صفحات سوريةفلورنس غزلان

مناعة سورية ضد العدوى الإيرانية

null
فلورنس غزلان
رغم اليد الحديدية الضاربة والقمع المتلازم لسلطة الفقيه منذ قيام الجمهورية الإسلامية ، وما تعرض له الشعب الإيراني من تنكيل وإعدامات بالجملة وخنق للحريات العامة، وتراجع في حرية التعبير والصحافة ، بل إشرافمباشر من  السلطة على كل وسائل الإعلام، وتراجع في  القوانين المتعلقة بالمرأة التي فرض عليها الحجاب قسراً.
ظل شعب إيران  صامتاً تبدو عليه علامات الاستسلام والسلبية، لكنها سلبية النار تحت الرماد، ما أن جاءت الفرصة السانحة وأحس هذا الشعب ، الذي يملك مفاتيح الحرية الفكرية بأن إمكانية التغيير أصبحت قاب قوسين وأدنى، أو أن الأوضاع لم تعد تطاق او تحتمل مزيداً من الصمت والاستسلام لنظام المُلاة،  حتى خرجت جموعه بالآلاف تجوب الشوارع وتعلن رفضها للسائد ورفضها لممارسة القمع ولصوره البشعة وتطالب بالتغيير ، بل وصلت مطالب البعض وخاصة النساء والشباب وطلاب الجامعات وأساتذتها إلى التخلي عن ولاية الفقيه والعودة لإرادة الشعب وحكمه ديمقراطيا دون سلطة دينية تتمتع بقوة العصا الإلهية ، استقال أكثر من خمسين بروفيسورا جامعيا وتعرض الكثير من الطالبات والطلاب للقتل والضرب وحسب المصادر الفرنسية على القناة الثانية،  والتي صورت الأحداث سرياً وأجرت مقابلات و حوارات مع متظاهرين وطلاب وأساتذة ورجال أعمال رووا ماجرى وأرشفوا بإمكانياتهم الخاصة كل الأحداث،  وأكدوا أن  ضحايا العنف المتبع من رجال الباسيج يفوق الستة وعشرين ضحية ناهيك عن الجرحى وآلاف المعتقلين، بل وقف أحد الصحافيين الكنديين شاهداً حياً يروي محنة  توقيفه من قوات الباسيج راكبي الدراجات النارية ، وكيف تم ترحيله إلى أقبية وزارة الداخلية وتعرضه للإهانة والضرب المبرح ومشاهدته   لأعداد هائلة من المعتقلين راكعين على الأرض بطماشات على عيونهم وأيديهم مكبلة خلف ظهورهم وحسب قوله كان يقارب عددهم المئة في نفس القبو الذي جمعه معهم، وكيف أن بعض الطلبة انخرط بالبكاء لشدة ماتعرض له من ضرب  وركل واعتداء بالبذاءة والألفاظ الجنسية الفاضحة، وقد شبه  أحد الطلبة الخارجين توا من معتقل الداخلية هذا بقوله:” كنت في معتقل غوانتانامو”…لقد عمل طلبة الجامعة على توثيق الأحداث بصور الموبايل وبالكتابة في مواقع المعارضة…كي تبقى انتفاضتهم حيه وشاهدة  لم ولن تموت ،لأن ماجرى ليس اعتراضاً على نتائج الانتخابات وتزويرها فقط، وإنما انتفاضة على قمع دام واستمر منذ ثلاثة عقود فمعظم المتظاهرين من الشباب هم أبناء الثورة الإسلامية نفسها، إذن على النظام الإيراني أن يستيقظ من سبات قمعه وإغفاله وتهميشه لمطالب الشعب  ــ لو امتلك بعضا من العقل والعقلانية ــ وأن يأخذ بالحسبان ماجرى ومايمكنه أن يجر عليه إن لم يغير بسياسته التي لم تعد تفيد ولم يعد بإمكانه تمريرها على الشعب الإيراني.
الغريب في الأمر أن هذه الأحداث ، التي أخذت حيزاً هاماً وكبيراً من الإعلام العربي والعالمي، جاءت عربيا حسب مزاج وموقف كل دولة ونظامها من إيران وحسب علاقاتها مع إيران ، لكن الجميع باطنيا كان يخشى أن تطاله شرارة من شرارات الانتفاضة الإيرانية، ومع أن البعض حاول أن ينقل الصور القادمة من هناك وما تتداوله تلفزيونات العالم من تحليل وتفصيل يقارب الموضوعية ، ماعدا الإعلام السوري، فقد كان مع السلطة النجادية أكثر منها مع نفسها، وحاول التعمية والتغطية على المواطن السوري الذي يعرف نوعية إعلامه فيذهب بعيدا في البحث عن مصداقية الخبر لدى مواقع ومحطات أخرى ، بل لم يكتف بالتكذيب والإشادة بانتخابات إيران ونجاح أحمدي نجاد الساحق والجماهيري، وفي قمة اشتعال الأحداث كان لايخجل من التصريح “أن الهدوء يعم طهران “!، غامزاً ومشككاً  بنوايا موسوي وكروبي وكل الحشود الثائرة ، وراح على عادته بتحميل الآخر كل مايجري من مشاكل هو وأمثاله من الأنظمة  مسؤولون عنها فعمل على ربط الأحداث بالتآمر الإمبريالي الإستعماري الغربي وتدخله بسياسة وسيادة إيران الداخلية ، وسعيها  لإذكاء نيران الفتنة والتخريب والنيل من هيبة الدولة واستقرار المنطقة، بل  وليضرب محور ” الممانعة”!
ووصل الأمر ببعض الأبواق لتهم موجهة للمتظاهرين وللتشكيك بنواياهم وبوطنيتهم وارتباطهم بأمريكا أو بريطانيا كما هي الحال حين أمر باعتقال ابنة رفسنجاني والاقامة الجبرية التي فرضت على السيدة زهرة موسوي وزوجها ومحاولة النيل من خطابها الحضاري وتفسيره على أنه إملاء غربي الأفكار!. سبق وقال المثل ” إذا لم تستح فافعل ماتشاء “، وهذه الأبواق لاتخجل وهي ترتكب  الزنا الفكري بحق آلاف الناس المطالبين بالحرية والنساء المطالبات بأن يعاملن كبشر لا كموضوع متعة وجنس ورحم للإنجاب، فلو امتلك هذا البعض روحاً وطنية لوقفوا على الأقل مع
النساء السوريات ضد قانون الإجحاف والظلم والتفريق والتشرذم وتكريس الطائفية،( قانون الأحوال الشخصية)،  أو مع المرأة العراقية المذبوحة والمقتولة تحت كل الذرائع ومثلها المرأة الإيرانية، لكن أبواق الأنظمة لاتعرف سوى تحريف وتزوير وتدوير الحقائق لصالح أنظمة الاستبداد والقمع حتى لو ظلمت ابنته أو أخته طالما أنها تدفع ! فاي ضمير وأي علمانية وأي حرب على الطائفية يدعيها ويتشدق بها أمثال هؤلاء؟!.
لكن الأكثر غرابة هو شعبنا السوري، المقموع حتى النخاع والمُجَيَّش والخاضع الخانع ، المُجَّوَع والعطشان ، والمصاب بعاهات الفساد ووباء الانحطاط الفكري والإجتماعي وبأسوأ قوانين توجد على وجه الأرض لايشبهها إلا قانون الوهابية السعودية وقانون طالبان…لم تبدر منه ولا من نسائه سوى بعض أصوات جريئة لكاتبات ومناضلات وكتاب وصحافيين ، يخرج مشروع قانون الأحوال الشخصية وما جرى له من تعديل أتى أردأ وأسوأ من الأصل! ، لكن نساءنا يغمضن العين ويضعن رؤوسهن في الرمال ويرضين بالذل والهوان!، بينما تقف على مرمى حجر منها المرأة الإيرانية المقموعة المهانة مثلها،  تخرج منتصرة لأنوثتها رافضة لتشييئها ترفع الحجاب وتصرخ وتموت وتتعرض للإهانة والضرب…هل مات الحس والفكر والقدرة على المقاومة من أجل الحق عند المرأة السورية؟ لماذا خرجت المرأة الجزائرية وظلت تخرج إلى أن تم تغيير قانون المدونة الخاصة بالمرأة؟ ولماذا فعلت مثلها المرأة المغربية إلى أن غيرت في مدونتها واستطاعت أن تصل لحقها في منح أطفالها الجنسية والحصول على مكتسبات لا تحلم بها المرأة السورية، ومثلها المرأة المصرية….إلا نحن …إلا المرأة السورية….إلا الإنسان السوري؟!!!
ألم يعد ينجب الوطن السوري نساء مثل :” ماري عجمي أو عادلة بيهم ، أو لبيبة قاسم…وغيرهن كثير ، ولا أستطيع إلا أن أقول مازالت سورية قادرة وتحوي بين جدرانها ــ  التي تزيد ضيقاً وتضييقاً على الإنسان ــ الكثير من الأصوات النسائية، لكنها قليلة وتحتاج للدعم والرفد من منظمات حقوقية وإنسانية وأحزاب سياسية ، وشخصيات وطنية وصحافة وإعلام حر وموضوعي ومواقع ألكترونية علمانية وديمقراطية ورجال دين متنورين، ينتمون وينتصرون للوطن وللإنسان فيه.
أعلم أن التدجين اليومي بالمدارس والمساجد والمعاهد والجامعات، والفساد وشراء الموالاة والضمائر قد فعل فعله خلال أربع عقود من الزمن، وأن سلسلة القمع والترهيب والسجون استمرت منذ القرن الماضي وعادت مسيرتها لتتجدد بحلل مختلقة مزركشة تناسب نظام الممانعة
بعد أن غير ثوب الصمود والتصدي(لأنه صار مصدي) ، أي  تآكل وأصابه الصدأ، لكن الغضب يحتدم في الصدور يقتل القلوب وسينفجر عاجلاً أم آجلاً ، للصبر حدود ياشعب سوريا …للصبر حدود يانساء سوريا..آن الأوان  لنخرج  للهواء ولنتنفس حرية؟!.
باريس 27/06/2009
خاص – صفحات سورية –

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى