ لنفسه بحكم موقعه في العمل بأكثر من سلطة، سلطة إدارية وأخرى تنفيذية، ومن جهة ثانية، يمارس مهنة المثقف الهاوي بعيداً نوعاً ما عن الجريدة، وهذه هي الفكرة الأساسية التي يرمي إدوارد سعيد إلى إبرازها في كتابه، ألا وهي، ضرورة استقلال كل مثقف عن السلطة، بمعنى عدم الارتباط بقيود تحد من تفكيره أو توجه مسار أفكاره، مهما تكن هذه الأفكار.
وهذا التعريف للمثقف، ينطبق تماماً على عبد الباري عطوان، لأنه لا يعمل لخدمة أحد، بل لخدمة نفسه كونه صاحب جريدة. فهو يمتلك السلطة التي تؤهله لأن يحدد الأفكار التي يرتضيها للجريدة والتي يجب أن تتوافق مع طبيعة أفكاره والخط العام الذي ابتناه للجريدة وفي نفس الوقت نراه وبشكل مستمر وبلا هوادة يمارس مهنة المثقف الهاوي والذي لا يتنازل أبداً عن الأفكار التي يدافع عنها وبصلابة، تلك التي تخص الجماهير العربية والقضية الفلسطينية بشكل خاص، وبعيداً نوعاً ما عن كونه صاحب جريدة. فتارة تراه على شاشة التلفاز وكأنه في حلبة صراع مع خصومه، مُستفِزاً نده بسخرية ترضي الجمهور وتارة مُستفَزاً (بفتح الفاء)، عندما يكون خصمه من فصيلة الذئاب المخادعة والمخاتلة والتي تراوغ من أجل تبييض وجه السلطة التي تعمل من أجلها. وفي الكثير من الأحيان تراه كمحاضر في شتى أنحاء العالم وحسب ما تسنح له الفرص، ليقول رأيه وبوضوح وصراحة، وخاصة في العدوين الأساسيين للبشرية والحضارة الإنسانية، (الولايات المتحدة وإسرائيل) ومواقفه دائماً تتطابق مع ما يكتبه للجريدة كافتتاحية أو كرأي لـ’القدس العربي’. ومن مواقفه الجريئة كمثقف هاو ما قاله يوماً في محاضرة ألقاها على مدرج الجامعة في تورنتو في كندا: علينا أن نستفيد من وجودنا في هذه البلاد، ـ ويقصد أوروبا والأمريكيتين- في قول الحقيقة كاملة وفي كشف وتعرية الأنظمة التي تقيد الحريات وحياة البشر. ولكونه خير من استفاد من وجوده في مثل هذه البلاد، أطلق العنان لحريته في التعبير عما يعتمل في داخله من تلك الأنظمة، مما جعله يشكل خطراً حقيقياً عليها بسبب مواقفه المبدئية، ممثلاً الجماهير العربية المقموعة في الدفاع المستميت عن مصالحها وطموحاتها، ولكونه لا يساوم على المبادئ، لا في القضايا الكبرى ولا الصغرى.
وسؤالي بعد كل هذه المقدمة : إذا كان عبد الباري عطوان، كونه صاحب جريدة، ناطقة باسم الجماهيرالعربية، وكمثقف هاو عليه أن يتفلت دائماً وأبداً من أية سلطة ومهما كان نوعها لكي يحتفظ بحريته في الكتابة والتعبير ودون تقييد، كيف يقبل أن ُتمارس على بعض الكتَّاب والمستقلين منهم، طريقة غير مستساغة في التعامل كما أشرت آنفاً، أي في المقدمة؟ هل هي بسبب بيروقراطية تحكم آليات العمل أم وبكل بساطة، بسبب وجود سلطة ثقافية قد لا تخطر على بال أحد، تمارس دوراً تعسفياً ومن غير نقاش؟؟ أما إذا كان مجرد أسلوب في العمل، فهو برأيي لا يليق بالجريدة ولا بصاحبها، وينبغي الالتفات إليه وأخذه على محمل الجد، وإيجاد المخرج المناسب والمطلوب، وخاصة إذا كان بعض هؤلاء الكتاب لا ينشدون من وراء الكتابة منفعة مادية، بل تحقيق أهداف مصيرية تتعلق بمسألتي الحق والعدالة. ورغم أن هذه السلطة الثقافية لا تتبدى للعيان أو للقارئ العادي، وفي ذات الوقت غير مقصودة أو متعمدة، لكنها موجودة فعلاً وقولاً، وقد تُسبب للبعض معاناة معينة، هم في غنى عنها، هذا بغض النظر عن مسألة في غاية الأهمية : عندما يختار هذا الكاتب أن يَنشر ما يكتب في جريدة مثل ‘القدس العربي’ يفعل ذلك نتيجة تمعن ودراسة لدور هذه الجريدة ومدى صلتها بالجماهير ومدى تأثيرها عليهم وقدرتها في التعبير عن قضاياها والذود عن مصالحهم لكونه ينتمي إليهم، وليس لمجرد اللهو أو حب الظهور الفارغ!
ومن المفيد هنا، لا، بل أكثر من ذلك، أن أذكر شيئاً حدث معي مؤخراً ولفت انتباهي كثيرا، أثناء إنشغالي في التفكير في هذه المسألة، ولقد انتبهت إلى ما كان يرمي إليه عبد الباري عطوان في محاضرته تلك، وبشكل مذهل. لقد أرسلت رسالة اعتراض أنا وغيري، إلى الحكومة الكندية الفيدرالية بخصوص موقفها الشائن من الاتحاد العربي العربي الكندي بوقف جميع المساعدات التي تمنحها له من أجل مساعدة المهاجرين أو القادمين الجدد في عملية الاستقرار والاندماج، نتيجة موقف الاتحاد الأخير من الحكومة الكندية على مواقفها المساندة لإسرائيل في حربها على الشعب الفلسطيني في غزة، ولقد استلمت الرد بعد يوم واحد، في رفض الاعتراض حسب كذا وكذا، لكنني وعلى الأقل، استلمت رداً على اعتراضي مع تفصيلات مملة لها علاقة بالقوانين وما شابه ذلك. وتجدر الإشارة هنا إلى مقالة الكاتب سمير جبور في ‘القدس العربي’، للاطلاع على الموضوع، بشأن الاتحاد والخلاف، بتاريخ 23/3/2009 بعنوان تغيير جذري في سياسة كندا الخارجية وحملات محمومة على الهيئات العربية.
نعم، لقد استفدت من وجودي هنا وما زلت أستفيد ويا ليتني لم أكن مضطراً لهذه المقارنة والتي على ما يبدو ليست ببسيطة، لكنها ضرورية من أجل الإنصاف وقول الحقيقة معاً.
كاتب يقيم في كندا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى